الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » من يحق له التكفير؟

من يحق له التكفير؟

تمهيد :
تكاثرت الحوارات والنقاشات مع الجماعات المنحرفة في باب التكفير وكثُرت المداخلات والبحث عن الإلزامات والإسقاطات ، ومذهبهم الفرح بكل مايحملُ إشارة إلى تصحيح ما يقومون به من جرائم ومنكرات حتى لو كان قصةً تأريخية مجهولة الأسانيد ، ويتركون في المقابل صريح القرآن الكريم وصحيح السنة ومذهب السلف الصالح .
 .. في هذا الموضوع نُحاول سدّ الطريق عن مزيد تشعباتٍ وحتى يدرك من لديه ديانة منهم أن الأمر عظيم وجلل وأن ما تفعله هذه الجماعات إنما هو خروج عن مذهب أهل السنة والجماعة في باب التكفير ، ودخولٌ صريح في مذهب مُبتدعٍ خليطٍ نشأ على أيدي أناسٍ تراجع بعضهم ونسف ما كان يقرره سابقاً ، والبعض الآخر تاه في دهاليز الفكر وظُلمة البعد عن السنة .

مدخل :
• كل ما يجري من عمليات تفجير وتقتيل وترويع وحتى اختطاف تقومُ في النهاية على تبرير ( التكفير ) : هؤلاء كفار مرتدون يجوز قتلهم  ، أو هؤلاء لا عهد لهم ولا أمان لأن الحاكم أصلا كافر .
• وهذا التبرير يقومُ على مُقدمتين باطلتين ، ومخالفتين لمنهج وعقيدة أهل السنة والجماعة .
الأولى / من يحق له التكفير والحكم بالردة ؟
الثاني / من يحق له إقامة الحدود ؟
• الإسلام دينٌ عظيمٌ كامل ، ليس دين فوضى ، ففي أحكامه اليسيرة هناك ضبط وقواعد فما بالكم بأمور الدماء والأنفس والأموال والأمور العامّة ؟
• ولأنهم انحرفوا في هذا الباب ، استزلّهم الشيطان إلى الهاوية ، وهل أعظم من قتل عبد مسلم صائم في نهار في رمضان ! ونحن نعلم أن تنظيم القاعدة أعلن رسميا أنه نفذ عمليات في رمضان 1431 هـ راح ضحيتها مسلمين في اليمن والعراق وأفريقيا .
• مما يضطرهم إلى الدخول في تبريرات بعيدة وغير صحيحة فقهيا ولا تأصيليا : التترس ، هؤلاء عملاء ، الردة …. الخ .
• ولو رجعوا للسنة الصحيحة ولكتاب الله جل وعلا لكان لهم هاديا ومبينا ونوراً وضياءً .

الموضوع :
** من يحق له التكفير ؟
هل لأفراد الناس إطلاق الحكم بالتكفير ؟
هل للمجتهدين أن يحكموا على فلانا أنه مرتد ؟
أم هل يحق لمجموعة مجتهدين أن يحكموا بالكفر على الحكومات والأفراد والأنظمة ؟
هل يُعتقد أن دين الإسلام العظيم الذي أقام حضارة دينية ودنيوية وأخلاقية فيه هذا المبدأ الفوضوي ؟

** نعم .. الكفر حكم شرعي ، وكما أنه يوجد إيمانٌ كذلك يوجد كفر . والكافر من كفره الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فليس الكفر حقاً لأحد من الناس، بل هو حق الله تعالى،  ولما أورد القاضي عياض في “الشفا” (2/1065)   فصلاً عن المكفرات القولية، قال في مطلع هذا الفصل:” اعلم أن تحقيق هذا الفصل، وكشف اللبس فيه، مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه”.
 يقول شيخ الإسلام  ابن تيمية في الرد على البكري (ص/257):  ” فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك، وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه، ولا تزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق الله فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله”.
  ويقول ابن الوزير في العواصم والقواصم (4/178-179). :”إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه، وأن الدليل على الكفر لا يكون إلا سمعياً قطعياً، ولا نزاع في ذلك”.
 
** نظراً لخطورة إطلاق هذا الحكم وما يترتب عليه من مخاطر عظيمة تعصف بالأمم والمجتمعات وتهددها في دينها ودنياها وضع الإسلام ضوابط وشروط معينة يلزم معها التثبت وإقامة الحجة؛ لأنه لا يجوز تكفير المسلم الذي حكم بإسلامه – براً كان أو فاجراً- لمجرد وقوعه في قول أو فعل كفري ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:”وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة “
والذي يحكم ويتولى الحكم بالكفر ولوازمه على الأعيان من الأفراد والفرق والهيئات والدول هم العلماء الراسخون الذين بيدهم القضاء ؛ لأن الكفر حكم قضائي لما يترتب عليه من أحكام وحدود ، يقول العلامة سليمان بن سحمان كلاماً متيناً مهماً حول من يقيم الحجة: “الذي يظهر لي والله أعلم أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، و أما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه ولا ما ذكره العلماء في ذلك، فإنه لا تقوم به الحجة”.
 وليس لآحاد الناس وأفرادهم حتى وإن كانوا من المجتهدين في العلم والدعوة أن يتصدروا للتكفير أو لإقامة الحجج على الناس ، فهذا كما سبق تقريره حكم قضائي يقوم به العلماء الموكل إليهم من ولي الأمر القضاء في الحدود   .
فالنبي صلى الله عليه وسلّم أبطل حكم أسامة بن زيد ( الصحابي ) – رضي الله عنه حين قتل رجلا شهد ألا إله إلا الله في المعركة ، وأسامة مجتهد ، وهو في حالة حرب ، والشُّبهة قائمة – إنما نطق بها ليتخلص من القتل – ومع ذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم حكم أسامة رضي الله عنه .
والأدلة والشواهد في هذا كثيرة وكذلك من سيرة الصحابة رضي الله عنهم ، فقد أباح قدامة من مظعون وأصحابه الخمر لبعض الخواص في خلافة عمر بن الخطاب ولم يكفّروهم ؛ لأنهم غلطوا وتأولوا قول الله تعالى : ( ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وءامنوا ) فلماذا لم يخرج أحد الصحابة أو التابعين ويكفرهم ؟ لأنهم على الهدي الصحيح ورجعوا إلى الخليفة وإلى صاحب الأمر في الحدود والقضاء فاستتابهم عمر رضي الله عنه .
** وهذا المنهج .. منهج الخروج عن جماعة المسلمين وعلمائهم وولاتهم وعدم الاعتداد بالقضاء ولا بأكابر العلماء هذا منهج الخوارج وسبيلهم في التأريخ الإسلامي
**
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*