
مقومات الأمن في الشريعة الإسلامية ( 1 )
لقد جاءت الشريعة الإسلامية من عند عزيز حكيم لإسعاد البشرية في الدنيا والآخرة تدلهم على طريق الخير والهدى وتحذرهم من طريق الغواية والضلال وخطوات الشياطين وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتحل لهم الطيبات وتحرم عليهم الخبائث، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الضرورات الخمس أو الكليات الخمس للإنسان وهي: الدين والنفس والعرض والعقل والمال فمن اعتدى على إحدى هذه الخمس أقيمت عليه الحدود والعقوبات التي تردعه وتزجر غيره من أن يعتدي على حرمات الله عز وجل وحقوق البشر، ولذا فإن الشريعة الإسلامية جاءت بما يحفظ الأمن ويحقق السعادة للبشرية في الدنيا والآخرة. والأمن يشمل كل نشاطات الإنسان في حياته بل يشمل جميع الإنسانية بدون فروق أو تمييز، كما أن الأمن المطلق لا يوجد في الدنيا بل هو في الآخرة لمن آمن بالله عز وجل وعمل صالحاً.
أما الأمن في الدنيا فهو نسبي فطبيعة البشر الخطأ والزلل فلا بد من وجود الجريمة ولكن ليست ظاهرة بل مستنكرة ونشاز من منظور المجتمع بجميع مؤسساته وأفراده، والأمن يشمل كل مايحتاجه الإنسان بل هناك أنواع كثيرة من الأمن كالأمن الفكري والأمن الغذائي والاقتصادي والأمن الإعلامي والداخلي والأمن الخارجي والأمن المروري والأمن الصحي والأمن الاجتماعي وأهمية المبادئ الإسلامية لتحقيقه وهو موضوع مهم جداً ويتضح ذلك من خلال البحث الذي نحن بصدده ونسأل الله عز وجل أن ينفع به كتابه وقارئه والمطلع عليه.
ومما لا شك فيه أن مفهوم الأمن يعتبر أحد المفاهيم الإنسانية سواءً على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، فالفرد يهمه أن يعيش آمنا في حياته، فالشعور بالأمن للفرد شعور نفيس يشعر من خلاله براحة واطمئنان نفسي وحينما يفقد هذا الشعور يصاحب بحالة من الهلع والرعب والقلق النفسي مما يؤثر على قدراته، فالأمن من ضرورات الحياة التي لا يمكن الاستغناء عنها أبداً.
كما يعتبر الأمن ركيزة من ركائز المجتمع الهامة التي يستمد منها المجتمع استقراره وتقدمه وهو المحور الأساسي في التنمية الشاملة والاستقرار لأي مجتمع حيث أنه المناخ المناسب للنمو والتقدم والأمن نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تعد ولا تحصى كما قال تعالى: }وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها وقال تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله سورة النحل آية ( 53) بهذه النعمة حيث قال تعالى: لإيلاف قريش(1) إيلافهم رححلة الشتاء والصيف(2) فليعبدوا ربه هذا البيت(3) الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف(4) سورة قريش.
وقد بين المصطفى صلى الله عليه وسلم أهمية الأمن بقوله: (من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ولقد كانت نظرة الإسلام شمولية للأمن، فالأمن على كل شيء مادي ومعنوي والأمن لكل إنسان فرداً أو جماعةً مسلماً أو غير مسلم والأمن في السلام أمن المجتمع من اعتداءات الأفراد كما يشمل أمن الأفراد من اعتداءات الجماعة، إن الأمن شامل بكل مقاييس الشمول.
وقد جاءت تشريعات الإسلام بحفـظ الضرورات الخمس للإنسان وهي: دينه ونفسه وعرضه وعقله وماله ومن اعتدى على هذه الضرورات كان عرضة للعقوبات الشديدة في الدنيا والآخرة ونظراً لأهمية الأمن في حياة الأفراد والمجتمعات فقد أولى الإسلام عملية حفظه وصيانته عناية فائقة فأحاطه بالضمانات وعمل على إيجاد وتحقيق مقوماته ولم يقتصر في رؤيته أو منهجه على مقوم دون آخر وذلك لتكون متكاملة ومن المبادئ التي جاء بها الإسلام لتحقيق الأمن الاجتماعي:
أولاً: إصلاح الفرد
فالفرد هو نواة المجتمع، وقد اهتم الإسلام بالفرد اهتماماً بالغاً وذلك قبل ولادته باختيار الأم الصالحة التي تقوم على تنشئته وتربيته حيث قال صلى الله عليه وسلم (فاظفر بذات الدين تربت يداك) سنن النسائي وحضانته والعطف عليه بحنان والرحمة وتوخي المطعم الحلال في إطعام الأبناء والزوجات، وعندما يشب عن الطوق تتم تربيته التربية الإسلامية التي تزكي نفسه وتقوم أخلاقه وتغرس فيه عقيدة التوحيد والتعلق بالله خالقه والتأسي بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم فينشأ على المحافظة على العبادات التي تربطه بخالقه عز وجل ويؤمر بالصلاة في سن مبكرة ليتعود عليها منذ نعومة أظفاره كما قال صلى الله عليه وسلم: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) مسند أحمد فالصلاة كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر سورة العنكبوت آية (45)، فيكون المؤمن المؤدي للصلاة وثيق الصلة بخالقه فيقوىبذلك الوازع الديني لديه ويزيد إيمانه، فيخشى الله تعالى في السر والعلن والظاهر، والباطن، وتزكو نفسه، وتعلو همته ويرتفع عن الدنايا فلا يقدم على ارتكاب أي جريمة خوفاً من الله وطاعة له ومحبة له.
وقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى- لدور الصلاة في مكافحة الجريمة، حيث ذكر أن الصلاة تحقق ثلاث أمور لصاحبها وتحميه من ثلاث:
1) عصمة تغلب شهوته
2) إرادة تقهر غفلته
3) حجة تقهر سلوكه ومطلبه.
كما أنها تبث الاطمئنان في القلب لقوله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) سورة الرعد آية (28) وقد فرضت الزكاة على القادرين لتطهرهم من طمع النفس وشحها، ومن الأنانية ليكونوا مصدر رحمة نحو إخوانهم الذين تقهرهم الحاجة، ويستبد بهم البؤس والحرمان.
والزكاة مطهرة للمال والنفس معاً، بل إنه بإخراجها يبارك الله تعالى في المال وينميه، وهي أيضاً وقاية لصاحبها من شح النفس وتزكية لها، كما قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سمع عليم سورة التوبة (103).
كذلك غرس خُلق المراقبة في الإنسان، فالصائم يدع طعامه وشرابه من أجل مرضاة الله عز وجل حيث يشعر بأن الله رقيب عليه في كل صغيرة وكبيرة، فيقيم هذه الفريضة على أساس من التقوى التي تحول بينه وبين أي إنحراف.
كما أن للحج أثره الكبير في الحد من الجرائم، وذلك لأنه يزيد في إيمان المسلم ويزكي نفسه ليستقيم على الخير والصلاح.
وبذلك يتربى على محاسن الأخلاق فيتعلم آداب الاستئذان وخلق الحياء واحترام الآخرين والكرم والمروءة والصدق والإيثار وغيرها، وهذا سياج يحفظه من الوقوع في المعاصي والمنكرات ونبذ الجريمة وحب الخير والصلاح وقد قال الشاعر قديماً:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا*********على ما كان عوده أبوه
وعلى العموم فإن الإسلام يوجد المناخ المناسب للفرد الصالح الذي يحب الخير ويكره الشر ويبتعد عن الجريمة ويحترم حقوق الآخرين ومشاعرهم، ويربي الفرد على التعلق بالله وخشيته وتقواه حيث أن ضعف الإيمان بالله هو السبب الأكبر في الجريمة واختلال الأمن كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر شارب وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) سنن البيهقي، والأمن مرتبط بالإيمان سلباً وإيجاباً بل هو ثمرة من ثمراته فمع وجود الإيمان يوجد الأمن كما قال تعالى: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون(82) سورة الأنعام، والظلم المقصود في هذه الآية هو الشرك بالله عز وجل كما قال بذلك نبيناً محمد صلى الله عليه وسلم واستشهد بقولة تعالى: يا بُني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم سورة لقمان آية (13)، لذا فإن التوحيد هو أعظم مقومات الأمن، وإن من أعظم عوامل اختلال الأمن هو الكفر بالله والمعاصي حيث قال تعالى: وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون سورة النحل آية (112)، فاختلال الأمن عقوبة إلهية يعاقب بها سبحانه وتعالى المجتمعات التي تجاهر بالمعاصي وتخرج عن طاعته كما قال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون سورة الروم آية (41).
ثانياً: إصلاح النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع
أ- النظم الاجتماعية: حرصت الشريعة الإسلامية على تماسك المجتمع وترابطه فجاءت التشريعات التي تؤدي إلى تقوية الروابط الاجتماعية كبر الوالدين وصلة الأرحام وحقوق الزوجين وحقوق الأولاد والعدل بين الزوجات والأولاد والنفقة الواجبة لهم وكذلك إصلاح ذات البين والعلاقة بين الزوجين كما قال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف سورة البقرة آية (228) وكذلك تعدد الزوجات وعدم الظلم أو عضلهن والحث على المسارعة بالزواج لإعفاف الرجل والمرأة كما قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصيام فإنه له وجاء) مسند أحمد وفي حالة الخلافات بين الزوجين السعي في الإصلاح بينهما بواسطة حكمين حكماً من أهلها وحكماً من أهله كما قال تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراًسورة النساء آية (35) فإن لم يستطيعا الإصلاح شرع الله سبحانه وتعالى الفراق عن طريق الطلاق أو الخلع أو الفسخ كما قال الله تعالى: وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته سورة النساء آية (130)، وذلك كله يحفظ للمجتمع وللأسرة أمنها واستقرارها.
بـ - النظم الاقتصادية: اهتمت الشريعة الإسلامية بالجانب الاقتصادي حيث أن المال هو قوام الحياة كما قال تعالى: ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماًسورة النساء آية (5) لذلك فإن الشريعة قد نظمت المعاملات الاقتصادية فحرمت الربا (وأحل الله البيع وحرم الربا) سورة البقرة آية (275) وأكل أموال الناس بالباطل والغش والتدليس والغبن الفاحش والاحتكار والميسر والمتاجرة في المحرمات مما يفسد حياة الناس ويضربهم، وأمرت بالسماحة والتيسير على الناس والصدق في المعاملة حيث قال صلى الله عليه وسلم (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع إذا اشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى) كما دعت الشريعة إلى الوفاء بالعقود وتوثيق العهود والإشهاد عليها كالدين والرهان وغير ذلك مما يحفظ الحقوق المالية ويجنبها التنازع والخصام، حيث إن كثيراً من أسباب الجريمة هو التخاصم أو التنازع بسبب الأموال أو الظلم وجحد الحقوق المالية فينتج عنها الحقد والانتقام، كما دعت الشريعة إلى الزكاة والصدقات وإطعام الطعام والهبات والأوقاف والوصايا المالية التي تنفع المجتمع.
ج- النظام السياسي: ينفرد الإسلام بنظام سياسي مميز تسوده المحبة والإخلاص بين الحاكم والمحكموم مهمته حماية وحراسة الدين ورعاية مصالح المسلمين والعدل بين رعيته كما قال صلى الله عليه وسلم (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته والإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم يوم لا ظل إلا ظله كما روى الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل قلبه معلق بالمساجد.. الحديث) فالتلاحم بين الحاكم ورعيته والتعاون على إقامة شرع الله في أرض الله هو من خصائص النظام السياسي الإسلامي فالحاكم له حق الطاعة في غير معصية الله ومناصرته والنصح له ومقاتلة من بغى عليه وتعدى عليه وعليه واجب النصح للرعية والعدل بينهم بإقامة شرع الله فيهم وحمايتهم من كل ما يهددهم ويهدد بلادهم من أخطار، وإقامة الشريعة وحدود الله والانتصاف من الظالم للمظلوم، قال تعالى: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمورسورة الحج آية (41).
كما يتميز النظام السياسي في الإسلام بالشورى قال تعالى: وأمرهم شورى بينهم سورة الشورى آية (38) وهذا يوجد نوع من الثقة بين الحاكم والشعب ويقوي العلاقة بينهما، كما أن النظام السياسي الإسلامي يتميز بالعدل لقوله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء عن المنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون سورة النحل آية (90) وقولة تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدلسورة النساء آية (58)، كما يتميز بالمساواة بين الرعية في الحقوق والواجبات ويكون التفاضل في التقوى:إن أكرمكم عند الله أتقاكمسورة الحجرات آية (13)، وقوله صلى الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح) مسند عبدالله بن المبارك، هذا ولا يعرف الإسلام مايسمى بالأحزاب والمعارضة فالمسلمون كلهم حزب واحد، فالحزبية منبوذة في الإسلام وأمر الشارع بالوقوف مع الحاكم الشرعي وطاعته ومناصرته في غير معصية الله وعدم الخروج عليه وبل مقاتلة من خرج عليه قال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) سورة النساء آية (95).
وقال تعالى: فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله سورة الحجرات آية (9)، حيث أن الدولة إذا كانت قوية ولم يكن ما يشغلها من أحزاب أو ثورات أقامت شرع الله وطبقت حدوده وحفظت الأمن، فقوتها قوة للدين ومصلحة المسلمين، وفي ضعف الدولة وكثرة الخروج عليها سفك للدماء وانتهاك للأعراض ونهب للأموال واختلال للأمن، ولنا في الدول المجاورة عظيم العبرة والاتعاظ.
ثالثاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
يتميز المجتمع الإسلامي بأنه مجتمع متماسك ومتعاون ينبذ الجريمة ويحمي الفضيلة كما قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر سورة التوبة آية (7)، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سياج يحيط المجتمع ويحميه من التحلل والفساد وهو حصن حصين لحماية الدين والأخلاق وبه يترقى المجتمع نحو الخيرية والفلاح في الدنيا والآخرة يقول سبحانه وتعالى:ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون سورة آل عمران آية (104)، فخيرية الأمة في القيام بهذا الواجب كما قال تعالى:كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله سورة آل عمران آية (110)،
فالجريمة منكر وإقامة العدل بين الناس معروف، فأفراد الأمة مسؤولون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحماية أنفسهم ومجتمعهم من الفساد وقد قال صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذاك أضعف الإيمانمسند أبي سعيد الخدري فبالقيام بهذا الأمر يستتب الأمن وتحفظ الأعراض والأنفس والأموال وتحمى العقول مما يفسدها من الأفكار المنحرفة والمخدرات والمسكرات، فالمجتمع كالسفينة إذا خرقت هلك ركابها وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى النعمان بن بشير صلى الله عليه وسلم: مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاه وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا) رواه البخاري وفي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هلاك المجتمع في الدنيا والآخرة وعقوبات الدنيا باختلال الأمن وتسلط الطغاة والظلمة والمجرمين على الضعفاء والمساكين وانتهاك أعراضهم وسلب أموالهم وإزهاق الأنفس فساد كبير وانتشار الجهل والبدع والمنكرات وكثرة الأمراض المستعصية وغير ذلك من أنواع الفساد قال تعالى: }لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) سورة المائد.
رابعاً: التكافل الاجتماعي
يتميز الإسلام بأنه مجتمع مترابط ومتماسك يقوم فيه القادرون على مساعدة غير القادرين وحملهم فالمجتمع فيه الضعيف والمسكين والعجز ة الأرامل والأيتام والمعسر وغيرهم ولذلك جاءت تشريعات الإسلام بما يكفل الوفاء باحتياجات هؤلاء الضعفاء والمساكين من إخوانهم القادرين والموسورين كما قال تعالى: }وفي أموالهم حق للسائل والمحروم سورة الذاريات آية (19)، وقد فرض الله سبحانه وتعالى الزكاة فتؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء وأوجب النفقات على الأهل والوالدين والأقرباء وحث على الصدقة والهدية والإطعام وكفالة الأيتام والأرامل قال صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بإصبعيه)، هذا وقد فرض الله سبحانه وتعالى حقوقاً كثيرة في أموال القادرين لمجتمعهم ووعدهم بمضاعفة الأجور وحث على الإنفاق في سبيل الله وما ينفع المجتمع فدعا إلى توقيف الأوقاف وأوجب الوفاء بالكفارات والنذور والوصايا وزكاة الفطر ودعا إلى الإنفاق بوجه عام لما فيه خير المجتمع ويؤدي إلى تماسكه وترابطه.
خامساً: فتح باب التوبة
فتح الإسلام باب التوبة على مصراعيه لمن زلت به القدم لتصحيح سلوكه واستقامته ولكفه عن الجريمة قال تعالي: قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم سورة الزمر آية (53)، وقال تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً (68) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً(69) إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفور رحيماً سورة الفرقان.
وفي الحديث قول الرسول صلىالله عليه وسلم: (أنه فيمن قبلنا رجلاً قتل تسعاً وتسعين نفساً فأراد أن يتوب فسأل راهباً عن التوبة وهل تقبل توبته فقال لا فقتله وأكمل به المائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدلوه على عالم فسأله هل لي من توبه فقال نعم ومن يحول بينك وبين التوبة.. الحديث) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فلذلك التوبة تكف عن الجريمة وبها سيصلح المجرم كما كف ذلك الرجل في الحديث.
رابط الجزء الثاني:
http://www.assakina.com/taseel/9994.html










ارسل إلى صديق
طباعة الصفحة
نسخة نصية
حفظ بصيغة PDF
حفظ بصيغة WORD
اضف إلى المفضلة


اكتب تعليقك