الأربعاء , 7 ديسمبر 2016

الكبائر

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن من طبيعة البشر التي خلقهم الله عليها وجبلهم عليها الوقوع في المعاصي وارتكاب الذنوب؛ فلا يخلو بشر من مواقعة المعاصي صغرت أم كبرت، إلا من عصمه الله من أنبياءه ورسله حال تبليغ الرسالة.
وقد دل على ذلك أدلة؛ منها ما رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ”.
وروى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ “.
ولأجل هذه الطبيعة البشرية فتح الله باب التوبة لعباده ليرجعوا إليه،  ويستغفروه مما يحصل منهم من التجاوز والمخالفات مهما عظمت وكبرت؛ فقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر : 53].
والمعاصي التي تقع من ابن آدم إما أن تكون كبائر وإما أن تكون من الصغائر.
والكبائر من الذنوب دلت عليها نصوص من الكتاب والسنة كما في قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } [النساء : 31]، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى : 37].
وروى البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ.
وتقسيم المعاصي إلى كبائر وصغائر هو الذي جرى عليه أهل العلم واجتمعوا عليه، وهو الموافق لدلالات الكتاب والسنة.
والكبائر قد اختلف أهل العلم في تعريفها وتحديدها، فمن أقوالهم:
1-قول ابن عباس رضي الله عنه : “كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة”.
2-عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: “ما نهى الله عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} فهو كبيرة”.
3-قال الضحاك: “الكبائر كل موجبة أوجبت لأهلها النار وكل عمل يقام به الحد فهو من الكبائر”.
4-عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب”.
وهذا التعريف الأخير هو الذي ارتضاه أكثر العلماء، وعبروا عنه بنحو قولهم: “كل عمل أوجب الله تعالى فيه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة، أو لعن فاعله، أو غضب عليه أو تبرأ منه الله ورسوله، أو توعّد عليه بعدم دخول الجنة، أو عدم الإيمان، أو وصفه بالفسق أو نحوه”.
وهذا الضابط للكبيرة أسلم من غيره، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال في مجموع الفتاوى (11 / 651):
وَهَذَا ” الضَّابِطُ ” يَسْلَمُ مِنْ الْقَوَادِحِ الْوَارِدَةِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّصِّ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ : كَالشِّرْكِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسِّحْرِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي فِيهَا عُقُوبَاتٌ مُقَدَّرَةٌ مَشْرُوعَةٌ.
أما عن عددها فقد اختلف فيه العلماء أيضاً، فمن أقوالهم في عددها:
فقيل: إنها ثلاث.
وقيل: إنها أربع.
وقيل: إنها من أول سورة النساء إلى آية {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم}النساء 31. وحسب العد من السورة تأتي سبع، وقد رويت هذه الأقوال كلها عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وقيل: هي سبع، وهو مروي عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – وعبيد بن عمير الليثي وعطاء.
وقيل: هي تسع، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنه.
وقيل: هي خمس وعشرون قاله الفلاني.
وقيل: أربعون قاله الديلمي.
وقيل: هي إلى السبعين أقرب. وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، فقد سئل عن الكبائر أسبع هي؟ قال: هي إلى السبعين أقرب. وقال بهذا أبو العالية، وذكر منها الذهبي في كتابه (الكبائر) سبعين كبيرة.
أما السفاريني فقد ذكر منها في كتابه (الذخائر شرح منظومة الكبائر) ثلاثا ًوسبعين كبيرة، أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب فذكر ما يقارب سبعاً وثمانين كبيرة في كتابه (الكبائر)، وذكر منها ابن النحاس في كتابه (تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين) مائة واثنتين وستين كبيرة، أما الهيثمي فذكر في كتابه (الزواجر) أربعمائة وسبعاً وستين كبيرة.
وروي عن ابن عباس أنها إلى السبعمائة أقرب، فقد روى ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير أنه قال: إن رجلاً قال لابن عباس:كم الكبائر، سبع هي ؟ قال: إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار.
فمن خلال هذه الأقوال يتضح أن أهل العلم لم يتفقوا على عدد محدد، وإنما كل واحد ذكر اجتهاده في ذلك، وهذا يدل على أن عدَّها وإحصاءها إنما هو منوط بتتبع النصوص التي نصت على الكبائر، أو توعدت على الأفعال، أو استقبحها الشارع بصيغة من الصيغ الدالة على ذلك، وهي متنوعة.
فعليه فالكبائر ليس لها عدد محصور متيقن، وإنما المدار على قباحة الفعل وشناعته في عرف الشارع، وتشديده في الوعيد عليه، ويعرف ذلك من خلال الآيات القرآنية، أو الأحاديث الصحيحة بلغ عددها ما بلغ. وهذا ظاهر قول ابن عباس السابق، وقد صرح به النووي، وعزاه إلى العلماء، وذكره من كلام الشيخ أبي محمد بن عبد السلام. وهو لازم لكل من ضبطها بالوصف وعلقها بالنصوص الواردة فيها.
أما توجيه بعض النصوص الوارد فيها تحديد عدد معين كما في الحديث الذي رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ. ونحوه من الأحاديث؛ فقد وجهه العلماء بأن الحصر ليس مقصوداً؛ وإنما هو من باب ذكر أعلاها وأشنعها؛ لأجل ورود نصوص صحيحة في عد بعض الأعمال من الكبائر غير ما ذكر في تلك النصوص.
حكم مرتكب الكبيرة:
الكبائر كما سلف تتفاوت فيما بينها؛ فمنها الشرك بالله تعالى-وهو أعلاها وأعظمها-، ومنها ما دون ذلك، كالقتل وشرب الخمر والزنى ونحوها من الكبائر.
أما مرتكب الشرك فهو إن مات على ذلك فحكمه أنه خالد في النار وحرام عليه دخول الجنة، كما ثبت ذلك بالأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء : 48]، وقال تعالى: {…إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ } [المائدة : 72].
وثبت من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ ، فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ “.
وروى الإمام أحمد وغيره عَنْ زَيْدِ بْنِ أُثَيْعٍ، – رَجُلٍ مِنْ هَمْدَانَ – سَأَلْنَا عَلِيًّا: بِأَيِّ شَيْءٍ بُعِثْتَ ؟ يَعْنِي يَوْمَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ، قَالَ: ” بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، وَلا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَلا يَحُجُّ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا “.
فهذه النصوص بينت أن المشرك محرم عليه دخول الجنة لارتكابه أعظم الكبائر وهو الإشراك بالله تعالى؛ وأن مصيره النار؛ أعاذنا الله منها.
وأما مرتكب بقية الكبائر فقد اتفق أهل السنة والجماعة -خلافاً للخوارج والمعتزلة وغيرهم من فرق الضلال-أنه تحت رحمة الله تعالى إن شاء عذبه بكبيرته؛ وإن شاء عفى عنه؛ وكان مصير أمره إلى الجنة؛ لأجل ما معه من أصل التوحيد.
ودل على ذلك أدلة من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ..} [النساء : 48].
وروى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ.
فمرتكب الكبائر لا يخرج من الإسلام؛ مهما فعل منها، قَلَّتْ أو كثرت، ما لم تصل إلى الإشراك بالله تعالى، ولا يزال عنه اسم الإسلام.
وإنما الخلاف بين أهل السنة في إطلاق اسم المؤمن عليه، والنصوص دلت على أن مرتكب الكبيرة حين فعلها لا يطلق عليه اسم المؤمن، كما في صحيح البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
فمن نفى الإيمان عن مرتكب الكبيرة إنما وافق هذه النصوص التي لا مدفع لها، ومن المعلوم أن نفي الإيمان عن أصحاب هذه الذنوب لا يعني إخراجهم من الإيمان ولا نفي التصديق الذي بقلوبهم، وإنما يعني نفي كماله الذي به يستحقون هذا الإطلاق، وأما ما ورد من النصوص، وقد أطلق على أصحابها وصف الإيمان مع ارتكابهم للذنوب مثل قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما…} الحجرات 49. ونحوها من النصوص. فوجه هذا أنه سماهم بهذا الاسم الذي يصح إطلاقه عليهم على الاعتبار أنهم مؤمنون من ناحية المواريث والأحكام لا من ناحية الإطلاق العام، والله أعلم.

-- الفريق العلمي - حملة السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*