الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » الغلو والإرهاب

الغلو والإرهاب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يقول الإمام الطبري – رحمه الله – : (وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلو بالترهب، وقِيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها).

فأهل الإسلام وسط في الملل لا غلو فيهم ولا جفاء فيعبدون ربهم كما أمرهم الله سبحانه وتعالى وكما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويتعاملون مع الخلق بميزان الشرع ويحسنون إليهم بأنواع الإحسان التي جاء بها الإسلام، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجه أمته توجيهاً حكيماً فقال: (إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) أخرجه الإمام أحمد.

ويقول صلى الله عليه وسلم : ( إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلجة) متفق عليه، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (.. إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه.

والغلو في الشيء هو مجاوزة الحد فيه، والغلو في الدين مجاوزة الحد فيه، والغلو في الأشخاص مجاوزة الحد في تعظيمهم وهكذا، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الغلو في الدين هو مجاوزة الحد فيه بأبلغ بيان حين قال صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي ثعلبة الخشنى رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها وحرَّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها)، وفي هذا بيان شافٍ لوسطية ملة الإسلام، وتحذير من أنواع الغلو، ألا وهو الغلو في الدين، فبين أن دين الله إما فرائض واجبة الأداء على الأفراد بأعيانهم أو على مجموع الأمة يجب أن يقوم بها مَنْ يتأدى بهم الفرض، فهذا النوع من الدين يجب الحرص على فعله بهيئته في وقته والحذر من تضييعه، وهناك بقية الدين فيما سوى الفرائض وهي إما مستحبات أو مباحات، أو منهيات أو مسكوت عنها، فالمستحب والمباح لهما حد لا يجوز للمسلم أن يجاوزه ولذا قال : ( وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها ) ومما حده سبحانه المستحبات والمباحات، فإنها وإنْ كانت مطلقة من وجه، فإن لها حدوداً يجب على المسلم أن يقف عندها ولا يجاوزها وإلا كان غالياً في دينه،
وقد وقع هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فعالجه أبلغ علاج وأنجعه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراش – وهذا منهم على وجه القربة – فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) أخرجه البخاري ومسلم.

وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ) قَالَهَا ثَلَاثًا.

يقول ابن المنير – رحمه الله – : ( رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة) أ.هـ.

والغلو أو التطرف، تارة يكون في الدين وهذا منهي عنه، وتارة يكون في محاربة الدين وهذا تطرف مقابل، ومعلوم أن هذين طرفا نقيض والعلاقة بينهما أن كل واحد منهما يغذي صاحبه، فالغلو في محاربة الدين ينتج غلواً في الدين وتنطعاً فيه وكذا العكس.

ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وأمة الإسلام وسط بين الأمم، والغلاة ليسوا متمسكين بالدين على الحقيقة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمثال هؤلاء : ( فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه.

ويقابلهم من أعرض عن الدين بل وحاربه فهذا تطرف في الجفاء عن الدين وقد ينتج عنه أنواع من الإرهاب الفكري أو المسلح، أو يكون هو سبباً في نمو الإرهاب كردة فعل لهذا النهج الخاطئ الضال.

والإسلام قد جاء ببيان شافٍ في محاربة الإرهاب بصوره السيئة ويتضح ذلك حين نرى الشرع المطهر قد صنف أعمالاً ضمن أشد
الأعمال جرماً وهي الآن تعد من الإرهاب ومن تلك الأعمال:
1- القتل العمد العدوان لمعصوم الدم: وهذا محرم مؤكد التحريم وجزاؤه في الإسلام القتل.
﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ﴾، ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا ﴾، ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ ﴾.

2- الإفساد في الأرض، بقطع الطريق وترويع الآمنين ويدخل فيه التفجيرات واختطاف الطائرات والسفن والقطارات وغيرها: وهذا من
كبائر الذنوب وجزاؤه مغلظ إما القتل أو الصلب أو تقطع الأيدي والأرجل من خلاف أو السجن زيادة على عذاب الله يوم القيامة.
﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.

3- محاولة تغيير النظام بالقوة مع شرعية الحاكم وهذا من الكبائر وعقابه القتل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) أخرجه مسلم.
وهذا من حرص الإسلام على المحافظة على النظام العام في المجتمع الإسلامي.

4- السرقة: وجزاؤها في الإسلام قطع اليد ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.
وغير هذا كثير لذا نجد أن هذا التشريع الإلهي هو الصالح فقط لأن يطبق في جميع الأرض على اختلاف الطبقات والدول واللغات والأعراف وأنه متى طبق سعدت البشرية وأمنت.

وفّق اللَّـه الجميع للفقه في الدّين والالتزام بسنةِ سيد المرسلين وصلى اللَّـهُ وسلم وبارك على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

-- سماحة الشَّيخ العلامة عبد العزيز آل الشَّيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*