الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » دارنا دار الإسلام وإمامنا إمام المسلمين

دارنا دار الإسلام وإمامنا إمام المسلمين

الحمد لله رب العالمين, هدانا للإسلام, وأرسل إلينا سيد ولد آدم, وأنزل علينا كتابه المهيمن, فنسأله تعالى التوفيق لما يحب ويرضى, والحفظ مما يكره ويسخط.
وغير خافٍ على كل مسلم أن الإسلام هو السنة, والسنة هي الإسلام, ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر, والأساس الذي تبنى عليه الجماعة هم أصحاب محمد (, وهم أهل السنة والجماعة, فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع, وكل بدعة ضلالة والضلالة وأهلها في النار (1).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا عُذر لأحد في ضَلالة ركِبَها حَسبها هدى, ولا في هدى تركه حسبه ضلالة, فقد بينت الأمور, وثبتت الحجة, وانقطع العذر”(2).
ومن هذه الضلالات ما تقوم به هذه الفئة الضالة, من بدع أضرَّت بالدين وأهله, وأهلكت الحرث والنسل والله لا يحب الفساد, قتلوا, وفجّروا, وكذبوا, وزوَّرُوأ, كل ذلك باسم الجهاد, والانتصار للدين, وخابوا وخسروا, فما أفعالهم إلا أفعال أهل الزيغ والضلال, وما أقوالهم إلا أقوال المفتونين الصادين عن سبيل الله وهم يحُسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ألم يخرجوا على إمام المسلمين وينقضوا بيعته, بل ويبايعوا أحدهم تحت أستار الكعبة, ألم يجهزوا السلاح والعتاد وأدوات التفجير, ألم يخططوا لقتل رموز المجتمع, ألم يقتلوا أنفسهم بالانتحار, كل ذلك طلباً للشهادة في سبيل الله كما يزعمون, ولقد رتب الشارع الحكيم عقوبات صارمة على الخروج على الإمام؛ لما في الخروج عليه من المفاسد العظيمة فجاءت الأحاديث الصحيحة بترتيب العقوبة الدنيوية والأخروية على الخارج عن طاعة إمام المسلمين.
أما العقوبة الأخروية فمنها:

1- أن المفارق للجماعة قد خلع رِبقة الإسلام من عنقه, وذلك أن الإسلام كالطوق في العنق, فإذا فارق المسلم جماعة المسلمين انفلت الطوق الذي كان محفوظاً به, وأصبح كالدابة التي انفلت زمامها فكانت عرضة للهلاك والضياع, قال النبي ( : “من خرج من الجماعة قيد شبر, فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع…”(3).
2- أن من مات خارجاً عن الطاعة مات ميتة جاهلية أي كحال أهل الجاهلية.(4)
3- أن من فارق الجماعة فإنه لا يسأل عنه, أي أنه من الهالكين, لحديث فضالة بن عبيد, عن رسول الله ( أنه قال: “ثلاثة لا تسأل عنهم, رجل فارق الجماعة وعصى إمامه, ومات عاصياً” (5)
وأما العقوبة الدنيوية:

فهي القتل إن أصَّر على هذا الجُرم ولم يرجع عنه, لقول النبي ( : “إنه ستكونُ هَنات, وهَنات, فمن أراد أن يُفرق أمر هذه الأمة وهي جميع, فاضربوه بالسيف كائناً من كان” وفي رواية “فاقتلوه” وفي رواية “من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم, أو يفرق جماعتكم فاقتلوه”(6)
قال الإمام النووي رحمه الله: “فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام, أو أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك, فإن لم ينته, قوتل, وإن لم يندفع شره إلا بقتله, فقتل, كان هدراً “(7)
وأهل السنة والجماعة يعتقدون بأن للإمام حقوقاً نص الله تعالى عليها في كتابه العزيز ونص عليها النبي ( وأن القيام بها حتمي لا يسمح بالتقصير فيه.
فمن حقوق الإمام:
1- البيعة له: فيبايعه أهل الحل والعقد ثم عموم المسلمين ممن تيسر حضورهم, ويكون ذلك ملزماً لكل مسلم.
والبيعة هي: العهد على الطاعة, أي أن المبايعين يسلمون للإمام النظر في أمر أنفسهم, وأمور المسلمين لا ينازعونه في شيئ من ذلك, ويطيعه الجميع فيما يكلفهم به من أمر في المنشط والمكره, بشرط أن لا يكون الأمر بمعصية الله.
2- السمع والطاعة له في غير معصية الله : وهذا الحق أجمع عليه أهل السنة والجماعة , وأودعوه في كتب العقيدة, التي يربون بها الناس صغاراً وكباراً, وهو حق لم يترك الشارع استنباطه للناس بل نص عليه الله عز وجل في كتابه الكريم , ونص عليه الرسول ( في سنته, حتى لا يبقى مجال للخلاف, قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ( الآية ( النساء (59) ) وعن عبدالله عمر رضي الله عنهما – عن النبي ( أنه قال : “على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية , فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة” (8)
قال العلامة المطهر في شرح الحديث : “يعني : سمع كلام الحاكم وطاعته , واجب على كل مسلم سواءً أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه , بشرط أن لا يأمر بمعصية , فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام” (9)
3- الصبر على جوره : فإذا ابتلي المسلمون بإمام جائر فإن الصبر على جوره هو سبيل المؤمنين , وطريقة أهل العلم والدين.
قال النبي ( : “من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبراً, فمات , فميتة جاهلية”(10)
وقال الرسول ( : “إنها ستكون بعدي أثرة , وأمور تنكرونها , قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال : تؤدونا الحق الذي عليكم , وتسألون الله الذي لكم” (11)
4- النصح له : عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي ( قال : “الدين النصيحة , قلنا : لمن, قال : لله ولكتابه ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم” (12)
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله : “وأما النصيحة لأئمة المسلمين : فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم , وحب اجتماع الأمة عليهم, وكراهة افتراق الأمة عليهم, والتدين بطاعتهم في طاعة الله عز وجل , والبغض لمن رأى الخروج عليهم, وحُب إعزازهم في طاعة الله عز وجل” . (13)
قال سهل بن عبدالله التستري رحمه الله : “هذه الأمة ثلاث وسبعون فرقة , اثنتان وسبعون هالكة كلهم يبغض السلطان , والناجية هذه الواحدة التي مع السلطان” . (14)
5- توقيره واحترامه : وهذا الحق رعاه الشارع الحكيم , قال النبي (: “إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي والجافي عنه , وإكرام ذي السلطان المقسط” (15)
قال أبو الدرداء رضي الله عنه : ” إن أول نفاق المرء طعنه على إمامه” (16)
وبعد أيها القارئ الكريم, فهذا هو منهج أهل السنة والجماعة في ما يجب للإمام , ومن تأمل التاريخ عَلِمَ أن أكثر مصائب المسلمين إنما هي من جرَاء التفريط فيما قرره الشرع المطهر في هذا الباب الخطير.
أسأل الله عز وجل أن يحفظ على المسلمين دينهم وأمنهم, وأن يؤلف بين قلوبهم, ويجمع كلمتهم على الحق, كما اسأله سبحانه أن يرد كيد الكائدين إلى نحورهم, وأن يكفينا شرورهم, وأن يهدي ضال المسلمين إنه سبحانه خير مسئول, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحاشية:

(1) أخرجه النسائي في (3/188 – المجتبى ) من حديث جابر بن عبدالله.
(2) أخرجه ابن بطه في (الإبانه الكبرى) 162 من طريق الأوزاعي.
(3) أخرجه أحمد في المسند (4 / 130 , 202) من حديث الحارث الأشعري.
(4) (3 / 1478) من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما.
(5) أخرجه أحمد في المسند (6 / 19).
(6) أخرجه مسلم في الصحيح (12 / 241 , 242) مع النووي.
(7) المصدر السابق.
(8) أخرجه البخاري ومسلم (3 / 1469) في صحيحهما (13 / 121 فتح الباري).
(9) نقله المباركفوري في (تحفة الأحوذي) (5 / 365).
(10) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما (13 / 5 فتح الباري) مسلم (3 / 1477) وحديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(11) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما (13 / 5 فتح الباري) مسلم (3 / 1472).
(12) أخرجه مسلم (1 / 74).
(13) جامع العلوم والحكم (1 / 222).
(14) نقله عنه أبو طالب المكي في قوت القلوب (2 / 242).
(15) أخرجه أبو داوود في سننه (ص 684) دار السلام.
(16) البيهقي في الشعب (7 / 48) من حديث أبي موسى الأشعري وابن عبد البر في التمهيد (21 / 287).

-- عبدالله بن صالح بن عبدالحميد آل الشيخ

التعليقات

  1. العباسي الهاشمي

    تحتاجون للتجرد لله وقراءة سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وقراءة كلام الله عز وجل والله العظيم إن كلام الله لينصر من سميتموهم بالمتطرفين والسنة طبق لهم ولأفعالهم والله ما تعلمت التطرف من أحد إلا من كلام الله وسنة نبيه وكلامه

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*