السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » من مظاهر الغلو في الدين

من مظاهر الغلو في الدين

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده… وبعد:
فإن الغلو في الدين من الأمور التي نهى الله عنها في كتابه فقال سبحانه: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق.
وحذر منها رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: “هلك المتنطعون”. رواه مسلم.
والغلو هو مجاوزة الحد، فالغالي يوصف بالتشدد في أخذه للدين وبالعنف في معاملته للآخرين وبالتنطع في القيام بالأعمال الشرعية، وفي هذا يقول صلى الله عليه وسلم : “إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”. رواه أحمد والنسائي.
وهذا المرض الخطير الذي تعاني منه بعض المجتمعات المسلمة له ظواهر عديدة. منها:
1- الغلو في مفهوم الجماعة والتعصب لها وجعلها مصدر الحق والغلو في علمائها.
2- الغلو في وصف المجتمعات المسلمة بأنها مجتمعات جاهلية.
3- الغلو في التكفير بالمعصية وتكفير الحاكم والمحكومين والخارج عن الجماعة عند هؤلاء.
4- الغلو في التشديد على النفس وعلى الناس وتحريم الطيبات.
5- الغلو في تحريم الصلاة في مساجد المسلمين وتعطيل صلاة الجمعة واعتزال المجتمعات والهجرة منها.
6- الغلو في تحريم العمل في الوظائف الحكومية مطلقا.
ونظرًا لخطورة هذا الأمر نقف عند بعض ظواهره التي عمت بها البلوى في مجتمعنا، والتي تتمثل في التعصب الأعمى لها وجعلها مصدر الحق، والغلو في علمائها وقادتها.
إن المتأمل في النصوص الشرعية يجد أن الله عز وجل أمرنا بالاجتماع ونهى عن التفرق والاختلاف، فقال سبحانه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وقال سبحانه: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء، وجاءت الأحاديث النبوية تحض على الجماعة وتأمر بها، من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة”. رواه البخاري، وقوله صلى الله عليه وسلم : “من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه”. رواه الترمذي.
فما المقصود بالجماعة في تلك النصوص؟؟
إن تحديد المقصود بالجماعة من الأمور الهامة جدًا حيث تحزَّب أقوام، وبايعوا واحدًا منهم، وزعموا أنهم الجماعة المرادة في تلك النصوص فأتوا من قبل فهمهم السقيم.
إن للعلماء في مفهوم الجماعة في تلك النصوص خمسة آراء هي:
1- الجماعة هي السواد الأعظم من المسلمين، وبهذا قال أبو مسعود الأنصاري، وهو قول الشاطبي في الاعتصام حيث قال: “يدخل في الجماعة علماء الأمة وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم”. {الاعتصام: ج2 ص261}.
2- المراد بهم أهل الحل والعقد في كل العصور. قاله ابن بطال والكرماني، فهم أئمة العلماء المجتهدين أهل الفقه والحديث، ولهذا قال البخاري: باب: {وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم}، فعلماء الأمة لا يجتمعون على ضلالة، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : “لا تجتمع أمتي على ضلالة”. وإلى هذا القول ذهب ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف.
3- الجماعة هم الصحابة على وجه الخصوص دون من بعدهم، لأنهم هم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده.
4- الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا اختيار الإمام الطبري رحمه الله.
5- الجماعة هي أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر وجب على غيرهم اتباعهم.
هذه هي أقوال العلماء في مفهوم الجماعة، فهل ترى فيها أخي غير أن المسلمين إذا اتفقوا على إمام شرعي صاروا جماعة وجب لزومها وعدم مفارقتها، فما شأن الذين تحزبوا وبايعوا دون إجماع من الأمة على حزبهم ولا بيعتهم، والجماعة في النصوص مجموعة أركان وليست مجرد كيان، فقد يكون الإنسان الجماعة إذا كان هو الملتزم الوحيد بأوصافها، يقول ابن مسعود رضي الله عنه: “إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك”. فإذا جاء الأمر بالجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه.
ويقول الآجري رحمه الله في كتاب الشريعة: علامة من أراد الله به خيرًا سلك طريق الكتاب والسنة وسنة الصحابة ومن تبعهم بإحسان وما كان عليه أئمة المسلمين في كل بلد كالأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وابن حنبل والقاسم بن سلام، ومن كان على مثل طريقتهم.
والغلو في مفهوم الجماعة وقع في العصر الحاضر من بعض الجماعات التي اعتقدت أن جماعتهم هي جماعة المسلمين الواجب التزامها دون غيرها.
وأنزلوا الأحاديث الواردة في الجماعة على جماعتهم، وتلك هي الفتنة العظمى في بلاد المسلمين.
ترتب على هذا الفهم السقيم لمفهوم الجماعة الغلو والتعصب للجماعات، فالانتساب الذي يفضي إلى بدعة أو معصية فهذا محرمٌ، بعكس الانتساب الذي لا يفضي إلى التعصب كانتساب الرجل إلى قبيلة مع الالتزام بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
وترتب على هذا الفهم أيضًا أن هؤلاء يعتبرون جماعتهم مصدر الحق فهم يحبون ويبغضون لأجل جماعتهم إذ قبول الحق عندهم طريقه الجماعة والحزبية لا طريق الكتاب والسنة.
كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وفرق كبير بين الإمامة العامة التي يجب على كل مسلم طاعة الخليفة أو الإمام فيها وفي ذلك يقول إمام الحرمين رحمه الله (الإمامة رياسة تامة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا) أما الإمام للجماعة الخاصة فليس إلا قائدًا لطائفة قيادة مؤقتة فلا يرقى إلى مرتبة إمام المسلمين ولو ادعى ذلك أو بايعه أصحابه على ذلك. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة: “الإمامة ملك وسلطان ولا يعتبر الملك ملكًا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تتعدى موافقة غيرهم”.
وبناءًا على ذلك فإن قائد الجماعة ليس بالإمام الأعظم وليس له من الحقوق مثل ما لهم ولا تجوز مبايعته على إمامته للمسلمين فيا ليت الذين يتحدثون عن البيعة يعرفون تلك الحقائق إذ البيعة تعني عقدًا بين الإمام والأمة لا تصح لإمام الجماعة الخاصة لعدم توافر شروط صحة البيعة فيه لأن من شروطها:
1 أن تتوفر شروط الإمامة في الشخص المأخوذ له البيعة.
2 أن يكون المتولي لعقد البيعة أهل الحل والعقد فلا عبرة ببيعة غير أهل الحل والعقد، وفي ذلك يقول عمر رضي الله عنه من بايع رجلا من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ومن بايعه.
3 أن يتحد المعقود له بحيث لا تنعقد البيعة لأكثر من واحد وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : “فوا ببيعة الأول فالأول” رواه البخاري.
وهذا معناه أن الذين يتحدثون عن البيعة العامة في وجود ولي أمر للبلاد لا يعرفون ما يقولون، وإذا قال قائل منهم: نحن لم نبايع ولي أمر البلاد، قلنا: وهل ما بايعتم عليه من اجتماع من أهل الحل والعقد؟ وما معنى من وجود بيعتين في آن واحد؟ وهل تعرفون الفرق بين البيعة العامة والخاصة؟ فالبيعة الخاصة تنطوي تحت البيعة العامة عند تعارض البيعتين، فإن الكبرى هي المعتبرة، وإذا ظلم ولي الأمر أو طغى فلا سمع له ولا طاعة فيما فيه معصية، مع عدم جواز خلعه إذا أدى ذلك إلى مفسدة؛ فمراعاة المصالح والمفاسد من أصول الشريعة.
ومن هنا يتضح لنا عدم خلع السلف الحجاج ابن يوسف رغم ظلمه.
والله من وراء القصد.

-- إعداد: أسامة سليمان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*