الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » أدلة عظم حفظ الدماء وتحريم القتل

أدلة عظم حفظ الدماء وتحريم القتل

إن من أخطر المسائل و أوعرها المطروحة على الساحة الإسلامية للمعالجة و التطبيب هي قضية قتل و إهدار أنفس الأبرياء من المسلمين بأي مسمى كان أو ذريعة كانت و التي نحصي منها على الأقل القتل تحت تأثير المخدرات و المسكرات أو ما تسمى بالجريمة المنظمة لتصفية الحسابات أو ما عرفه هذا المصر الغالي علينا مؤخرا و سابقا من اغتيالات أو مجازر و تفجيرات يطوونها ذووها تحت كنف ” الجهاد ” ليكسبوا بذلك الشرعية و التأييد و هو الفساد بعينه من بعد تكفير عامة الناس و الحكم عليهم بالردة
و إلى الله المشتكى من موكب مهيب و موقف رهيب يوم أن نسمع بمسلم قتل مسلم ولأتفه الأسباب و يوم أن نرى ضحايا بالمئات بين قتلى و جرحى أو صور لأجساد تمزق و رؤوس تقطع فتفرق لشيوخ و نساء و ولدان لا يدرون لأي سبب قتلوا أو لأي علة فعلت فيهم الأفاعيل كما قال تعالى حاكيا عن صنيع الجاهلية” وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ” التكوير: ٨ – ٩   و من هاهنا كانت الحالة المتردية التي آلت إليها دماء المسلمين من الغدر و الهدر و بكل برودة دم حتى صارت وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها و مشاربها لا يشرق عليها يوم إلا و ظفرت بأخبار عاجلة أو آجلة تنعي مقتل المسلمين بالعشرات في تفجيرات أو جلسات خمر أو مناطحات على الدنيا و مما يزيد الطين بلة و يحول الألم إلى فاجعة ما يسمى في عرف الإعلاميين بـ ” إرهاب الطرقات” أين تحصد حوادث المرور كل يوم الأرواح الجمة بين موت و إعاقة سواء بالعمد أو بالخطأ و أمام هذا الوضع المرير الذي لا نحسد عليه كان و لا بد على العاملين في حقل الدعوة إلى الله من العلماء و الدعاة و طلبة العلم الشرعي التشمير على ساعد الجد و الكد للحد من انتشار هذه الظاهرة و توعية الخاصة و العامة بخطورة و عظم إراقة المسلم لدم أخيه المسلم من غير وجه حق و لعلنا في هذه الوقفة التوعية و الدعوية أن نكون أحد المساهمين بذلك في غمرات ما يتعلق بهذه المسألة الشائكة مستعينين بما وجدناه من بعد البحث و التنقيب من آيات قرآنية و أحاديث نبوية في كنهها الترهيب من أن تطال المرء يده دماء غيره من المسلمين ظلما وعدوانا و الكف عنهم و حقن دماءهم كل ذلك بشتى الطرق و الوسائل المشروعة للوصول إلى الغاية و الهدف في بوتقة من الوقفات و المحطات المدججة بأدلة من المورد الأمعن و السنن الأبين الكتاب و السنة حتى لكأن المبحر على ضفافهما ليجمع منهما ما يشكل لديه ديوانا يعج بالآثار الناصعة كالدرر من جنس المادة المتحدث عنها فأقول و بالله أستعين:
1/ تحريم قتل الأنفس بغير حق فعل محرم في شرع من قبلنا فما بالك بشرعنا ؟ :
 إن صيانة الأرواح و الدماء بالحق و تحريم إلحاق الضرر بها و سفكها بالباطل يعد قاسم مشترك بين كل الشرائع السماوية و السابقة تنزيلا ذلك لأن بقاء البشرية و استمرار الرسالة الربانية مرهون أساسا بحياة الأفراد و لذلك كان هذا المبنى من أهم الضروريات و أكبرها التي حفت بالزواجر والنواهي و أحيطت بالأوامر و الترغيبات حفاظا عليها من الهلاك لما لمدلول حياتها من إسهام في بسط الرسالة الإلهية و لما لمدلول فنائها من إسهام في عرقلة مسيرة القافلة الشرعية فهذا الاهتمام المتزايد و الزجر المتناهي إحاطة حول الأنفس إذا دل فإنما يدل على الدور الكبير و الفعال الذي تلعبه في سبيل رفع الراية المحمدية و تبليغ البشارة النبوية للقاصي و الداني من الناس و لأجل هذا الأمر الجلل و العظيم كان رد الملائكة الكرام على ربها جلا وعلا يوم أن أخبرهم أنه عز و جل مستخلف هذا المخلوق في الأرض قائلين ” وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ”  البقرة: ٣٠. فاختاروا من بين كل المعاصي والآثام التي يرتكبها الإنسان من زنا وسرقة و قذف و أكل الحرام و شرب الخمر و عقوق الوالدين و غيرها من كل ذلك اختاروا جريمة القتل وسفك الدماء بغير حق و ذلك للتصادم الموجود بين مهمة الخلافة في الأرض التي تتطلب الأمن و الإيمان و جريمة القتل التي تفضي إلى إحلال الفوضى و نشر الفساد في المعمورة كما أن هذا التمحيص هو تخصيص من تعميم لبيان شدة مفسدة قتل الأنفس البريئة كما قال أهل الشأن من المفسرين وبالفعل كان ما شاء الله عز و جل و ما تفوهت به الملائكة الكرام إذ أن أول معصية و جريمة في حق الغير ارتكبت فعليا على وجه الأرض هي القتل و هو ما حدث مع ابني آدم عليه السلام كما قال تعالى في محكم تنزيله ” لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ   المائدة: ٣٠   و لاحظ تعقيبه جلا وعلا للخسارة مع ما فيها من هلاك من بعد القتل على الرغم من أن هناك معصية ارتكبت قبل ذلك و لم يرتب عليها خسران و ذلك باعتبار المآل وهي التحاسد و التباغض بينهما مع ما كانا عليه من تدابر و ضغينة  فهذه الأولية في ارتكاب هذه الجريمة البشعة من دون باقي الجرائم دلت على استباقها و تقديمها قولا و فعلا من لدنه جلا و علا تنبيها و إخطارا لعظم جرم هذا العمل ثم عاود سبحانه و تعالى الكرة مرة أخرى إحياء لهذا التحذير أيام ما بدأ في بعث الرسل و إنزال الرسالات و لقد كان بنو إسرائيل من السباقين إلى ذلك فقال تعالى حاكيا عنهم” مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ” المائدة: ٣٢    ففي هذه الآية الكريمة يذكر جلا و علا اليهود بعظم أمرين متعاكسين و هما: أن من قتل نفسا ظلما و عدوانا فقد ارتكب فعلين شنيعين: أحدهما نشر للفساد في الأرض والآخر قتل جماعي للناس كافرهم و مؤمنهم و هذا باعتبار أن الدور آتي على هذا الحي من بعد المقتول ثم الذي يليه ثم الذي يليه إلى أن يفنى البشر بسبب كثرت القتل و أما المعاكس الثاني فهو أن من أحيا نفسا فكأنما أحيا كل أنفس الناس برهم و فاجرهم و ليس المقصود هنا بالإحياء هو ما كان من جنس ما يحيي الله به عباده من نفخ الروح أو الخلق من العدم و إنما المعنى هو أن في كف المرء و إمساكه ليده أن تتعرض لدماء و أرواح الغير ظلما و عدوانا حفاظ على حياة الآخرين الذين لن يتعرضوا للقتل و الغدر و بالتالي يحل الأمن و تزكوا الحياة و من النصوص الربانية التي تدلل على تحريم القتل في شريعة من سبقنا ما ذكره المولى تعالى عن الحوار الذي جرى بين كليم الله موسى عليه السلام و معلمه الخضر سائلا إياه لما قتل الغلام  فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا الكهف: ٧٤.        فهذا الاستنكار من موسى عليه السلام لفعل الخضر إذا دل فإنما يدل على علمه في شريعته أن قتل الأنفس البريئة يعد شيئا نكرا كما وصفه و يزداد هذا الوصف نكيرا و تنفيرا عندما يربطه بعمل الشيطان عدو الإنسان اللدود في قوله تعالى <!–[endif]–> وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ القصص: ١٥   فعلى الرغم من أن نبي الله موسى قتل من قتل من آل فرعون خطأ لا عمدا و كما هو معلوم أن الخطأ مرفوع و معفو عن الإنسان إلا أنه نعت هذا العمل بأنه من فعل الشيطان مضل البشرية جمعاء بل زاد فوق ذلك أنه و على الرغم من الخطأ الذي ارتكبه من غير قصد ولا تعمد إلا أنه أصيب بهم و غم كبيرين حتى كاد أن يفتن من جراء التفكير في العفو من القتيل و المغفرة من رب المقتول الذي و صف حاله قائلا ” وقتلت نفسا فنجيناك من الغم و فتناك فتونا ” أقول: هذا نبي الله المغفور له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و المرتكب لجرم عن خطأ و في حق غلام من آل فرعون لم يؤمن به أنظر ما حل به من تعب و كرب و إلحاح على ربه في مغفرة الزلل و إصلاح الخلل فما بالنا نحن يا عباد الله يقتل المسلم منا أخاه المسلم شر قتلة و بكل برودة دم بل يصرح و يتبجح بالتعمد في ذلك و يدعي أنه يتقرب بقتله و التنكيل بجثته إلى ربه الذي نسأله الهداية للجميع و أن يلهمنا حسن التفكر و التدبر في دماء بعضنا البعض.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ البقرة: ٨٤  .فأنت تشهد معي أيها المبارك الحبيب كيف أخذ الله علي و عليك ميثاقا و عهدا و وعدا غليظا بأن يصون أحدنا دم الآخر لا يسفكه و لا يتعدى عليه فما بالك تفك هذا الوثاق  و تنقض هذا الميثاق و لا تفي بالوعد مع العهد على حين غفلة و اعلم أن هذا الحبل الوثيق الذي أخذه منك إلهك الواحد الأحد ليس كغيره من الأوثقة التي تسري بينك و بين العباد إذ  أنه حبل يتأرجح بك إما إلى الجنة إن استمسكت به و إما إلى النار إن أخللت بعروته نسأل الله الصدق في القول و العمل.
3/ القاتل ارتكب ثاني كبيرة من الكبائر بعد الشرك بالله جلا و علا:
 قال تعالى   الفرقان: ٦٨  .   ففي هذه الآية الكريمة يعدد المولى جلا و علا صفات عباد الرحمان إذ ذكر منها أعظم صفة و أحبها إليه و هي تجريد التوحيد له عز وجل بأقسامه و البعد عن ضده أعني الشرك بأنواعه و التملص من الكفر كبيره و صغيره و عبر عن كل ذلك بنفي الدعاء معه أو لغيره ثم أردف بعده مباشرة الصفة الثانية و هي نفي قتلهم و تعديهم على الأنفس و الأرواح البريئة إلا بحقها الشرعي فهذا التدرج في الترتيب إذا دل فإنما يدل على عظم الحق و عظم الجرم تبعا للتوالي فالمرء إذا حقق التوحيد الخالص تجاه ربه وهو حق الله على العباد لم يبقى له سوى أن يجسد الحق التالي و هو ما بين العباد على العباد لا في أموالهم و لا في أعراضهم و لكن في دماءهم التي فيها عصمة حياتهم فمن أدرك فقه هذين الحقين كان له أن يتلبس بالباقي ليكون عبدا للرحمان و من أخل بهما حق له أن يسمى بعبد الشيطان و لهذا فإن المستقرأ لصنيع الأئمة العظام من السلف الصالح يجد أنهم يكادون يجمعون على اعتبار قتل النفس ثاني كبيرة من الكبائر التي يرتكبها المسلم من بعد الشرك بالله كما قرر ذلك الإمام الذهبي في كتابه المعروف لدى الخاص و العام باسم ” الكبائر ” و يعضد مقصد و معنى هذه الآية بعض النصوص الحديثية الصحيحة للتي صرحت بهذا الترتيب في شدة النكير على هذا الجرم فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ” كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت مشركا أويقتل مؤمنا متعمدا ” صحيح الترغيب و الترهيب. ففي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن كل إثم أو معصية يرتكبه المسلم هو في مشيئة الله عز و جل قد يغفره و قد لا يغفره له إلا ذنبين و هما: الكفر و الشرك بالله جلا وعلا في الأقوال و الأفعال مما يخرج المؤمن من دائرة الإسلام وحياض الإيمان و هذا بدليل القرآن في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا النساء: ٤٨   و السر في ذلك أنه الحق الأكبر والرابطة العظمى و الوثقى التي تربط العبد بربه و التي إذا انفصمت أو قطعت صار العبد كالطائر النافق في الهواء أو السمك الميت تتقاذفه تيارات الماء حالهما آيل إما إلى السقوط من العلياء على الصخور الصماء أو النتانة على الشواطئ والضفاف أما الذنب الثاني فهو قتل النفس البريئة بأي وسيلة أوطريقة كانت فكذلك القاتل معصيته آكد عند الله في عدم الغفران و السر في ذلك أنه أكبر و أهم حق يدين به المسلم على أخيه المسلم أعني صيانة دمه و جروحه من التعرض و لهذا فإنك قد تجد المرء يتنازل عن كل حقوقه من مال وأهل و عيال أو وطن مقابل أن ينعم بالأمن و الحياة لأنه يعلم أن لا طعم لكل هذه الحقوق إذا خلت من أهم حق فيها و هو العيش في استقرار بعيدا عن سفك الدماء المعصومة من الإهدار و أظن أن هذا كاف في ردع الأنفس البشرية السوية و تثبيط العقول و الضمائر عن التفكير بمساس أمن المسلمين و أعراضهم لمن كان له قلب يعتبر و فؤاد متبصر.
4/ القاتل خالد مخلد في النار و مغضوب عليه و ملعون شر لعنة و له عذاب عظيم:
 يقول المولى عز و جل في محكم تنزيله وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ النساء: ٩٣   فهاتين الآيتين الكريمتين على وجازتهما في الألفاظ و الكلمات إلا أنهما عظيمتان في المعاني و المدلولات إذ أن قاتل المسلم عمدا رتب العقاب على فعله أن له قرار في جهنم خالدا فيه أبدا و زاده المولى فوق ذلك بدلالة واو العطف أن حل عليه غضبه و انتفى رضاه و لعنه في الدنيا و الآخرة و انتفت رحمته التي بها ينجى العباد من عذابه كما أعد له عقابا رهيبا و عبر عنه بالعظمة مما يعني أن له جزاء جهنمي خاص يختص به و يختلف عن عذاب البقية من العصاة الداخلين إلى النار حيث مالا عين رأت من أساليب و طرق و لا أذن سمعت من عويل و صرا خ و لا خطر على بال بشر من هول المقعد والمنظر فكان العقاب هنا من جنس العمل فهذا المقتول الذي تألم في الدنيا  و عانى الأمرين قبل موته سواء في الحال أو من بعد الآجال بتمزق أشلائه أو بتر أعضائه أو بقر بطنه و غيرها من أساليب القتل و الغدر على حين غرة فكذلك أيها القاتل أو من سولت له نفسه بالقتل ستذوق من نفس الكأس الذي ذاق منه من قتلته و هو كأس ملأه المرارة و الخسارة نسأله النجاة و العتق من النار. إن ما في هذا الوعيد من عذاب شديد ليجعل المرء يقشعر جلده و تنتفش أحاسيسه و يعمل لكل فعل سيقدم عليه ألف حساب و لو أن يقتل بعوضة أو حية  فما بالك أيها الحبيب بقتل المسلم و بطريقة بشعة شنيعة نسأله جلا و علا أن يعصمنا من دماء الغير و يعصم غيرنا من دماءنا إنه العلي القدير و بالإجابة جدير.
5/ القتل أول ما يحاسب عليه القاتل يوم القيامة:
 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم “أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ” متفق عليه فهذه الأولية في حساب بني آدم على دم بعضهم بعضا قبل أن يسألوا عن الأقوال و الأفعال إذا دلت فإنما تدل على عظم و كبر هذا الجرم قال الإمام النووي رحمه الله ” فيه تغليظ أمر الدماء و أنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة و هذا لعظم أمرها و كثير خطرها و ليس هذا الحديث مخالفا للحديث المشهور في السنن أن أول ما يحاسب به العبد صلاته لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد و بين الله تعالى و أما حديث الباب فهو فيما بين العباد والله أعلم بالصواب ” أ.هـ و يقول الحافظ بن حجر رحمه الله :” و فيه عظم أمر القتل لأن الابتداء إنما يقع بالأهم ” أ.هـ قلت: و على هذا فالدماء هي أجل و أكبر حق للمسلم على أخيه المسلم.
6/ القاتل يضيق عليه الدين و تضيق من حوله الدنيا:
 عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ” لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ” أخرجه البخاري. و في رواية ” لن يزال المؤمن في فسحة من ذنبه ” قال الحافظ رحمه الله ” فمفهوم الأول أن يضيق عليه دينه ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر و مفهوم الثاني أن يصير في ضيق بسبب ذنبه ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور” أ.هـ و قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله: ” الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تفي بوزره والفسحة في الذنب قبول الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول ” أ.هـ  و لهذا قال ابن عمر رضي الله عنهما لما فقه المراد من الحديث ” إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله ” رواه البخاري. هذا و إلى لقاء في حلقة قادمة  إن شاء الله تعالى و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

-- ربيع ميسوم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*