السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » مفاسد التطرف والغلو في الدين

مفاسد التطرف والغلو في الدين

التطرف: هو مجاوزة حد الاعتدال.
والغلو تجاوز الحد، قال النووي : الغلو هو الزيادة على ما يطلب شرعا .
وقال ابن حجر : هو المبالغة في الشيء ، والتشديد فيه بتجاوز الحد.
ولذا يمكن القول : إن الغلو تجاوز ما أمر الله – تعالى – من جهة التشديد.
والإسلام يدين التطرف والغلو بجميع أشكالهما وصورهما.
 لأن التطرف ليس من شأن الإسلام في شيء فالإسلام دين وسط، كما يقول تعالى:( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ).
وقد نهى الإسلام عن الغلو لقوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ).

مفاسد الغلو والتطرف:
1-  الغلو بدعة:
عن العرباض – رضي الله عنه – قال: صلى بنا رسول الله  –  صلى الله عليه وسلم  – الصبح ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا، قال: “أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا مجدعا، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة”( 1).
قال ابن تيمية: ”  ففي هذا الحديث أمر المسلمين باتباع سنته، وسنة الخلفاء الراشدين، وبين أن المحدثات – التي هي البدع التي نهى عنها – ما خالف ذلك( 2).
2-  الغلو في الدين من أسباب هلاك الأمم:
 قال تعالى محذرا من الغلو: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ}(3 ).
وروى ابن عباس أن رسول الله –  صلى الله عليه وسلم  – قال غداة العقبة: القط لي حصا، فلقطت له سبع حصيات، هن حصى الخذف، فجعل يفيضهن في كفيه ، ويقول: ” أمثال هؤلاء فارموا، ثم قال: أيها الناس ، إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين”( 4).
3  – الغلو من مشابهة غلاة النصارى :
قال تعالى عن غلاة النصارى: { رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} ، قال ابن الجوزي: أي: جاؤوا بها من قبل أنفسهم، وهي: غلوهم في العبادة، وحمل المشاق على أنفسهم في الامتناع عن المطعم والمشرب والملبس والنكـــاح، والتعبد في الجبال، { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} : أي: ما فرضناها عليهم( 5).
4-  أنه يناقض سماحة الإسلام:
كان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه حين يبعثهم : “يسروا ولا تعسروا ” وقال –  صلى الله عليه وسلم  – لعلي ومعاذ – رضي الله تعالى عنهما – حين وجههما إلى اليمن: ” يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا”( 6).
ووصف النبي –  صلى الله عليه وسلم  – الرسالة التي بعث فيها بالحنيفية السمحاء ، حيث قال : “بعثت بالحنيفية السمحاء” . قال ابن تيمية: الحنيفية ضد الشرك، والسماحة ضد الحجر والتضييق . ( 7)
5-   أنه من أسباب التنفير من الدين:
قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم :” إن منكم منفرين”.
6-   أنه سبب للخروج عن الدين:
وقد يكون الغلو في الدين أحد أسباب الخروج عنه، فعن أبي سعيد الخدري قال: ثم بعث علي – رضي الله عنه – وهو باليمن بذهبـــة في تربتهـــا إلى رسول الله –  صلى الله عليه وسلم  – فقسمها رسول الله –  صلى الله عليه وسلم  – بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان، قال: فغضبت قريش، فقالوا: أيعطي صناديد نجد، ويدعنا . فقال رسول الله –  صلى الله عليه وسلم  – :” إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم” . فجاء رجل كث اللحية، مشرف الوجنتين، غائر العينين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد . قال: فقال رسول الله –  صلى الله عليه وسلم  – ” فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض، ولا تأمنوني” . قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : “إن من ضئضيء هذا قوما، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد”( 8).
———
•  هذه المادة مستفادة من (التطرف في الدين – دراسة شرعية) ، للدكتور محمد الطبطائي، من أبحاث المؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب.

===========================
( 1)   رواه ابن حبان (1/179)، حديث:5 ، وأبو داود (4/200) حديث:4607 ، والمستدرك (4/200)، حديث: 332، قال ابن القيم: هذا حديث حسن إسناده لا بأس به، إعلام الموقعين( 4/140).
( 2)   مجموع الفتاوى (31/37).
( 3)   المائدة/77.
( 4) رواه ابن ماجة (2/1008)، حديث: 3029 ، والنسائي ( 5/268)، حديث: 3057، وابن حبان (9/183)، حديث: 3871، والبيهقي في السنن الكبرى (5/127)، حديث ( 9317).
( 5) زاد المسير (8/176).
( 6)  صحيح مسلم ( 3/1359)، حديث: 1733.
( 7)  مجموع الفتاوى (20/114).
( 8)  صحيح  مسلم (2/741-742).

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*