الخميس , 23 أكتوبر 2014
جديد الموقع
الرئيسية » التأصيل الشرعي » وقفات مع حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتن

وقفات مع حديث حذيفة رضي الله عنه في الفتن

أصدر معالي الأستاذ الدكتور سليمان بن عبدالله أبا الخيل مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كتاباً بعنوان (وقفات مع حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- في الفتن وسبل النجاة منها)؛ حيث تناول هذا الموضوع من خلال تسع وقفات أكد خلالها أنه في وقت الفتنة، وأيام المحن تضيق النفوس، وتضطرب المناهج، ويختلف الناس في مواقفهم منها، والفتن والابتلاءات سنة إلهية، قدرها الله لحكم قد تدرك وقد لا تدرك، والمسلم في سيره إلى الله، وفي تعامله مع هذه الفتن بحاجة إلى أن يتعرف على السنن ويعلم المنهج الشرعي للنجاة منها، لئلا يسقط فيها، ورأس الفتن والبلايا والشرور، وأساسها فتنتان عظيمتان: فتن الشبهات وفتن الشهوات، والأولى أعظم وأمكن أثرًا، وأشد خطرًا وضررًا، وقد حذرنا الرسول – صلى الله عليه وسلم- من توارد الفتن، فقال – صلى الله عليه وسلم- :

«إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضها، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى له»، وقال – صلى الله عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه -: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا»، وقال – صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن»، وقال – صلى الله عليه وسلم- من حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشرِبَها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه».

يقول ابن القيم -رحمه الله- على هذا الحديث: «فشبّه عرض الفتن على القلوب شيئًا فشيئًا كعرض عيدان الحصير، وهي طاقاتها شيئًا فشيئًا، وقسّم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب الإسفنج الماء، فتنكت فيه نكتة سوداء، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس، .. فإذا اسودَّ وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطيران متراميان به إلى الهلاك، أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر فلا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقًا.

الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم- وانقياده للهوى واتباعه له.

وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان وأزهر فيه مصباحه، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها فازداد نوره وإشراقه وقوته.

والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات، فتن الغي والضلال، فتن المعاصي والبدع، فتن الظلم والجهل، فالأولى توجب فساد القصد والإرادة، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد».

ومن هنا وجب علينا أن نستقرئ كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – لنستبين معالم المنهج الشرعي للتعامل مع الفتن، ويكون لنا فيما ورد عن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عبرة، وقد كانت بداية الفتن بخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عصرهم، فقد أخبر أن انفتاح البوابة بمقتل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -، وذلك حينما أخبر أنه باب دون الفتنة، وأنه سيكسر، فعن حذيفة -رضي الله عنه – قال: كنا جلوسًا عند عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله، قال: إنك عليه لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال إذاً لا يغلق أبدًا.

وكلما بعدت الأمة عن عصر القرون المفضلة كان الخطر أعظم، والحاجة إلى البيان أشد، ولاسيما أن مظاهر الفتن، وتساقط الناس فيها أمر ظاهر، وما ظهور المبادئ والأحزاب والجماعات والتيارات إلا شاهد على ذلك.

ونحن في هذا العصر ابتلينا بفتن متعاقبة، بل أعظم من ذلك حصل فينا ما أخبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- مما سيأتي الحديث عنه دعاة على أبواب جهنم، فوجد فينا ومن أبناء جلدتنا من يحرضون الناس على الخروج على الولاة، وشق عصا الطاعة، ومفارقة الجماعة، ونزع البيعة من أعناقهم، وهذه لعمر الله من أعظم الفتن؛ لأنها تهدد الوحدة والاجتماع والألفة والأمن، والتي هي من أعظم ضرورات الناس في حياتهم، وهي في أصلها ومبادئها تقود إلى فتن الشبهات التي مر بنا أنها أعظم خطرًا؛ لأن المفتون بها ينطلق في نظره من منطلقات يظن أنها شرعية، ويلبسها لبوس الحق، والشرع والجهاد، وهي في حقيقتها شبهات موهومة، واستدلالات مزعومة، بل وأبعد من ذلك وأعمق نرى أنها في الوقت الذي تلبس فيه بلبوس الدين إلا أنها في واقع الأمر وحسب تخطيط القوم تتجاوز أصولاً كبرى، وتتجاسر على محرمات بل كبائر، فيرتكب لأجلها الإخلال بأمن بلاد المسلمين، وتجرئة أعداء الإسلام عليها، وخدمتهم بهذا العمل الشيطاني الذي يروجونه بالشبهات والتأويل والتزييف، وتنطلي على بعض الناس، وفي سلوكهم ومنهجهم يرتكبون الكذب والغش والتزوير، واستغلال عاطفة البذل والسخاء لدى عامة المسلمين، وكل هذا يقدم باسم الإسلام، ألا ما أعظمها من فتنة ومحنة.

وما من شك أن من دعا إلى الفرقة ونبذ الجماعة فهو داخل دخولاً أوليًا في الحديث، كيف لا والنبي – صلى الله عليه وسلم- جعل وصيته المنقذة من هؤلاء الدعاة، المنجية من الفتن في قوله: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، وجواب الرسول – صلى الله عليه وسلم- جواب الحكيم، فلا يمكن أن تكون وصيته وجوابه يخالف ما حذَّر منه.

وإن من يتأمل واقعنا يجد أن هذه أخطار عظيمة تهدد وحدتنا، وأنها في صورتها وأسبابها ودوافعها ومآلاتها فتنٌ كقطعِ الليل، وأحوال تجعل الحليم حيرانَ، وهذه التحزبات إلى فئات وجماعات وتيارات، أفكار وردت علينا، وعوادٍ أثرت في نفوس أبنائنا، ولكن عند التأمل والتدقيق والتلمس في مواطن الشريعة نجد أن لدينا القدرة والكفاية والغناء في ردها ودحرها، وبيان المنهج الصحيح والطريق السليم، يكمن ذلك في نصوص الوحيين: الكتاب والسنة، وإن الناظر نظرة فاحصة لكل ما يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم، في عقولهم وأفكارهم وأبدانهم، في أمنهم وأمانهم يجد أن ذلك مؤسس له ومؤصل في مبادئ الشريعة وقواعدها وأصولها، ولكن من الذي يدركه ويعرفه ويستطيع أن يطبقه على نفسه وعلى أسرته وعلى أفراد مجتمعه؟

والحق أن كل ما صح عن الرسول – صلى الله عليه وسلم- يعد منهجًا للخروج من الفتن، ولكن من أعظم الأحاديث التي تعد مخرجًا في الفتن المدلهمة، والنوازل والخطوب حديث عظيم، تضمن أصولاً ومعالم كثيرة، من يتدبره ويتأمله ويعمل ذهنه بصفاء في مضامينه يجد أنه شهادة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالبلاغ المبين، والنصح البالغ والشفقة على أمته، إنه حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -، كيف لا وقد جاء هذا الحديث من خبير الفتن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه -، ذلكم الصحابي الجليل الذي حاز منقبة عظيمة وهي أنه كان صاحب سر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، وأفضى إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بما لم يفضِ إلى غيره، حيث ذكر له أسماء المنافقين وأعيانهم، ونبدأ بسياق الحديث ثم نقف معه وقفات بما يفتح الله علينا به في هذا المقام. ففي الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – قال: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:»نَعَمْ»، قَالَ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:»نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ». فَقُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ:»قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:»نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لهم جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ»، وورد الحديث في صحيح مسلم بلفظ: قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ:»نَعَمْ»، قُلْتُ: كَيْفَ يَكُونُ؟ قَالَ: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ»، قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».

هذا هو حديث حذيفة المخرج في الصحيحين، فيه من الأحكام المهمة، ومن الفوائد الجليلة مالا يمكن أن نأتي عليه في مثل هذا العرض الموجز، ولكنها إشارات وإشادات ووقفاتٌ مختصراتٌ تغني عن التطويلِ والإكثار.

الوقفة الأولى:

جواز سؤال الإنسان عما يخاف الوقوع فيه من الشر والفتنة، دليل ذلك قوله – رضي الله عنه -: « كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي»، ولذلك يقال:

عرفت الشَّرَّ لا للشَّر لكن لتوقِّيهِ

ومن لا يعرف الشَّرَّ من النَّاس يقع فيهِ!

ومن هنا نقول: إن على المسلمين جميعًا وطلبة العلم بصفة خاصة أن يتعلموا العلم الصحيح من مصادره الحقة ومعينه الصافي، وذلك من أجل أن يتحصنوا ويعرفوا طرق الخير فيسلكوها، ومن خلال ما تعلموه يدركوا طرق الشر فينتبهوا لها ويحذروها، ويحذروا إخوانهم المسلمين منها، ولا يعاب على المرء أن يسأل عن أبواب الشرور ليأخذ حذره ويحتاط، ويتعلم المخرج مما يخاف الوقوع منه، لكن لا شك أن هذا مزلة قدم، وباب لا يحسن أن يلجه إلا من تمحص بالعلم والفقه والعقل والورع، لئلا يكون سؤاله واستكشافه سببًا لفتنته ووقوعه في الخطر.

الوقفة الثانية:

مشروعية الخوف والحذر والبعد عن أسباب الخطر والشر والفتنة، لأن هذه صورة الوقاية التي هي أهم وآكد من العلاج، لأن التوقي وعدم مواقعة الخطر والفتنة أسلم لدين المرء وعقله وقلبه، وذلك أنه لا يجد في قلبه أي ميل أو تردد، بخلاف من سقط ووقع في الشر والفتن، فإن رواسب الفتنة ربما تبقى، ويقع في الخلط واللبس، ومن هنا قيل: درهم وقاية خير من قنطار علاج، وهذا يفيد حتى في الجهود التي تبذل لمواجهة الانحرافات الفكرية والسلوكية التي تعد أخطارًا تواجه المجتمع عمومًا والشباب على وجه الخصوص، فما من شك أن توجيه هذه الجهود لتحقيق الحصانة والأمن الفكري والعقدي ووضع الخطط والبرامج والخطوات الإجرائية أهم وآكد وأجدى وأنفع من مراحل العلاج التي ترهق وتُكلِّف، وتبقى نتائجها وآثارها أقل من الصورة الأولى.

الوقفة الثالثة:

جواز اعتراف الإنسان على نفسه بما وقع فيه من الخلل والنقص والجهل، دليل ذلك قوله – رضي الله عنه – لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- : « إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ»، ولا شك أن قوله – رضي الله عنه – هذا دليل على أنه معترف بما كان هو عليه وغيره من الصحابة، ولم يمنعه ذلك أن يُقرَّ بما كان عليه من الجهل والضلال والشرك وغيرها، بل اعترف به أمام سيد البشر محمد – صلى الله عليه وسلم- ، وهذا دليل لنا وتوجيه وقائد ورائد إلى أن نكون مثل هؤلاء الرجال، وألا يقودنا الهوى والنفس الأمارة بالسوء عن التنازل عما نقع فيه من خللٍ وزلل، سواء أكان هذا الخلل في العلم أو في الفكر أو في السلوك، ولا يمكن أن يكون الإنسان مقبولاً محبوبًا وذا مكانة عالية بين أهله وأبناء مجتمعه إلا إذا كان على هذا الطريق، إلا أن المتأمل في حال كثيرٍ من الناس، وخصوصًا طلبة العلم يجد أنه قد يقع منهم خطأٌ وخللٌ ونقصٌ وتقصير، ومع ذلك لا يعترفون به مهما تمت محاورتُهم ومناصحتهم وتوجيههم وبيان الحق لهم.

ونحن نعرف أن المسلم يجب أن يكون كيِّسًا فطنًا مدركًا لمصلحته، عارفًا بما يفيده ويفيد مجتمعه، مما يدفعه عن الابتعاد عن الخطأ والمزالق التي قد تؤثر على نفسه وعلى منهجه.

وهذا ينقلنا إلى واقع الفئات الضالة والمبادئ المنحرفة، فإن من المداخل المهمة للحوار معهم فتح باب الأمل والحوار والمراجعة من خلال هذه النصوص التي تفيد أهمية الرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ والذنب، والشجاعة في هذا الموقف لئلا ينساق وراء الإغراءات أو ما يتوهم أنها مكاسب، أو يتوقف عن هذه الفضيلة مراعاة لصحبة أو رفقة فاسدة، كما حصل من أبي طالب عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- حيث منعه جلساء السوء من الدخول في الإسلام، وحُرِم الخاتمة الحسنة بسببهم، وذلك عند حضور وفاته، كما ورد في الحديث أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي – صلى الله عليه وسلم- وعنده أبو جهل، فقال: «أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم- : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنه»، فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (113) التوبة، ونزلت (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (56) القصص

الوقفة الرابعة:

فقوله: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) المقصود بالظلم هنا هو: الشرك، لأنها لما نزلت هذه الآية شق الأمر على صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، وكبر وعظم في أنفسهم، وقالوا: (أينا لم يظلم نفسه!) فهوّن عليهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم-. وقال: ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (13) سورة لقمان.

وقوله {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}

الأمن هنا كما قال بعض المفسرين هو: الأمن التام، وهذا الأمن التام يتحقق للمؤمن في الحياة الدنيا أولاً بأن يحفظ الله عليه دينه ونفسهُ ومالهُ وعرضهُ وعقلهُ وفكرهُ وضرورياته وحاجياته بل وكمالياته، وشاهد الحال يدل على ذلك، والأمن التام الآخر هو في الآخرة؛ بأن يأمن الإنسان من العذاب والنار فيزحزح عنهما ويدخل الجنة، وهذا هو الأمن الحقيقي.

وكل مؤمن ومسلم يسعى إلى تحقيق هذا الأمن بنوعيه في الدنيا والآخرة.

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} الأمن من المخاوفِ والعذاب والشقاء، والهدايةُ إلى الصراط المستقيم، فإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقا، لا بشرك، ولا بمعاص، حصل لهم الأمن التام، والهداية التامة. وإن كانوا لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده، ولكنهم يعملون السيئات، حصل لهم أصل الهداية، وأصل الأمن، وإن لم يحصل لهم كمالها. ومفهوم الآية الكريمة، أن الذين لم يحصل لهم الأمران، لم يحصل لهم هداية، ولا أمن، بل حظهم الضلال والشقاء».

وقوله:{وَهُم مُّهْتَدُونَ} في طريقهم وعملهم ومنهجهم إلى الرشاد والفلاح في دنياهم وأخراهم، ولذلك فإن حمل هذه الرسالة والقيام بواجب هذا الدين ليس بالأمر الهين، ولا بالذي يأتي بالكسل والخمول والتسويف، أو بطرق أبعد ما تكون عن المصدرين الأصليين، والمنبعين الصافيين لدين الله: الكتاب والسنة، فلا بد لنا من القيام بهذا الأمر، وإظهار خيرية هذه الأمة، وسر اصطفاء هذا الدين، واختياره وما خصه الله به من التمام، والكمال والشمولية والصلاح والإصلاح لكل زمان ومكان وأمة، يقول الله عز وجل:

*، وفي الصحيح أن يهوديًا جاء إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -، فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) *المائدة:3*.

ولذلك، فإن الله عز وجل رضي للمسلمين هذا الدين فلا يسخطه أبدًا، وأتمه فلا ينقصه أبدًا، و أكمله فلا يقبل الزيادة عليه أبدًا، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما.

فعلينا أن ننهض ونشمر عن ساعد الجد، ونري الجميع من إخواننا المسلمين وكذا من نعاملهم من غير المسلمين الخير والتعاون على البر والتقوى، وأن نظهر في تعاملنا وسلوكنا ما تضمنه هذا الدين من العدل والإحسان والرحمة والفضل، وكل جوانب الخير المتعلقة بجميع مجالات الحياة، وأن نكون عناصر خير في تقديم ذلك، وأن يكون بقوالب شرعية متناسبة ومتفقة مع شريعة الله عز وجل ومبادئ هذا الدين، ومع ما تتطلبه الظروف والأحوال والتحولات والحوادث والنوازل والقضايا المعاصرة، وأن لا نكون معاول هدم وعناصر شر على هذا الدين وأهله، بل يجب علينا أن نكون في كل أفعالنا وتصرفاتنا وأقوالنا وحركاتنا وسكناتنا نموذجًا حيًا تطبيقيًا لدين الله عز وجل، لأن العالم بأسره والإنسانية بأكملها بحاجة إلى هذا الدين، فهو الغذاء وهو الدواء، وهو العلاج وهو النجاة، ولا يمكن لأحد أن يقوم بذلك إلا من تعلموا العلم الشرعي وعرفوا مالهم وما عليهم، وقدموه للناس جميعًا، بمنهج حكيم، وأسلوب قويم، وطريق رحيم.

الوقفة الخامسة:

أن أول هذه الأمة خير من آخرها، دليل ذلك في هذا الحديث قوله – صلى الله عليه وسلم- : «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي وَيَسْتَنونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ: «هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟»، فهذا دليل على أن أول هذه الأمة خير من آخرها، ويدل على ذلك أيضًا قوله – صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، قَالَ: وَلاَ أَدْرِي أَعَدَّ قَرْنًا رابِعًا أَوْ لا؟، وقوله – صلى الله عليه وسلم- : «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ»، وليعلم أن ميزة الصحبة لا تعدلها ميزة، ولكن لا يعني ذلك انقطاع الخير في هذه القرون الثلاثة، أو أن الخير لا يوجد في أمة محمد – صلى الله عليه وسلم- ، بل إن الخير في هذه الأمة كما قال – صلى الله عليه وسلم- إلى قيام الساعة، بل هناك ما يدل على أبلغ من ذلك وأكثر مكافأة ودرجة ورفعة، في أنه يأتي زمان للعامل فيه أجر خمسين من الصحابة، وهذا الزمن يسمى: زمن الصبر، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم- : «فَإِنَّ مَنْ وَرَائِكُم أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ كَأَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ» فهذا موجه لنا أننا إذا سرنا على منهج الله وعلى طريق رسوله – صلى الله عليه وسلم- فإننا بخير، ويوجهنا إلى أن الأمانة عظيمة، والحمل كبير، وعلينا أن نصبر ونعمل من أجل نشر دين الله وتعليم الناس إياه، ولا يكون ذلك إلا بعد أن نحقق ذلك في أنفسنا، وأن نعرف من أنفسنا الصلاح والاستقامة بما يقوله الناس ويشهدون به، وهذا ضابط دقيق وطريق يحتاج إلى العمل المخلص المنطلق من كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- المتبع لآثار سلف هذه الأمة.

الوقفة السادسة:

أن الخير والشر يتصارعان ويتجادلان ويتجاذبان ويتداولان على مر العصور وكر الدهور، ولن يقف ذلك إلى قيام الساعة، يدل على ذلك قوله في الحديث: فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:»نَعَمْ»، قَالَ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:»نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ»، وهذه سنة إلهية، وأمر قدري شرعي أراد الله به التمحيص والابتلاء، ولذلك فإننا نعرف من هذا الحديث أن المتمسكين بالحق والقائمين به دائمًا وأبدًا هم في سجال وجدال وحوار ومناظرة مع أهل الباطل، ويستلزم منا ذلك أن يكون لدينا العلم الحقيقي، والقدرة الفائقة على تقديم الحق بأدلته وبراهينه الساطعة، وأن لا ننطلق في أي أمر كبيرا كان أم صغيرا إلا على بصيرة؛ لأن الله عز وجل يقول:

(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)

*، ويفعل ذلك -أي: هذه البصيرة- بأن يكون القول والعمل والدعوة والتوجيه والتربية بحكمة وموعظة حسنة وجدال بالتي هي أحسن، يقول الله عز وجل: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) *النحل:125*، وأبلغ من ذلك وأعمق أثرًا وأبلغ تأثيرًا قول الله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمَْ}؛ فقد ذكر في معنى قوله تعالى:{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمَْ} أي: حتى الذين ظلموا منهم لا تجادلوهم ولا تناظروهم ولا تحاجوهم إلا بالتي هي أحسن، وقد قرر ذلك سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله فقال: «فالظالم الذي يقابل الدعوة بالشر والعناد والأذى له حكم آخر، في الإمكان تأديبه على ذلك بالسجن أو غيره، ويكون تأديبه على ذلك على حسب مراتب الظلم، لكن ما دام كافًّا عن الأذى، فعليك أن تصبر عليه، وتحتسب وتجادله بالتي هي أحسن، وتصفح عما يتعلق بشخصك من بعض الأذى، كما صبر الرسل وأتباعهم بإحسان».

الوقفة السابعة:

في قوله – صلى الله عليه وسلم- عندما قال له حذيفة – رضي الله عنه -: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ:»نَعَمْ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، وهذا هو الذي عليه المدار والمقصود بالوقفات والآثار، وإن المتأمل في حال الأمة الإسلامية وما تعيشه من خلاف واختلاف وتناحر وفرقة، وبروز جماعات متطرفة وأفكار منحرفة يرى ذلك واقعًا عيانًا نلمسه ونشاهده ونعاين آثاره كل يوم،:»دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، فهناك دعاة التبديع والتكفير والتفسيق العام والخاص، والذين ارتحلوا منهج الغلو والإفراط، وراحوا يحكمون على الناس وفق ذلك وبطريقة أبعد ما تكون عن منهج الله وعن مبادئ الإسلام وسننه، ونتيجة لذلك صار بعضهم ضحية لهؤلاء الدعاة الواقفين على أبواب جهنم، وحطبًا يوقدون بها نارهم ويشعلون بها فتيلهم.

وثمة دعاة آخرون على أبواب جهنم، وهم أولئك الذين ارتحلوا منهج الشهوة والتفريط والجفاء والمجون والفسق، وذهبوا يميعون مبادئ الدين ويدعون إلى الانسلاخ من حقائقه وقواعده وأصوله، وينادون بها في كل المحافل وعبر جميع الوسائل المقروءة والمرئية والمسموعة، والعجيب في الأمر أن هؤلاء وأولئك يقولون: نحن أهل الصلاح والإصلاح، ولكن هيهات هيهات، فمنهج الحق واضح، ودين الله بين ظاهر، فأين هؤلاء من الإصلاح؟ بعدوا عن الصلاح والإصلاح كما بعدت الثريا عن الثرى.

إن الجماعة الحقيقية التي يجب أن نكون منها ودونها ومن ورائها ومعها في جميع أحوالها وتحولاتها هي جماعة أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، التي أخذت بكل ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- ، وطبقتها في كبير الأمور وصغيرها، ودقيقها وجليلها دون النظر إلى أي مؤثرات أو عواد.

قال ابن حجر -رحمه الله : «قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وترك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم:»دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ»، …وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة».

وقال الكرماني رحمه الله: «فيه: الإشارة إلى مساعدة الإمام بالقتال ونحوه إذا كان إمام، وإن كان ظالمًا عاصيًا، والاعتزال إن لم يكن».

الوقفة الثامنة:

في قوله – صلى الله عليه وسلم- عندما سأله حذيفة – رضي الله عنه -: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، وهذا هو الخطر الداهم، والسم الزعاف، والشر الذي ليس بعده شر، والفتنة التي لا يمكن لَمُّ أطرفها، وجمع شملها إلا بعون الله وتسديده الذي يكون سندًا ومعينًا في كشف أولئك وفضح منهجهم الخفي الخبيث؛ لأننا إذا تأملنا في هذه الجملة التي نطقها الصادق المصدوق رسول الله – صلى الله عليه وسلم- نحزن ونتألم ونتعجب كيف أن الأثر السيئ، والعمل الرديء، والانحراف الفكري والسلوكي والدعوة إليه يكون ممن هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا؟

لأن هذا لو جاءنا ممن ظهر من الأعداء وعرفت عداوته لكان الأمر هينًا وواضحًا ومقدورًا على كشفه ومواجهته وعلاجه، ولكن عندما يأتي الشر والبلاء والفتنة ممن يعيشون بيننا، وينعمون بخيراتنا ويتفيئون ضلال الأمن والأمان والإيمان والتوحيد والمعتقد الصحيح والمنهج السليم، بل وقد يُقَدَّمون على غيرهم، فهنا حقيقة يعجز اللسان ويقف القلم، ولا يستطيع الإنسان أن يقول إلا اللهم أكفنا شرهم وشر غيرهم من الأشرار، واكشف عوارهم، وافضح مخططاتهم، واهتك أسرارهم بما شئت.

ومن هنا، يجب علينا أن نتأمل في ذلك تأملاً دقيقًا، وأن نتمعن فيه دائمًا وأبدًا، وأن نجعله نصب أعيننا وعلى بالنا فيما يتعلق بتربية أبنائنا وطلابنا في التعليم العام وفي الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، وفي المساجد وجميع محاضن التربية والتوجيه والدعوة والإرشاد أيًّا كان مجالها ومكانها، وأن نكون يقظين فطنين لمن يريدنا بسوء أو يعمل ويخطط من أجل أن يؤثر على ما ننعم به من ألفة ومحبة وتعاون على البر والتقوى، بل وأعظم ذلك ما نتفيؤ ظلاله من نعمة التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل، والتي هي أعظم وأكمل وأتم النعم، ومصدر السعادة في الدارين، يقول شيخنا الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: «لو ما يأتي هذه البلاد إلا تحقيق التوحيد لكفى، نعم ليس تحقيق التوحيد وغرسه في القلوب والنفوس والمعتقد الصحيح بالأمر الهين، انظروا إلى البلاد الأخرى تجدون البدع والشركيات والخرافات وغيرها منتشرة، وهي الأصل، أما نحن فنعمة التوحيد الخالص غضة طرية نعيشها كما أنزلت في كتاب الله، وكما بلغنا إياها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «، ويضرب شيخنا مثالاً دقيقًا على ذلك، فيقول رحمه الله: «عندما أرادت هذه الدولة المباركة أن ترمم الكعبة اتخذت احتياطات كبيرة، وشَكَّلت لجانا موثوقة ومتعددة؛ لأنها تعلم أنه سيكون للترميم أنقاض وبقايا، وأن هناك من الوافدين للحج أو العمرة أو الزيارة من سيسارع للحصول على حبة رمل من أجل التبرك وغيره»، يقول: «ذهبت إلى هناك، واطلعت على ما يقوم به ولاة الأمر من الحفاظ على هذه العقيدة والذود عن حياض التوحيد، حيث كان العاملون هناك يجمعون كل ما ينتج عن هذا الترميم بكل دقة وأمانة وحرص، ويضعونها في أكياس مشمعة بالشمع الأحمر، ومختومة به، ثم يخرجون بها دون أن يعلم عنهم أحد، ثم يضعونها في سيارات مؤمنة، ثم يذهبون بها إلى وسط البحر الأحمر، ويلقونها هناك حتى لا يصل إليها أحد أيًّا كانت قدرته»، فهل بعد هذا الحفاظ على عقيدة التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل من عمل؟ وهل بعد هذا الحرص من حرص؟

وهذا يدفعنا إلى أن نقول: إن واجبنا جميعًا أن نكون محافظين على هذه العقيدة وعلى إخلاص العبادة لله عز وجل، وغرسها في النفوس ونشرها، وتكثيف ذلك في جميع المجالات، لأن الملاحظ على كثير من المربين والمعلمين والدعاة والخطباء إغفال هذا الجانب، وإهمال مثل تلك الأصول التي تعد من أعظم ما يبنى عليه الدين، والتركيز على موضوعات جانبية وفرعية. 

الوقفة التاسعة:

هي في قوله – صلى الله عليه وسلم- عندما سأله حذيفة – رضي الله عنه -: «فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»، فالمخرج من الفتن والعاصم من الانحراف والوقوع في الخلل، والتأثر بالدعاة على أبواب جهنم، والذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أن نلزم جماعة المسلمين وإمامهم، هذه هي وصية رسول الله – صلى الله عليه وسلم- الجامعة لمن رام النجاة في ظل الدعوة التي هي سبب دخول النار، والمقصود بالجماعة هنا هي الجماعة الكبرى، لأن للجماعة مفهومين:

- المفهوم الأول: هي الجماعة الصغرى، وهي جماعة الصلاة، أو الجماعة التي تنعقد بهم الصلاة، وتسمى صلاة الجماعة، وهذه الجماعة اهتم بها الإسلام واعتنى بها اعتناءً بالغًا، وهي تتألف من إمام ومأمومين مأمورين باتباع الإمام ومتابعته، لقول الرسول – صلى الله عليه وسلم- : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوْا جُلُوسًا»، ولذلك فإنهم يتابعونه في كل شيء، في حركاته وأقواله وأفعاله، فتحرم مخالفته وتجب متابعته وتكره موافقته، بل إنه إذا سها في بعض أفعال وأقوال الصلاة فإنهم يفعلون ما يفعل، وهذه الجماعة توجيه ودليل على الجماعة الكبرى، وتربية شرعية على لزومها، وطاعة ولي الأمر فيها، والالتزام بكل واجباتها.

- المفهوم الثاني: الجماعة الكبرى، وهي التي ينتظم فيها أفراد الأمة الإسلامية إذا كانت مجتمعة، أو أفراد البلد الواحد فيما سوى ذلك، وهم مأمورون بالقيام بحقوقها وأداء واجباتها والانتظام فيها، والحفاظ على وحدتها، والحذر من التأثير عليها، والبعد عن كل ما يسبب فرقتها واختلافها، والدفاع عنها، ودحر كل مَنْ يرومها بِعِداءٍ أو سوء، من داخل الجماعة أو خارجها، وذلك لتقف هذه الجماعة قوية شامخة عزيزة مهابة الجانب يحسب لها الأعداء كل الحسابات، ولا يمكن أن تؤثر عليها العوادي أو ينخر في جسدها أي فتنة، كبيرة كانت أو صغيرة، لأن هذه الجماعة هي السياج الذي يحفظ المسلمين وقوتهم ومنعتهم بعد الله عز وجل، والاجتماع مبدأٌ يدل على وجود الإسلام، وفقده فقد لهوية الإسلام، فالإسلام لا يكون إلا بجماعة واجتماع، والاجتماع لا يكون إلا بجماعة، والجماعة لا تكون إلا بإمام وإمارة، ولا إمامة إلا بطاعة، ولذلك أخرج الدارمي في سننه عن تميم الداري – رضي الله عنه – قال: «تطاول الناس في البناء في زمن عمر، فقال عمر – رضي الله عنه -: «يا معشر العريب: الأرض الأرض، إنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه على الفقه كان حياة له ولهم، ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكا له ولهم».

فالإسلام والجماعة والإمامة والطاعة مبادئ لا ينفك بعضها عن بعض، ولا يمكن أن يوجد عنصر منها بدون وجود العناصر الأخرى على أي حال من الأحوال، ومن هنا كانت الجماعة مبدأً ضروريًا ومتحتمًا، لأن الإنسان بطبعه يحب ويبغض، وله إرادة، ولا يمكن أن يحقق مصالحه ويقوم بشؤونه بمعزل عن الناس، مهما كانت قوته ومهما بلغ شأنه، ومن هنا قال الله عز وجل:

(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحُجُرات:13

فالله سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، و يخدم بعضهم بعضًا، ويقومَ بعضهم على بعض في كل شؤون الحياة، يقول الله عز وجل: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرف: 32

ويقول الشاعر:

والناس للناس من بدو وحاضرة

بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

وهذه الجماعة لا بد لها من دين تجتمع عليه، يكون فيه من الأوامر والنواهي ما يحفظ العقائد والعقول والأعراض والممتلكات، ويكفل تحقيق الأمن وعدم اعتداء أفرادها بعضهم على بعض، ولذلك لا بد من وجود من يُسيِّر هذا النظام ويضبطه، ويتمثل ذلك في القائد أو ولي الأمر، فإن لم يوجد ذلك فإن الفوضى تعم وتنتشر، قال الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كل طائفة من بني آدم لا بد لهم من دين يجمعهم، إذ لا غنى لبعضهم عن بعض، وأحدهم لا يستقل بجلب منفعته ودفع مضرته، فلا بد من اجتماعهم، وإذا اجتمعوا فلا بد أن يشتركوا في اجتلاب ما ينفعهم كلهم، مثل: طلب نزول المطر، وذلك محبتهم له، وفي دفع ما يضرهم، مثل: عدوهم، وذلك بغضهم له، فصار ولابد أن يشتركوا في محبة شيء عام، وبغض شيء عام، وهذا هو دينهم المشترك العام.

وإما اختصاص كل منهم بمحبة ما يأكله ويشربه وينكحه، وطلب ما يستره باللباس فهذا يشتركون في نوعه لا في شخصه، بل كل منهم يحب نظير ما يحبه الآخر لا عينه، بل كل منهم لا ينتفع في أكله وشربه ونكاحه ولباسه بعين ما ينتفع به الآخر، بل بنظيره.

وهكذا هي الأمور السماوية في الحقيقة، فإن عين المطر الذي ينزل في أرض هذا ليس هو عين الذي ينزل في أرض هذا ولكن نظيره، ولا عين الهواء البارد الذي يصيب جسد أحدهم قد لا يكون نفس عين الهواء البارد الذي يصيب جسد الآخر بل نظيره، لكن الأمور السماوية تقع مشتركة عامة، ولهذا تعلق حبهم وبغضهم بها عامة مشتركة، بخلاف الأمور التي تتعلق بأفعالهم كالطعام واللباس، فقد تقع مختصة وقد تقع مشتركة.

وإذا كان كذلك فالأمور التي يحتاجون إليها يحتاجون أن يوجبوها على أنفسهم، والأمور التي تضرهم يحتاجون أن يحرموها على نفوسهم، وذلك دينهم، وذلك لا يكون إلا باتفاقهم على ذلك، وهو التعاهد والتعاقد، ولهذا جاء في الحديث: «لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ».

والدين الحق هو طاعة الله وعبادته، كما بينّا أن الدين هو الطاعة المعتادة التي صارت خُلقًا، وبذلك يكون المطاع محبوبًا مرادًا، إذ أصل ذلك المحبة والإرادة.

ولا يستحق أحد أن يعبد ويطاع على الإطلاق إلا الله وحده لا شريك له، ورسله وأولو الأمر أطيعوا لأنهم يأمرون بطاعة الله، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم- في الحديث المتفق عليه: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي»، وأما العبادة فلله وحده ليس فيها واسطة، فلا يعبد العبد إلا الله وحده» ا.هـ.

وقد قرر هذا أيضا ابن خلدون في مقدمته فقال: «إن الاجتماع الإنساني ضروري، ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم: (الإنسان مدني بالطبع) أي: لابد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم».

والجماعة والاجتماع ليست مطلبًا بشريًا فقط، بل إننا لو نظرنا إلى فئات أخرى من الحيوانات والحشرات وغيرها لوجدنا أنها تحرص على الاجتماع المرتب المنظم الذي تحكمه قيادة يلتزم بأمرها، ويقاتل ويدافع أفرادها عن ملكها ولو فنيت هي وبقي قائدها، فكيف ببني الإنسان؟ إنهم أولى وأوجب أن يكون لهم جماعة تنتظمهم وتحفظهم ويحافظون عليها، وإمام يسمع له ويطاع، يحافظ على جماعتهم وأمنهم وأمانهم.

إن لزوم جماعة المسلمين أمر واجب بشريعة الله، دلت عليه الأدلة الواضحة الصريحة القاطعة من الكتاب والسنة، ولذلك ترجم الإمام النووي للأحاديث الصحيحة الواردة في صحيح مسلم الدالة دلالة قاطعة على هذا الحكم فقال: «باب وجوب لزوم جماعة المسلمين في حال ظهور الفتن، وفي كل حال».

وإذا تقرر هذا فإنه يحرم قطعًا الخروج عليها لأي سبب من الأسباب، ومهما كانت الدوافع والعلل والمبررات، قولاً أو فعلاً، ولذلك أيضًا قال الإمام النووي في ترجمة الأحاديث التي أوردها الإمام مسلم في كتابه الجامع الصحيح الدالة على وجوب لزوم جماعة المسلمين وحرمة الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة: «باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة».

والأدلة الدالة على هذا الأمركثيرة ومتنوعة ومتعددة في كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- : فمن الأدلة الدالة على ذلك من كتاب الله قوله تعالى:

(مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ } (76) سورة يوسف.وقال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) [التوبة:29.

فهذا دليل ظاهر ونص قاطع على وجوب الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم- ، والاجتماع عليها، والرجوع إليها في صغير الأمور وكبيرها، ونهيٌ صريحٌ واضحٌ عن الاختلاف والنزاع والشقاق والتناحر، وبيان لفضل الله ومنته علينا وعلى من قبلنا أن جعلنا إخوة في الدين.

والمقصود بحبل الله عز وجل هنا قيل: كتاب الله والقرآن، وقيل: الجماعة، وروي هذا المعنى عن أنس بن مالك وابن مسعود، حيث قال رضي الله عنه: «عليكم جميعًا بالجماعة والطاعة، فإنها حبل الله الذي أمر به». قال الإمام القرطبي -رحمه الله- لما ساق أقوال القائلين بأن المراد بالجماعة: كتاب الله، وقول من قال: إن المراد بحبل الله: الجماعة، قال: «وكلها معانٍ متقاربة متداخلة، فإن الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة مهلكة، والجماعة نجاة».

وقال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: «وقد فسر حبله: بكتابه، وبدينه، وبالإسلام، وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وكلها صحيحة، فإن القرآن يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصام به جميعًا إنما يكون في الجماعة، ودين الإسلام حقيقته الإخلاص لله».

ومن الأدلة الدالة على ذلك قوله تعالى:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران:103.

فهذه الآية تدل على أن السبيل الذي تسير عليه جماعة المسلمين ونتخذه منهجًا لها هو السبيل الذي يجب أن يُسار عليه ويتبع، وأن أي سبيل غيره فهو سبيل مؤذٍ يؤدي إلى الشر والفتنة، ومصير صاحبه إلى النار، فيجب علينا الأخذ بسبيل المؤمنين والحذر من غيره.

وأما الأدلة من السنة الدالة على وجوب لزوم جماعة المسلمين وحرمة الخروج عليها، فمنها: قوله – صلى الله عليه وسلم- في الحديث المخرج عند الأئمة مالك وأحمد ومسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاَثًا، يرَضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ»، زاد الإمام مالك والإمام احمد: «وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ»، وهذا الحديث يدل على أن أصل الجماعة المانع من الوقوع في إرهاب الفتن هو: التوحيد، وكما يدل على أهمية الجماعة والاعتصام بحبل الله و الحذر من التفرق.

ومنها حديث زيد بن ثابت – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَها وَوَعَاهَا وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فِقْهَ لَهُ، وَرُبُّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلاثٌ لا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ».

يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: «وهذه الثلاث – وهي: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين- تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة. وبيان ذلك:

أن الحقوق قسمان: حق لله، وحق لعباده، فحق الله أن نعبده ولا نشرك به شيئا، كما جاء لفظه في أحد الحديثين؛ وهذا معنى إخلاص العمل لله، كما جاء في الحديث الآخر.

وحقوق العباد قسمان: خاص وعام؛ أما الخاص فمثل بركل إنسان والديه، وحق زوجته وجاره؛ فهذه من فروع الدين؛ لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه؛ ولأن مصلحتها خاصة فردية.

وأما الحقوق العامة فالناس نوعان: رعاة ورعية؛ فحقوق الرعاة مناصحتهم؛ وحقوق الرعية لزوم جماعتهم؛ فإن مصلحتهم لا تتم إلا باجتماعهم، وهم لا يجتمعون على ضلالة؛ بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعا؛ فهذه الخصال تجمع أصول الدين».

ويقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الثالثة -أي: من المسائل التي خالف رسول الله – صلى الله عليه وسلم- الجاهلية- في أن مخالفة ولي الأمر، وعدم الانقياد له -عندهم أي: الجاهلية- فضيلة ، وبعضهم يجعله دينًا، فخالفهم النبي – صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وأمرهم بالصبر على جور الولاة والسمع والطاعة والنصيحة لهم ، وغلظ في ذلك، وأبدى وأعاد، وهذه الثلاث هي التي ورد فيها ما في الصحيح عنه – صلى الله عليه وسلم- : «يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم»، وروى البخاري عن ابن عباس عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال : «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتة جاهلية»، وروى أيضًا عن جُنادة بن أبي أمية، قال: دخلنا على عُبادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا : أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، قال: دعانا النبي – صلى الله عليه وسلم- فبايَعَنا، فكان فيما أخذ علينا: «أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان». والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرة ، ولم يقع خلل في دين الناس أو دنياهم إلا من الإخلال بهذه الوصية».

ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أمر الجماعة فيقول في كلام نفيس بديع: «إن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس، ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجبه من الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة، ولهذا روي: «أن السلطان ظل الله في الأرض»، ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان»، والتجربة تبين ذلك.

ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض و أحمد بن حنبل وغيرهما يقولون: «لو كان لنا دعوة مجابة لدعونا بها للسلطان».

إن المخرج من هذه الفتن يكمن في لزوم كتاب الله عز وجل وفي لزوم سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ، في الفقه في دين الله جل وعلا؛ فإن الإنسان إنما يؤتى بسبب جهله وقصور علمه فيضل، أو أن يؤتى بسبب غلبة الهوى على قلبه فيضل بسبب ذلك.

فهكذا عرف حذيفة – رضي الله عنه – الفتن لما سأل وتعلم من النبي – صلى الله عليه وسلم- عنها وما الذي يقيه منها، فقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم- قدوته وأسوته ودليله، -وهو كذلك-، وهكذا ينبغي للمسلم أن يكون على بصيرة وعلم، وله منهج وطريق لا يحيد عنه حتى يموت ويلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنه، وحتى يقي نفسه شر فتن الدنيا والخزي والنكال في الآخرة، وما أرشد إليه النبي – صلى الله عليه وسلم- حذيفة -والأمة داخلة في الخطاب- من الوسائل العظيمة للنجاة من الفتن، وتأسيسًا على ذلك يحسن أن نتوسع في هذا المجال، لأن هذا هو موضوع المحاضرة والكتيب، فمما يقي من الفتن الثبات على المبادئ، فإن مبادئ دين الله هي الطريق المنجي -بإذن الله -عز وجل من الفتن، وقد تكفل الله عزوجل بحفظ هذه المبادئ ورأسها كتاب الله عز وجل، حفظه الله ظاهرًا كاملاً لا لبس فيه ولا اختلاف، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (9) سورة الحجر

والنبي – صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك».

كما أن من المخارج من الفتن ما أوصى به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بقوله: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به»، فحث النبي – صلى الله عليه وسلم- على تجنب الفتن، والحذر من تناقلها والسعي وراءها، والعمل على الترويج لها ولأتباعها، لأنها مزلة قدم، ومجال للوقوع فيها، والسلامة لا يعدلها شيء.

يقول الإمام ابن حجر رحمه الله: «يعني: أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك الساعي فيها بحيث يكون سببًا لإثارتها، ثم من يكون قائمًا بأسبابها وهو الماشي، ثم من يكون مباشرًا لها وهو القائم، ثم من يكون مع النظّارة ولا يقاتل وهو القاعد، ثم من يكون متجنبًا لها ولا يباشر ولا ينظر وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه شيء في ذلك ولكنه راضٍ وهو النائم» .

كما إن المخرج من الفتن قبل وقوعها: ضبط العواطف والتأني، وعدم الانطلاق من الانفعالات، فينبغي على العالم وطالب العلم إذا جاءه الشاب المندفع أن لا يزيده اندفاعًا، بل عليه أن يضبط عواطفه، وما أضل الشباب كثيرًا إلا مثل تلك العواطف العواصف، وغِيَر الثائرة التي يسير فيها الشاب بلا بصيرة ولا نور وعلم، بل حسب عواطفه وغيرته، فيضل ضلالاً بعيدًا.

كما أن من المخارج من الفتن والموانع بإذن الله من الوقوع فيها: القرب من علماء الأمة الربانيين، فهذا حذيفة – رضي الله عنه – في هذا الحديث تلقى عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأخذ عنه ورجع إليه، وطلب وصيته، والعلماء بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هم ورثته ومرجع الشباب.

فمسؤولية الشباب: الرجوع إليهم والالتفاف حولهم، والرفع من شأنهم، وعدم التقليل من قدرهم وفضلهم، والصدور عن رأيهم والأخذ به؛ لأن العلماء ينظرون إلى الفتن بمنظار الشرع، ويبينون ويوضحون ما خفي منها، فالتقليل من شأنهم أو عدم الصدور عن رأيهم يجعل الناس في ظلماء مدلهمة، وفتنة قاتمة، لا يعرف أولها من آخرها، ولا شرها وضررها من خيرها، تلتبس فيها الأصوات، ويكثر الناعقون فيها بما لا يعرفون، ومسؤولية العلماء أن يعتنوا بهؤلاء الشباب، وينظروا فيما يتهددهم من مخاطر، فيبينوا لهم الحق، ويكشفوا لهم الشبه حتى لا تكون سببًا في وقوعهم وسقوطهم في الفتنة.

وقد أطلت في هذه الوقفة لأنها مقصودي من إيراد الحديث، والكلام فيها متعين، ولاسيما وأن المخاطب بهذه المحاضرة هم نخبة المجتمع الموجهون عبر المنابر، فلابد أن يدركوا أهمية هذه الوصية الجامعة المنجية من الفتن، ويجعلوها منطلقًا لسد أبواب الانحراف، والله المستعان.

الوقفة العاشرة:

هي في المخرج من هذه الجماعات والفتن و المآلات التي سردها رسول الله – صلى الله عليه وسلم- حينما سأل حذيفة – رضي الله عنه – في هذا الحديث كيف المخرج إذا لم يكن جماعة ولا إمام، ففي الحديث: «قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لهم جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ؟ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ كَذَلِكَ»، فبين المخرج وهو أن يعتزل الإنسان تلك الفرق كلها ولو أن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت وهو على ذلك، فحُذيفة – رضي الله عنه – سأل عن حالة لم تقع في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم- ولكنها ليست مستحيلة الوقوع، فأرشده النبي – صلى الله عليه وسلم- ووجهه إلى المخرج منها، ولذلك فإن اعتقاد الإنسان لزوم الجماعة التي دل عليها الحديث، وهي جماعة المسلمين المنضوين تحت إمام له سمع وطاعة والذين هم على ما كان عليه الرسول – صلى الله عليه وسلم- ، وأصحابه يجب أن يكون مستحضرًا إياه حتى وهو معتزل تلك الفرق بأنه إذا وجدت الجماعة الصحيحة الموافقة للكتاب والسنة فإنه سيدخل فيها ويكون من أهلها، ولذلك قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: «الزموا هذه الطاعة و الجماعة فإنه حبل الله الذي أمر به وأن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة «.

يقول الإمام الطبري رحمه الله: «أنه متى لم يكن للناس إمام فافترق الناس أحزابًا فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك، خشية من الوقوع في الشر، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف منها».

الوقفة الحادية عشرة:

أنه عند التأمل والتدبر في الحال التي سأل عنها حذيفة بن اليمان – رضي الله عنه – نرى أنها أيضًا غير منطبقة وغير موجودة ولله الحمد في هذا العصر، فأئمة المسلمين وحكامهم وأمراؤهم موجودون ومتوافرون وخصوصًا في هذه البلد التي هي تحت ولاية شرعية قوية مهابة الجانب، لها حقوق وعليها واجبات، تنفذ شرع الله عز وجل وتطبقه على الصغير والكبير، وفي جميع شؤونها الداخلية والخارجية، منطلقة في ذلك من كتاب الله عز وجل، وسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ما انتهجه ولاة أمرنا وأعلنوه ويعلنونه في كل مناسبة، قولاً وفعلاً، ويكونون بذلك القدوة الحسنة للمواطنين، ولا يعكر على هذا شبهة بعض المنحرفين بضرورة الخلافة الموهومة، أو الإمامة العظمى المزعومة، لأن هذا الشأن اختلف فيه من صدر هذه الأمة وتفرقت، والرسول – صلى الله عليه وسلم- أشار إلى هذا الخلاف، حينما أوصى وصيته التي فهم الصحابة رضوان الله عليهم أنها وصية مودع، فقال في حديث العرباض بن سارية – رضي الله عنه -: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».

فقوله: «وإن تأمر عليكم عبد»: يشير إلى الانقسام واستقلال كل دولة بحدودها وأحكامها، وقد حصل هذا منذ عهد الإمام أحمد وما قبله إلى يومنا هذا، ونقل الإجماع على اعتبار استقلال كل دولة، يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «الأئمة مجمعون من كل مذهب، على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام، لا يصح إلا بالإمام الأعظم».

وقال الصنعاني رحمه الله : «قوله عن الطاعة: أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلت فائدته، وقوله: «وفارق الجماعة» أي: خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم، واجتمعت به كلمتهم، وحاطهم عن عدوهم»، وقال الشوكاني رحمه الله: «وأما بعد انتشار الإسلام، واتساع رقعته، وتباعد أطرافه، فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام أو سلطان، وفي القطر الآخر أو الأقطار كذلك، ولا ينفذ لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر، وأقطاره التي رجعت إلى ولايته، فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين، ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه، وكذلك صاحب القطر الآخر»، ثم قال رحمه الله: «فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعية، والمطابق لما تدل عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته، فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار، ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها»ا.هـ.

فإذا نحن في ظل الوضع القائم لا نعدم ولاية شرعية، ولا ينطبق علينا تلك الحال؛ لأننا في ظل هذه الولاية الشرعية التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدها عزًا ونصرًا وتمكينًا وتطبيقًا لشريعة الله، كما نسأله عز وجل أن يعيد إلينا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز سالمًا غانمًا معافى، وأن يطيل في عمره على طاعته، وعمر سمو نائبه الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وسمو نائبه الثاني الأمير نايف بن عبدالعزيز على طاعته ويهيئ لهم من أمرهم رشدًا، ويجعلهم دعاة خير وبركة على شرع الله عز وجل وعلى أبناء هذا الوطن وأبناء المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها، وأسأل الله لي و لكم التوفيق والسداد، وأن يجعل ما قلنا في موازين حسناتنا، وينفعنا به ويهدينا لما اختلف فيه من الحق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>