الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » منهج علماء السنة في التعامل مع السلاطين

منهج علماء السنة في التعامل مع السلاطين

 

الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم وبعد : فهذه بعض الآثار وأقوال العلماء أهل السنة تبين موقف علماء السنة من الولاة وطريقتهم في الإنكار عليهم وبالمقارنة بين ماكان عليه الأوائل يتبين ماعليه الخوارج ومن تابعهم من العصريين اليوم ومدى البعد بينهم وبين منهج أهل السنة وهاهم السلف ينصح بعضهم بعضا باتباع السنة التي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في باب العقيدة ومن ذلك باب السمع والطاعة للسلطان ولو كان ظالما فقد  ساق اللالكائي بإسناده إلى علي بن حرب الموصلي بسر من رأى سنة سبع وخمسين ومائتين قال سمعت شعيب بن حرب يقول قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز و جل به فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى وسألني عنه فقال لي من اين أخذت هذا قلت يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه فأنجو أنا وتؤاخذ أنت 

 فقال يا شعيب هذا توكيد واي توكيد اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم 

 القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود من قال غير هذا فهو كفر …-إلى أن قال له -: يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر والجهاد ماض إلى يوم القيامة والصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل 

 قال شعيب فقلت لسفيان يا أبا عبد الله الصلاة كلها قال : لا ولكن صلاة الجمعة والعيدين صل خلف من ادركت واما سائر ذلك فأنت مخير لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة 

 يا شعيب بن حرب إذا وقفت بين يدي الله عز و جل فسألك عن هذا الحديث فقل يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان بن سعيد الثوري ثم خل بيني وبين ربي عز و جل اعتقاد ابي عمرو عبد الرحمن بن عمرو الاوزاعي “. شرح أصول اعتقاد أهل السنة : 1/151

 

وقال ابن أبي زمنين –رحمه الله –مبينا وجوب طاعة السلطان سواء كان برا أو فاجرا 

: ” وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ اَلسُّنَّةِ أَنَّ اَلسُّلْطَانَ ظِلُّ اَللَّهِ فِي اَلْأَرْضِ، وَأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَرَ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا فَهُوَ عَلَى خِلَافِ اَلسُّنَّةِ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ وَفَسَّرَ أَهْلُ اَلْعِلْمِ هَذِهِ اَلْآيَةَ بِتَفَاسِيرَ تَئُولُ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ إِذَا تَعَقَّبَهَا مُتَعَقِّبٌ، كَانَ اَلْحَسَنُ يَقُولُ: هُمْ اَلْعُلَمَاءُ، وَكَانَ اِبْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُمْ أُمَرَاءُ اَلسَّرَايَا كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُخَالِفُوهُ وَأَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا وَكَانَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ يَقُولُ: هُمْ اَلْوُلَاةُ أَلَّا تَرَى أَنَّهُ بَدَأَ بِهِمْ فَقَالَ: إِنَّ اَللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا يَعْنِي: اَلْفَيْءَ وَالصَّدَقَاتِ اَلَّتِي اِسْتَأْمَنَهُمْ عَلَى جَمْعِهَا وَقَسْمِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ قَالَ: فَأَمَرَ اَلْوُلَاةَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا نَحْنُ فَقَالَ: أَطِيعُوا اَللَّهَ وَأَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَأُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُمْ مَالٌ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذَلِكَ ” اهـ أصول السنة : 249

 

وقال –أيضا – مبينا وجوب السمع والطاعة لهم  ولو قصروا في ذواتهم وأن عليهم ماحملوا وعلى رعاياهم ماحملوا : “قَالَ مُحَمَّدٌ: فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ اَلْأَمْرِ أَمْرٌ وَاجِبٌ وَمَهْمَا قَصَّرُوا فِي ذَاتِهِمْ فَلَمْ يَبْلُغُوا اَلْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلْحَقِّ، وَيُؤْمَرُونَ بِهِ، وَيَدُلُّونَ عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَى رَعَايَاهُمْ مَا حُمِّلُوا مِنْ اَلسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ.”  السابق 

 

 

وقال العلامة ابن مفلح في كتابه الممتع : “الآداب الشرعية :مبينا طريقة الإنكار على السلاطين  “فَصْل ( فِي الْإِنْكَار عَلَى السُّلْطَان وَالْفَرْق بَيْنَ الْبُغَاة وَالْإِمَام

وَلَا يُنْكِر أَحَد عَلَى سُلْطَان إلَّا وَعْظًا لَهُ وَتَخْوِيفًا أَوْ تَحْذِيرًا مِنْ الْعَاقِبَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِنَّهُ يَجِب وَيَحْرُم بِغَيْرِ ذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْره وَالْمُرَاد وَلَمْ يَخَفْ مِنْهُ بِالتَّخْوِيفِ وَالتَّحْذِير وَإِلَّا سَقَطَ وَكَانَ حُكْم ذَلِكَ كَغَيْرِهِ .

قَالَ حَنْبَلٌ : اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ إلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَقَالُوا لَهُ : إنَّ الْأَمْرَ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا يَعْنُونَ إظْهَار الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْر ذَلِكَ وَلَا نَرْضَى بِإِمْرَتِهِ وَلَا سُلْطَانه ، فَنَاظَرَهُمْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْإِنْكَارِ بِقُلُوبِكُمْ وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَة وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُمْ ، وَانْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ ، وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيح بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاح مِنْ فَاجِر وَقَالَ لَيْسَ هَذَا صَوَاب ، هَذَا خِلَاف الْآثَار .

وَقَالَ الْمَرُّوذِيُّ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُر بِكَفِّ الدِّمَاء وَيُنْكِر الْخُرُوج إنْكَارًا شَدِيدًا وَقَالَ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ الْكَفُّ ؛ لِأَنَّا نَجِدُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا صَلَّوْا فَلَا } خِلَافًا لِلْمُتَكَلِّمِينَ فِي جَوَاز قِتَالِهِمْ كَالْبُغَاةِ قَالَ الْقَاضِي : وَالْفَرْق بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَة الظَّاهِر وَالْمَعْنَى ، أَمَّا الظَّاهِر فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ طَائِفَتَانِ } .

وَفِي مَسْأَلَتِنَا أَمْرٌ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَئِمَّة بِالْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَة ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَإِنَّ الْخَوَارِج يُقَاتَلُونَ بِالْإِمَامِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا يَحْصُل قِتَالهمْ بِغَيْرِ إمَام فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَمْ يَجُزْ الْجِهَاد بِغَيْرِ إمَام انْتَهَى كَلَامُهُ .

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ إنَّ الْجَمَاعَةَ حَبْلُ اللَّهِ فَاعْتَصِمُوا مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الْوُثْقَى لِمَنْ دَانَا كَمْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مُعْضِلَةً فِي دِينِنَا رَحْمَةً مِنْهُ وَدُنْيَانَا لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَمْ تُؤْمَنْ لَنَا سُبُلٌ وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأَقْوَانَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ يَا بُنَيّ احْفَظْ عَنِّي مَا أُوصِيكَ بِهِ : إمَامٌ عَدْلٌ خَيْرٌ مِنْ مَطَرٍ وَبْلٍ وَأَسَدٌ حَطُومٌ خَيْرٌ مِنْ إمَامٍ ظَلُومٍ ، وَإِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ خَيْرٌ مِنْ فِتْنَةٍ تَدُومُ .

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر مَعَ السَّلَاطِينِ التَّعْرِيف وَالْوَعْظ ، فَأَمَّا تَخْشِينُ الْقَوْلِ نَحْو يَا ظَالِم يَا مَنْ لَا يَخَاف اللَّهَ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُحَرِّك فِتْنَة يَتَعَدَّى شَرُّهَا إلَى الْغَيْر لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِز عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء قَالَ : وَاَلَّذِي أَرَادَ الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُود إزَالَة الْمُنْكَر وَحَمْلُ السُّلْطَان بِالِانْبِسَاطِ عَلَيْهِ عَلَى فِعْلِ الْمُنْكَر أَكْثَر مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَر الَّذِي قُصِدَ إزَالَته قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يُتَعَرَّض لِلسُّلْطَانِ فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُول وَعَصَاهُ .

فَأَمَّا مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ التَّعَرُّض لِأُمَرَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَهَابُونَ الْعُلَمَاء فَإِذَا انْبَسَطُوا عَلَيْهِمْ احْتَمَلُوهُمْ فِي الْأَغْلَب ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيث عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ : { إذَا اسْتَشَاطَ السُّلْطَانُ ، تَسَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ }  اهـ . 1/222

 

 قال الخلال : ” وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , يَأْمُرُ بِكَفِّ الدِّمَاءِ , وَيُنْكِرُ الْخُرُوجَ إِنْكَارًا شَدِيدًا” . السنة : 1/131

 

 

وقال –أيضا – : “أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ , حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , وَإِبْرَاهِيمَ : أَنَّهُمَا كَرِهَا الدَّمَ , يَعْنِي فِي الْفِتْنَةِ.

 

 أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ , وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , أَنَّ أَبَا الْحَارِثِ حَدَّثَهُمْ قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي أَمْرٍ كَانَ حَدَثَ بِبَغْدَادَ , وَهَمَّ قَوْمٌ بِالْخُرُوجِ , فَقُلْتُ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , مَا تَقُولُ فِي الْخُرُوجِ مَعَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ ؟ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَجَعَلَ يَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ , الدِّمَاءَ , الدِّمَاءَ , لاَ أَرَى ذَلِكَ , وَلاَ آمُرُ بِهِ , الصَّبْرُ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْفِتْنَةِ يُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ , وَيُسْتَبَاحُ فِيهَا الأَمْوَالُ , وَيُنْتَهَكُ فِيهَا الْمَحَارِمُ , أَمَا عَلِمْتَ مَا كَانَ النَّاسُ فِيهِ , يَعْنِي أَيَّامَ الْفِتْنَةِ ؟ قُلْتُ : وَالنَّاسُ الْيَوْمَ , أَلَيْسَ هُمْ فِي فِتْنَةٍ  يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ , فَإِنَّمَا هِيَ فِتْنَةٌ خَاصَّةٌ , فَإِذَا وَقَعَ السَّيْفُ عَمَّتِ الْفِتْنَةُ , وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ , الصَّبْرَ عَلَى هَذَا , وَيَسْلَمُ لَكَ دِينُكَ خَيْرٌ لَكَ , وَرَأَيْتُهُ يُنْكِرُ الْخُرُوجَ عَلَى الأَئِمَّةِ , وَقَالَ : الدِّمَاءَ , لاَ أَرَى ذَلِكَ , وَلاَ آمُرُ بِهِ.

 

وَأَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى , قَالَ : سَمِعْتُ حَنْبَلاً يَقُولُ فِي وِلاَيَةِ الْوَاثِقِ : اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ , أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ , وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَطْبَخِيُّ , وَفَضْلُ بْنُ عَاصِمٍ , فَجَاؤُوا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ , فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُمْ , فَقَالُوا : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , هَذَا الأَمْرُ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا , يَعْنُونَ إِظْهَارَهُ لِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : فَمَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : أَنْ نُشَاوِرَكَ فِي أَنَّا لَسْنَا نَرْضَى بِإِمْرَتِهِ , وَلاَ سُلْطَانِهِ , فَنَاظَرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَاعَةً , وَقَالَ لَهُمْ : عَلَيْكُمْ بِالنَّكِرَةِ بِقُلُوبِكُمْ , وَلاَ تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ , وَلاَ تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ , وَلاَ تَسْفِكُوا دِمَاءَكُمْ

 

وَدِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مَعَكُمُ , انْظُرُوا فِي عَاقِبَةِ أَمْرِكُمْ , وَاصْبِرُوا حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ , أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ , وَدَارَ فِي ذَلِكَ كَلاَمٌ كَثِيرٌ لَمْ أَحْفَظْهُ وَمَضَوْا , وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَمَا مَضَوْا , فَقَالَ أَبِي لأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلاَمَةَ لَنَا وَلأُمَّةِ مُحَمَّدٍ , وَمَا أُحِبُّ لأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا , وَقَالَ أَبِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ , هَذَا عِنْدَكَ صَوَابٌ؟ , قَالَ : لاَ , هَذَا خِلاَفُ الآثَارِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِالصَّبِرِ , ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنْ ضَرَبَكَ فَاصْبِرْ , وَإِنْ . . . وَإِنْ فَاصْبِرْ) , فَأَمَرَ بِالصَّبِرِ , قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : وَذَكَرَ كَلاَمًا لَمْ أَحْفَظُهْ.” السابق 

 

ولم يرض السلف من خالف ذلك المنهج الصحيح قال  الخلال في كتاب السنة :  أَخْبَرَنِي حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَرْمَانِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ يَعْنِي الْعَنْبَرِيَّ , قَالَ : قَالَ ابْنُ دَاوُدَ : كَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إِذَا ذَكَرَ عُثْمَانَ سَكَتَ يَعْنِي لَمْ يَتَرَحَّمْ عَلَيْهِ , وَتَرَكَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ الْجُمُعَةَ سَبْعَ سِنِينَ , فَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ , فَقَالَ : كَانَ يَرَى السَّيْفَ , وَلاَ يَرْضَى مَذْهَبَهُ , وَسُفْيَانُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ , وَقَدْ كَانَ ابْنُ حَيٍّ تَرَكَ الْجُمُعَةَ بِآخِرِهِ , وَقَدْ كَانَ أَفْتَنَ النَّاسَ بِسُكُوتِهِ وَوَرَعِهِ , وَذَكَرَ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ , يَعْنِي مَرَّةً أُخْرَى , فَقَالَ : قَدْ كَانَ أَبُو فُلاَنٍ , سَمَّاهُ , مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَدْ خَرَجَ مَعَ أَبِي السَّرَايَا وَأَصْحَابِهِ , وَحَكَى أَمْرًا قَذِرًا , قُلْتُ : كَيْفَ احْتَمَلُوهُ , فَسَكَتَ ” . السابق 

 

وقال الخلال –أيضا -: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُ بِكَفِّ الدِّمَاءِ وَيُنْكِرُ الْخُرُوجَ إِنْكَارًا شَدِيدًا , وَأَنْكَرَ أَمْرَ سَهْلَ بْنَ سَلاَمَةَ , وَقَالَ : كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ حَمْدُونَ بْنِ شَبِيبٍ أُنْسٌ , وَكَانَ يَكْتُبُ لِي , فَلَمَّا خَرَجَ مَعَ سَهْلٍ جَفَوْتُهُ بَعْدُ , وَكَانَ قَدْ خَرَجَ ذَاكَ الْجَانِبِ , فَذَهَبْتُ أَنَا وَابْنُ مُسْلِمٍ فَعَاتَبْنَاهُ , وَقُلْتُ : إِيشْ حَمَلَكَ , فَكَأَنَّهُ نَدِمَ أَوْ رَجَعَ. السابق 

 

وكان السلف يثنون على من ترك الخروج في الفتن قال الخلال –رحمه الله – : وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ , فَقَالَ : لَمْ يَلْتَبِسْ بِشَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ , وَذُكِرَ رَجُلٌ آخَرُ , فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ مَاتَ مَسْتُورًا قَبْلَ أَنْ يُبْتَلَى بِشَيْءٍ مِنَ الدِّمَاءِ. السابق 

 

قلت أبو عاصم : وأخيرا لاآخرا أقول أن نقل ماتقدم ليبين بجلاء مخالفة الدعاة العصريين -زعموا – كالزنداني الذي قال للدهماء في ميدانهم باليمن : “تظاهروا واعتصموا …” إلخ مما يبين جهله وضلاله ، والقرضاوي الذي سافر من قطر إلى مصر ليحضر جموع المتظاهرين مؤيدا لهم ومؤازرا -كما يزعم – لثورتهم المجيدة ! بل وجمع بهم الصلوات ! في ميدانهم المسمى بميدان التحرير   -زعموا – وكذلك أمثالهما ممن هم على تلك المناهج المنحرفة لأهل العلم السلفيين الراسخين من تأييد بل وإحياء للمظاهرات الغربية والاعتصامات والاضرابات بحجة الضغط على الحكام -زعموا – وهذا ولاشك نوع من الخروج عليهم مع أن نداءات المتظاهرين في غالبها نداءات ليبرالية تدعو للحرية المطلقة المتفلتة في جميع شؤون الحياة! وإلى الديمقراطية في الحكم وإلى فصل السلطات الثلاث وإلى المجتمع المدني الحر وإلى الدستورية  كما يزعمون وماعليه الغرب الكافر في الحياة بعمومها وتلك هي أساسيات الليبرالية الغربية . وتجد السذج من الأخوان المسلمين وبعض من تسموا بالسلفية ادعاء في مصر وغيرها  يؤيدون وبقوة ماعليه الشباب -كما يقولون – في ميادين الحرية وأن الحكم للشارع ونقول لهم : وأين حكم الله تعالى ؟ وأين المناداة بالإسلام ؟ مع أنا لانؤيد كل تلك المظاهرا ت لأنها لاتجوز في الأصل كما قد فصلت فيها في غير هذا الموضع . وعلى كل حال فالأمر أشد من هذا لأنا قد سمعنا من يقول لاتنادوا بالإسلام ولاتصبغوا مظاهراتكم بأي صبغة دينية لأن الغرب لو سمعوا بهذا لم يؤيدوكم وهذا يبين لنا وبجلاء حقيقة تلك الشعارات الزائفة .

 وعلى كل حال فالحاكم وإن كان فاجرا ظالما لايجوز الخروج عليه بحال أبدا بخلاف مالو كان كافرا فلا بد حتى يزال من وجود شرطين اثنين ذكرهما شيخنا العلامة الأثري ابن باز -رحمه الله تعالى – : الأول منهما : القدرة على إزالته بدون حدوث مفاسد والثاني : وجود البديل الكفء له قلت : وقد بين العلماء أن هذا من شأن أهل الحل والعقد من أهل العلم والولاة وليس للغوغاء والحمد لله رب العالمين

-- أبو عاصم عبد الله بن حميد الغامدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*