الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » ركائز أساسية في معالجة الأزمة المصرية

ركائز أساسية في معالجة الأزمة المصرية

الحمدُ للهِ وحدهُ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على منْ لا نَبِيَّ بعدهُ ، أَمَّا بعدُ :

فنسأل المولى سبحانه أن يقيَ بلاد المسلمين الفتن ، ويُسبغَ عليها السكينة والأمن .

وقدْ تناقلتْ وكالاتُ الأنباءِ العالميةِ على اختلافِ لغاتِها وتنوعِ مشاربها ذلكَ الحدثَ الجللَ الَّذي هَزَّ مشارقَ الأرضِ ومغاربها ، والذي يُعدّ حدثا تأريخيا مهماً للمنطقة كلها ، ولشعب مصر بشكل خاص .

إِنَّهُ ( الأزمةُ المصريةُ ) الَّتي بدأتْ على شكلِ مظاهراتٍ سلميةٍ نادى بها مجموعات عبر الإنترنت ؛ ثُّم قَادَهَا مجموعةٌ منَ الشبابِ على أرضِ الواقعِ ؛ تعبيراً عَمَّا يجيشُ في نفوسهم من ألمٍ ومرارةٍ ؛ نتيجةً لألوانٍ منَ الظلمِ والقهر مُورستْ عليهم وعلى غيرهم خلال سنينَ متطاولةٍ ؛ ثُمَّ تحوَّلتْ هذه المظاهراتُ بفعلِ تَدَخُّلِ بعضِ الفئاتِ ، وتَعَنُّتِ بعضِ الجهاتِ إلى ثورةٍ عارمةٍ ، راحَ ضحيتها المئاتُ ، وجُرحَ بسببها آلافٌ، فضلاً عن تدميرِ الممتلكاتِ ، و إحراقِ المنشآتِ ، وشيوعِ الفوضى ، واختلالِ الأمنِ.

 وهكذا يجري الفسادُ في فتنٍ رهيبةٍ : صمَّاءَ عمياءَ ؛ كقطعِ الليل المظلمِ ، تتلاطمُ أمواجها ؛ مثلما تتلاطم أمواجُ البحرِ ، وقد أخرج البخاريُّ في”صحيحه” :
( كتاب الفتن ، باب الفتنة التي تموج كموج البحر،13/17/7096) بسندهِ  عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ عُمَرَ إِذْ قَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ قَالَ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ وَلَكِنْ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ…”.

قالَ ابنُ حجرً-رحمهُ اللهُ- كما في “فتح الباري” : (10/391) :””قَوْله : ( كَمَوْجِ الْبَحْر )أَيْ تَضْطَرِب اِضْطِرَاب الْبَحْر عِنْد هَيَجَانه ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّة الْمُخَاصَمَة وَكَثْرَة الْمُنَازَعَة وَمَا يَنْشَأ عَنْ ذَلِكَ مِنْ الْمُشَاتَمَة وَالْمُقَاتَلَة” .

وقدْ كانَ علماءُ السَّلفِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ :

الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً   تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا  وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ   مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ

و النَّاظرُ عنْ كثبٍ في الخطابِ الموجِّهِ لعلاجِ هذه الأزمةِ يجدُ أَنَّهُ يتأرجحُ في الغالبِ بينَ خطابينِ لهما صوتٌ عالٍ عبرَ وسائلِ الإعلامِ المختلفةِ :
أحدهما : خطابٌ إعلامِيٌّ قائمٌ في جُلِّهِ على الظَّنِّ والتَّخرُّصِ ، وتزييفِ الحقائقِ ، وبَثِّ الإشاعاتِ ، و إذاعةِ الأراجيفِ-إلا ما رحمَ اللهُ- .

والآخرُ : خطابٌ سياسيٌّ حزبيٌّ ، يحملُ في طَيَّاتهِ الإثارةَ والاستفزازَ والتهييجَ .

والحقيقةُ الَّتي لا مِراءَ فيها أَنَّ كلا الخطابينِ لا يعالجانِ الأزمةَ ؛ وإِنَّما يزيدانِ في اشتعالها ، وتطايرِ شررها ؛ في بعدٍ تامٍّ عنْ مراعاةِ مصالحِ الأُمَّةِ العليا ، وعدمِ تقديرٍ لحجمِ المصالحِ والمفاسدِ .

وآنَ الأوانُ أنْ تسمعَ كآفَّةُ الشَّرائحِ لخطابِ السَّكينةِ المنبثقِ من الوحيِّ الإلهيِّ الَّذي فيه النُّورُ الَّذي من شأنهِ-بإذن اللهِ-أنْ يُبَدِّدَ ظلماتِ الجهلِ والهوى ، وفيهِ الرُّوحُ الَّتي بها حياةُ الأمواتِ من البشرِ ؛ كما قال تعالى : ( أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الأنعام122.

ألا وإِنَّ هذا الخطابَ ينطلقُ في معالجةِ الأزمةِ من ركائزَ أساسيةٍ ؛ تستوعِبُ الأمةَ قاطبةً ، وهي على النَّحوِ الآتي :

1-فريضةُ إرساءِ قواعدِ العدلِ وتحكيمِ الشَّرعِ والكفِّ عن المظالمِ وردِّ الأماناتِ إلى أهلها ؛ كما قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) النساء58.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ ، حَتَّى يُعْلِنُوا ، بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ”.أخرجه ابنُ ماجه في “سننه” 4019 ، وصحَّحهُ الألباني في “صحيح الترغيب والترهيب” برقم 1761 .

2-السَّمعُ والطَّاعةُ في المعروفِ للحُكامِ ،  وإنِ جارُوا وظلموا ؛و الصَّبرُ على ظلمهم وأَذاهم ، وعدمُ الخروجِ عليهم باليدِ ، أوْ بأيِّ لونٍ منْ ألوانِ الخروجِ؛ مع مناصحتهم وفقَ الضوابطِ الشَّرعيةِ؛ وهذا النَّوعُ منَ الصَّبرِ داخلٌ في نوعِ الصبرِ المحمودِ وهو الصَّبرُ على أقدارِ اللهِ المؤلمةِ .

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) النساء59.

ومنْ إعجازِ القرآنِ العظيمِ وحكمهِ الباهرةِ أنْ جاءتِ الآيتانِ من سورةِ الأنعامِ : الثانيةُ بعد الأولى ، وفي بيانِ ذلكِ يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمه الله- كما في “السياسة الشرعية” : (ص/12) :

“قالَ العلماءُ نزلتِ الآيةُ الأولى في وُلاةِ الأمورِ عليهم أنْ يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها، وإذا حكموا بين النَّاسِ أنْ يحكموا بالعدلِ ، ونزلتِ الثَّانيةُ في الرَّعيةِ منَ الجيوشِ وغيرِهم عليهم أنْ يُطيعوا أولي الأمرِ الفاعلينَ لذلكِ في قَسْمِهم وحُكمهم ومَغازيهم وغيرِ ذلك إلا أنْ يأمروا بمعصيةِ اللهِ فإنْ أمروا بمعصيةِ اللهِ فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالقِ ، فإنْ تنازعوا في شيءٍ رَدُّوهُ إلى كتابِ اللِه وسنةِ رسولهِ صَلَّى اللهُ عليه و سَلَّم ، وَإنْ لم تفعلْ وُلاةُ الأمرِ ذلك أُطيعوا فيما يأمرونَ به منْ طاعةِ اللِه لأَنَّ ذلكَ منْ طاعةِ اللهِ ورسولهِ ؛ وَأُدِّيتْ حُقوقُهم إليهم كَما أَمَرَ اللهُ ورسولُه : ( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) المائدة2” .  

ويقولُ أيضاً-رحمهُ اللهُ- كما في “مجموع الفتاوى” : (35/7-10) :
“وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الداري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا ؛ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ) ، وَفِي السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأَ سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ . ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ) . و ” يَغَلُّ ” بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَيُقَالُ : غَلَّى صَدْرَهُ فَغَلَّ إذَا كَانَ ذَا غِشٍّ وَضَغَنٍ وَحِقْدٍ أَيْ قَلْبُ الْمُسْلِمِ لَا يُغِلُّ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ : ( إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَأَنْ تناصحوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ) فَإِنَّ اللَّهَ إذَا كَانَ يَرْضَاهَا لَنَا لَمْ يَكُنْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ يُغِلُّ عَلَيْهَا يُبْغِضُهَا وَيَكْرَهُهَا فَيَكُونُ فِي قَلْبِهِ عَلَيْهَا غِلٌّ؛ بَلْ يُحِبُّهَا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَيَرْضَاهَا.

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عبادة بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ( بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ ؛ وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَعَلَى أَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا ؛ لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ ؛ إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( عَلَيْك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي عُسْرِك وَيُسْرِك وَمَنْشَطِك وَمَكْرَهِك وَأَثَرَةٍ عَلَيْك ) . وَمَعْنَى قَوْلِهِ ( وَأَثَرةٍ عَلَيْك ) ( وَأَثَرةٍ عَلَيْنَا ) أَيْ وَإِنْ اسْتَأْثَرَ : وُلَاةُ الْأُمُورِ عَلَيْك فَلَمْ يُنْصِفُوك وَلَمْ يُعْطُوك حَقَّك ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ( أسيد بْنِ حضير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَلَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَلَّا تَسْتَعْمِلُنِي كَمَا اسْتَعْمَلْت فُلَانًا ؟ فَقَالَ : إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ) . وَهَذَا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ ( قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا تَكُونُ بَعْدِي أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا قَالُوا : يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ ؟ قَالَ ؟ تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ ) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حجر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ ( سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الجعفي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَنَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا : فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ؛ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ ؛ ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ فَحَدَّثَهُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ) . فَذَلِكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ : هُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِ ؛ وَإِنْ اسْتَأْثَرُوا عَلَيْهِ . وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ : فَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ؛ وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَيْهِ .

وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَإِنْ لَمْ يُعَاهِدْهُمْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُمْ الْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَحَجُّ الْبَيْتِ . وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ الطَّاعَةِ ؛ فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا وَتَثْبِيتًا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ ، فَالْحَالِفُ عَلَى هَذِهِ   لْأُمُورٍ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ ؛ فَإِنَّ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ ؛ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ وَغِشِّهِمْ مُحَرَّمٌ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى ذَلِكَ . وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيُصَلِّيَنَّ الْخَمْسَ وَلَيَصُومَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ أَوْ لَيَقْضِيَنَّ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ وَيَشْهَدَنَّ بِالْحَقِّ : فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَغِشِّ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْخُرُوجِ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِمْ : هُوَ مُحَرَّمٌ ؛ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ” .

وَقال-رحمه الله- في “الاستقامة” : (1/35) :
“وَقولُه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ وأمثال ذلك من الأحاديثِ الصِّحاحِ.

فَأَمرَ مع ذكرهِ لظلمِهم بالصَّبرِ ، وإعطاءِ حقوقِهم ، وطلبِ المظلومِ حَقَّهُ مِنَ اللِه ، ولم يأذنْ للمظلومِ المبغِي عليه بقتالِ الباغي في مثلِ هذهِ الصُّورِ الَّتي يكونُ القتالُ فيها فتنةً ؛ كَما أَذِنَ في دفعِ الصَّائلِ بالقتالِ حيثُ قالَ منْ قُتلِ دونَ مالِه فهو شهيدٌ ومَنْ قُتلِ دون دينهِ فهو شهيدٌ ؛  فإنَّ قتالَ اللُّصوصِ ليسَ قتالَ فتنةٍ إِذِ النَّاسُ كُلُّهم أعوانٌ عَلى ذلكَ ؛ فليسَ فيه ضررٌ عَامُّ على غيرِ الظالمِ ، بخلافِ قتالِ ولاةِ الأمورِ فَإنَّ فيه فتنةً وشرًّا عاماً أعظمَ منْ ظلمهم ؛  فالمشروعُ فيه الصبرُ ” .

3-تقوى اللهِ و استحضارُ مراقبتهِ في السِّرِّ والعلانيةِ لا سيما في الكُلِّيَّاتِ الثلاثِ الَّتي جاءتِ الشَّريعةِ بحفظها ، وصونها عن العبثِ والضَّياعِ ، ألا وهي : الدِّماءُ والأموالُ والأعراضُ ؛ كما جاءَ التأكيدُ على ذلكِ في بيانِ حَجَّةِ الوداعِ :
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ.أخرجه البخاريُّ في”صحيحه” برقم1652 .

4-الأخذُ بالرِّفقِ واللِّين في الأقوالِ والأفعالِ ، و مجانبةُ الغضبِ والتَّصرُّفاتِ الطائشةِ؛ فقد أمرَ اللهُ موسى وهارون-عليهما السَّلامُ-أنْ يخاطبا فرعونَ-أخزاهُ الله- باللِّينِ ؛ كما قال تعالى : ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) طه 43-44.

فهذا الأمرُ الإلهِيُّ فيها عبرةٌ عظيمةٌ ودرسٌ جليلٌ ، وهو أَنَّ اللهَ أمرَ ألا يُخاطَبَ فرعونُ إلا بالملاطفةِ واللينِ مع ملاحظةِ عِدَّةِ أمورٍ في غايةِ الأهميةِ :

أولها : أَنَّ فرعونَ إذْ ذاكَ كانَ في غايةِ العتوِ والاستكبارِ ؛ فقدْ كانَ هو وغيرهُ مِنَ الفراعنةِ طُغاةً جبابرةً ؛ يعتبرونَ أنفسهم آلهةً للقبطِ ، وكانوا قد وضعوا شرائع لا تخلو عنْ جورٍ .

كما كانوا يستعبدونَ الغرباءَ ، وقد صنعوا ذلك مع بني إسرائيل ؛ إذِ استعبدوهم ، وأَذَلُّوهم قروناً ، فإذا سألوا حَقَّهم استأصلُوهم ، وَمَثَّلُوا بهم ، وقتلوهم ، كما حكى اللهُ عنهم : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) القصص4.

الثاني : عِلْمُ اللهِ الأزليُّ السَّابقُ في كتابهِ بأَنَّ فرعونَ سيمضي قدماً في كفرهِ وطغيانهِ؛ غيرَ مكترثٍ بنصيحةٍ ناصحٍ أو قولِ مرشدٍ ؛ وأَنَّهُ سيموتُ على ذلكَ .

الثَّالثُ : أَنَّ الإنسانَ مهما بلغَ من الطُّغيانِ والاستكبارِ شأْوَاً بعيداً ؛ فإِنَّهُ لا ينبغي أن نقطعَ فيهِ الأملَ في أَوْبتهِ وَرَجْعتهِ للحقِّ ؛ كما قال تعالى (  لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ) ؛” أي: لعلَّه يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، ( أَوْ يَخْشَى ) أي: يُوجِدَ طاعةً من خشية ربه” ؛ كما أفادهُ الحافظُ ابنُ كثيرٍ في”تفسيره” : (5/295) .

5-التَّغييرُ الحقيقيُّ الَّذي ننشدهُ جميعاً في حاضرِ الحياةِ ومستقبلها-بإذنِ الله- لا يكونُ بالشِّعاراتِ البَرَّاقةِ، ولا بالهتافاتِ الرَّنانةِ الجالبةِ للإثارةِ والتهييجِ والاستفزازِ، والمفضيةِ للمفاسدِ والشُّرورِ ؛ وإنما هُو على الحقيقةِ تغييرٌ جذريٌّ يُعالجُ ما اعترى النفَّسَ على تطاولِ العهدِ منْ شرٍّ وفسادٍ في ضوءِ منهاجِ النُّبوةِ القائمِ على العلمِ النَّافعِ والعملِ الصَّالحِ ؛ وفي ذلك يقولُ الله تعالى : (  إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الرعد11.

وهذا يدعو الجميعَ إلى تحقيقِ مقاماتٍ من العبوديةِ لله عزَّ وجلَّ ، منْ ذلكم :

1-إظهارُ الفاقةِ والتَّضَرُّعِ للهِ عَزَّ وجلَّ ؛ كما قال تعالى : ( وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) الأنعام42 ، وقالَ تعالى : ( فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) الأنعام43.
وقال تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) الأعراف94

2-التَّوبةُ والإنابةُ للهِ ؛ فإِنَّ ما يقعُ على العبادِ من أزماتٍ ومضايقَ ؛ فإِنَّما هو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم ، وما اجترحتْ أيديهم من آثامٍ ومنكراتٍ ؛ كما قال تعالى : ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آل عمران165.

يقول شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمهُ اللهُ- في كلمةٍ تأصيليةٍ جامعةٍ ؛ كما في “مجموعِ الفتاوى” : ( 125/4):
“أَنَّ السَّيِّئَةَ إنَّمَا تُصِيبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ( أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ) ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) . فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَحَّدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ مَتَّعَهُ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمَنْ عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا زَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ وَفِي الْحَدِيثِ : ( يَقُولُ الشَّيْطَانُ : أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوبِ وَأَهْلَكُونِي بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَالِاسْتِغْفَارِ . فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ بَثَثْتُ فِيهِمْ الْأَهْوَاءَ فَهُمْ يُذْنِبُونَ وَلَا يَتُوبُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) ( فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) أَيْ فَهَلَّا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا فَحَقُّهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ التَّضَرُّعُ وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ) قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إلَّا بِذَنْبِ وَلَا رُفِعَ إلَّا بِتَوْبَةِ” .

ويقولُ الإمامُ ابنُ قَيِّمِ الجوزيةِ-رحمه الله- كما في “مفتاح دار السعادة” : (2/175-178) :
“اقتضتْ حِكمةُ اللهِ العزيزِ الحكيمِ أَنْ يأَكُلَ الظَّالمُ الباغِي ، وَيَتَمتَّعَ في خَفَارَةِ ذُنوبِ المظلومِ المبغِي عليهِ ؛ فذنوبهُ منْ أَعظمِ أسبابِ الرَّحمة في حق ظالمهِ ؛  كما أَنَّ المسؤولَ إذا رَدَّ السَّائلَ فهو في خَفَارةِ كذبهِ ، وَلوْ صَدَقَ السَّائلُ لما أفلحَ مَنْ رَدَّهُ وكذلك السَّارقُ وقاطعُ الطَّريقِ في خَفَارةِ مَنْعِ أصحابِ الأموالِ حقوقَ اللهِ فيها ، ولو أَدُّوا ما للهِ عليهم فيها لحَفِظَهَا اللهُ عليهم.

وهذا أَيضاً بابٌ عظيمٌ مِنْ حِكمةِ اللهِ يَطَّلِعُ النَّاظرُ فيهِ عَلى أسرارٍ مِنْ أسرارِ التَّقديرِ، وتسليطِ العالمِ بعضِهم على بعضٍ ، وتمكينِ الجناةِ والبُغاةِ ؛ فسبحانَ مَنْ لَهُ في كُلِّ شَيءٍ حِكمةٌ بالغةٌ ، وآيةٌ باهرةٌ ؛ حَتَّى إِنَّ الحيواناتِ العَادِيةَ على النَّاسِ في أَموالِهم وأرزاقِهم وأبدانِهم تعيشُ في خَفارةِ ما كسبتْ أيديهم ، ولولا ذلكَ لم يُسلَّطْ عليهم مِنها شَيءٌ .

وَيُحكى أَنَّ بعضَ أصحابِ الماشيةِ كانَ يَشُوبُ اللَّبنَ ويبيعُه على أَنَّهُ خَالصٌ ؛ فأرسلَ اللهُ عليه سيلاً ؛ فذهبَ بالغنمِ ، فَجَعلَ يَعجبُ فَأُتِيَ في منامهِ ؛ فقيل له : أَتعجبُ مِنْ أخذِ السَّيلِ غنمَك؟!  إِنَّما هي تلكَ القطراتُ الَّتي كُنتَ تُشيبُ بها اللَّبنَ ، اجتمعت وصارت سيلاً .
فقسْ على هذهِ الحكايةِ ما تَراهُ في نفسِك ، وفي غيرِك ، تعلمُ حينئذٍ أنَّ اللهَ قائِمٌ بالقسطِ ، وأَنَّهٌ قائم على كُلِّ نفسٍ بما كسبتْ ، وأَنَّهُ لا يَظلمُ مثقالَ ذَرَّةٍ .

…وتأمَّلْ حكمتَه تعالى في أَنْ جَعلَ ملوكَ العبادِ وأمراءَهُم وَوُلاتَهم منْ جنسِ أَعمالهم ، بَلْ كَأَنَّ أَعمالهم ظَهرتْ في صُورِ وُلاتِهم وملوكِهم ؛ فإنِ استقاموا استقامتْ مُلوكهم ، وإنْ عَدَلُوا عَدَلَتْ عليهم ، وإنْ جَارُوا جَارَتْ مُلوكُهم وَوُلاتُهم ، وإنْ ظَهَرَ فيهم المكرُ والخديعةُ فَوُلاتُهم كذلكَ ، وإنْ منعوا حقوقَ اللهِ لدَيهم وَبَخِلُوا بها مَنعتْ ملوكُهم وولاتُهم ما لهم عِنْدَهم منَ الحقِّ وبَخِلُوا بها عليهم ، وإنْ أَخذوا ممنْ يستضعفونَه مالا يَستحِقُّونَه في معاملتِهم ، أَخذتْ مِنهم الملوكُ مالا يَستحِقُّونَه، وضربتْ عليهم المكُوسَ والوظائفَ ، وكُلَّما يستخرجونَه منَ الضَّعيفِ يَسْتخرجُه الملوكُ منهم بالقُوَّةِ ؛ فَعُمَّالهم ظهرتْ في صورِ أَعمالهم ، وليسَ في الحكمةِ الإلهيةِ أَنْ يُولَّى على الأشرارِ الفُجَّارِ إلا مَنْ يَكُونُ مِنْ جِنسِهم .

 ولما كانَ الصَّدرُ الأَوَّلُ خِيارَ القرونِ وَأَبَرَّهَا كَانتْ وُلاتُهم كَذلكَ ؛ فَلمَّا شَابُوا شِيبتْ لهم الوُلاةُ .

 فحكمةُ اللهِ تأبى أَنْ يُولَّى علينا في مِثلِ هذهِ الأزمانِ مثلُ :  معاويةَ وعمرَ بنِ عبد العزيزِ ، فضلا عنْ مثلِ أبي بكرٍ ، وعمرَ ،  بل وُلاتُنا عَلى قَدْرِنا ، وَوُلاة مَنْ قَبلنا عَلى قَدْرِهم ، وَكُلٌّ مِنَ الأمرينِ مُوجبُ الحكمةِ ومقتضاها ، ومنْ له فِطنةٌ إذا سافرَ بفكرهِ في هذا البابِ  ، رأى الحكمةَ الإلهيةَ سائرةً في القضاءِ والقدَرِ ظاهرةً وباطنةً فيهِ كما في الخلقِ والأمرِ سواءٌ ” . 

6-التَّثَبُّتُ و التَّبيَّنُ قبل إطلاقِ الأخبارِ وإشاعتها في أوساطِ النَّاسِ ، و تَوْسيدُ الأمرِ إلى أهلِ العلمِ والنُّصحِ والعقلِ الَّذينَ يَزنونَ الأوضاعَ بميزانِها الصَّحيحِ : يعرفونَ خيرَ الخيرينِ وشرَّ الشَّرينِ ؛ مِنْ أجلِ فضِّ النِّزاعِ ، و رَدِّ الأمورِ إلى نِصابها الصحيحِ ؛ كما قال تعالى :
( وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) النساء83 .

يقول الشيخ عبد الرحمن السعديُّ-رحمه الله- في”تفسيره” : (1/190) :
“هذا تأديبٌ منَ اللهِ لعبادهِ عنْ فعلِهم هذا غيرِ اللائقِ. وأنَّهُ ينبغي لهم إذا جاءَهُم أمرٌ منَ الأمورِ المهمةِ ، والمصالحِ العامَّةِ ما يَتَعَلَّقُ بالأمنِ وسرورِ المؤمنينِ، أو بالخوفِ الَّذِي فيه مصيبةٌ عَلَيَهِمْ أنْ يتثبتوا ، ولا يستعجلوا بإشاعةِ ذلك الخبرِ، بل يَرَدُّونَه إلى الرَّسولِ ، وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرَّأيِ والعلمِ والنُّصح والعقلِ والرَّزانة ، الَّذِين يعرفونَ الأمورَ ، ويعرفونَ المصالحَ وضِدَّهَا. فإنْ رَأوْا في إذاعتِه مصلحةً ونشاطاً للمؤمنين وسروراً لهم وتحرُّزا ًمنْ أعدائِهم فَعلُوا ذلك. وإنْ رَأوْا أَنَّهُ ليس فيه مصلحةٌ ،  أو فيه مصلحةٌ ،  ولكنْ مَضَرَّتَه تَزيدُ على مصلحتِه، لم يُذيعوه، ولهذا قالَ: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) أيْ: يستخرجونَه بفكرهِم ، وآرائِهم السَّديدةِ ، وعلومِهم الرَّشيدةِ.

وَفي هذا دليلٌ لقاعدةٍ أدبيةٍ وهي أَنَّهُ إذا حَصلَ بَحْثٌ في أمرٍ منَ الأمورٍ ينبغي أنْ يُولَّى مَنْ هو أهلٌ لذلكَ ويُجْعَلَ إلى أهلِه، ولا يَتقدَّمْ بينَ أيديِهم، فإنَّه أقربُ إلى الصَّوابِ وأحرى للسَّلامةِ منَ الخطأِ. وفيه النَّهيُ عنِ العجلة ِوالتَّسرُّعِ لنشرِ الأمورِ منْ حينِ سَماعِها، والأمرُ بالتَّأمُّلِ قبلَ الكلامِ والنَّظرِ فيه، هل هو مصلحةٌ، فيُقْدِمُ عليه الإنسانُ؟ أم لا فَيُحْجِمُ عنهُ؟” .
7-التَّنازلُ عنْ حظوظِ الدُّنيا وملذَّاتِها الفانيةِ مِنْ منصبٍ أو جاهٍ أو مالٍ ؛ حقناً لدماءِ المسلمينَ ؛ كما صنعَ ذلكَ سبطُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (الحسنُ بنُ علِيٍّ)-رضي الله عنه-.

يقولُ العلامةُ القرآنيُّ الشنقيطيُّ-رحمه الله- في”أضواء البيان” : (1/32) في سياقِ حديثهِ عن اختلافِ أهلِ العلمِ في عزلِ الحاكمِ نفسه :
“إنْ كانَ عَزْلُه لنفسهِ لموجبٍ يقتضي ذلكَ ؛ كإخمادِ فتنةٍ كانتْ ستشتعلُ لو لم يعزلْ نفسَه، أَو لِعلمهِ منْ نفسهِ العجزَ عنِ القيامِ بأعباءِ الخلافةِ، فلا نزاعَ في جوازِ عزلِ نفسِه. ولذا أجمعَ جميعُ المسلمينَ على الثَّناءِ على سِبطِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، الحسنُ بن علي رضي اللهُ عنهما، بعزلِ نفسِه وتسليمِه الأمرَ إلى معاويةَ، بعد أنْ بايعَه أهلُ العراقِ ؛ حقناً لدماءِ المسلمينَ ، وأثنى عليه بذلك قبل وقوعهِ، جَدُّه رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بقولِه: “إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ” . أخرجهُ البخاريُّ وغيرهُ منْ حديثِ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ”.

-- أ.النميري بن محمد الصبار – خاص بالسكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*