الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » حفظ الدماء مطلبٌ شرعي عظيم

حفظ الدماء مطلبٌ شرعي عظيم

لقد كرَّم الله الإنسان وخلقه في أحسن تقويم، وكرمه بجميع أنواع التكريم، كرمه بالعقل والعلم، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ونعمة الإسلام، وأخبر الله عن هذا التكريم في كتابه فقال جل ذكره: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} وجعل الله حياة الإنسان أبهى مظاهر الوجود، وأسمى صور الحياة وأعلى مثال للأحياء، وصف الله خلق الإنسان فقال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).

وحينما بدأ القرآن يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الله خلق الإنسان في أول آيات نزلت، في قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق} ثم تكرر الحديث عن تكوين الإنسان ومراحل خلقه وهو في بطن أمه وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى عظم إلى لحم إلى بشر سوي يمشي على الأرض بصورة دقيقة محكمة، وذلك في آيات متفوقة في سور القرآن الكريم، كما يتكرر الحديث عما أودعه الله في ذلك الإنسان من عقل وتفكير، وقدرات ومشاعر، مما جعله أن يكون خليفة الله في أرضه وبرهاناً ساطعاً على حكمة الله وقدرته (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).

إن عناية الله بهذا الإنسان المخلوق لدليل على أن له شأناً عند الله، ووزناً في الحياة، فهو الذي خلقه وسواه وعدَّل له بعلمه وحكمته وقدرته وهو الذي قدر حياته وقدر موته.

ومن عناية الله بالإنسان أن الله حرم الاعتداء عليه بالقتل أو بما دون ذلك من قطع أو جرح، وتعددت آيات القرآن الكريم التي تنهى وتحذر من قتله بغير حق، فمن ذلك قوله تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، وجعل الله ذلك وصية منه لعباده فقال تعالى في سورة الأنعام: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون}، فهذا نهي قُرن بالدعوة إلى إعمال العقل وأن من أقدم على قتل إنسان فكأنه نُزل منزلة من لا يعقل، فالعقل الصحيح يدعو صاحبه إلى الحذر من فعل ذلك، أو الإقدام عليه.

ومن تعظيم حرمة الدماء في الإسلام أن الله جعل التعدي على حياة شخص واحد يُعد تعدياً على حياة الناس جميعاً حيث قال سبحانه: {مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً}، وغلظ الله العقوبة على القاتل عمداً فأوجب القصاص على المعتدي ليرتدع غيره، ويحصل الأمن والاستقرار، والحياة الطيبة، ما لم يكن عفوٌ أو دية.

وفي الآخرة شدَّد الله العقوبة على القاتل غيره عدواناً فقال جلَّ ذكره: {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً}، فهذا وعيد شديد ترجف له القلوب، وتنصدع له الأفئدة، وينزعج منه أولو العقول، فقاتل غيره عمداً يحمل معه صحيفة خزي وخسران، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار، إن لم يتب من ذلك الجرم توبة صادقة، ويشترك مع القاتل عمداً في هذا الوعيد، كل من أعان على القتل أو تسبب فيه، وفي الحديث الذي أخرجه البيهقي: “من أعان على قتل امرئ مسلم ولو بشطر كلمة كتب الله بين عينيه يوم القيامة آيس من رحمة الله”.

فيا لها من جريمة كبرى أن تمتد يد آثمة طاغية لتزهق أرواحاً بريئة، ويا لها من خطيئة أن تُقدم يدٌ باغية في مجتمع آمن على قتل نفوس معصومة من مسلمين وغيرهم، ألا ما أعظم هذا الجرم وأشده، وأشنعه وأبشعه، وفي صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً” وفيه أيضاً عن ابن عمر أنه قال: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله”.

وإنما حذر الله عباده من الاعتداء على الأرواح والدماء كل هذا التحذير لأن الحياة حين تفقد لا يستطيع أحد استردادها، ومن مقاصد الشرع السعي إلى تحسين حياة الناس، وحفظ أرواحهم، وتحقيق أمنهم.

ومن تعظيم حرمة الدماء في الإسلام أن الله تعالى يبدأ يوم لقائه الأكبر بمحاسبة أولئك القتلة الذين سفكوا الدماء بغير حق، ففي صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أول ما يقضى بين الناس في الدماء”.

إن ديننا الإسلامي وشرعنا الحكيم يحذر كل التحذير حتى في ساحات الحرب وأرض القتال من الاعتداء على غير المعتدين، فكيف إذا كانوا في دار أمن واستقرار؟؟ إن فعلهم هذا اعتداء آثم، وجرم كبير، وخطيئة عظيمة لا يسوغ السكوت عليه، بل الواجب إنكاره ورده بأدلة الشرع، وبيان خطره وضرره على مجتمع المسلمين، والتعاون في كشف الجناة وإبطال مخططاتهم وأن تكون اليد واحدة مع رجال الأمن في قطع دابر الفساد وأهله.

لقد هان دم الإنسان عند جهلة الناس وضعفاء الإيمان وأصبح الاعتداء على أرواح الناس سهلاً عند هؤلاء، حتى صار القتل بين الناس يقع لأقل خلاف وأدنى شجار، فكم نسمع من حوادث، وكم نقرأ عن حالات ذهبت فيها أرواح كثير من الناس لأسباب تافهة وأمور حقيرة وتصرفات بشرية، ولا ريب أن الجهل وقلة العلم وضعف الدين والتساهل في أوامر الله وانتهاك حدود الله أسباب تجعل القتل وإهدار الدماء واقعاً بين الناس والله المستعان .

-- د. عبد الله بن عبد الرحمن الشثري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*