السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » مقاصد شرعية ووصية لأبناء السودان

مقاصد شرعية ووصية لأبناء السودان

في مقال سابق بعنوان : “شباب من أجل التغيير ! أي تغيير يا ترى ؟!” تناولت جانباً أطلقت عليه (الوسائل) لهذا التغيير المنشود ، وهي المظاهرات وما يتبعها مما هو معروف في القديم والحديث في هذا الجانب ، وتنزيل ذلك على واقع البلاد في هذه المرحلة.

والمقال المذكور اتجه في مناقشة تلك الوسائل مناقشة عقلية تستصحب معها الواقع الذي تمر به بلدنا ، والاختلافات الجذرية والكبيرة بين حالنا في السودان وحال بعض البلاد المجاورة التي لا تعرف مليشيات مسلحة تعيش وسط أحياء عاصمتها !! ولا تعرف مدنها سلاحاً  منتشراً  في بيوت كثيرين من مواطنيها ، ولا تعرف مثل التنازع الذي أصيبت به بلادنا.

ولم يكن من المناسب الاستدلال على دحض هذا الأسلوب وهذه الدعوة بالأدلة الشرعية الواردة في الكتاب الكريم والسنة النبوية ، وإجماع علماء الأمة الذي انعقد في ذلك ، ولا ببيان المقاصد الشرعية التي دلت عليها تلك التوجيهات الشرعية المباركة ، حيث
إن تلك النصوص والمقاصد الشرعية ــ كما هو معروف ــ لا تجد قبولاً لدى كثيرٍ من أولئك (المناضلين) !!.
ونظراً لأهمية إيراد ــ ولو القليل ــ من ذلك في هذه القضية من باب التمثيل ، فإني أضع بين يدي القراء الكرام ، وآمل أن يطلع عليها من يعرفون بمناضلي (الكيبوردات) ، ليفيدوا منها وليدركوا سمو وعظم هذه الشريعة التي سعت في الحفاظ على الدماء والأنفس والأموال والأعراض.

 إن الصبر على جور وظلم الحكام  ، وعدم الخروج عليهم ومنازعتهم ، أمر وردت النصوص الشرعية به ، ومن ذلك :
*عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من رأي من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجمعة شبراً فمات فميتة جاهلية ) رواه البخاري ومسلم .

 *وفي رواية لمسلم : ( من كره من أميره شيئاً ، فليصبر عليه ، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً ، فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية ).

*وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تكرهونها ). قالوا : يا رسول الله ! فما تأمرنا ؟
قال : (تؤدون الحق الذي عليكم ، وتسألون الله الذي لكم ) رواه البخاري ومسلم .
و(الأثرة) هي : الإنفراد بالشيء عمن له فيه حق.

وقد أرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة – وهي استئثار الأمراء بالأموال وإظهارهم للمخالفات الشرعية … – إلي المسلك السليم والمعاملة الحسنة التي يبرأ صاحبها من الوقوع في الإثم ، وهي إعطاء الأمراء الحق الذي كتب لهم علينا ، من الانقياد لهم وعدم الخروج عليهم.

قال النووي في شرح هذا الحديث : ( فيه الحث على السمع والطاعة وإن كان المتولي ظالماً عسوفاً ، فيُعْطَى حَقُّه من الطاعة ، ولا يُخْرَج عليه، ولا يُخْلَع، بل يتضرع إلي الله تعالى في كشف أذاه ، ودفع شره، وإصلاحه) .
وقال الشيخ العثيمين : (أما حديث عبد الله بن مسعود فأخبر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون بعدي أثرة والأثرة يعني الاستئثار عمن له فيه حق .

يريد بذلك أنه يستولي على المسلمين ولاة يستأثرون بأموال المسلمين يصرفونها كما شاءوا ويمنعون المسلمين حقهم فيها .
وهذه أثرة وظلم من الولاة أن يستأثروا بالأموال التي للمسلمين فيها الحق ويستأثروا بها لأنفسهم عن المسلمين ولكن قالوا ما تأمرنا ؟ قال تؤدون الحق الذي عليكم يعني لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم من السمع والطاعة وعدم الإثارة ….بل اصبروا واسمعوا وأطيعوا ولا تنازعوهم الأمر الذي أعطاهم الله وتسألون الله الذي لكم أي اسألوا الحق الذي لكم من الله .أي اسألوا الله أن يهديهم حتى يؤدوكم الحق الذي عليهم لكم …).

وقال أيضاً : (فأرشده النبي عليه الصلاة والسلام إلى أن يصبروا على ما سيرونه من الأثرة فإن صبرهم على ظلم الولاة من أسباب الورود على الحوض والشرب منه .

إذا في هذين الحديثين حث على الصبر على استئثار ولاة الأمور في حقوق الرعية ولكن يجب أن نعلم أن الناس كما يكونون يولى عليهم .

إذا أساءوا فيما بينهم وبين الله فإن الله يسلط عليهم ولاتهم كما قال تعالى : (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون) فإذا صلحت الرعية يسر الله لهم ولاة صالحين وإذا كانوا بالعكس كان الأمر بالعكس ويذكر أن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له يا علي ما بال الناس انتقدوا عليك ولم ينتقدوا على أبي بكر وعمر ؟ فقال له إن رجال أبي بكر وعمر كنت أنا وأمثالي أما رجالي فكنت أنت وأمثالك).

(ويذكر أن أحد ملوك بني أمية سمع أن أناسا يتكلمون فيه وفي خلافته فجمع أشراف الناس ووجهائهم وتكلم فيهم وقال لهم إنكم تريدون منا أن نكون مثل أبي بكر وعمر قالوا نعم أنت خليفة وهم خلفاء قال كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر نكن نحن مثل أبي بكر وعمر وهذا جواب عظيم فالناس إذا تغيروا لابد أن يغير الله ولاتهم كما تكونون يولى عليكم أما أن يريد الناس من الولاة أن يكونوا مثل الخلفاء وهم أبعد ما يكونون عن رجال الخلفاء هذا غير صحيح).

*وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم – عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِى الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَعَلَى (أَثَرَةٍ عَلَيْنَا) وَعَلَى أَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ).

*وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام : “« تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
إن النصوص الشرعية الواردة في هذا القضية كثيرة جداً ، وعلى ضوء هذه النصوص انعقد إجماع علماء الأمة الإسلامية  ، والشريعة الإسلامية لما أوجبت الصبر على جور وخطأ الحاكم ذلك لأن الخروج عليه قد تترتب عليه مفاسد أعظم ، ومن تأمل التاريخ في القديم والحديث يجد أن كثيراً من مصائب المسلمين إنما هي من جراء التفريط فيما قرره الشرع  في هذا الباب الخطير ، ولذلك فقد ضبط الشرع هذا الباب بضوابط وشروط معلومة عند (أهل العلم) وهم الذين يقررونها ، وينظرون فيها ، وليس ذلك لأفراد الناس وعامتهم !! ومن العبارات التي وردت عن أهل العلم بما يبين هذا الأمر ما يلي :

قال ابن أبي العز الحنفي في شرح الطحاوية : (وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا ، لأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم ، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ، ومضاعفة الأجور ، فإن الله تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا ، و الجزاء من جنس العمل .

فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل .

قال تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ) وقال تعالى : ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) وقال تعالى ( ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) وقال تعالى ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ) فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم) أ.هـ

وقال الحسن البصري كما في آداب الحسن لابن الجوزي : (اعلم  – عافاك الله – أن جور الملوك نقمة من نقم الله تعالى ، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب ، إن نقم الله متى لقيت بالسيف كانت هي أقطع ).

ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الإجماع على عدم جواز الخروج على السلطان الظالم نقل ذلك عن ابن بطال الذي شرح صحيح البخاري أيضاً : (وفى الحديث حجة على ترك الخروج على السلطان ولو جار وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وأن طاعته خير من الخروج عليه لما فى ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء) .

ونقل الإمام النووي في شرح صحيح مسلم الإجماع على ذلك ــ أيضاً ــ فقال :  (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين).

مثل هذه النصوص والنقول عن أهل العلم كثير جداً ، وهو أصل من أصول أهل السنة والجماعة الذين يسيرون على ضوء النصوص الشرعية في هذه القضية وفي غيرها من القضايا ، وليس الأمر يخضع للرغبات النفسية أو المصالح الشخصية أو الانتقام أو الكيد أو الانفعالات العاطفية أو المقاصد الحزبية ، أو غير ذلك ، وإن حرص السلف على جمع كلمة المسلمين على حكامهم – وإن جاروا وظلموا واستأثروا – ليس هو رضى  منهم بالظلم والفسوق والأثرة ، ولا إقراراً لهم بذلك ؛ بل امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله بلزوم الطاعة والصبرسواء في المنشط أوالمكره ، ونبذ الفرقة والخروج ، وهذا أصل عظيم من أصول السنة ، ومن مسلّمات الدِّين ، ويدرأ بذلك مفاسد كبرى معلومة من الدين بالضرورة ، وما وما حدث في تاريخ هذه الأمة في القديم والحديث لا يخفى على الكثيرين .

وإن الأئمة وأهل العلم قد بينوا بوضوح وجلاء على مر العصور الموقف الشرعي في هذه القضية بما يحفظ للناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم ، فكم من مصالح توقعها كثيرون غدت مفاسد ومحن وبلايا تقضي على الأخضر واليابس ، وليس بعد الإسلام نعمة أعظم من نعمة الأمن إذ به تحفظ الأنفس والأموال والأعراض والمقدسات ، وفي مواقف الأئمة عبراً ، وموقف الإمام أحمد بن حنبل مع المأمون مشهور غير مجهول ، إذ كان يوصي بالصبر حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر وكان يردد : الله الله في الدماء ، ذكر الإمام أبو بكر الخلال في كتابه السنة عن أبي الحارث أنه حدثهم وقال : سألت أبا عبد الله في أمر كان حدث ببغداد وهمّ قوم بالخروج فقلت : يا أبا عبد الله ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم ؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول سبحان الله الدماء ، الدماء ، لا أرى ذلك ولا آمر به ، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم ) وذكر أن ذلك خلاف الآثار التي جاء فيها الأمر والحث على الصبر على جور وظلم واستئثار الحكام.

وفي المقابل فإن أهل السنة لا يزالون ينصحون الحكام بالاستقامة والعدل والقيام بحقوق الرعية وما يجب عليهم ، ويذكرونهم بالبعد عن الظلم والفساد بشتى أشكالهما وصورهما وأداء الأمانة كما يجب ، ويحذرونهم بمثل هذه النصوص :
قال النَّبِي صلى الله عليه وسلم : ” مَا مِنْ عَبْد يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعية ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاش لِرَعيتِه ؛ إِلَّا حرمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّة” رواه مسلم.

أسأل الله أن يلهم المسلمين رشدهم وأن يجنبهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن وأن يحفظ لهم دينهم وأمنهم ودماءهم وأموالهم وأعراضهم ويؤلف بين قلوبهم.
 

-- - صحيفة الانتباهة - د.عارف بن عوض الركابي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*