السبت , 24 يونيو 2017
الرئيسية » التأصيل الشرعي » فقه الانتماء والمواطنة .. تأصيل شرعي
فقه الانتماء والمواطنة .. تأصيل شرعي

فقه الانتماء والمواطنة .. تأصيل شرعي

أحمد ربي خير حمد وأوفاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صل الله وسلم وبارك عليه وآله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقه الانتماء والمواطنة يعني الفقه الشرعي لمعنى الانتماء لبلدك وآثار ذلك، ومعنى المواطنة والمواطن والوطن في الشرع تأصيلا وتفريعا.
وقبل أن ندخل في الموضوع نضع أسئلة :
هل هذا الموضوع مهم أو ليس بمهم؟
يعني ما وجه الحاجة لأن نعمل ملتقى وأن نعمل ندوة وأن نبذل جهدًا في جميع أنحاء المملكة لموضوع الانتماء والمواطنة؟
الواقع أننا لا بد أن نتحدث بوضوح وصراحة وشفافية حتى يكون الموضوع مؤثرًا؛ والواقع أن الطرح الإسلامي -يعني الطرح لدى كثير من الدعاة وكثير من الحركات الإسلامية وكثير من المهتمين بالشأن الإسلامي الذين فيهم اعتدال- لم يولوا هذا الموضوع أهمية، بل قالوا أنه لا اهتمام بالوطن في الإسلام أصلا، وإنما الاهتمام بالوطن الإسلامي الكبير وإنما الوطن الصغير فهذا أرض وتراب ولا يسوغ أن نهتم بأرض وتراب.
وهذه الفكرة مشت عليها أجيال في بلاد المسلمين أو بلاد من المسلمين، ونشأ عنها في تأثير اللاوعي عند المتلقِّي أنه لا فرق بين بلد وبلد، ولا فرق بين دولة ودولة، ولا فرق بين أناس وأناس، وهذا أنتج السلبية في المشاعر بأنه لا يحب بلده ولا يحب وطنه ولا يحب عشيرته ولا يحب دولته ولا يحب المحبة الشرعية المثمرة من أمر الله بحبهم في جميع الوطن.
لذلك وجدنا في واقع الحال على مدى سنوات طويلة أن هناك مشكلةً عند الشباب، هذه المشكلة في حقيقتها هي اعتقادهم أن الاهتمام بالوطن غير مطلوب.
وصار هناك تفريق أن أحد الاهتمامين يلغي الآخر، يقول إن الإسلام جاء وانتشر ولما انتشر وصار وطنا كبيرا يجب أن نهتم بالوطن الإسلامي الكبير.
لكن لا يمكن أن نكون مهتمين بالكبير دون أن نهتم بالصغير، وعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كما سيأتي بقوله: ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد “.
كان في بعض مناهج التعليم في المملكة العربية السعودية ما يساعد على نفي الاهتمام بالوطن الخاص أو بوطننا أو ببلدنا؛ ولذلك تجد أن هناك مشكلة نفسية عند البعض في معنى الانتماء ومعنى المواطنة، وهذه لمسناها في الواقع.
وطبعا منهج وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد منهج إيجابي عملي، لا ننشغل بالحكم على هذه الإفرازات، وعلى من كان سبب هذه؟
ومن وراء هذه الفكرة؟
ومن السبب في الناس ترسيخ هذه العقيدة؟
فكل هذا حصل وانتهى، وصار واقعًا.
والواقع يُغيَّر بالعلم، الشيء إذا صار فيه نقصُ فهمٍ، ونقصُ ثقافة وإدراكٍ، ونقص تأصيلٍ، فإنَّه يعالج بالتأصيل وبالعلم وبالمسائل الشرعية؛ لذلك كان لزاما أن يُطْرَق هذا الموضوع، حتى يكون مادة بحث لدى طلاب العلم والخطباء والأئمة ويلقونه على الناس.
الانتماء والمواطنة يعني تحفيز الشعور بالأهمية الشرعية لأن يكون عندك في داخلك انتماء لهذا الوطن لبلدك وشعورك بمعنى أنك مواطن، يعني أنك واحد من أفراد هذا الوطن، لفظان مهمان الانتماء والمواطنة.
أما الانتماء: فهو دائرة مهمة لإدخالك في مجموعة التأثير؛ ولذلك -وكما قال الشاعر: “وبضدها تتبين الأشياء”- عكس الانتماء العزلة الشعورية، وفكرة العزلة الشعورية فكرة طرحت من بعض الحركات أو التحركات أو الجماعات الإسلامية أو بعض الفصائل للتنفير من الإيجابية في المجتمع، فيقولون: هذا مجتمع فاسد جاهلي، فعِشْ في عزلة شعورية في داخلك لست منهم لكن عامِلْهم، لكن كُن شعوريًّا منعزلا، يعني لا تشعر بانتماء لهم، انتماؤك إنما هو لجماعتك الخاصة.
وهذا العزل الحركي والعزل الدعوي الذي هو في فئة قليلة متطرفة في العالم منذ عدة عقود هو الذي سبب وجود الأفكار التكفيرية والتفجيرية والغالية في شباب كثير في الأمة، لذلك فلا تجد سلبية فيمن يشعر بالانتماء.
والذي يعادي الوطن لا بد أن يكون عنده شعور بأنه أمة لوحده، فيعيش في عزلة شعورية حتى لو خالط الناس، وكل الانتماءات عنده مرفوضة إلا الانتماء الوحيد لفئته وجماعته.
وهذه قضية في غاية الخطورة في التربية وفي الدعوة وفي التأثير، ما من نبي إلا وأرسله الله جل وعلا بلسان قومه ليبين لهم، وقد ذكر القرآن قصص الأنبياء مع قومهم أو أقوامهم بذكر الإخوة…
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: 65].
{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73].
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف: 85].
هذه الأخوة ليست أخوة نسب، ولا أخوة قبيلة، بل أخوة بلد، والبلد فيها أكثر من قبيلة، فهم كانوا إخوة لهم في وطنهم.
وهذه الأخوة ذكرها الله جل وعلا فقال: {أخاهم} ولم يقل: “إخوانه”، بل هو أخوهم، هو المنتمي إليهم انتماء الأخ لإخوته.
وهذا أحد عناصر وعوامل قوة التأثير في البداية، فالذي يريد أن يؤثر في قوم لا بد أن يكون منهم وفيهم.
حتى الله جل وعلا مَنَّ على الإنسان بأنه جعل له من نفسه سكنا {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فحتى الزوجة من أنفسكم، يعني منكم في انتماء واحد.
والنبي عليه الصلاة والسلام في مكة جعل الصحابة يحبونه، حتى لما هاجروا إلى المدينة جاءه أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، جاء إلى عائشة وذكر لها ما رأى في مكة ثم جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال: “كيف تركت مكة؟” قال: تركتها كذا ووصفها بوصف جميل، بأن بطحاءها بيضاء، وأن مزارعها خضراء، قال: “كفى كفى لا تحزنا”. ونحتاج لوقفة عند هذه الكلمة.
النبي عليه الصلاة والسلام قائد الأمة انتقل من مكة إلى المدينة في هجرة شرعية فلماذا يحزن على شيء فارقه شرعا، لأمرين:

أولا: لأن الفطرة مغروس فيها حب الوطن.

ثانيا: لأن حب الوطن الفطري متوافق مع الشرع

؛ لأنه لو كان يخالف معنى الهجرة لما كان للكلام عن أحوال مكة سواء طيبة أو ليست طيبة أثر، فهي بلد عدو في ذلك الوقت، أخرجت النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا جاء في الحديث الآخر بيان الحب الفطري الموجود في قلب النبي صلى الله عليه وسلم قال لمكة، قال: ” اللهم إنك أحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت “، فجعل سبب خروجه هو إخراجهم له عليه الصلاة والسلام.
فهذه مسألة فطرية موجودة في النفس، لكن يزيد عليها أمر آخر شرعي بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد”، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدعو بشيء غير مشروع، ولماذا لم يكن حب المدينة مساويا لمكة في النفس الفطرية؟
لأنه –صلى الله عليه وسلم- نشأ في مكة، ولو كان حب البلدين متساويا في النفس لكان الأمر لا يتطلب سؤال الله جل وعلا أن يحبب المدينة إلى نفسه، لأن سؤال الله جل وعلا بأن يحبب معناه أن هذه المحبة مطلوبة شرعًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب شيئًا من أمر الدنيا، وإنما يطلب شيئا شرعيا له أثره في الدنيا وأثره في الشرع وله أثر في التشريع.
وهذا الأمر الفطري -وهو حب الوطن والانتماء إلى من يعيش معك فيه- مطلوب لأثره؛ والأحكام الشرعية تارة تعرف بمقاصدها، وتارة تعرف بوسائلها، لأن القاعدة الشرعية أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فالمقصد إذا كان مطلوبًا فوسيلة المقصد مطلوبة، ومنه تفرعت القاعدة: “وسيلة الواجب واجبة، ووسيلة المستحب مستحبة”.
الأثر الذي يترتب عليه حب الوطن أثر عظيم جدا في الإنتاج، يعني وجود الانتماء مع الناس بينك وبينهم شعور بأنكم شيء واحد هذا مهم جدا في نشر الشرع بقوة، عظيم في الأثر في الدعوة، وعظيم الأثر في الخير، عظيم الأثر في الإحسان، عظيم الأثر في البذل.
هذا الوطن لا يتصور أن هناك وطنا مكون من أرض وسماء فقط وليس فيه أحد، ولا يعقل أن يكون مراد دعاء النبي –صلى الله عليه وسلم-: حببني في وطن ما فيه إلا أرض وسماء، وما فيه إلا أنا، فلا شك أن هذا غير مراد؛ لأن الوطن في حقيقته هم الناس الذين أحببت الأرضَ لأجلهم، أو أحببت المكان لأجلهم، يعني حقيقة حب الوطن هي المواطنة، فأنت أحببت هذه البلد لما كان فيها، ولما تعرفها، أما لو كنت في مكان وحدك ليس معك أي إنسان فلن تحبه، وبالتالي صار الأثر المطلوب هو:
1- لا يمكن أن تتحقق الأوامر الشرعية إلا بالانتماء.
2- لا يمكن أن أكون محبًّا لأخي ما أحب لنفسي وأنا لا أعيش معه في نوع من الانتماء.
3- لا يمكن أن أبذل للناس وأكرم الجار وأهتم به إلى سابع جار وإلى أربعين وأهتم بمن حولي، دون أن يكون هناك شعور بالانتماء الشرعي لهم.
وبهذا جاء هذا اللفظ حديثًا، يعني لفظ الانتماء ولفظ المواطنة ألفاظ جديدة، لكن ألفاظ دلالتها قديمة، ومنها:
“أفشوا السلام بينكم”
“أحب لأخيك ما تحب لنفسك” ولا يلزم لهذا الحب أن يكون هناك شيء متبادل بينك وبينهم، فأخوة الإسلام جاءت وغطت على ذلك كله، وصار هناك الانتماء الكبير العظيم لإخوة الإسلام.
ولهذا جاء في الشرع وفي النصوص أنه إذا تعارض ما كان لله مع ما هو دونه فإنه يقدم ما كان لله انتماءً، كما قال جل وعلا: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة: 24].
ولا يقدح في المشروعية أنه عند المفاضلة يُقدَّم ما هو أعظم؛ لأن كثيرا من الأحكام فيها مراتب، فإذا صار هناك مرتبة دون مرتبة فإن الانتقال إلى ما هو أعلى واجب.
النبي صلى الله عليه وسلم يحب مكة لكن هناك مرتبة أعلى منها، هي أنه أمر الصحابة أن يهاجروا إلى المدينة، فالهجرة هنا مأمور بها شرعا لتحقيق أمر أكبر، ووجود التعارض لا يعني إلغاء أحد المتعارِضَين، ولكنه تفضيل، {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} [البقرة: 253].
وكل من اعترض أو غالِب من اعترض على هذه مشروعية حب الوطن والانتماء والمواطنة جاؤوا بآيات وأدلة التفضيل أنك ما تقدم الدِّين، نعم هذه مسألة شرعية واضحة، لكن مسألة أن لا تقدم شيئا على شيء لا يعني أن الأدنى ليس مشروعًا، فصلاة الفريضة خير من صلاة النافلة لكن هذا لا يعني أن النافلة غير مطلوبة.
وإرضاؤك لوالدتك أهم من إرضائك لزوجتك عند التعارض، لكن هذا لا يعني إن إرضاء زوجتك غير مطلوب، أليس إرضاء الزوجة من مقتضيات قوله صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله”، فإرضاء الزوجة من الشرع، وهناك كثير من تفاصيل الأحكام مثل هذه، لكن إذا كنت في موقف يقتضي المفاضلة فحينها يُقدَّم الأفضل ويؤخَّر المفضول وهكذا.
فكل من اعترضوا على مسائل التأصيل اعترضوا بالمفاضلة، والمفاضلة ليست دليلا على عدم المشروعية، بل هي دليل على الأفضلية عند التعارض أو عند الالتقاء.
وهذا هو الذي طُبِّق في السنة، النبي صلى الله عليه وسلم هاجر من مكة لما ضايقوه، وأمر الصحابة بالهجرة منها، وهو يحب مكة، ودعا بأن يكون حب المدينة في نفسه كحب مكة، ودعاؤه عليه الصلاة والسلام دعاء عبادة.
لذلك جاء في الأحكام الفقهية حكم النفي من الأرض، وجاء حكم التغريب.
أولا: النفي من الأرض كما في آية الحرابة، {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} [المائدة: 33]؛ لأن نفي المرء من من الوطن الذي عاش فيه عذاب، فهو جزء من العقوبة، ويدل بالدليل العكسي على أن إقامته في وطنه نعمة، فكون النفي عقوبة شديدة، ولاحظوا أن النفي من الأرض جاء ضمن مجموعة من أشد العقوبات، فوقعها الشديد دليل أنه عقوبة شديدة، يعني عذاب له لأنه نفي من بلده، والبلد محبوبة، فالنفي عنها عقوبة من أجل ما في نفسه من حب بلده.
ثانيا: التغريب، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: “البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام”، يعني إذا زنا البكر فعقوبته جلد مائة وتغريب عام؛ لأن التغريب عقوبة مقارِنة للجلد، وهو –أي التغريب- عقوبة لأنه يسلب عنه ما يحبه خِلْقةً، ومما هو مؤيد شرعا، ولولا أن للوطن قيمة في النفس لما كان التغريب عنه عقوبة.
ومن التأثير الإيجابي أن النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين المهاجرين والأنصار، يعني جعل لكل مهاجري أخا من الأنصار، وكان في أول الأمر مثل أخوة النسب يتقاسمون المال ويتوارثون، حتى نزل نسخ ذلك، وهذا كي يتحقق الانتماء بين هذين الوصفين الكبيرين: المهاجرين والأنصار، فتحقق الانتماء الحقيقي في المدينة، وصارت المدينة قائمة على مبدأ انتماء واحد، فصاروا كلهم واحدا في المدينة.
والشرع يطلب منا أمورًا كثيرة، الله جل وعلا يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60]، أمر بالعلم والتعليم ونشره، وأمر بالدعوة وأمر بالخير وأمر التواصي بالحق وأمر بالتراحم وأمر بالعطاء وأمر وأمر وأمر، ولا يمكن أن نقوم بكل هذه الأوامر الشرعية بدون شعور بأهمية البذل للناس، فالبذل لأهل الوطن أسهل على النفس من البذل لغيرهم.
ولذلك كلُّ وطن من المسلمين يحبه أهله، وهل الأيسر في تحقيق الأمر الشرعي أن يأتي أهل مصر يؤثِّرون على أهل الشام، وأهلُ الشام يؤثِّرون على أهل مصر، لو حدث هذا لفقدنا جزءا من التأثير المطلوب شرعًا، والإيجابية الشرعية والتأثير الشرعي مطلوبان فيما أمر الله جل وعلا به، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، والأوامر الشرعية الكثيرة لا يمكن أن تحرِّك النفس إلا بشعور الانتماء والمواطنة.
ومن ليس عنده هذا الشعور -الانتماء لدينه ثم الانتماء لبلده ثم الانتماء لناسه فلن يكون له التاثير المطلوب، فمن ينتمي لقوم يحبهم ويخاف عليهم أن يقعوا في شيء من الإثم، يقول الإمام أحمد: “والله وددت أن لو الخلق أطاعوا الله وقُرض جسمي بالمقاريض”، يعني قُطع جسمه بالمقصات، وهذا لأنه بينه وبينهم صلة الإسلام، بينه وبينهم الانتماء العام، الذي هو في مثل: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: 73]، وهو شعور الأخوة، الذي يتولد عنه شعور الشفقة، الذي يجعله يبذل الجهد ويضحي بنفسه لأجل أن ينقي النَّاس من الشرور، ويفتح لهم أبواب الخير.
واليوم والحقيقة أننا عندنا مشكلة شعورية، وهذه المشكلة الشعورية في المملكة العربية السعودية عند بعض الناس، أو كثير من الناس بشكل عام ممن يخاطبهم الأئمة والخطباء ويبذلون لهم، إذ لا يشعرون بأهمية مكة والمدينة في الأرض، فعندنا في المملكة العربية السعودية أقوى قوة تُواجه بها كل ضعف أمام العالم، يعني القوة السياسية، القوة الوطنية، القوة الانتمائية، فمكة الكعبة المدينة هذه أقوى، هي القوة الباقية الدائمة، وليس هو البترول، ولا المال ولا غيرهما؛ فمكة والمدينة هما أقوى قوة لديك، هي التي تغرس انتماء الرسالة، وانتماء التأثير، وقوة الانطلاق.
لذلك لدينا في بلدنا بُعد انتماء آخر لا يوجد في غيره، فإذا كان أهل مصر يحبون مصر وهم محقون في ذلك، وأهل تركيا يحبون تركيا وهم محقون، وأهل الشرق يحبون بلادهم وهم محقون في ذلك، فكيف بحال من عنده مكة والمدينة، فهذا الأثر العظيم الذي تتعلق به قلوب الكثير من أهل الأرض لا يقدر بمالٍ مهما بلغ.
ولما في هذه البلد الكريمة من أماكن مقدسة صارت له هيبة؛ ولذلك فإن الشعور بالانتماء والشعور بالمواطنة التي نفرح ونعتز بها أكثر وأكثر، هو حبنا لبلدنا دولتنا المملكة العربية السعودية التي أعظم ما فيها مكة والكعبة المشرفة والمدينة ومسجد رسول الله ومثواه صلى الله عليه وسلم.
وهذا شعور يعطيك بُعدًا إضافيًّا لتفخر بانتمائك لهذا البلد الكريم، ويعطيك انتماء وشعورا بأنك يجب عليك أن تعمل وتعمل وتعمل لأحبائك وإخوانك في بلدك، وفي غيرها، فأنت في انتمائك ومواطنتك لا تحتاج إلى دليل؛ لأن معك: “اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد”.
واليومَ يُعرف الشيء بما بُني عليه، رسالة مكة والمدينة بعدَ القرن الثَّاني الهجري لم تتحقق كما تحققت في عهد المملكة العربية السعودية، وهذه حقيقة تاريخية واضحة، بعد المائتي سنة الأولى بدأت الدول والدويلات والخلافات وصارت مكة والمدينة عجب العجاب، حتى ذكر ابْنُ جبير في رحلته ذكر عجبًا، مثلا عن المدينة المنورة قال ابن جبير في رحلته في القرن الخامس والسادس الهجري: “وجاء وقت صلاة الجمعة فذهبنا إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ أحد الغلمان يدور على الصفوف يمشي على الصفوف ومعه مثل المخرف أو منديل يلقي الناس فيه مالا، فسألته فقال: لا يخطب الخطيب في مسجد رسول الله صلى الله علي وسلم حتى يعطيه النَّاس مالًا يُرضيه، يقول: فدار فدار ثم ذهب الغلام بهذا المال فنظر إليه الخطيب، فقال: أخطب بكم وتعطوني هذا فقط، ارجع، فذهب الغلام يدور ويدور” فيا لها من حالة مزرية.
وفي بعض وقائع التاريخ حصلت نهضات بين حين وآخر، لكن التأثير العالمي لمكة والمدينة لم يكن إلا في عهد المملكة العربية السعودية، لذلك فإن انتماءكم لبلدكم ولدولتكم انتماء عظيم فيه بُعدٌ إيمانيٌّ قوي، والأعداء شعروا بخطر هذا البُعد الإيماني والانتماء المؤثر القوي، فأرادوا أن يوقعوا الفتنة في أهله.
وإيقاع الفتنة في أهل هذا البلد يبدأ بسلب الشعور بأهميته، ثم نشر الفوضى، ومن هنا جاءت الضرورة الشرعية في الاهتمام بإعادة بناء النفس في انتمائها، ومعنى مواطنتها في بلدها ودولتها.
والدولة في المفهوم القانوني وفي المفهوم الشرعي الدولة هي النظام، والنظام يعني القانون أو التشريع، الأرض يعيش عليها الناس، والتشريع يحكم في الناس، وحكومة تُسيِّر أمرَ الناس وفق هذا القانون، هذا معنى الدولة.
فالدولة هي أرض وناس وتشريع وحكومة، يعني ولاة أمور يربطون بين هذه الثلاث: الأرض والناس والتشريع، وإذا نظرت إليها بأدنى تأمل وجدت أننا في المملكة العربية السعودية نحظى من نصيبها شرعًا بأعلى ما يمكن أن يؤصل بالنسبة للدولة كلها.
فمهما جاء أحد وقال: الوطن فيه وفيه وفيه، فلدينا من المبررات ما هو أكثر وأكثر وأكثر.
ومن هنا تبدأ الانطلاقة الحق، لتغيير القناعات، إذا غيَّر الإمام قناعته في بعض الأشياء صار تأثيره مختلفًا، وصارت غيرته أشد، وصار حرصه أكبر، قيل: “كلكم على ثغر من ثغور الإسلام، فالله الله أن يؤتى من قبله”؛ لأنه إذا نفذ العدو من واحدٍ فقد نفذ في المجموعة كلها وأفسد ما شاء الإفساد.
ونأتي للخاتمة وتلخيص الكلمة الافتتاحية التي بها نفتتح هذا الملتقى (ملتقى التأصيل الشرعي لفقه الانتماء والمواطنة في محافظة جدة) على بركة الله بأمره وإذنه الشرعي، ونسأل الله التوفيق للجميع، وننطلق إلى رحاب أوسع، وإلى ميدان أكبر في القناعة ثم التأثير.
ولا يمكن أن نؤثر إلا بفَهْم موضوع الانتماء والمواطنة، ونعرف مدى أهميته؛ لأنه يشعرك بانتمائك بأنك أنت والآخرين شيء واحد، فإذا رأيت أحدًا يقول: أنا شيء مختلف، فهنا تبدأ الأسئلة ويبدأ التأثير السلبي.
الناس في الوطن الواحد شيء واحد، تجمعهم المحبة في الله، والأخوة الخاصة والعامة، ويجمعهم أنهم حُرَّاس لمكة والمدينة، حراسٌ للمقدسات، يومًا من الأيام -نسأل الله أن لا نراه وأن لا يأتيكم مجرد أوهام- قد ترى الأعداء يريدون أن يُفرِّقوا بين الناس في هذا البلد، وأن يشقوا عصاه، وأن يفرقوهم جماعات، وأن يحيوا الثارات فيما بينهم.
مصر تقول: الانتماء لمصر.
والمغرب تقول: الانتماء للمغرب.
والعراق تقول: للعراق.
والهند تقول: للهند.
لكن جزيرة العرب ما اجتمعت، يعني لا يمكن أن تسميها باسم يضم أراضيها؛ لأنها ما اجتمعت في التاريخ، لا يمكن أن تسميهم مثل (المصريين) وتقول: الجزيريين، ولا أن نقول كما يقول بعضهم: (أهل الجزيرة)، فهذه مغالطة تاريخية كبيرة، فأهل هذه البلاد وحَّد الله بينها، قال: جل جلاله: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63].
وأجرى هذا الخير على يدي مؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله رحمة واسعة، جمع هذا الشمل وألغى الفروقات، وجعل الناس ينتمون إلى شيء واحد، هذا التجمع اسمه (السعودية)؛ لأنه لم تجمعه الأرض فقط، مثل مصر والعراق، فمصر والعراق تعاقبت عليهما دول كثيرة، لكن بقيت مصر باسمها مصر، والعراق باسمه العراق، والهند باسمه الهند.
لكن اجتماع دولتنا هذا الاجتماع المهيب الذي هي عليه الآن لم يكن قبلُ، وإنما صار باسم (المملكة العربية السعودية) نسبة إلى مَن جعله الله سببا في ذلك، جزاه الله عنا خير جزاء.
ونلخص ما قلنا في خمس نقاط:
1-أن هذا الموضوع مهم شرعي باعتباره في نفسه وباعتبار آثاره.
2-أنه صار هناك عدة رقع لأناس ينكرون هذا المبدأ، ويرون أنه لا مبدأ في الانتماء، ولا دليل شرعي، ويرون العزلة عن الناس، وأنه لا حقيقة للانتماء، وهذا أمر خطأ يجب أن نحسب له حسابًا، وأن ننتبه لهذا لمن يتأثر بهذا الفكر .
3-أن رسالة الخطيب في خطبته ورسالة الإمام في مسجده والداعي في دعوته أو في مكتبه هو تأصيل المعنى الشرعي؛ ذلك لأنه لا تتم الأمور الشرعية من الدعوة والخير الإصلاح والبذل والعطاء وحسن الجوار، وأن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فهذه أمور كثيرة لا تأتي إلا بوجود الانتماء الإسلامي، والانتماء الوطني الخاص.
4-أن المملكة العربية السعودية هي ذات الولاية على مكة والمدينة، فحب مكة والمدينة الشرعي معناه حب هذا الكيان العظيم الذي أثَّر برسالة مكة والمدينة في العالم كله.
5-أن الأدلة تنوعت ما بين دليل من القرآن، ودليل من السنة، ودليل من الفطرة، ودليل من السيرة النبوية، ودليل من القواعد الشرعية، على أن الانتماء للوطن وحبه من الأمور المشروعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ ، وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*