الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » التأصيل الشرعي » بسط لمهمات من حقوق الولاة على الرعية

بسط لمهمات من حقوق الولاة على الرعية

في هذا الباب مزيد بسط لحقوق الأئمة على الأمة؛ لأهميتها ولمسيس الحاجة في هذا الزمن إلى تذكير الأمة بشأنها.

فأقول مستعينًا بالله تعالى مستلهمًا منه الهدى والسداد:

أولاً: وجوب السمع والطاعة للولاة في المعروف:

الذي عليه اعتقاد أهل السنة والجماعة وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور المسلمين – في غير معصية الله تعالى -، وإن جاروا أو ظلموا أو منعوا الحقوق، وذلك أصل من أصول أهل السنة مجمع عليه عندهم، لما جاء بشأنه من النصوص القطعية من الكتاب والسنة؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني»[1].

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السَّمع والطَّاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ وكره ما لم يُؤمر بمعصيةٍ، فإذا أمر بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة»[2]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليك السَّمع والطَّاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك»[3].

فمقتضى هذه النصوص وما جاء في معناها وجوب طاعة ولاة الأمور المسلمين – في غير معصية الله تعالى – مطلقًا فيما وافق الغرض والهوى، وفيما خالفهما، وفيما يشق وتكرهه النفوس، وفيما تحبه النفس وتهواه.

وفي حال الأثرة – كاختصاص الولاة بالمال وأمور الدنيا عن الرعية -؛ فإن الله تعالى سائلهم عما استرعاهم، فقد أخرج مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه – وبوَّب عليه النووي بقوله: باب في طاعة الأمراء وإن منعوا الحقوق -، عن سلمة بن يزيد الجعفي رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا…الحديث، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حمِّلوا، وعليكم ما حمِّلتم»[4].

وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وصف الأئمة الذين يأتون من بعده أنهم: “لا يهتدون بهديه، ولا يستنون بسنته صلى الله عليه وسلم، وقال: “وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشَّياطين في جثمان إنسٍ”[5].

والمراد – والله أعلم – ينازعون هؤلاء الأمراء بغير هدي الشريعة لا نصيحة للأئمة ولكن طلبًا للدنيا ونصرة للهوى، ويلبسون للناس في معارضتهم لهؤلاء الولاة لباس الدين، فقال حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: “تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع”[6].

فهذه النصوص – ومثلها كثير – قاضية بوجوب السمع والطاعة للولاة بالمعروف وإن قصَّروا في الذي عليهم، أو ظلموا وجاروا على من تحت أيديهم، فإنه لا ينبغي أن يكون تقصير الولاة في الحق الذي عليهم حاملًا للأمة على منع ما وجب عليها لهم، فإن طاعة الولاة في طاعة الله ورسوله وما لا معصية لله ورسوله فيه دين يدان به لله عز وجل، رغبةً في ثوابه، وحذرًا من عقابه.

وكون الولاة لا يُطاعون في المعصية لا يعني عدم طاعتهم مطلقًا، بل لا يُطاعون في الأمر الذي فيه معصية بخصوصه مع وجوب السمع والطاعة لهم في غيره من الطاعات الواجبة والمستحبة، والتنظيمات المباحة.

هذا ظاهر النصوص، وهو اعتقاد السلف الصالح، وأصل من أصولهم التي خالفوا فيها أهل الأهواء، وكلامهم ونصوصهم في ذلك معلوم محفوظ:
• قال الإمام أحمد رحمه الله:
«نرى السمع والطاعة للأئمة ولأمير المؤمنين البر والفاجر».

• وقال ابن قدامة رحمه الله:
«ومن السنة السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله»[7].

• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد؛ وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور فأجره على الله، ومن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم فما له في الآخرة من خلاق»[8].

• وقال أيضًا رحمه الله:
«وأما أهل العلم والدين والفضل – يعني: أئمة السلف الصالح – فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا ومن سيرة غيرهم»[9].

المصالح المترتبة على السمع والطاعة لولاة الأمر:
وإنما جاءت هذه النصوص والتأكيد من السلف الصالح على طاعة ولاة الأمور بالمعروف، ولو مع الظلم والجور، لما في المخالفة من الشؤم والشقاء في العاجلة والآجلة، ولما يترتب على الطاعة في المعروف والصبر على الجور وأداء الحق لمستحقه من الفوائد الكثيرة واندفاع الشرور الكثيرة.

فمن ذلك:
1- أن طاعتهم في المعروف عبادة لله تعالى، وأخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهي من تحقيق مدلول الشهادتين.

2- أنها تسبب وحدة الكلمة واتحاد الصف واجتماع الأمة على الخير والتعاون عليه بين رعاة الأمة ورعيّتها.

3- بطاعتهم تستقيم الأحوال، وتنفذ الأوامر وتقام الحدود، وتحفظ الحقوق، وتصان الحرمات، ويحصل الأمن وينصف المظلوم، ويردع الظالم وتأمن السبل.

4- ظهور الدولة وقوة السلطان وهيبة الأعداء وقطع أطماع أهل الأهواء.

5- تحقق النصر على الأعداء، وعيشهم عيشة السعداء.

6- أما إذا لم يطاعوا فإنها تفسد الأمور ويأكل القوي الضعيف، فيقع الاختلاف وتنتشر الأحقاد وتشتغل نار الفتنة وتتوافر أسباب المحنة.

7- امتثال لأمر الله تعالى وطاعته بشأن أولي الأمر فطاعتهم بالمعروف طاعة لله تعالى، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يطع أميره – وفي لفظ:  الأمير – فقد أطاع الله»[10].

8- توفر الأمن والاستقرار في ديار الإسلام وهذا أمر ظاهر فإن طاعة ولي الأمر تقوي سلطانة على الناس وقوة السلطان من أعظم أسباب توفير الأمن والاستقرار والطمأنينة في المجتمع.

9- ظهور الدولة بمظهر القوة والهيبة وفي ذلك عز الولاية وذلك مما يرهب الأعداء ويقطع أطماع أهل الأهواء.

10- دفع مكائد الأعداء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا والحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق والاجتهاد في إبعاد كل أسباب الفرقة والاختلاف بينهم فإن ولاة الأمور المسلمين مع أهل الإسلام في الاعتقاد والعمل؛ فإنهم وإن فسقوا وفجروا أو جاروا وظلموا فإنهم لا يوالون ولا يعادون إلا على رابطة الإسلام ولا ينصرون ولا يبقى سلطانهم إلا بالإسلام ومجتمع المسلمين.

11- قوة الدعوة إلى الله تعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل أحد وفي كل مكان على حسب الحال على هدى الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح فإن اليسير من دعم الولاية خير وأقوى من كثير من دعم العامة.

12- أن الولاة أقوى من غيرهم بل هم سند لأهل العلم والدين في المجاهدة على إحياء السنن وتجديد الدين ونفي البدع وإبطال المحدثات فيه، وردع أهل الأهواء والبغي، والسعي في إقامة حكم الله وشرعه في كل صغير وكبير.

13- التحلي بالإنصاف والعدل والاجتهاد في الإحسان إلى مستحقه من الخلق والأخذ بالعفو والصفح ما أمكن مراعاة لحق الله تعالى، وأخذًا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وجريًا على منهاج السلف الصالح.

• • •
ثانيًا: وجوب النصيحة لأئمة المسلمين:
النصيحة كلمة جامعة تدل على حب الخير وإرادته وحيازته للمنصوح له، وهي فريضة من فرائض الإسلام العظيمة، وأصل من أصول أهل السنة والجماعة فإنهم يدينون بالنصيحة لمن شرع الله تعالى النصيحة له، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 91].

وثبت في صحيح مسلم رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدِّين النَّصيحة – قالها ثلاثًا -، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم»[11].

وفيه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله يرضى لكم ثلاثًا، ويكره لكم ثلاثًا، فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأَن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرَّقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السُّؤال، وإضاعة المال»[12]، وروى أهل السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثٌ لا يغلُّ[13] عليهِنَّ قلب مسلمٍ: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمَّة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإنَّ دعوتهم تحيط من ورائهم»[14].

وقد بلغ من عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة أنه كان إذا بايع رجلًا من أصحابه على الإسلام شرط عليه النصح لكل مسلم فيما استطاع[15].

وإنما أوجب الله على أهل الإسلام النصيحة لما يترتب عليها من الفوائد الكثيرة والمصالح الكبيرة.

وإذا كانت النصيحة لعموم أهل الإسلام واجبة متحتمة، وهي الدين، ومن أعظم حقوق الله تعالى على المكلفين، فهي لولاة أمور المسلمين أحق وآكد؛ لأن النصح لهم مما يتعدى نفعه وتعم فائدته ويمتد أثره.

فإن الواجب على كل مسلم أن يعني بالنصح لولاة الأمور، وأن يخلص لله تعالى نيته بأن يبتغي بذلك وجه الله ومثوبته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
«ثم هم – أي: أهل السنة – مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر… إلى قوله: ويدينون بالنصيحة للأمة»[16].

فالنصيحة لولاة الأمور من أعظم وآكد حقوقهم على الرعية، فيجب على الرعية القيام بها نحوهم على الوجه المشروع، فتؤدي النصيحة لولاة الأمور من: السلطان الأعظم إلى القاضي والمفتي والمحتسب، والأمير والوزير، وكل ذي ولاية – كبيرة أو صغيرة -؛ كل بحسب منصبه ومقامه، وما أنيط به من مسئولية.

فإنهم لما كانت مهماتهم وواجباتهم أعظم وجب لهم من النصيحة بحسب مراتبهم ومقاماتهم.

فصل: في بيان ما يتحقق به النصيحة لولاة الأمور:
1- الاعتراف بولايتهم واعتقاد وجوب طاعتهم في المعروف، ومناصرتهم على الحق.

2- بذل ما يحتاجون إليه من دلالة على الخير وإرشاد إلى حق، وتوجيه إلى ما ينفع كل أحد بحسب حاله.

3- القيام بما يولونه من أعمال أو يكلفون به من الأمور بكل صدق وأمانة دون تقصير أو غش أو خيانة.

4- تنبيههم على ما قد يقع منهم من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر والخروج عن الإسلام بلطف ورفق ولين وحب صلاحهم ورشدهم وعدم الشماتة بهم والتشنيع عليهم.

5- السعي في تأليف قلوب الناس عليهم وحب اجتماع الكلمة عليهم وبغض افتراق الأمة عنهم.

6- رفع المظالم إليهم وإعلامهم بما غفلوا عنه من أمور الرعية وحقوق الخلق.

7- أن لا يغروا بالثناء الكاذب والتزكية لهم تزلُّفًا لهم طمعًا في دنياهم، أو كذبًا عليهم وغشًّا لهم.

كل هذه الأمور يقام بها نصيحة لهم على الوجه الشرعي ومباعدة عن النهج البدعي، وفي مسند أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أراد أن ينصح لسلطانٍ بأمرٍ فلا يبد له علانيةً، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له»[17].

وهذا الحديث أصل في إخفاء النصيحة للسلطان وأن الناصح إذا قام بالنصح على هذه الوجه فقد برئ وخلت ذمته من التبعة، وذلك لأن إخفاء النصيحة لولي الأمر والإسرار بها له من الشفقة عليه ومحبة هدايته، وإشهارها والتشهير به من إهانته، وأي فلاح يصيب قومًا أهانوا سلطانهم علانية، فقد جاء في مسند أحمد وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أكرم سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله تبارك وتعالى في الدُّنيا أهانه الله يوم القيامة»[18].

ومن إهانة السلطان إظهار عيوبه وتقصيره والحديث عن جوره وظلمه أمام العامة ونصيحته مجاهرة، فإن الكلام في ولاة الأمر على هذا النحو من المنكرات والفتن فلا يغتر بمن يفعل ذلك ولو حسنت نيته واشتهر فضله؛ فإنه خلاف نصوص الشرع ومنهاج السلف وهو شؤم وفتنة ومن طريقة أهل الأهواء والبدعة، وإن الحق أحق أن يتبع وماذا بعد الحق إلا الضلال.

ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه فقال: «إنكم لترونَ أنِّي لا أكلِّمه إلَّا أسمعكم إنِّي أكلِّمه في السِّرِّ دون أن أفتح بابًا لا أكونُ أوَّل من فتحهُ»[19].

قلت: يعني المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ لما في ذلك من الفتنة العظيمة من تنقص السلطان، وجرأة أهل الأهواء على الولاية وتهييج الغوغاء.

وقد وقع ما حذره أسامة رضي الله عنه من الفتنة بسبب المجاهرة بالنصيحة والأمر والنهي على خلاف ما توجبه الشريعة، فحدثت بسببه فتن كثيرة، وشرور كبيرة.

وفي الزهد: أن عمر بن الخطاب قال: «أيتها الرعية إن لنا عليكم حقًّا: النصيحة بالغيب والمعاملة على الخير»[20].

وقال ابن عباس لمن سأله عن أمر السلطان بالمعروف: «إن كنت فاعلًا ولا بد ففيما بينك وبينه»[21].

• • •
ثالثًا: وجوب الصبر على جور الولاة:
جور الولاة وظلمهم من المصائب التي تبتلى بها بعض الشعوب بأسباب الذنوب، وأيضًا يجعلها الله تعالى تمحيصًا ورفعة لدرجة الصابرين، وتشخيصًا وهلاكًا للمجرمين، قال تعالى:﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17].

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واعلم أنَّ في الصَّبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأنَّ النَّصر مع الصَّبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأنَّ مع العسر يسرًا»[22]، وقال صلى الله عليه وسلم: «وما أعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر»[23].

ولذا كانت الوصية بالصبر على جور الأئمة أصلًا من أصول أهل السنة والجماعة لما فيه من جلب المصالح ودرء المفاسد وتقليل الشرِّ، وهو من جنس الصبر عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ظلم المأمور والمنهي لما يرجى أن يتحقق به من المصالح الراجحة ودفع المفاسد الكثيرة، فأهل السنة والجماعة يقابلون جور السلطان بالتوبة إلى الله تعالى من الخطايا والضراعة إلى الله بالدعاء والصبر والاحتساب، ويرجون به حطِّ الخطايا وكثرة الثواب، مع انتظار الفرج القريب.

وقد جاءت النصوص الكثيرة حاثّةً على الصبر على جورهم كقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ِ فإنَّه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلَّا مات ميتةً جاهليَّةً»[24]، متفق عليه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئًا فليصبر»[25]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّكم سترون بعدي أثرةً فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض»[26].

فيجب الحذر من التحريض على السلطان والتعرض له بالتنقص من قدره أو الوقيعة في عرضه بسبب ظلمه وجوره، لما في الترمذي عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله»[27]، وقال حذيفة رضي الله عنه: «ما مشى قوم إلى سلطان الله في الأرض ليذلوه إلا أذلهم الله قبل أن يموتوا»[28].

والواقع شاهد بذلك، فكل من سعى في تحريك فتنة على السلطان لابد أن يرى الذل والإهانة قبل موته، وهذا من العقوبات القدرية.

• قال الإمام ابن زمنين رحمه الله:
«ومن قول أهل السنة: أن السلطان ظل الله في الأرض، وأنه من لم يرَ على نفسه سلطانًا برًّا كان أو فاجرًا فهو على خلاف السنة»[29].

وقد تولى الخلافة والإمارة في بعض البلدان – والصحابة متوفرون – ولاة فيهم شيء من الفسق والجور والظلم، مثل يزيد ومروان بن الحكم والوليد بن عقبة والحجاح بن يوسف وغيرهم، وكان أفاضل الصحابة كابن عمر وابن مسعود وأنس بن مالك يسمعون لهم ويطيعون في المعروف ويصلون وراءهم، ولم يأمروا الناس بالوقيعة فيهم، فهم لا يعصونهم في المعروف ولا يرون الخروج عليهم بسبب ما هم عليه من الظلم والجور والفسق والذي لم يخرجهم من الإسلام.

بل كانوا يحثون الناس على السمع والطاعة لهم بالمعروف ويشددون النكير على من يحرض على عصيانهم أو الخروج عليهم؛ لما في طاعتهم ونصيحتهم والاجتماع عليهم والصبر على جورهم وترك التحريض عليهم من جمع الكلمة والتأليف بين القلوب ودرء الفتن وقطع دابر الشر، وكان أهل السنة والجماعة يوصون من أطاعهم بالصبر على جور الأئمة وينهونهم عن الشقاق والمنازعة.

• قال الحسن البصري رحمه الله:
«اعلم عافاك الله أن جور الملوك نقمة من نقم الله، ونقم الله لا تلاقى بالسيوف، وإنما تتقى وتستدفع بالدعاء والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنوب»[30].

• وقال رحمه الله:
«لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله عنهم»[31].

• ولما سمع الحسن رجلًا يدعو على الحجاج قال:
«لا تفعل رحمك الله، إنكم من أنفسكم أتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن تليكم القردة والخنازير»[32].

فكان أهل السنة يصبرون على جور الأئمة، ويثبتون الأمة، ويهرعون إلى التوبة، ويسألون الله تعالى أن يكشف ما بهم من ضر، ولا يقدمون على شيء مما نهى عنه الشرع المطهر في هذه الحال، من حمل سلاح، أو إثارة فتنة، أو تحريش، أو نزع يد من طاعة لعلمهم أن هذه الأمور إنما يفزع إليها ويزينها من لا قدر للآيات والأحاديث في قلبه من أهل الأهواء الذين تسيرهم الآراء لا الآثار، وتتخطفهم مكائد أهل الكتاب والمشركين، ويستزلهم الشيطان بخطواته ليهلكهم ويهلك بهم.

• وقال ابن أبي العز في الطحاوية:
«بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور، فإنه تعالى ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل، فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة، وإخلاص العمل، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال: ﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: 129]»[33]. فإذا أرادت الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم فليتركوا الظلم.

• وقال الحسن البصري رحمه الله في الأمراء:
«هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا، أو ظلموا، والله لَمَا يَصْلُح الله بهم أكثر مما يفسدون، مع أن والله طاعتهم لغيظ، وإن فرقتهم لكفر»[34].

• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين؛ بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمِّروا أحدهم»[35]، رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، وروى الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم»[36].

فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع[37].

رابعًا: وجوب ترك سب الأئمة والتشهير بهم:
قد وردت نصوص صحيحة، تتضمن النهي عن سب ولاة الأمر؛ لما في سبهم من تغيير القلوب، وتهييج الغوغاء، وإذكاء نار الفتنة، وفتح أبواب الشر على الأمة، ففي سنن الترمذي أن أبا بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله»[38]، وفي السنة لابن أبي عاصم بإسناد جيد، عن أنس رضي الله عنه قال: «نهانا كبراؤنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب»[39].

وفي التمهيد لابن عبد البر رحمه الله، عن أنس رضي الله عنه قال: «حدثنا كبراؤنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن أول نفاق المرء كلامه في الأمراء».

ففي هذا الأثر اتفاق أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريم الوقيعة في الأمراء بالسب لما في ترك سبهم من المحافظة على هيبة المنصب العام، ولعظم المسئولية التي وكلت إليهم في الشرع والتي لا يقام بحقها على الوجه المطلوب منهم ومن الرعية مع سبهم والوقعية فيهم، ولما يفضي إليه سبهم من عدم الطاعة في المعروف وإيغار الصدور وفتح منافذ الأسماع والقلوب أمام أهل الأهواء ودعاة الفتنة والشر.

وقد أخرج ابن عبد البر في التمهيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: «إن أول نفاق المرء طعنه في إمامه»[40].

وفي السنة لابن أبي عاصم، عن أبي الدرداء أيضًا قال: «إياكم ولعن الأمراء؛ فإن لعنهم الحالقة، وبغضهم العاقرة، قيل: يا أبا الدرداء! فكيف نصنع إذا رأينا منهم ما لا نحب؟ قال: اصبروا؛ فإن الله إذا رأى ذلك منهم حبسهم عنكم بالموت»[41].

• قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله:
«سمع شقيق بن سلمة رحمه الله رجلًا يسب الحجاج فقال: لا تسبه، وما يدريك لعله قال: اللهم اغفر لي؛ فغفر له»[42].

• وقال رحمه الله في بيان شيء من النصح للولاة:
«واجتناب سبهم والقدح فيهم وإشاعة مثالبهم فإن ذلك ضررًا خطيرًا وفسادًا كبيرًا فمن نصحهم الحذر والتحذير من ذلك»[43].

وعلى من رأى منهم ما لا يحل أن ينبههم سرًّا لا علنًا بإشارة لطيفة وعبارة تليق بالمقام ويحصل بها المقصود؛ فإن هذا مطلوب في حق كل أحد وبالأخص ولاة الأمر؛ فإن تنبيههم على هذا الوجه فيه خير كثير، وذلك علامة الصدق والإخلاص.

قلت: ومما ينبغي الحذر منه التمدح بنصيحتهم عند الناس؛ فإن هذا مما يفسد النصيحة، وينقص الأجر.

وكذلك يجب ترك الوقيعة في أعراضهم والتنقص لهم أو الدعاء عليهم، لأن هذه الأمور تزرع الضغائن، وتولد الأحقاد والبغضاء، وتهيج الفتنة، وتوقع بأسهم بينهم.

فالواجب على المسلم الحق المؤمن بالله واليوم الآخر أن يسعى جاهدًا في الإصلاح بين المؤمنين، وجمع كلمة المسلمين والتأليف بين قلوبهم، وإزالة أسباب القطيعة وفساد ذات البين؛ ولاسيما إن كان الشخص من أهل العلم والجاه في المجتمع كان الواجب عليه أعظم لما فيه من طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ونفع عباده.

• • •
 
خامسًا: أهمية الدعاء الصالح لولاة الأمور:
لما أظهر أهل الأهواء الشناعة على ولاة الأمور والدعاء عليهم، أظهر أئمة السنة تعظيم أمر الولاية العامة والدعاء للولاة بالصلاح والتوفيق والتسديد.

• سئل الإمام أحمد رحمه الله عن طاعة السلطان:
«فقال بيده: عافا الله السلطان – تنبغي – يعني: طاعته، سبحان الله السلطان»[44].

• وقال الإمام أبي بكر المروذي:
«سمعت أبا عبد الله، يعني: الإمام أحمد – وذكر عنده الخليفة المتوكل – فقال: إني لأدعو له بالصلاح والعافية، وقال: لإن حدث به حادث لتنظرن ما يحل بالإسلام – يعني: من النقص -»[45].

• وقال الإمام البربهاري رحمه الله:
«إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعته يدعو للسلطان بالصلاح والتوفيق فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله»[46].

• وقال الفضيل بن عياض رحمه الله:
«لو كان لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان، قيل له: يا أبا عليٍّ فسِّر لنا هذا؟ قال: إذا جعلتها في نفسي لم تعدني، وإن جعلتها في السلطان فَصَلَحَ صَلُحَ بصلاحه العباد والبلاد»[47].

• وقيل لبعض السلف: أتدعو للسلطان وهو ظالم؟ فقال:
«أي والله أدعو له، إنَّ ما يدفع الله ببقائه أعظم مما يندفع بزواله».

• وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
«الدعاء لولي الأمر من أعظم القربات، ومن أفضل الطاعات، ومن النصيحة لله ولعباده»[48].

• وقال رحمه الله:
«إنه – يعني: الدعاء للسلطان – من النصيحة لولي الأمر، والتي هي من مقتضى البيعة، فمن النصيحة له الدعاء له بالتوفيق والهداية وصلاح النية والعمل وصلاح البطانة».

قلت: وكان رحمه الله – أي: الشيخ ابن باز – كثير الدعاء بالخير لولاة الأمور، خصوصًا لما شنع عليهم ممن شنع في بعض الأمور، ودعا عليهم في بعض الأحوال تصريحًا أو تلويحًا؛ صار الشيخ لا يكاد ينتهي من محاضرة أو موعظة أو درس إلا دعا للمسلمين عامة، ولولاة الأمورخاصة بالخير.

فصل: في بيان فوائد الدعاء لولاة الأمور:
ولا شك أن في الدعاء لولاة الأمور بالخير فوائد كثيرة، منها:
1- أن الدعاء عبادة لله تعالى ينال الداعي المخلص عليها ثواب العبادة.

2- فوز الداعي بمثل ما دعا به لولي الأمر من الخير، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثلٍ»[49]، فإذا دعا لولي الأمر بالعافية والصلاح والتسديد والتوفيق كان له مثل ذلك.

3- أنه يؤجر ويثاب على كل خير يوفق له ولي الأمر في خاصة أمره وفي رعيته لأنه سبب فيه.

4- أن في الدعاء لولي الأمر تصديقًا لاعتقاد الداعي بإمامته ووجوب طاعته، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «إني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السرِّ والعلانية، وفي عسري ويسري، ومنشطي ومكرهي، وأثرة علي، وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار».

5- أنه علامة على أن الداعي من أهل السنة وبراءة له من أهل الأهواء والفتنة، كما سبق قول البربهاري.

فصل: في بيان شئ من منهاج أهل السنة والجماعة مع ولاة أمورهم:
ولهذه النصوص وغيرها كان من دأب أهل السنة والجماعة ومن سبيلهم ومنهاجهم مع ولاة أمورهم:
أ‌- جمع قلوب الناس على ولاة الأمور.

ب‌- السعي في نشر المحبة والوئام بين الراعي والرعية.

ت‌- قطع دابر أسباب الفرقة والشقاق ما وجدوا لذلك سبيلًا.

ث‌- القيام بنصيحة ولاة الأمور سرًّا وأمر الرعية بالصبر على ما قد يصدر منهم من جور واستئثار المال.

ج‌- توجيه الرعية لما يزول به الجور من التوبة النصوح، والصدقة في السر والعلانية، ورد المظالم، وصدق النصيحة للولاة، والتعاون معهم على الخير والاستغفار والصبر.

ح‌- الإلحاح على الله تعالى بصالح الدعوات لهم.

خ‌- التوبة إلى الله عز وجل من الذنوب التي ارتكبتها الرعية، فإن الناس إنما يسلط عليهم ولاتهم وعدوهم بذنوبهم، ومنها: منع الزكاة، ونقض العهود، وكذلك منهاج أهل السنة والجماعة مع ولاة الأمور، فإنه منهاج يقوم على أساس الاتباع ولزوم الأثر، والدليل من الكتاب والسنة في سائر أمور الدين المتعلقة بحق الله تعالى أو المتعلقة بحقوق خلقه، فإنهم يقتدون ويتبعون ولا يبتدعون ولا يعارضون نصوص الكتاب والسنة بعقولهم وأفكارهم وأهوائهم ولا بما يمليه عليهم غيرهم.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا بالأثر»[50].

وقال: «إنها ستكون أمور مشتبهات فعليكم بالتؤدة، فإنك أن تكون تابعًا في الخير خير من أن تكون رأسًا في الشر»[51].

• • •

سادسًا: لا تجوز بيعة غير السلطان مع وجود السلطان:
لا تجوز البيعة لشخص معدوم أو مجهول أو لا سلطان ظاهر له مع وجود ولي الأمر العام؛ فإن بيعة غيره مع وجوده من شقِّ عصى المسلمين، ونقض للبيعة ونزع لليد من الطاعة، وذلك من خصال الكفر وأمور الجاهلية، وإيقاظ الفتنة، ومخالفة الكتاب والسنة، وخروج عن إجماع الأمة، وسعي في فساد الدين وانتهاك الحرمات، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فعل ذلك فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وإن مات فميتته جاهلية[52]، وأوجب على الأمة ضرب عنقه بالسيف كائنًا من كان[53].

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
«إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بطاعة الأئمة الموجودين المعلومين الذين لهم سلطان يقدرون به على سياسة الناس لا بطاعة معدوم ولا مجهول ولا من ليس له سلطان ولا قدرة أصلًا على شئ أصلًا»[54].

فأي أحد من الناس كائنًا من كان ومهما كان فضله وصلاحه نزل نفسه منزلة ولي الأمر الذي له القدرة والسلطان، الذي ينفذ بهما الأحكام ويسوس العباد ويعقد السلم وألوية الحرب وغير ذلك، فدعا جماعة من الناس إلى بيعته والسمع والطاعة له أو أعطته تلك الجماعة بيعة تسمع له وتطيع له بموجبها وولي الأمر في البلاد قائم ظاهر؛ فقد حاد الله ورسوله وخالف نصوص الشريعة وسعى في فتنة وتعرض لوعيد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمثل هذا لا تشرع طاعته بل تحرم.

قلت: فمن دعا إلى بيعة نفسه أو رضي ببيعة الناس له على هذا النحو فإنه شاقٌّ لعصى الطاعة مفارق للجماعة قد خلع ربقة الإسلام من عنقه تجب استتابته، وإلا أدب التأديب الذي يردعه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ يريد أن يشقَّ عصاكم أو يفرِّق جماعتكم فاقتلوه»[55].
 
[1] أخرجه البخاري برقم (2957)، ومسلم برقم (1835)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] أخرجه البخاري برقم ( 7144 )، ومسلم برقم ( 1839) عن ا بن عمر رضي الله عنهما.
[3] أخرجه مسلم برقم (1836)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[4] أخرجه مسلم برقم (1846)، من حديث سلمة بن يزيد الجعفي رضي الله عنه.
[5] أخرجه البخاري برقم (7084)، ومسلم برقم (1847)، من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
[6] تتمة الحديث السابق.
[7] انظر التعليقات على متن لمعة الاعتقاد. ص 181.
[8] انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/16،17).
[9] انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (35/12).
[10] سبق تخريجه.
[11] أخرجه مسلم برقم (55)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه.
[12] أخرجه مسلم برقم (1715)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[13] لا يغل: من الغل والإغلال، وهو الخيانة في كل شيء، والمعنى: أن هذه الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدغل والشر.
[14] أخرجه الترمذي برقم (2658)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما.
وأخرجه أبو داود برقم (3660)، والترمذي برقم (2656)، وابن ماجة برقم (230)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن.
وأخرجه أحمد في المسند (3/225) برقم (12937)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. قال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن.
وأخرجه أحمد في المسند (4/79) برقم (16296)، وابن ماجة برقم (231)، والدارمي برقم (228)، من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه. قال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره. والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (6/30).
[15] كما قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: «بايعت النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- على النُّصح لكلِّ مسلمٍ»، أخرجه مسلم برقم (56).
[16] انظر شرح العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 215.
[17] سبق تخريجه.
[18] سبق تخريجه.
[19] أخرجه البخاري برقم (3267)، ومسلم برقم (2989).
[20] أخرجه هناد فى الزهد (2/602) برقم (1281)، وأورده الهندي في كنز العمال برقم (14334).
[21] أورده ابن أبي شيبة في مصنفه (15/74)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/225).
[22] أخرجه أحمد في المسند (3/308) برقم (2800)، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/460)، والنووي في الأربعين النووية برقم (19)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. قال ابن رجب: رواه عبد بن حميد في مسنده بإسناد ضعيف، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (2382)، وقال أحمد شاكر: هذا حديث رواه أحمد بثلاثة أسانيد، أحدها صحيح والآخران منقطعان، وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح.
[23] أخرجه البخاري، برقم (1469)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
[24] أخرجه البخاري برقم (7054)، ومسلم برقم (1849)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
[25] سبق تخريجه.
[26] أخرجه البخاري برقم (3163)، من حديث أنس رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم برقم (1061)، من حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه.
[27] سبق تخريجه.
[28] سبق تخريجه.
[29] سبق تخريجه.
[30] انظر آداب الحسن البصري لابن الجوزي ص 119.
[31] انظر الشريعة للآجري  (1/73).
[32] انظر آداب الحسن البصري لابن الجوزي ص 119.
[33] انظر شرح الطحاوية ص 541.
[34] انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (2/117).
[35] أخرجه أبي داود برقم (2608)، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
وأخرجه أبي داود برقم (2609)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال النووي في رياض الصالحين برقم (967) ص (351): رواه أبو داود بإسناد حسن، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (2347)، وفي صحيح الجامع برقم (500)، وفي السلسلة الصحيحة برقم (1322).
[36] أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/177) برقم (6609). والطبرانى كما فى مجمع الزوائد (4/82) قال الهيثمى: فيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (589)، وقال: ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فإنه سيىء الحفظ، قلت: ويشهد له الحديث السابق.
[37] انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (28/390).
[38] سبق تخريجه.
[39] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/69) برقم (7523)، وابن أبي عاصم في السنة (3/34) برقم (847)، وفي ظلال الجنة (2/217) برقم (1015). قال الألباني في الظلال: إسناده جيد.
[40] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/48) برقم (6406).
[41] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (3/35) برقم (848)، وفي ظلال الجنة (2/218) برقم (1016). قال الألباني في الظلال: ضعيف.
[42] أخرجه هناد في الزهد (2/464) برقم (931)، وأورده أبي نعيم في الحلية (4/102)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (4/165)، عن الزبرقان، قال: كنت عند أبي وائل فجعلت أسب الحجاج…إلخ، وأبو وائل هو: شقيق بن سلمة.
[43] انظر الرياض الناظرة ص 49.
[44] انظر السنة للخلال (1/76)، قال المحقق الدكتور عطية الزهراني: إسناده صحيح.
[45] انظر السنة للخلال (1/84)، قال المحقق الدكتور عطية الزهراني: إسناد هذا الأثر صحيح.
[46] سبق تخريجه.
[47] انظر شرح السنه للبربهاري (1/51)، ويروى مثل ذلك عن الإمام أحمد وسفيان الثوري رحمهما الله تعالى.
[48] انظر مجموع فتاوى ابن باز (8/210).
[49] أخرجه مسلم برقم (2732)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه.
[50] أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/96).
[51] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (7/297) برقم (10371).
[52] سبق تخريجه.
[53] لحديث أسامة بن شريكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أيُّما رجلٍ خرج يفرِّق بين أمَّتي فاضربوا عنقه»، أخرجه النسائي، برقم (4035).
وأخرجه أحمد في المسند (2/161) برقم (6465) بنحوه، عن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما.
وعن عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنَّه ستَكون هناتٌ وهناتٌ، فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمَّة وهي جميعٌ فاضربوه بالسَّيف كائنًا من كان»، أخرجه مسلم، برقم (1852).
[54] انظر منهاج السنة النبوية (1/115).
[55] أخرجه مسلم برقم (1852)، عن عرفجة بن شريح رضي الله عنه، وانظر الهامش السابق.

-- الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*