الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » مناقشة علمية هادئة لمقال : الاحتساب على العلماء

مناقشة علمية هادئة لمقال : الاحتساب على العلماء

الحمدُ للهِ وحدهُ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على من لا نَبِيَّ بعده ، أما بعدُ :

فقد اطلعتُ على مقال د.فهد بن عبد الله الجديد-وفقه الله- المنشورِ في (موقع الإسلام اليوم) تحت عنوان : (الاحتساب على العلماء الساكتين عن الحق) ، وسأقفُ مع مقال الدكتورِ الوقفاتِ الآتية :

1-الوقفةُ الأولى :

قول الكاتب :”وإذا كانت العقوبات التي حلّت بنا من كوارث طبيعية، وأمراض بيئية يعود أكثرها إلى تفشي الفساد الإداري والمالي لدى بعض المسؤولين …” .

فأنا أتساءلُ لماذا جعل الكاتبُ نزول العقوباتِ الإلهية في الأمة يعودُ أكثره إلى الفسادِ الموجودِ لدى المسؤولينَ؟! ؛ مع أننا نعلمُ من خلالِ المنهجِ القرآني والنبوي أنَّ تسليطَ هؤلاء المفسدينَ على رقابِ الناس ما هو إلا نتيجةٌ حتميةٌ وثمرةٌ طبعيةٌ لفسادِ هؤلاء الناسِ وظلمهم ؛ وكما تكونوا يُولَّى عليكم ؛  والجزاء من جنس العمل ؛ جزاءً وفاقاً ؛ وليتأمل الكاتب معي هذه النصوص القرآنية والنبوية :

1-{وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً }الإسراء16.
فقد جاء في أوجه تفسير هذه الآيةِ أنَّ اللهَ بقضائهِ القدري الكوني يُسَلِّطُ أمراء الشَّرِّ والفسادِ على هذه القريةِ إيذاناً بهلاكها ؛ بسبب ما فيها من ذنوبٍ ومنكراتٍ .

2- {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }الأنعام129.
قال ابن عاشور في :”تفسيره” : (5/204) :
(شملت الآية بطريق الإشارة كلّ ظالم ، فتدلّ على أنّ الله سلّط على الظالممِ من يظلمه ، …ومن أجل ذلك قيل : إنْ لم يُقلع الظّالم عن ظلمه سُلّط عليه ظالم آخر . قال الفخر : إنْ أراد الرّعيّةُ أن يتخلّصوا من أمير ظالم؛ فليتركوا الظّلم . وقد قيل
: … ومَا ظَالمٌ إلاّ سَيُبْلَى بظَالِم”.

3-وعنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ».أخرجه أبو داود برقم  3464 ، وهو صحيحٌ .

4-وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ ، حَتَّى يُعْلِنُوا ، بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ ، الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ” .أخرجه ابن ماجة1761وهو صحيحٌ .

ثمّ .. وقوع الكوارث قد يكون عقوبة ، وقد يكون نعمة لما يحصل بعدها من توبة وإنابة ولجوء لله جل وعلا ، وقد يكون تذكيرا ، وربما تكفيرا للخطايا .. فالجزم بأنها عقوبة وعذاب تعدٍ واضح .

2-الوقفة الثانية : (قول الكاتب : فإن سكوت العلماء واتخاذهم المسوّغات أشدّ خطرًا من هذا الفساد ) :
هذا فيه تعميمٌ خطيرٌ جِدًّا في حقِّ العلماءِ ؛ إذ كيف يصمهم الكاتب بالسكوت والمداهنة ؛ فهل هو مطلعٌ على كُلِّ شؤونهم ؟ ، وهل هو يراقبُ حركاتهم وسكناتهم ؛ حتى يحكمَ عليهم هذا الحكم الجائر؟

ولماذا لم يُقدِّمِ الكاتب حسنَ الظَّنِّ المأمورَ به شرعاً في شأن هؤلاء العلماءِ ؛ كما قال تعالى :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ }الحجرات12 ؛ وأنهم قائمون-وفقهم الله- بما أوجبَ الله عليهم من النصيحة والبيان للأمراء والمسؤولينَ ، ونحن نُشهِدُ اللهَ أنَّ علماءنا ما فتئوا يبذلون النصيحةِ لأمرائهم ،  ويقولون لهم كلمة الحقِّ وفق الضوابطِ الشرعية بلا مداهنةٍ لهم ، ولا شحنٍ لعمومِ الشعب ضدهم .

ألا يخشَ الكاتبُ عقوبةَ اللهِ فيمنْ قالَ في مؤمنٍ ما ليس فيهِ :
أخرجَ أبو داود برقم :  3599بإسنادٍ صحيح بسندهِ عنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ قَالَ جَلَسْنَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَجَلَسَ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ ، وذكر منها :” و من قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال ” .

و الردغة : الطين والوحل الكثير ، وردغة الخبال أى عصارة أهل النار .

والعلماء ينصحون لكن بالطريقة الشرعية لا بطريقة الإثارة والتشويش والتهييج والنشر ، فهناك فرق في الشريعة بين النصيحة والفضيحة .

وربما قلبنا كلام الدكتور عليه فسألناه لماذا سكت من سكت عن جرائم الفئة الضالة من تفجير وتكفير وعبث بالعقيدة والدماء والأمن ؟

2-الوقفة الثالثة : (استدلَّ الكاتب على مشروعية الإنكار العلني ضد الحاكمِ بجملةٍ من الآثارِ عن الصحابةِ-رضي الله عنهم- وبمواقف علماء الدعوة الإصلاحية مع ولاة أمرهم في ذلك الوقتِ) :

أ-الدليل الأول : موقف الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في صلح الحديبية من أهم المواقف التي سجلها لنا التاريخ الإسلامي، لما اعترض على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اعتراضًا علنيًا أمام الصحابة، وقال: (فعلامَ نُعطي الدنية في ديننا؟!)، ورغم أن عمر ندم فيما بعد، إلاّ أن الرسول لم يخطّئه في أسلوبه العلني .

ب- الدليل الثاني : موقف شباب الصحابة بعد معركة مؤتة؛ إذ ورد عن ابن إسحاق بعد عودة الجيش الإسلامي من معركة مؤتة: (لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون، وجعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرّار، فررتم في سبيل الله! فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: ليسوا بالفُرّار، ولكنهم الكُرّار، إن شاء الله – تعالى-). كما ورد عن ابن إسحاق أيضًا: (أن أم سلمة – رضي الله عنها – أنها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كلما خرج صاح به الناس: يا فرّار، أفررتم في سبيل الله – عز وجل – حتى قعد في بيته فما يخرج).

جـ- الدليل الثالث : الإنكار علانية على مروان بن الحكم. قال ابن كثير في البداية والنهاية عن حوادث عام (65هـ): (أول من قدّم الخطبة على الصلاة يوم العيد مروان، فقال له رجل: خالفت السنة، فقال له مروان: إنه قد ترك ما هنالك، فقال أبو سعيد:
أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”). ومن المعلوم أن مروان بن الحكم – رحمه الله – لم يُبايع بالخلافة، وإنما استولى عليها بالسيف. وكان فقيهًا، وعندما خطب يوم العيد، اجتهد فجعل الخطبة قبل الصلاة، فأنكر عليه علانية أحد الحاضرين، ومع ذلك لم ينتصر مروان لنفسه، ولم ينتقم من الرجل، وكان الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري حاضرًا، فلم يوبّخ الرجل، ولم يطلب منه أن ينكر سرًّا؛ خوفًا عليه من الفتنة، بل قال: أما هذا فقد قضى ما عليه.

د- الدليل الرابع : موقف العز بن عبد السلام مع الملك الصالح إسماعيل. قال ابن كثير عن حوادث عام (638هـ): (فيها سلّم الصالح إسماعيل صاحب دمشق حصن سعيف أربون لصاحب صيدا الفرنجي، فاشتد الإنكار عليه بسبب ذلك من الشيخ عز الدين بن عبد السلام خطيب البلد) .

هـ-الدليل الخامس : موقف علماء الدعوة الإصلاحية من ولاة أمرهم ؛ وأن النصيحة لهم كانت في العلن وليس في السِّرِّ .
الرَّدُّ على ما أورده الكاتبُ من أدلةٍ :

أولاً : الدليلُ الثاني الذي أورده المؤلفُ ليس في موردِ النزاعِ ؛ إذ إنَّ الكلامَ الصادر فيهِ لم يكُنْ مُوجَّها للحاكم أصلاً ؛ وإنما كان بين الرعية بعضهم في بعض ؛  فلا أدري كيف استدلَّ به المؤلفُ ؟!

ثانياً : استقرأ أهل العلم ؛ الراسخينَ فيهِ أدلة النصيحةِ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكرِ؛ كُلٌّ في بابها ؛  ومن ثَمَّ خرجوا بحكمٍ كليٍّ ؛ يستوعب جميعَ الأدلة ؛ ويحقِّقُ الوئامَ والانسجام بينها ؛ بعيداً عن ضرب بعضها كما قال تعالى : (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ )آل عمران7 .

فخلصَ أهل العلم إلى أن هناك فرقاً ما بين النصيحة والإنكار في الشريعة، وذلك أن الإنكار أضيق من النصيحة، فالنصيحة اسم عام يشمل أشياء كثيرة، كما  في حديث ( الدين النصيحة) ،  ومنها الإنكار، فالإنكار حال من أحوال النصيحة؛ ولهذا كان مقيدا بقيود وله ضوابطه، فمن ضوابطه: أن الإنكار الأصل فيه أن يكون علنا؛ لقوله: ( من رأى منكم فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه) ،  وهذا بشرط رؤية المنكر ؛ وأما النصيحة فالأصل فيها أن تكونَ سِرًّا  ؛ فقد أخرجَ الطَّبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ في :”معجمه الكبير” : (12/343-برقم14414) بإسنادهِ  إِلَى جُبَيْرِ بن نُفَيْرٍ أَنَّ عِيَاضَ بن غُنْمٍ وَقَعَ عَلَى صَاحِبِ دَارِيَّا حِينَ فُتِحَتْ، فَأَتَاهُ هِشَامُ بن حَكِيمٍ فَأَغْلَظَ لَهُ الْقَوْلَ، وَمَكَثَ هِشَامٌ لَيَالِيَ، فَأَتَاهُ هِشَامٌ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عِيَاضُ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:”إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا لِلنَّاسِ فِي الدُّنْيَا”.

فَقَالَ لَهُ عِيَاضٌ: يَا هِشَامُ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الَّذِي سَمِعْتَ، وَرَأَيْنَا الَّذِي رَأَيْتَ، وَصَحِبْنَا مَنْ صَحِبْتَ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ يَا هِشَامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:”مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ نَصِيحَةٌ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُكَلِّمْهُ بِهَا عَلانِيَةً، وَلْيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَلْيَخْلُ بِهِ، فَإِنْ قَبِلَهَا قَبِلَهَا، وَإِلا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي لَهُ وَالَّذِي عَلَيْهِ”، وَإِنَّكَ يَا هِشَامُ لأَنْتَ الْحَرِيُّ إِذْ تَجْتَرِيءُ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ، فَهَلا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ سُلْطَانُ اللَّهِ، فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللَّهِ.

وها هنا مسألة في غاية الأهمية، وهي أن الولاة ينُكر عليهم إذا فعلوا المنكر بأنفسهم، ورآه من فعل أمامه ذلك الشيء، وعلى هذا يحمل هدي السلف في ذلك.

وكل الأحاديث التي جاءت، وهي كثيرة، أكثر من عشرة، أو اثني عشر حديثا في هذا الباب، فيها إنكار طائفة من السلف على الأمير، أو على الوالي، كلها على هذا الضابط، وهو أنهم أنكروا شيئا رأوه من الأمير أمامهم، ولم يكن هدي السلف أن ينكروا على الوالي شيئا أجراه في ولايته بشكلٍ علنيٍّ؛ ولهذا لما حصل من عثمان ( بعض الاجتهادات وقيل لأسامة بن زيد – رضي الله عنهما- : ألا تنصح لعثمان؟ ألا ترى إلى ما فعل؟ قال: أما إني بذلته له سرا، لا أكون فاتح باب فتنة.

وقد فَرَّقَ السلفُ في المنكر الذي يفعل أمام الناس كحال الأمير الذي قدم خطبتي العيد على الصلاة، وكالذي أتى للناس وقد لبس ثوبين، وأحوال كثيرة في هذا، فرَّقوا ما بين حصول المنكر منه أمام الناس علنا، وما بين ما يجريه في ولايته، فجعلوا ما يجريه في ولايته بابا من أبواب النصيحة، وما يفعله علنا يأتي هذا الحديث: ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ( مع الحكمة في ذلك؛ ولهذا قال رجل لابن عباس – رضي الله عنهما -: ألا آتي الأمير، فآمره وأنهاه ؟ قال: لا تفعل، فإن كان ففيما بينك وبينه. قال: أرأيت إن أمرني بمعصية؟ قال: أما إن كان ذاك فعليك إذن.

فدل هذا على أن الأمر والنهي المتعلق بالولي إنما يكون فيما بين المرء وبينه، فيما يكون في ولايته، وأما إذا كان يفعل الشيء أمام الناس، فإن هذا يجب أن ينكر من رآه بحسب القدرة ، وبحسبِ القواعد التي قرَّرها أهل العلم في هذا البابِ من قدرةِ المنكرِ على الإنكارِ ، و ألا يُفضي المنكرُ إلى منكرٍ أكبر منه .

ثالثاً : من تأمَّل في إنكار أهل العلم على ولاة الأمر يُدرك يقيناً أن هذا الإنكار كان في دائرةٍ ضيقةٍ جدًّا  ؛ وكان بين أهل العلم وولاة الأمر وجهاً لوجهٍ ، ولم يكنْ من وراء ظهورهم عبر منابر إعلاميةٍ تسري من ورائها الإشاعات والأخبار كسريان النار في الهشيمِ ؛ كما يفعله اليوم بعضُ الناس-هداهم الله- في خطاباتٍ يطَّلعُ عليها الملايينُ من خلال الشبكة العالميةِ ؛ فهذا الأسلوبُ هو في الحقيقةِ لونٌ من ألوان الفضيحةِ والتشهيرِ ؛ ولذلكَ رفضه أهل العلم في وقتهم واستنكروه أشدَّ الاستنكارِ ؛ كما في البيانِ التأريخيِّ من هيئةِ كبارِ العلماء في اللجنة الشرعية للحقوق الإنسان :

“الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المسلمين ، نبينا محمد، وعلى آله ، وصحبه التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين ، وبعد:

فإن مجلسَ هيئةِ كبارِ العلماءِ-  المجتمعةِ في دورتهِ التاسعةِ والثلاثينَ المنعقدةِ في مدينةِ الطائفِ في شهر ربيعٍ الأول لعام 1413 هـ – قد اطَّلع على الكتابة المعدة بعنوان ( مذكرة النصيحة ) الموجَّهة إلى خادم الحرمين الشريفين – وفقه الله لسبيل رضاه – الموقعة من عدد من المدرسينَ ، وبعض المنتسبين للعلم ، كما اطلع المجلس على ما نُشِرَ فيها في بعض الصحف الأجنبية ، وما عُلِقَ على نشرها من بعض الصحف الخليجية من زعمٍ كاذب بأن الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز – الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد- قد زكاها ورفعها إلى خادم الحرمين الشريفين ، فوجدها المجلس تشتمل على عشرة بنود، وقد ادعى مُعِدُّو هذه المذكرة أنَّ واقع البلاد على ما وصفوه في مذكرتهم ، وما اقترحوا ما سموه سُبُل الإصلاح لها، وبعد تأمل ( مذكرة النصيحة ) المذكورة ، ومناقشتها رأى المجلس إصدار هذا البيان الذي يستنكر به ما اشتملت عليه هذه المذكرة من الباطل ، وما هو خلاف الواقع ، وطريقة إعدادها، ونشرها وقد عمل معدو هذه المذكرة بهذه الطريقة على ترويج أسباب الفرقة ، وزرع الضغائن ، واختلاق المثالب ، وتجسيمها، مع تغاضٍ تام لكل محاسن الدولة ؛ مما يدل على سوء قصد مَنْ أَعَدَّها ، أو جهله بالواقعِ ، والتَّغرير ببعض من وقع معهم عليها، مما جعلها من أجلِّ مكاسبِ الأعداءِ الحاقدينَ ، فوضعوا لها في صحفهم العناوين البارزةَ التي تَصِفُ الدولة بأسوأ الأوصاف ، وسبب ذلك كتابة هذه المذكرة ، والمجلس إذ يستنكر هذا العمل  المتمثل في إعداد هذه المذكرة المسماة ( مذكرة النصيحة )، ونشرها يؤكد أن هذا العمل عمل مخالف لمنهج النصيحة الشرعية ، وما تقتضيه من وجوب العدل في القول والعمل ، والعناية بمتابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في إسداء النصح لكل مسلم بما يحقق المصلحة ، ويدرأُ المفسدة ، ويجمع القلوب ، ويلم الشمل ، ويوحد الصف عملاً بقول الله تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعها ولا تفرقوا) ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه ( إن الله رضي لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على منزلة النصيحة من الدين ، وكيفية أدائها، والرغبة في توفير أسباب التآلف ، والبعد عن ما يوجد من عوامل الفرقة ، و الفتنة ، و يزرع بذور الشحناء، و التحزب  التي لا تعود على البلاد و الأمة  إلا بالشر.

والمجلس إذ يؤكد وجوب  التناصح ، والتفاهم ، والتعاون على البر والتقوى ، و التناهي عن الإثم ، والعدوان ، ويحذر من ضد ذلك من الظلم ، والجور ، والبغي، و غمط الحق  كما يحذر من أنواع  الارتباطات الفكرية المنحرفة

-- أ.النميري بن محمد الصبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*