الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » ترك المسلم ما لا يعنيه

ترك المسلم ما لا يعنيه

مقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن في سنة النبي – صلى الله علية وسلم- أنواراً هادية إلى الصراط المستقيم وأضواء كاشفة عن سبل العوج والإنحراف والنقص والزلل
إن هذا الحديث يرسم لنا معلم من معالم النجاح بل يحدد أمارة للفلاح والسداد يقيس بها المرء نفسه ويعرف بها مقدار قربه أو بعده عن الجاده
فيقول –صلى الله عليه وسلم- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
هذا الحديث فيه قاعدة عظيمة فيما يأتي الإنسان وما يذر وقد نبه إلى الركن الأول في تزكية النفس وتربيتها وهو جانب ترك ما لا يعني ويلزم منه الركن الثاني وهو الاشتغال بما يعني (قاعدة المنطوق والمفهوم)
ولذا يمكن القول أن الناس لو علموا بهذا الحديث النبوي العظيم لأحدث لهم ذلك نقله نوعية كبيره في العمل والإنتاج.

حديث جامع
أفصح أهل العلم عن أهمية هذا الحديث ومنزلته نظرياً وعملياً .
فأما نظرياً/ فقد تعددت عبارات الأئمة في بيان منزلته من الدين
فقال الدار قطني : “أصول الأحاديث أربعة : الأعمال بالنيات , ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه , والحلال بين , و ازهد في الدنيا يحبك الله”.
والشافعي صاغها بأبيات فقال :
وعمدة الخير عندنا كلمات
                         أربعٌ قالهن خير البرية
إتق الشبهات و ازهد ودع ما
                         ليس يعنيك واعملن بنيه.
وعده حمزة الكناني” ثلث الإسلام”.
وذكر ابن القيم أن النبي – صلى الله علية وسلم – “جمع الورع كله في هذا الحديث” .
وقال ابن رجب عنه : ” أصل عظيم من أصول الأدب “.
و أما عمليا ً فإنك تجد أن أهل العلم قد جعلوا هذا الحديث أصلاً مرجعياً يعرف به ما يسوغ وما لا يسوغ من الأقوال والأعمال وعمموا مدلوله في سائر المجالات العلمية والعملية يرى ذلك جلياً من طالع كلامهم ونظر كتبهم ( راجع كشف الأسرار عبدالعزيز البخاري(1/255), الطرق الحكمية لإبن القيم (ص 17).

حسن الإسلام
يراد بحسن الإسلام عموماً بأحد معنين :
1- صحة الإسلام فيكون ضده بطلانه بالكفر أو الشرك أو النفاق وعلى هذا المعنى تحمل بعض الأحاديث ومنها مثلا : حديث ابن مسعود قال : قال ناس لرسول الله – صلى الله علية وسلم – : أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام ” . وراه البخاري ومسلم.
2- كمال الالتزام بالإسلام والترقي بمراتب الدين نحو بلوغ مرتبة الإحسان.
وهذا متضمن للمعنى الأول إذ لا يحسن إسلام المرء حتى يصح ويثبت أولاً . وهو المراد في هذا الحديث فإن أخذ الإنسان بما لا يعنيه لا ينقص أصل إسلامه بل يؤثر في كمال إيمانه وينقص حسن إسلامه ويمنعه من الوصول إلى مرتبة الإحسان.
والمحسن له فضل ومزيه على غيره ويناله من الفضل أمور منها:
• محبة الله عز وجل قال تعالى : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ).
• زيادة مضاعفة الحسنات كما جاء في حديث أبو هريرة قال – صلى الله علية وسلم – : “إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنه يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب بمثلها حتى يلقى الله “. رواه مسلم.
• وبشرى للمحسنين في قول الله عز وجل : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) والحسنى هي الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى.
دعوة
إن مفهوم حسن الإسلام مرتبط بمبدأ زيادة الإيمان بالعمل الصالح . وأعلم أخي رعاك الله أن ترك ما لا يعني صفة الجادّين المحسنين : وصف الله تعالى بالإعراض عن اللغو فقال: (قد أفلحَ المؤمنونَ * الذينَ هُم في صلاتِهِم خاشعونَ * والذينَ هُم عن اللغوِ مُعرضونَ)
واللغو : الباطل ويشمل الشرك والمعاصي وكل مالا فائده فيه من الأقوال والأفعال والإهتمامات والشعور فيدخل فيه الإشتغال بما لا يعني.
فهي دعوة إلى تحرير النفس من الشهوات والمعاصي والرقي إلى معالي الأمور والسعي إلى دار الآخرة ( يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم )

سؤال وإجابة
قد يتبادر إلى الذهن سؤال ماهي الأشياء التي لا تعنيني ؟
مالا يعنيه: أي مالا يهمه ولا يفيده في دينه و دنياه و ما لايعني جزأن :
1- أمور لاتعني الإنسان ولاتهمه في أصلها.كشؤون الآخرين وخصوصياتهم في كيفيات معايشهم ووجهات ذهابهم وإيابهم. ومقدار تحصيلهم من الدنيا وتفاصيل أحوالهم في أنفسهم و أولادهم ومشكلاتهم وهكذا. وقد ورد النهي بقوله – صلى الله علية وسلم – “إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، ولا تفرقوا. ويكره لكم، قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال” رواه مسلم
وقال النووي في شرح الحديث و أما قيل وقال فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات مالا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم
إذا كان هذا الشأن في سؤال الناس عن أحوالهم العادية فكيف يكون الحال بالنسبة لتجسس أحوالهم وتتبع عوارتهم وسقاطتهم وزلاتهم و إشاعتها بين الناس على وجه الإساءة أو نقل كلامهم على وجه الإفساد.
ومما شاع الاشتغال به مما لايعني تصنيف الناس وتقسيمهم فرقاً وأحزابا و طوائف وجماعات والاهتمام بالحكم عليهم حكما واحدا لايقبل التفصيل مع مايصاحبه من غيبة وتنقص وتتبع للعورات واتهام للنيات وهذا أبعد شي عن منهج سلف هذه الأمة (راجع تصنيف الناس بين الظن واليقين للشيخ بكر أبو زيد)
وممالا ينبغي السؤال عنه عبادات الناس التي يسرون بها فيما بينهم وبين خالقهم وكذلك السؤال عن معاصيهم ومايستحيون من ذكره وما لا ينبغي أيضا السؤال عن أحوالهم الحسن التي لايحبون إظهارها خشية الحسد مثل نبوغ أولادهم وذكائهم ونحوه.

2- يقع في حاجات تهم الإنسان في أصلها . كشؤون المعياش من الطعام والكلام والخلطة ومالا يعني فيها هو الزيادة على قدر الحاجة وهو مايعرف بـ فضول المباحات ومن أمثلة ذلك
•  ذكر النساء والجماع بما لا يحقق فائدة ولاتدعو إليه حاجه.
• الاشتغال بالتحسر على مافات من أمور الدنيا مما يدخل في دائرة الحزن.
وهذان الجزأن مع ثالث هي طرق الشيطان على الإنسان قال ابن القيم في الفوائد :” كل ذي لب يعلم أنه لاطريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات …التزيد والإسراف , الغفلة ,تكلف مالا يعنيه من جميع الأشياء”.( باختصار)

الضابط في معرفة مايعني ومالا يعني
هو الشرع المطهر فلا يجوز أن يكون للهوى دخل فيه قال ابن رجب: ” وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس بل بحكم الشرع والإسلام ولهذا جعله من حسن الإسلام فإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال “
واليوم يفهم كثير من الناس أن المراد بما لايعني شؤون الغير على الإطلاق وهو خلط في المفاهيم ولبس في فهم المراد فإن من شؤون الغير مايعني للإنسان مباشره ومن ذلك ماكان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأيضا شؤون المسلمين وقضاياهم في أي صقع كانوا, فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا.
وقفات:
*إن الاشتغال بما لايعني يدل في الدرجة الأولى على التفرغ من الإشتغال بما يعني ويفيد فهذا إنسان فارغ بطّال لا في أمر دنياه ولا في آخرته وكفى بهذه رادعاً للعاقل اللبيب عن الغي والعبث.
جاء في الحديث”ان الله عز وجل كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق ويكره سفاسفها”
وقال بن مسعود:اني لأكره أن أرى الرجل فارغاً ليس في عمل آخره ولادنيا.
وقال ابن القيم: ومن أعظم الأشياء ضررا على العبد

بطالته وفراغه فإن النفس لاتقعد فارغة ، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما

يضره ولابد
*تورط الإنسان فيما لايعنيه:أمرٌ له أسبابه وخلفياته وله مداخله وطرائقه وأبوابه ومعرفة هذه الأشياء مقدمة للأخذ بالعلاج.
قال ابن القيم:” من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه: اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات. فينبغي أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، يلازم الرباط على ثغورها؛ فمنها يدخل العدو، فيجوس خلال الديار، ويتبر ما علا تتبيراً… وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة”
*أيضا من الأسباب جهل الإنسان بما يعينيه وغفلته عن هويته ورسالته في الحياة وإهماله لأشغاله وواجباته التي تعنيه
*أيضا صحبة البطالين.
*الإعلام العلماني الذي يقدم مناهج ومنابر فارغة المحتوى عقيمة الجدوى وحين نعلم أنها هي المؤثر الأقوى في عقول الناشئة وسائر الناس ندرك حجم القضية وعمق المشكلة.
*الانشغال بما يظن انه يعني وليس كذلك نحو الانشغال بالكلام الذي لاينفع كالمبالغة في الإشادة بالمنجزات ونقد الأشخاص والهيئات والحكم عليهم وكثرة الشكوى من الواقع وإدامة التذمر من الأحوال السيئة.

فوائد وشرائد:
*يقول ابن القيم:” وقد جمع النبى صلى الله عليه وسلم الورع كله فى كلمة واحدة فقال : ( من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه )
فهذا يعم الترك لما لا يعنى من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشى والفكر ، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة ، فهذه الكلمات شافية فى الورع)
*ذكر مالك انه بلغه انه قيل للقمان: “ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل. فقال: صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني”.
*روى الحسن قال: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لايعنيه”
*فائدة اجتماعية: إن اشغال المرء بما لايعنيه يسبب التخاصم والتشاجر وقطع العلاقات الاجتماعية او توترها وقديما قالوا”من تدخل فيما لايعنيه سمع مالايرضيه”
*فائدة أخلاقية:إن التدخل فيما لايعني يهدر ماء الوجه  ويقلل من قيمة الإنسان الأخلاقية ويحط من كرامته كإنسان في مجتمعه.
*فائدة انسانية:إن ترك مالايعني يمكننا من راحة نفسية تامة في حين أن الفضولي المتطلع إلى مالايعنيه من قريب أو بعيد يعيش قلق دائم وحيرة قاتلة واستفسارات رهيبة لايجد لها جوابا ترى ماسر علاقة فلان بفلان؟ وماهي ظروف فلان الزوجية والمالية؟ ومن أين اكتسب هذه الأموال طبعا لن يجد لهذه التساؤلات  أجوبة شافية
*فائدة اقتصادية:يحث هذا الحديث في رفع الاقتصاد الإسلامي وذلك باستثمار عنصرين رئيسين:
1- الطاقة البشرية:فينبغي ألانضيع هذه الجهود فيما لايعني
2- الوقت:ويجب استغلال دقائق الحياة المعدودة فيما يعود بالنفع على الفرد والأمة
*فائدة دعوية:ان مهمة الداعية هي التبليغ وإرشاد الناس وهدايتهم ونصحهم وتعلمهم وهي أمانة في عنقه فهي ممايعنيه وعليه أن يربأ بنفسه عن مجالس الأندية والأسواق التي تشغله بأمور لاتعنيه.

أول الطريق:
ختاما فإن الأمر ليس باليسير ومما يعين عليه
*الاستعانة بالله تعالى ودعاؤه والتضرع اليه ولابد من ذلك للسالكين فهاهي (إياك نعبد واياك نستعين) تتلى في كل ركعة
*دوام مجاهدة النفس ومحاسبتها
*التربية الجادة لعموم الأمة التي تسلك كل فئة من فئات الأمة
*مصاحبة الأخيار الجادين المنشغلين بما يعنيهم
*استحضار عظمة الله ودوام مراقبته وتدبر أسمائه الحسنى وصفاته العلى
*الإقبال على كتاب الله فذلك شغل شاغل للعبد
*قراءة سيرة السلف لما فيها من العبرة والعظة
*العناية بالمتربين والناشئة في مقتبل أعمارهم بتوجيههم علما وعملا إلى مايهمهم
*تذكر الموت والحساب والجزاء واستشعار العبد انه في مرحلة سيجزى بعدها بماعمل فيها
وعظ  عطاء بن ابي رباح اصحابه فقال: إن من قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين، عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم لو نُشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي “
من راقب الموت لم تكثر أمانيه   ولم يكن طالبا ماليس يعنيه
ختاما:
هذا آخر ما خط به القلم وانتهى إليه الكلم لكي اوقظ الهمم إلى عالي القمم فماكان من صواب فمن الله ذي النعم وماسوى ذلك فمن نفسي الواقعة في اللمم والله تعالى أحكم ولعباده ارحم وبشؤون خلقه أعلم وصلى الله على النبي الأكرم وعلى آله وصحبه وسلم.

المراجع/جامع العلوم والحكم لابن رجب – إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية لمحمد تاتاي – شرح ابن دقيق العيد –معلم في تربية النفس لعبداللطيف الحسن

-- وليد المطيري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*