الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » التحذير من التكفير ومن التسرع فيه

التحذير من التكفير ومن التسرع فيه

الكفر عند أهل السنة والجماعة ومخالفِهم :
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له…. أما بعد..
فهذا الموضوع في الحقيقة هو نتيجة البحث في الإيمان من حيث مسماه وتعريفه وأركانه وزيادته ونقصانه، بل وعلاقته بالإسلام في حالي الاجتماع والافتراق، ولذا تحتم بيانه والتأكيد على خطره، إذ الناس فيه على طرفي نقيض، ما بين مغرق في التكفير، وما بين متساهل فيه فلا يكفر أحدًا نطق بالشهادتين، والحق وسط بين
وتكمن أهمية الموضوع في الآتي :
1 أن أهمية البحث في موضوع الكفر وبيانه تتمثل في وجوب الحذر منه والبعد عنه فهو علامة شقاوة العبد في الدينا والآخرة. وهو أيضًا أعظم الذنوب والآثام وأشدها خطرًا وأعظمها وقعًا وأثرًا. وهو أخوف ما يخافه ويحذره المؤمنون وفي ذلك نصوص متكاثرة جدًا منها قوله تعالى في سورة المائدة: ( ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ).
وفي سورة النساء يقول عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله الكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا).
ويقول سبحانه في سورة البقرة: ( ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل ).
2 ومن أهمية موضوع الكفر أن عاقبته في الآخرة خلود صاحبه في النار ودوام عذاب جهنم عليه فيها أبدًا، حيث نص الله على ذلك الخلود المؤبد له في عذابه في ثلاثة مواضع من كتابه المنزل.
أولها في آخر النساء حيث قال عز وجل: ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا # إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ).
وفي آخر الأحزاب يقول سبحانه: ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا # خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا ).
وفي آخر سورة الجن قال سبحانه: ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) .
رتب الله على الكفر من العذاب الشديد. والسعير السرمدي وسخطه وعقوبته ما يضيق هذا المختصر عن تعداد أنواعه المذكورة في كلامه سبحانه، واكتفى بقوله تعالى من سورة فاطر: ( والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ).
3 ومن أهمية هذا الموضوع؛ موضوع الكفر أنه قسيم الإيمان في مسألة الأسماء والأحكام على العبد في الدنيا مؤمن هو أم كافر ثم حكم ذلك المترتب عليه في الآخرة أمن أهل الجنة أم من أهل النار؟.
وقد نبه إلى ذلك علماء الإسلام في تصانيفهم ومؤلفاتهم في موضوع الإيمان والرد على المرجئة من جهة والرد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة من جهة أخرى.
ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في “الكيلانية” 12-468 ضمن الفتاوي في معرض بيانه لموضوع الكفر والتكفير وعلاقته بالهدى، وأسبابه ودواعيه، ومنهج المبتدعة فيه قال “فصل: إذا تبين ذلك فاعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة، والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا؛ فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان…”!
ونحو هذا ما لخصه الحافظ ابن رجب في شرحه لحديث جبرائيل في الإسلام والإيمان والإحسان حيث يقول:
“وهذه المسائل: أعني مسائل الأسماء والإيمان، والكفر والنفاق، مسائلُ عظيمة جدًا؛ فإن الله عز وجل علق بهذه الأسماء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة والنار.
والاختلافُ في مسمياتها أولُ اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم.
ثم حدث بعدهم خلاف المعتزلة وقولهم بالمنزلة بين المنزلتين.
ثم حدث خلاف المرجئة وقولهم: إن الفاسق مؤمن كامل الإيمان.
وقد صنف العلماءُ قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة …”
أيها الأخوة
هذا طرف مهم من أهمية موضوع الكفر والإيمان، والتبصر فيهما، وتعلم مسائلهما، وإدراكُ ذلك إدراكًا جيدًا، مع الحذر الشديد من الانزلاق في مهاوي التكفير والتبديع والتفسيق أو الحكم على المعين بكمال إيمان أو جنة أو نارٍ إلا من شهد له النص الشريف من الوحيين بذلك، فهذه قاعدة أصلية من قواعد أهل السنة والجماعة؛ بل ومن أصول عقائدهم.
كذلك الحذر من عدم تكفير من كفره الله وكفره رسوله صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من أهل المل الكافرة يهود أو نصارى أو مشركين أو أهل نفاق أو ردة عن دين الله عز وجل بإتيان ناقض من نواقض الدين، وهي التي اعتنى بها العلماء.
فيجب على المسلم .. لا سيما طالب العلم. حفظ هذا الأصل العظيم لدى أهل الإسلام.
وفق الله الجميع لذلك، وهدانا وإياكم إلى سواء السبيل، والصراط المستقيم وألزمنا كلمة التقوى ومنهاج النبي وأصحابه، وجادة علماء الإسلام الراسخين، وهدى ضالنا ورده إلى جادة الحق ردًا جميلا.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
سبحان ربك رب العزة عما يصفون

-- علي عبد العزيز الشبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*