الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » التَّوازنُ في الشَّريعةِ الإلهيةِ وإبطالُ سننِ أهلِ الجاهليةِ

التَّوازنُ في الشَّريعةِ الإلهيةِ وإبطالُ سننِ أهلِ الجاهليةِ

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

الحمدُ للهِ وحدهُ ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على منْ لا نَبِيَّ بعدهُ ، أَمَّا بعدُ :
فقدْ أخرجَ الإمامُ البخاريُّ في :”صحيحه” بسندهِ عنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) .

وفي روايةِ مسلمٍ : (أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ عَمَلِهِ فِى السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ آكُلُ اللَّحْمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ. فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. فَقَالَ : (مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّى أُصَلِّى وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّي ) .

إِنَّ القَارئَ للحديثِ بروايَتَيْهِ المتنوعتينِ قراءةً واعيةً ؛ لَيجدنَّ فيه أُصولاً عظيمةَ الشأنِ وقواعدَ جليلةَ القدرِ ؛ تستوجبُ تسليطَ الضَّوءَ عليها ، و منْ ثَمَّ استخراجها ؛ لتكونَ منهاجَ حياةٍ ، يُضيءُ للمسلمِ ؛ الطَّالبِ للنَّجاةِ  دربَهُ في ظِلِّ هذه الحياةِ المتلاطمةِ بأمواجِ الفتنِ الفكريةِ والمنهجيةِ المنحرفةِ الزَّائغةِ عنْ سواءِ السبيلِ .

ومنْ هذه الأصولِ وتلك القواعدِ ما يلي :

1-السِّياسةُ النَّبويةُ الحكيمةُ في التَّعليمِ والتربيةِ ؛ إذْ إِنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عالجَ الخطأَ العمليَّ السلوكيَّ الَّذي كادَ أن يقعَ فيهِ أولئكَ الصَّحابةُ-رضيَ الله عنهم- منْ جذرهِ الكامنِ في خطأهم في الفهم والتَّصور ؛ فقد ظَنُّوا أَنَّ عبادةَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانتْ قليلةً لكونهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؛ فلا يحتاجُ بعدئذٍ إلى مزيدٍ من العبادةِ ؛ أَمَّا هُم فليسَ الشأنُ فيهم كَذلكَ ؛ ولذا ينبغي عليهم أن يُشَمِّروا عنْ ساعدِ الجدِّ ، ولو كانَ ذلكَ على حسابِ مجاوزةِ الهديِ النَّبويِّ اجتهاداً منهم ؛ رجاءَ أن يغفرَ اللهُ لهم ؛ فصَحَّحَ لهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هذا الخطأَ التَّصوريَّ مِنْ خلالِ بيانِ أَنَّ هديَهُ في العبادةِ التي حسبوها قليلةً لم يكنْ نتيجةً لغفرانِ ما تقدَّمَ من ذنبهِ وما تأخَّرَ ؛ اتِّكالاً على ذلكَ-وحاشاهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من ذلكَ – ؛ وإنِّما الحقيقةُ الشَّرعيةُ التَّي تستوجبُ اليقظةَ والانتباهَ :  أَنَّ ما قامَ بهِ-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- هو سنتهُ المبنيةُ على الوسطيةِ التي يُحبُّها اللهُ ، وهذا من كمالِ خشيتهِ للهِ عزَّ وجلَّ وتقواهُ لهُ سبحانهُ ؛ بخلافِ المتشدِّدِ الغالي الَّذي ما يلبثُ أَنْ يُفضيَ بهِ سلوكهُ هذا إلى إملالِ النَّفسِ القاطعِ لها عن أصلِ العبادةِ .

وَهَكَذا الشَّأنُ في سائرِ الأخطاءِ العمليةِ السَّلوكيةِ ؛ إذْ هي ناتجةٌ في عمومها عن الخطأ في الفهمِ والتَّصوُّراتِ ؛ فَإِذا تَمَّ الإصلاحُ في جَانبِ الفهمِ والتَّصوُّراتِ ؛ عُولجَ الخطأُ-بإذنِ الله- في جانبِ العملِ والسُّلوكِ .

2-الحديثُ أَصلٌ في أَنَّ الشَّريعةَ الإلهيةَ مُؤَسَّسةٌ على التَّوازنِ والعدلِ والتَّوسُّطِ في كآفَّةِ شؤونِ الحياةِ .

3-قاعدةُ العبادةِ المحكمةِ الرَّصينةِ المتمثلةِ في وجوبِ التَّقيُّدِ بالكتابِ والسُّنةِ في قضيةِ التَّعبُّدِ للهِ عَزَّ وجلَّ والتَّقرُّبِ لهُ ، وأَنَّ الإخلالَ بذلكَ مزلقٌ خطيرٌ قد يُؤَدِّي حتماً بالإنسانِ للضَّلالِ والابتداعِ.

4-في الحديثِ إبطالٌ لسننِ أَهلِ الجهلِ والهوى ؛ كما في المناهجِ الهندوسيةِ الكافرةِ،وكذا الحال في سننِ القسيسينَ والرُّهبانِ الَّتي لم  تهتدِ بنور النبوةِ فيما كانتْ تضعهُ لأتباعها منْ قوانينَ وأنظمةٍ وتراتيبَ لم  تُراعِ حاجةَ النفسِ البشريةِ وما جُبِلتْ عليهِ منْ حُبُّ متعِ الحياةِ الدُّنيويةِ الَّتي أباحها اللهُ جَلَّ وعلا ؛ وإِنَّما تضعُ النَّفسَ تحتَ مطارقِ التَّحطيمِ والتَّعذيبِ ؛ إذْ كانَ المنخرطُ في سلكِ تلكَ المناهجِ الهندوسيةِ يُعالجَ كسلهُ وفتوره عنِ العبادةِ بالقيامِ طوالَ اللَّيلِ .

كما كانَ منْ سنةِ القسيسينَ والرُّهبانِ : المبالغةُ في الزُّهدِ والتَّرهبنُ في الحياةِ وذلكَ بالانقطاعِ عَنِ التَّزَوُّجِ وعنْ أكلِ اللُّحومِ .

5-البراءةُ من أهلِ التنطعِ في الدِّينِ والغُلوِّ فيهِ ؛ لرغبتهم عنْ سُنَّةِ إمامِ المرسلينَ ؛ ولأنَّ في ذلك اعتداءاً على الحدودِ الشَّرعيةِ المأذونِ بها منْ ربِّ العالمينَ .

هذا ؛ وأسألُ اللهَ العليَّ الأعلى أَنْ يهدينا لشريعتهِ المحكمةِ التي بها نُحَقِّقُ التَّوازنَ الضَّروريَّ في حياتنا ؛ وأنْ يُعيذنا منْ سننِ أهلِ الجاهليةِ الجالبةِ للشَّرِّ والسُّوءِ في أحوالنا؛ إِنَّهُ سبحانهُ جوادٌ بَرٌّ كريمٌ.

-- أ.النميري بن محمد الصَّبَّار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*