الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » الدعوة إلى الثورة لعموم المسلمين دعوة باطلة

الدعوة إلى الثورة لعموم المسلمين دعوة باطلة

لقد بعث الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ وبعثه على حين فترة من الرسل؛ ففتح به أعينا عميا وآذانا صماً؛ وقلوباً غلفاً؛ فهدى به من الضلالة؛ وأنار به من الغواية؛ وأخرج به العباد من الظلمات إلى النور؛ ودعا إلى ربه على بصيرة هو ومن اتبعه من صحبه الكرام وتابعيهم بإحسان؛ وسار على هذا الطريق والنهج العلماء الربانيين والأئمة المهديين؛ فاقتفوا الآثار؛ وتتبعوا السنن رواية ودراية؛ فلم يحيدوا عنها يمنة ولا يسرة؛ ولم يحكموا أهواءهم؛ بل علموا أن التمسك بالسنة نجاة؛ والتخلف عنها هلكة؛ وذلك منطوق ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا .

قَالَ: ” أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ “، وأخرج الخطيب وغير بسنده عن ابن شهاب الزهري قال: بلغنا عن رجال من أهل العلم, أنهم كانوا يقولون: “الاعتصام بالسنن نجاة “.

وإن من لوازم الحيدة عن السنة الوقوع في المهلكة والتي تجر إلى الفساد في الدين والدنيا؛ وقد نزلت نوازل بالمسلمين؛ وادلهمت الخطوب؛ فتنوعت المشارب؛ وفاض كل دلو بما فيه؛ إلا أن أكدر ذلك وأبعده عن التزام السنن والهدي النبوي هي الدعوة التي صرح بها أحد حملة الأقلام الذين ينتظر منهم هدي الأمة وإرشادها إلى التمسك بالسنة في مثل هذه المدلهمات؛ فدعا جميع المسلمين إلى الاقتداء بما حصل في ديار مصر؛ والقيام بثورة على جميع الحكام في جميع ديار الإسلام؛ وتكرار التجربة وتدريسها للأجيال؛ رامياً خلف ظهره السنة البينة الصحيحة الثابتة في مثل هذه القضايا.

وإن الظلم الذي حصل ويحصل من الحكام؛ أو تكميمهم للأفواه؛ أو تحجيمهم للحريات؛ ليس من الأمور التي تبيح فعل مثل هذه الثورات؛ التي يحصل في الغالب من جراءها أضعاف ذلك الظلم ؛ بل التوجيه النبوي في مثل ذلك هو الأمر بالصبر على ظلمهم ونصحهم وتذكيرهم وتخويفهم بعاقبة ذلك عاجلا وآجلا؛ وعدم خلع يد البيعة منهم؛ والسمع والطاعة لهم في غير معصية الله تعالى.

وهذا الأمر قد فاضت به السنة النبوية؛ وعُد من علامات أهل السنة وشارتهم من بين أهل الأهواء الذين جارت بهم الأهواء يميناً وشمالاً؛ وسطره أئمة الهدى جيلا بعد جيل في مصنفاتهم؛ وفاضت به قرائحهم.

ولو تتبعت مؤلفاتهم لنقل كلامهم في هذه المسألة قديماً وحديثاً لملَّ قارئ هذه الأسطر من ترداده وقراءته، وإنما أنقل لك أخي الكريم ما اعتمدوا عليه من الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة لكونها هي المدار؛ وقطب رحى القوم في ذلك؛ ثم نقلاً يسيراً ممن تقدم من الأئمة.

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } [النساء: 59].

روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.

وروى البخاري في صحيحه عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا :أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ.

وروى مسلم في صحيحه عن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِىَّ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ». قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: « لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ، أَلاَ مَنْ وَلِىَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ؛ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ».

وروى مسلم في صحيحه أيضاً عَنْ نَافِعٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ ، زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، فَقَالَ : اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً.

وروى مسلم في صحيحه أيضاً عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا، فَمَا تَأْمُرُنَا ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ ، فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ.
والنصوص في هذه المسألة كثيرة معلومة في دواوين السنة لمن تطلبها واهتدى بها.
قال الحافظ ابن عبد البر المالكي: وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلا عالما عدلا محسنا قويا على القيام كما يلزمه في الإمامة؛ فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي الدهماء وتبييت الغارات على المسلمين والفساد في الأرض وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر. [الاستذكار 5/ 16]

وقال الإمام النووي الشافعي في شرحه لمسلم: قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْك السَّمْع وَالطَّاعَة فِي عُسْرك وَيُسْرك وَمَنْشَطِك وَمَكْرَهك وَأَثَرَة عَلَيْك )، قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ تَجِب طَاعَة وُلَاة الْأُمُور فِيمَا يَشُقّ وَتَكْرَههُ النُّفُوس وَغَيْره مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَإِنْ كَانَتْ لِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْع وَلَا طَاعَة ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَحَادِيث الْبَاقِيَة.. وَ ( الْأَثَرَة ).. هِيَ الِاسْتِئْثَار وَالِاخْتِصَاص بِأُمُورِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ، أَيْ : اِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اِخْتَصَّ الْأُمَرَاء بِالدُّنْيَا ، وَلَمْ يُوصِلُوكُمْ حَقّكُمْ مِمَّا عِنْدهمْ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيث فِي الْحَثّ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال ، وَسَبَبهَا اِجْتِمَاع كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْخِلَاف سَبَب لِفَسَادِ أَحْوَالهمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ .

وقال العلامة بدر الدين العيني الحنفي مقرراً: والذي عليه الجمهور أنه لا يجب القيام عليهم عند ظهور جورهم ولا خلعهم إلا بكفرهم بعد إيمانهم أو تركهم إقامة الصلوات وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم إذا استوطن أمرهم وأمر الناس معهم لأن في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال وحقن الدماء وفي القيام عليهم تفرق الكلمة. [عمدة القاري شرح صحيح البخاري 21/ 474].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمَهُ الله: ” يجب أن يعرف أن ولاية أمور الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها … ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روى أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك… فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس لابتغاء الرياسة أو المال”. [مجموع الفتاوى 28/ 390].

ولا يظنن ظان أن التمسك بالسنة مدعاة لمزيد الظلم من الحكام؛ أو أنها تربي في المسلمين الخنوع والذل؛ بل المسلم متى ما كان الحاكم له في اعتقاداته وتصرفاته النص الشرعي كان أوفق له وأنصر له في حاله ومآله.

فالعجب من هذه الدعوة التي دعا لها الكاتب التي لم تبن على نور من الكتاب والسنة؛ ولا من هدي الرعيل الأول من السلف الصالح، ولا حظ لها أيضا من عقل متين أو منطق رصين.

فهل الثورة التي دعا لها أن تعم أقطار المسلمين صالحة لكل قطر؟ أو مناسبة لكل مصر؟

أليست مجتمعات المسلمين في تباين عظيم في أحوالها؟

أم أن حكام المسلمين على درجة واحدة؟

وهل الثورة هي مفتاح السعادة الأبدية؟ ومحرك الحضارة الإنسانية؟

ثم هل الثورة  هي الوصية النبوية في حل أزمات الأمة؟

أليس في تاريخ الثورات في الإسلام دروساً يجب أن يعيها النافخون لها؟

إن من أسباب رفع الظلم الواقع من الحكام هو البعد عن الظلم من الرعية؛وإصلاحهم لأنفسهم بالعمل الصالح وبالصبر عليه وعلى جورهم؛ وليس بالثورة.

روى الإمام الآجري في كتابه الشريعة: عن عمر بن يزيد، أنه قال: “سمعت الحسن – أيام يزيد بن المهلب يقول – وأتاه رهط – فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا؛ ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلي السيف فيوكلون إليه، والله ما جاؤوا بيوم خير قط، ثم تلا: “وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ”.

وروى الخلال في ” السنة “( ص 133 ): يقول حنبل رحمه الله تعالى: “اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلي أبي عبد الله ـ يعني الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله تعالى ـ وقالوا له: أن الأمر قد تفاقم وفشا ـ يعنون ـ إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك ولا نرضي بإمارته ولا سلطانه ! فناظرَهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر، وقال ليس هذا ـ يعني نزع أيديهم من طاعته ـ صواباً، هذا خلاف الآثار”. ا.هـ.

وإن من أسباب انتشار الظلم من الحكام ظلم الرعية لغيرهم؛ وهذا المعنى دقيق قلَّ من يعتني به أو يشير إليه؛ لأن الشعوب لا ترى إلا ظلم الحكام؛ أما ظلمهم لأنفسهم أو لغيرهم بأنواع الموبقات فشعرة أو ذباب مرَّ بهم فقالوا به هكذا.

وهذا المعنى الدقيق قد أشار له ابن القيم رحمه الله حيث يقول: وتأمَّل حكمته -تعالى- في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس أعمالهم, بل كأنَّ أعمالهم ظهرت في صور ولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم, وإن عدلوا عدلت عليهم, وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم, وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك, وإن منعوا حقوق الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق, وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم, أخذت منهم الملوك ما لا يستحقونه, وضَرَبت عليهم المكوس والوظائف، وكلُّ ما يستخرجونه من الضعيف يستخرجه الملوك منهم بالقوة, فعُمَّالهم ظهرت في صور أعمالهم، وليس في الحكمة الإلهية أن يولَّى على الأشرار الفجار إلا من يكون من جنسهم، ولما كان الصدرُ الأولُ خيارَ القرون وأبرَّها كانت ولاتهم كذلك, فلما شابوا شيبت لهم الولاة.

فحكمة الله تأبى أن يولي علينا في مثل هذه الأزمان مثل معاوية وعمر بن عبد العزيز, فضلاً عن مثل أبي بكر وعمر.

بل ولاتنا على قدرنا, وولاة من قبلنا على قدرهم, وكلُّ من الأمرين موجب الحكمة ومقتضاها، ومن له فطنه إذا سافر بفكره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدر, ظاهرة وباطنة فيه كما في الخلق والأمر سواء. [مفتاح دار السعادة 1/ 263].

وهذا البيان ليس تقريراً لما يفعله الحكام من الظلم؛ بل الظلم محرم في جميع الشرائع؛ وعند جميع العقلاء؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة.

والعلماء الأئمة حينما يقررون هذا المنهج النبوي فهو ليس تسويغاً أو تبريراً لظلم الظالم؛ أو حباً في أن يكونوا ظهيراً له ضد المظلوم؛ ولو كان ذلك كذلك لما فاهوا في رسائلهم الخاصة والعامة للولاة بالبعد عن الظلم ومغبته القاتلة؛ ولما سطروا في تآليفهم حرمة الظلم على الرعاة والرعية، بل منطلقهم في ذلك تمسكهم بالأمر الرباني الذي أمر بالتمسك بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال والأزمان؛ لأن التمسك بذلك سبيل النجاة في الدين والدنيا والآخرة.

فسلوك سبيل من سلف من الرعيل الأول من القرون المفضلة والسير على منوالهم هو من أسباب الفلاح؛ لأنهم كانوا على الهدى؛ إذ هم أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا.

وليس من شك بأن هذه الدعوة دعوة حادثة لم تكن معهودة فيمن سلف؛ ومخالفة لما تقرر من الأدلة السابقة؛ ومباينة لما سطره الأئمة في تقريراتهم.

وهذا كله فيما إذا كان حكام المسلمين مازالوا في دائرة الإسلام؛ في نظر الداعي؛ أما إذا كانت دعوته قائمة على ردة جميع الحكام وأنهم خارجون مرتدون من الإسلام عن بكرة أبيهم فهذا القول من مفردات الزمان التي لا أعلم من سبقه إليها إلا ممن عُلم جهله وذاع ضلاله وركب هواه.

وأسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه؛ ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

-- موقع السكينة

التعليقات

  1. جزاك الله كل خير على هذا البيان0 لكن من يرد الله فتنة فلن تملك له 000000

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*