السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » ضرورة الأمن

ضرورة الأمن

 
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فإن الأمن أحد ضرورات الحياة التي لا تستقيم إلا بها، وأحد ركائز صلاح حال الدين والدنيا؛ فهو عماد قيام الدين؛ وعمدة قوام حياة الناس؛ فبدون الأمن لا يهنأ عابد بعبادته؛ فيصبح لب العبادة مفقود وهو الخشوع والتأمل والتدبر في تلك العبادة؛ وبدون الأمن لا يهنأ عيش لإنسان في هذه الحياة؛ فيصبح فؤداه مرتقباً لكل حادثة في كل وقت؛ فلا يهنأ بطعام ولا بنوم.
فالأمن ركيزة أساسية لصلاح حال الدين والدنيا، والضرورات الخمسة التي أتت الشرائع لحمايتها وصيانتها لا يمكن بحال أن يحافظ عليها في حال انعدام الأمن.
فحفظ الدين وهو أهم مقاصد الشريعة لا يمكن أن يحاط بالرعاية والصيانة إلا إذا وجد أمن؛ ولا يمكن أن تطبق أحكام الردة؛ أو أحكام ردع الجناة على الدين حينما يكون الأمن غائباً.
وكذلك حفظ الأنفس يظل معدوماً عند غياب الأمن؛ فلا يمكن الاقتصاص من المعتدي أو الظالم إذا انعدم الأمن.
وكذلك حفظ العقول يصبح الحفاظ عليها أمراً مستحيلا إذا اختل الأمن، لأن وسيلة ردع الجناة على العقول يكون أمراً مستحيلاً.
وكذلك الأعراض تصبح كلأ مباحاً لكل مسبيح لها إذا انعدم الأمن؛ فليس هناك رادع للمجرمين الوالغين في الأعراض يردعهم عند ارتكابهم لجرائمهم.
وكذلك المال الذي به قيام الدنيا يصبح نهباً لكل منتهب إذا فقد الأمن؛ لأجل غياب الرادع الذي يحجز كل من تسول له نفسه الاعتداء على أموال الاخرين.
ولم تشرع الحدود؛ ووجب السمع والطاعة لولاة الأمور إلا لأجل أن تستقيم حياة الناس؛ ويستقر عيشهم، فلا حياة بلا أمن؛ ولا قيام للدين بلا أمن.
والأمن طمأنينة في النفس وانشراحا في الصدر؛ وهو ضد الخوف الذي هو توقع المكروه في كل حين، والأمن والخوف ضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
ولمنزلة الأمن وأهميته وضرورته امتن الله عز وجل على عباده به حينما حَرَم غيرهم من عباده منه؛ فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } [العنكبوت : 67].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير ه (6 / 295): يقول تعالى ممتنا على قريش فيما أحلهم من حرمه، الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنا، فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: { لإيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } [قريش: 1-4].
وقوله: { أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ } أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه [غيره من] الأصنام والأنداد، و { بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } [إبراهيم: 28]، وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم آنافهم وأذل رقابهم.
ومما وعد الله به عباده المؤمنين حينما يقومون بأمره أن يُمكِّن لهم في البلاد ويبدل خوفهم أمناً؛ كما قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور : 55]وروى الترمذي وغيره عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:  من أصبح منكم معافى في جسده، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا.
ففي هذا الحديث بيان أن الأمن أحد ضرورات الحياة التي لا تستقيم إلا بها، فمن لم يصبح آمنا في سربه فدنياه في وبال مهما أوتي فيها من أموال ومتاع.
قال الإمام الماوردي رحمه الله في أدب الدنيا والدين: اعْلَمْ أَنَّ مَا بِهِ تَصْلُحُ الدُّنْيَا حَتَّى تَصِيرَ أَحْوَالُهَا مُنْتَظِمَةً ، وَأُمُورُهَا مُلْتَئِمَةً ، سِتَّةُ أَشْيَاءَ هِيَ قَوَاعِدُهَا ، وَإِنْ تَفَرَّعَتْ ، وَهِيَ : دِينٌ مُتَّبَعٌ، وَسُلْطَانٌ قَاهِرٌ، وَعَدْلٌ شَامِلٌ، وَأَمْنٌ عَامٌّ، وَخِصْبٌ دَائِمٌ، وَأَمَلٌ فَسِيحٌ .
ثم قال: وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ : فَهِيَ أَمْنٌ عَامٌّ تَطْمَئِنَّ إلَيْهِ النُّفُوسُ وَتَنْتَشِرُ فِيهِ الْهِمَمُ ، وَيَسْكُنُ إلَيْهِ الْبَرِيءُ، وَيَأْنِسُ بِهِ الضَّعِيفُ. فَلَيْسَ لِخَائِفٍ رَاحَةٌ ، وَلَا لِحَاذِرٍ طُمَأْنِينَةٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ ، الْأَمْنُ أَهْنَأُ عَيْشٍ ، وَالْعَدْلُ أَقْوَى جَيْشٍ ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ يَقْبِضُ النَّاسَ عَنْ مَصَالِحِهِمْ ، وَيَحْجِزُهُمْ عَنْ تَصَرُّفِهِمْ ، وَيَكُفُّهُمْ عَنْ أَسْبَابِ الْمَوَادِّ الَّتِي بِهَا قِوَامُ أَوَدِهِمْ وَانْتِظَامُ جُمْلَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ نَتَائِجِ الْعَدْلِ ، وَالْجَوْرَ مِنْ نَتَائِجِ مَا لَيْسَ بِعَدْلٍ .
وَقَدْ يَكُونُ الْجَوْرُ تَارَةً بِمَقَاصِدِ الْآدَمِيِّينَ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَدْلِ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِأَسْبَابٍ حَادِثَةٍ مِنْ غَيْرِ مَقَاصِدِ الْآدَمِيِّينَ فَلَا تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ حَالِ الْعَدْلِ .
فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَا سَبَقَ مِنْ حَالِ الْعَدْلِ مُقْنِعًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْأَمْنُ فِي انْتِظَامِ الدُّنْيَا قَاعِدَةً كَالْعِدْلِ .
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْأَمْنُ الْمُطْلَقُ مَا عَمَّ وَالْخَوْفُ قَدْ يَتَنَوَّعُ تَارَةً وَيَعُمُّ .
فَتَنَوُّعُهُ بِأَنْ يَكُونَ تَارَةً عَلَى النَّفْسِ ، وَتَارَةً عَلَى الْأَهْلِ ، وَتَارَةً عَلَى الْمَالِ .
وَعُمُومُهُ أَنْ يَسْتَوْجِبَ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ حَظٌّ مِنْ الْوَهَنِ، وَنَصِيبٌ مِنْ الْحَزَنِ .
وَقَدْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَسْبَابِهِ وَيَتَفَاضَلُ بِتَبَايُنِ جِهَاتِهِ ، وَيَكُونُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرَّغْبَةِ فِيمَا خِيفَ عَلَيْهِ .
فَمِنْ أَجَلِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَّصِفَ حَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ بِمِقْدَارٍ مِنْ الْوَهَنِ وَنَصِيبٍ مِنْ الْحَزَنِ ، لَا سِيَّمَا وَالْخَائِفُ عَلَى الشَّيْءِ مُخْتَصُّ الْهَمِّ بِهِ مُنْصَرِفُ الْفِكْرِ عَنْ غَيْرِهِ .
فَهُوَ يَظُنُّ أَنْ لَا خَوْفَ لَهُ إلَّا إيَّاهُ ، فَيَغْفُلُ عَنْ قَدْرِ النِّعْمَةِ بِالْأَمْنِ فِيمَا سِوَاهُ ، فَصَارَ كَالْمَرِيضِ الَّذِي هُوَ بِمَرَضِهِ مُتَشَاغِلٌ، وَعَمَّا سِوَاهُ غَافِلٌ، وَلَعَلَّ مَا صُرِفَ عَنْهُ أَعْظَمُ مِمَّا اُبْتُلِيَ .
وَكَذَلِكَ مَنْ عَمَّهُ الْأَمْنُ كَمَنْ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ الْعَافِيَةُ، فَهُوَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ النِّعْمَةِ بِأَمْنِهِ حَتَّى يَخَافَ، كَمَا لَا يَعْرِفُ الْمُعَافَى قَدْرَ النِّعْمَةِ حَتَّى يُصَابَ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : إنَّمَا يُعْرَفُ قَدْرُ النِّعْمَةِ بِمُقَاسَاةِ ضِدِّهَا .
فَأَخَذَ ذَلِكَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ فَقَالَ :
وَالْحَادِثَاتُ وَإِنْ أَصَابَك بُؤْسُهَا           فَهُوَ الَّذِي أَنْبَاكَ كَيْفَ نَعِيمُهَا
فَالْأَوْلَى بِالْعَاقِلِ أَنْ يَتَذَكَّرَ عِنْدَ مَرَضِهِ وَخَوْفِهِ قَدْرَ النِّعْمَةِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ عَافِيَتِهِ وَأَمْنِهِ ، وَمَا انْصَرَفَ عَنْهُ مِمَّا هُوَ أَشَدُّ مِنْ مَرَضِهِ وَخَوْفِهِ ، فَيَسْتَبْدِلُ بِالشَّكْوَى شُكْرًا، وَبِالْجَزَعِ صَبْرًا، فَيَكُونُ فَرِحًا مَسْرُورًا.
ولهذا ندرك أهمية الأمن في حياة الناس ومنزلته في الشرائع وحاجته لقيام الحياة التي فيها يقوم أمر الدين.
وقد مدحت الشريعة المطهرة من يأمنه الناس؛ واعتبرت المسلم الحقيقي من يسلم من شره المسلمون.
فقد روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ؛ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ؛ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ؛ قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائقَه.
وروى البخاري أيضاً عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
وروى البخاري أيضاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ.
والإخلال بأمن الناس جريمة عظمى رتب عليها الشرع حدوداً وعقوبات رادعة لمن تسول له نفسه بالقيام بما يخل بالأمن.
فشرعت حد القتل لمن يستبيح دماء الناس، وكذلك حد الحرابة لمن يتعرض لأمن الناس في أسفارهم ونحوها؛ وشرعت حد الزنى لمن يستبيح أعراضهم، وشرعت حد السرقة لمن ينهب أموالهم، وكل ذلك حفاظاً على أمن الناس وحياتهم ومعاشهم.
ومما سبق يتبين منزلة الأمن وضرورته، وأنه غاية ومقصد يجب الحفاظ عليها من جميع طبقات الناس، وأنَّ المخل بالأمن مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؛ ومتجاوز لحرمات الله التي توعد مرتكبها بالعذاب الأليم.

-- الفريق العلمي - حملة السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*