الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » من سمات الفئة الضالة فساد منهج التثبت لديهم

من سمات الفئة الضالة فساد منهج التثبت لديهم

فتجدهم يعتمدون على أخبار الصحف والقنوات الهدامة وكذا أخبار المنتديات وهذا مخالف لأصل التثبت عند أهل السنة والجماعة
قال الله تعالى : « . . . إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيَّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين » .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – ( فتاواه 19/63 ) :
« يسمع خبر الفاسق ويتبين ويتثبت ؛ فلا يجزم بصدقه ولا كذبه إلا ببينة كما قال تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ) . . . » انتهى .

وقال – رحمه الله – ( فتاواه 15 / 308 ) :
« وأيضاً فإنه علّل ذلك بخوف الندم , والندم إنما يحصل على عقوبة البريء من الذنب , كما في سنن أبى داود ( ادرؤوا الحدود بالشبهات فإن الإمامَ أن يخطيءَ في العفو خير من أن يخطيءَ في العقوبة ) , فإذا دار الأمرُ بين أن يخطيء فيعاقب بريئاً أو يخطيء فيعفو عن مذنب ؛ كان هذا الخطأ خير الخطأين » انتهى .

وقال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – ( تفسيره 4/245 ) :
« يأمر الله تعالى بالتثبُّت في خبر الفاسق ليُحتاط لـه , لئلا يُحكَم بقوله فيكون – في نفس الأمر – كاذباً أو مخطئاً » انتهى .
وكم سبَّبَ عدم التثبت من فتنٍ ومصائب على الأمةِ لا زالت تعاني منها حتى يومنا هذا .

وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}.

قال ابن كثير -رحمه الله- :” في هذه الآية إنكارٌ على من يبادر إلى الأمور قبل تحقُّقِها فيخبر بها ، ويفشيها ، وينشرها ، وقد لا يكون لها صحة”.

فهذه الآية توجبُ التثبُّتَ والتبيُّنَ عند سماعِ الأخبار ، وتُنكِر –كما ذكر ابن كثير- على من بَادَرُ وسارَعَ في نقلها ونشرها قبل أن يتحققَ من صحتها ، وأرشدت كذلك إلى أمر آخر مهم ؛ وهو أن الأخبار إنما تنقل إلى أولي الأمر من العلماءِ والأمراءِ ، ولا تنقَلُ إلى عامَّةِ الناس لأن النقلَ إلى عامة الناس لا فائدة فيه، وإنما الفائدة في نقله إلى أهل الحلِّ والعقدِ الذين يحسنون فهم الأمور، واستنباط المصالح منها ، ولديهم القدرة على درء المفاسد.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- عدَّةَ رواياتٍ تحذِّرُ من العجلةِ وعدم التثبت منها: حديث أبي هريرة -رضي اللهُ عنه- عن النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكلِّ ما سمع)) .

وعن المغيرة بن شعبة -رضي اللهُ عنه- : أنَّ رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- نهى عن قيل وقال.

قال ابن كثير -رحمه الله- : “أي الذي يكثر من الحديث عمَّا يقول الناسُ من غيرِ تثبُّتٍ ، ولا تدبُّرٍ ، ولا تبيُّنٍ.
ثم ذكر ابن كثير -رحمه الله- قوله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-: ((بئس مطية الرجل زعموا)).

قال ابن كثير -رحمه الله- : “ويُذكَر هاهنا حديث عمر -رضي اللهُ عنه- المتفَقِ عليه حين بلغه أنّ رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- طلَّقَ نساءه ، فجاء من منْزله حتى دخل المسجد فوجد الناسَ يقولون ذلك فلم يصبِر حتى استأذن على رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- فاستفهمه : أطلقت نساءك؟ قال: ((لا)) فقلت: الله أكبر …الحديث .

وعند مسلم: فقلت : أطلَّقتهنَّ؟ فقال: ((لا)). فقمتُ على باب المسجد فناديتُ بأعلى صوتي : لم يطلِّق رسول الله -صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- نساءه . ونزلت الآية.

قال عمر -رضي اللهُ عنه-: أنا استنبطت ذلك الأمر.

وقال السعدي -رحمه الله- : “هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق ، وأنَّه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمورِ المهمَّة ،والمصالح العامة ما يتعلَّقُ بالأمن ، وسرور المؤمنين ، أو بالخوف الذي فيه مصيبةٌ عليهم ؛ أن يتثبَّتوا ، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر.

بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ؛ أهل الرأي ، والعلم ، والنصح ، والعقل ، والرزانة ؛ الذين يعرفون الأمور ، ويعرفون المصالِحَ وضدَّها.

فإذا رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطاً للمؤمنين ، وسروراً لهم ، وتَحَرُّزاً من أعدائهم ؛ فعلوا ذلك .

وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة ، أو فيه مصلحة ولكن مضرَّته تزيد على مصلحته لم يذيعوه ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة ،وعلومهم الرشيدة.

وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي: أنه إذا حصل بحث في أمرٍ من الأمور ، ينبغي أن يولَّى من هو أهل لذلك ، ويجعل إلى أهله ، ولا يتقدم بين أيديهم ، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ .

وفيه النهي عن العجلة والتسَرُّع لنشر الأمور من حين سماعها ، والأمر بالتأمل قبل الكلام ، والنظر فيه ، هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان؟ أم لا ، فيحجم عنه؟”.

-- جمال البليدي – موقع المنهاج

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*