الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » حرمة قتل الإنسان نفسه

حرمة قتل الإنسان نفسه

إن النفس التي بين جنبي الإنسان أمانة بيده؛ فليس له التصرف فيها كيفما شاء؛ حيث أن النفس خلق من خلق الله تعالى وهو مالكها؛ والإنسان لم يخلق نفسه ولم يكن له يد في خلقها.

وقد ورد تحريم قتل الإنسان نفسه في الشرائع السابقة كلها؛ لما فيه من الظلم والتعدي على ما لا يملكه الإنسان؛ وتوعد فاعل ذلك بالعذاب الأليم؛ ولأن مرتكب هذا الجرم الكبير متعد لحدود الله التي لم يجز لأحد تجاوزها.

فالنفس حرمتها عظيمة؛ وأمانة الإنسان عليها كبيرة؛ فلا يجوز إتلافها إلا بأمر قد أذن فيه الخالق المشرع تعالى.
ولم يرد في نصوص الشرع  نصاً يبيح للإنسان قتل نفسه مباشرة؛ في أية حالة يكون عليها؛ أو أي ظلم وقع عليه.
وقد حرم الله تعالى أن يقتل الإنسان نفسه في صريح قوله سبحانه: {.. وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } [النساء: 29-30]

قال العلامة ابن جرير في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل ثناؤه:”ولا تقتلوا أنفسكم”، ولا يقتل بعضكم بعضًا، وأنتم أهل ملة واحدة، ودعوة واحدة، ودين واحد. فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضَهم من بعض. وجعل القاتل منهم قتيلا = في قتله إياه منهم = بمنزلة قَتله نفسه، إذ كان القاتلُ والمقتول أهلَ يد واحدة على من خالف مِلَّتَهُما. [تفسير الطبري 8/ 229].

وروى البخاري في صحيحه حديثا قدسياً عن جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ؛ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ؛ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.

قال الحافظ ابن حجر في توجيه تحريم الجنة على قاتل نفسه:

أَحَدهَا : أَنَّهُ كَانَ اِسْتَحَلَّ ذَلِكَ الْفِعْل فَصَارَ كَافِرًا .

ثَانِيهَا : كَانَ كَافِرًا فِي الْأَصْل وَعُوقِبَ بِهَذِهِ الْمَعْصِيَة زِيَادَة عَلَى كُفْره .

ثَالِثهَا : أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْجَنَّة حُرِّمَتْ عَلَيْهِ فِي وَقْت مَا كَالْوَقْتِ الَّذِي يَدْخُل فِيهِ السَّابِقُونَ أَوْ الْوَقْت الَّذِي يُعَذَّب فِيهِ الْمُوَحِّدُونَ فِي النَّار ثُمَّ يَخْرُجُونَ .

رَابِعهَا : أَنَّ الْمُرَاد جَنَّة مُعَيَّنَة كَالْفِرْدَوْسِ مَثَلًا .

خَامِسهَا : أَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ عَلَى سَبِيل التَّغْلِيظ وَالتَّخْوِيف وَظَاهِره غَيْر مُرَاد .

سَادِسهَا : أَنَّ التَّقْدِير حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّة إِنْ شِئْت اِسْتِمْرَار ذَلِكَ .

سَابِعهَا : قَالَ النَّوَوِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ شَرْع مَنْ مَضَى أَنَّ أَصْحَاب الْكَبَائِر يَكْفُرُونَ بِفِعْلِهَا .

وَفِي الْحَدِيث تَحْرِيم قَتْل النَّفْس سَوَاء كَانَتْ نَفْس الْقَاتِل أَمْ غَيْره، وَقَتْل الْغَيْر يُؤْخَذ تَحْرِيمه مِنْ هَذَا الْحَدِيث بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَفِيهِ الْوُقُوف عِنْد حُقُوق اللَّه وَرَحْمَته بِخَلْقِهِ حَيْثُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ قَتْل نُفُوسهمْ وَأَنَّ الْأَنْفُس مِلْك اللَّه. [فتح الباري لابن حجر 6/ 500]

وأيما يكون توجيه النص فلا يخرجه عن كونه متضمنا وعيداً شديدا لقاتل نفسه؛ وكون فعله منكر عظيم يستحق عليه الوعيد.

وروى البخاري في صحيحه أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.
وروى مسلم في صحيحه عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة.

فهذه النصوص صريحة في تعظيم الإقدام على قتل الإنسان نفسه وأن فاعل ذلك متوعد بالعظيم الأليم في نار جهنم، ولا يجوز له في أي حال هو عليها أن يرتكب ذلك الذنب المشين؛ والجرم الكبير.

قال الدكتور حسن علي الشاذلي في بحث له منشور بمجلة مجمع الفقه الإسلامي: صلة الإنسان بجسمه ليست صلة مالك يتصرف في ملكه كيفما يشاء وبما يشاء، ولا تسلط يخضع المسلط عليه لرغباته دون حساب ودون رقيب..، ولكنها صلة كصلة المودع بالوديعة التي وضعت تحت يده، فهو أمين عليها، ومطالب بأن يحوطها بكل مقومات الحفظ والصيانة، وبكل ما يدرأ عنها الأضرار حتى ترد إلى صاحبها، وصلة كصلة المنتفع بما وهب له الانتفاع به، فيجب أن يباشر انتفاعه به على الوجه الذي رسمه له مالكه، وعلى المنهج الذي ارتضاه له، وفي الحدود التي ارتضاها وشرعها، فإذا جاوز الحد حق عليه الجزاء.

وقد سبق أن بينا أن المالك لكل ما في الكون من إنسان وغيره هو الله سبحانه وتعالى.

وعلى ضوء هذا حرم الله تعالى تعريض الإنسان نفسه للهلاك، وعاقب عليه أشد العقاب ، وفي تقرير ذلك يقول الله تعالى: { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ويقول جل شأنه: { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.ا.هـ.

وقد ورد الأمر الشرعي بالصبر على مصائب الدنيا والتي قد تحمل الإنسان على الجزع والتسخط إلى أن يقدم على إزهاق نفسه؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]. وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153]، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186]، وقال تعالى: {قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، وقال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137]

وروى البخاري في صحيحه عن عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: .. وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ.

وروى مسلم في صحيحه عن صهيب رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذلك لأحد إلّا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له».
وروى البزار في مسنده وغيره عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ كَقَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، خَمْسِينَ مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ مِنَّا ؟ قَالَ : خَمْسُونَ مِنْكُمْ.

فالصبر منزلته في الدين عالية؛ وهو من أعظم ما يعصم المسلم في الوقوع في كثير من المصائب الدينية والدنيوية.

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه اللّه تعالى: وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ .

وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ عَنْ أَنْ يَجْزَعَ فِيهَا وَالصَّبْرُ عَنْ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وقد ذكر اللّه الصّبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعا. وقرنه بالصّلاة في قوله تعالى: “وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ” (البقرة/ 45)، وجعل الإمامة في الدّين موروثة عن الصّبر واليقين بقوله: “وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ” (السجدة/ 24). فإنّ الدّين كلّه علم بالحقّ وعمل به، والعمل به لا بدّ فيه من الصّبر.  [مجموع الفتاوى: 10/ 39]

وبما سبق يتبين أن الإقدام على قتل الإنسان نفسه بأي وسيلة كانت سواء كان حرقا أو طعنا أو خنقا بحجة سبب الظلم الواقع عليه جرم عظيم وذنب كبير ينأى المسلم بنفسه في الوقوع في ذلك الإثم المبير.

-- محمد بن عبدالسلام الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*