الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » فقه التوسط عند الصحابة.. فهما وتنزيلا

فقه التوسط عند الصحابة.. فهما وتنزيلا

تتحدد معالم فقه التوسط في حياة الصحابة رضي الله عنهم في تقديرنا من خلال كليتي الفهم والتطبيق، وهو ما يجعلنا نوقن بصدق مرجعية المنهج الوسطي في حياة الرعيل الأول الذين تلقوا تعاليم الوحي على يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولن نخوض في أدلة الوسطية قرآنا وسنة -وإن كانت نقلت بواسطتهم- فذلك أمر مقرر مفروغ منه، ولكن يمكننا توضيح مرجعية الوسطية ووعي الصحابة رضي الله عنهم بها؛ من خلال المحددات الآتية؛ والتي تتوزع كما هو مقتضى العنوان بين الفهم والتنزيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وقبل أن نشرع في بيان هذه المسألة -والتي تعود بالفائدة على موضوع التوسط ذاته من حيث تأكيد التأصيل وتعميق الاستدلال وهو أمر لم نقصد إليه في الأساس- ينبغي أن نقرر أن من شأن هذه الدراسة أن تفضح زيف الاعتراضات الواردة على الصحوة المشهودة في العناية بالفكر الوسطي وفي الاهتمام بنشره وتعزيزه؛ من حيث أصالة هذا الاهتمام ذاته في عقل الجيل الذي توجه إليه الوصف أول مرة بأنه أمة الوسط؛ فليس بدعا أن تنهض ثلة من علماء الأمة ومفكريها اليوم بإحياء هذا الفقه وهم يترسمون خطى هذا الجيل المبارك الذي شهد الوحي وعقل معانيه، وتلقى أسس الاعتدال غضة طرية من سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا.

وقد ألمحنا إلى أصالة هذا الإحياء وإلى أهميته في الأجوبة التي رددنا بها على مقالة: “تساؤلات حول الوسطية”[1]، ونريد من القارئ الكريم أن يعي هذه المسألة فلا يُشبّه عليه ببدعية هذا الإحياء من خلال حضور الوسطية واستحضارها فهما وتنزيلا في عقل جيل أؤتمن على نقل الرسالة الخاتمة إلى العالم أجمع.

كما نريد أن ننبه على حجم هذا الحضور والاستحضار؛ فهو من الكثرة بحيث يفيد القطع، وقد نقلنا في مناسبات مختلفة عن الإمام الشاطبي رحمه الله ما يثبت ذلك ويؤكده، ونحن هنا لا نقدم إلا نماذج وأمثلة لطبيعة الدراسة، ولست أفهم بحال وجه المقابلة بين الوسطية والإسلام الذي يدندن به بعض الناس، وعسى أن يتأمل المنصفون منهم في هذه النماذج فيتبين لهم وجه الحق، وماذا عساهم يقولون ـ مثلا ـ عن قول أحد الصحابة الكرام: عليكم بالنمط الأوسط، هل فيه خصومة للإسلام أم حث على التمسك بالمنهج الحق فيه؟! وبماذا سيجيب أحدهم عن شهادة سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حين وصفهم بالتوسط بين الغلو والجفاء؟! وهل نحن في هذه الدراسة وهذا الإحياء سوى متابعين له في شهادته هذه ولأجيال من التابعين بإحسان، وقبلهم جميعا ممتثلين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ولوصايا أصحابه؟!.

إن المعترضين على هذا الإحياء لا يعترضون على جيل بعينه ولكنهم يعترضون على أجيال من السلف والخلف -وليس البدعة في الاتباع بحال- بل وعلى مقتضى النصوص الناطقة بلزوم الصراط المستقيم والاقتصاد في المنهج، فرحم الله امرءا عرف قدر نفسه ولم يتكلف الخصومات والاختلافات، والله نسأل أن يجعلنا من أمة الوسط، وأن يحشرنا في عباده التابعين بإحسان.

وقد تأملت في محددات هذا الفقه ومعالمه فرأيتها تتلخص في:

متابعة الصحابة لهدي النبي في التوسط

فقد رأوا رضي الله عنهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التوسط وكراهته للتنطع والغلو وحثه عليه الصلاة والسلام على القصد والاعتدال، وشاهدوا من أحواله الشريفة الحاملة على الرفق والرحمة والعدل مع العدو والصديق.. فلم يملكوا إلا متابعته في ذلك كله، وفيما يلي غيض من فيض متابعتهم له عليه الصلاة والسلام في هديه وقصده: 

امتثل الصحابة رضي الله عنهم الوسطية في الموعظة بما فهموه وشاهدوه من حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخرج مسلم عن الأعمش عن شقيق قال: “كنا جلوسا عند باب عبد الله ننتظره فمر بنا يزيد بن معاوية النخعي فقلنا: أعلمه بمكاننا، فدخل عليه فلم يلبث أن خرج علينا عبد الله فقال: إني أخبر بمكانكم فما يمنعني أن أخرج إليكم إلا كراهية أن أملكم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافة السآمة علينا”[2].

وعن أبي جعفر قال: “كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لم يعده ولم يقصر دونه”[3]. فتأمل حقيقة الاتباع الحق وأنه يكون بأمرين:

ترك الإفراط: وهو معنى قوله: لم يعده.

وترك التفريط: وهو معنى قوله: لم يقصر دونه.

ومن هذا المعنى امتثالهم رضي الله عنهم لقيم الإسلام وأخلاقه على الاعتدال الجامع لمحاسن كل خلق محمود بين خلقين مذمومين، كما وصفهم القرآن في قوله جل شأنه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح/29) فجمع لهم في الوصف بين الشدة والرحمة وهما متقابلان وكل منهما في موضعه محمود:

فعن أبي عثمان النهدي قال: “استعمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلا من بني أسد على عمل فجاء يأخذ عهده، قال: فأتي عمر رضي الله عنه ببعض ولده فقبله، قال: أتقبل هذا! ما قبلت ولدا قط. فقال عمر: فأنت بالناس أقل رحمة هات عهدنا لا تعمل لي عملا أبدا”[4]. وأنت خبير بما هو منقول من شدة عمر رضي الله عنه وغلظته في الحق ومع ذلك فتأمل في هذه الرحمة بالأهل والأمة.

وقال عروة بن الزبير رضي الله عنهما: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما “أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها”[5]. أي أن العزة التي فهموها من الإسلام هي عزة في تواضع وأن الكبر ليس له إلى نفوسهم من سبيل، وهذا هو ديدنهم في الأخلاق كلها رضي الله عنهم. والأمثلة في هذا الباب لا تحصى.

احتكام الصحابة إلى التوسط

ومن تجليات فقه التوسط وحضوره في حياتهم رضي الله عنهم؛ احتكامهم إلى الوسطية وتحكيمهم لما كان جاريا على الاستقامة والاعتدال بين الغلو والجفاء من الآراء حين تختلف الأنظار وتتقابل الفهوم، وفي هذا السياق نقرأ هذه النماذج:

عن أبي مجلز قال: “صلى بنا عمار صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك، فقال: ألم أتم الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، قال: أما إني دعوت فيهما بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو به: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين”[6]. فانظر كيف حاجّهم بأنه ما زاد على ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.

وروى عبد الرزاق في مصنفه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث سفيان بن عبد الله ساعيا، فرآه بعد أيام في المسجد فقال له: أما ترضى أن تكون كالغازي في سبيل الله؟ قال: وكيف لي بذلك وهم يزعمون أنا نظلمهم! قال: يقولون ماذا؟ قال: يقولون أتحسب علينا السخلة؟! فقال عمر: أحسبها ولو جاء بها الراعي يحملها على كفه، وقل لهم: إنا ندع الأكولة والربى والماخض والفحل. قال: وأخبرني عبد الله بن كثير عن عاصم نحوا من هذا عن عمر، إلا أنه قال: خذ ما بين الثنية إلى الجذعة قال: ذلك عدل بين رذلها وخيارها[7]. والأكولة: الشاة العاقر السمينة، والربى: التي يربي الراعي.

فانظر رحمك الله إلى تعليله احتساب السخلة وهي الحديثة الولادة بأنه يترك السمينة والفحل وما يربيه الراعي وهي كلها من كرائم الأموال، ولذلك يأخذ الساعي من الوسط بعد أن تصنف الشاء ثلاث أصناف.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال: “مر ابن عمر برجل يكيل كيلا كأنه يعتدي فيه، فقال له: ويحك ما هذا؟ فقال له: أمر الله بالوفاء، قال ابن عمر: ونهى عن العدوان”[8]. فتأمل كيف ينزل فقهاء الصحابة أوامر الشرع في تناسق كلي تجري به مصالح المسلمين جميعا على السواء والعدل، وهذه واحدة من ميزات السبق الذي حازوه، فكما يجب إيفاء الكيل والوزن ويحرم تطفيفهما؛ فكذلك ينهى عن الاعتداء فيهما بمجاوزة الحد المطلوب، فيأخذ كل من المتعاملين حقه على النصفة والعدل.

وعن الأزرق بن قيس قال: “كنا بالأهواز نقاتل الحرورية فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها. قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم، وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وثمانيا، وشهدت تيسيره، وإني إن كنت أرجع مع دابتي أحب إليَّ من أن أدعها ترجع إلى مألفها فيشق علي”[9].

فقد استخلص أبو برزة رضي الله عنه من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله الدالة على التيسير ما جعله يتبع دابته وهو في صلاته -ولم يكن له دليل خاص في المسألة-، وقد رد على من شدد عليه في أن يترك دابته معللا ذلك بأنه لو فعل لأفضى به إلى المشقة، وهذا هو الاعتدال.

الصحابة يوصون بالتوسط

لم يمتثل الصحابة الكرام الوسطية منهجا في الفهم والسلوك فحسب، بل أوصوا الجيل الذي تربى على أيديهم ونهل من صافي معينهم بالتوسط والقصد؛ فصدرت عنهم درر من الوصايا والنصائح ما أحوج الأمة اليوم إلى امتثالها، وفي هذه الوصايا دليل على مشروعية إحياء فقه التوسط كما قررناه لك سابقا، وفي هذا السياق يمكننا أن نمثل:

بما رواه أبو قلابة: أن رجلا قال لأبي الدرداء: إن إخوانك من أهل الكوفة من أهل الذكر يقرئونك السلام؛ فقال: وعليهم السلام، ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه يحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة[10].

وروى ابن بطة بسنده إلى سيدنا علي رضي الله عنه قال: “ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه: من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره”[11]. فتأمل معي حقيقة الفقه والفهم في الدين على هذا النموذج وكأنه خلاصة عمر من الدراسة والاستنباط والنظر في شئون العلماء وعلاقتهم بالجماهير: الترغيب والترهيب في آن واحد، وعدم التفريط في ثوابت هذا الدين تحت أي ذريعة من الذرائع، مع الاعتصام بالقرآن الكريم والاستغناء به عن مناهج البشر وتشريعاتهم. أوليس هذا ما نحتاجه في حياتنا اليوم؟. 

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “عليكم بالنمط الأوسط، يلحق به التالي ويرجع إليه الغالي”[12]. وكان رضي الله عنه يقول: “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما”[13].

وكان حذيفة رضي الله عنه يقول: “الحسنة بين السيئتين”[14]. والمعنى أن الخير بين طرفين مذمومين: الإفراط والتفريط، وبمعناه قول الشاعر:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد … كلا طرفي قصد الأمور ذميم

ونقل الماوردي في أدب الدنيا والدين في مبحث أدب الصديق: “وينبغي أن يتوقى الإفراط في محبته، فإن الإفراط داع إلى التقصير، ولأن تكون الحال بينهما نامية أولى من أن تكون متناهية… قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا”[15]. 

الاهتمام بالعمل والبعد عن التكلف

وهي إحدى السمات التي تنهض عليها الحضارات وتبنى عليها الأمم، ولقد وصف ابن مسعود رضي الله عنه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاعتدال وقلة التكلف فقال: “أولئك أصحاب محمد كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا اختارهم الله لصحبة نبيه وإتمام دينه فاعرفوا فضلهم واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم”[16].

وعن أنس بن مالك: “أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر: {وفاكهة وأبا}؛ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: لعمرك إن هذا لهو التكلف يا عمر”[17].

وعن أبي المهلب: أن أبا موسى قال في خطبته: “من علم علما فليعلم الناس، وإياه أن يقول ما لا علم له به فيمرق من الدين ويكون من المتكلفين”[18].

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: “عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ما على الأرض عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة، قد يبس ورقها فهي كذلك حتى أصابتها ريح شديدة، فتحات ورقها إلا حط الله عنه خطاياه كما تحات تلك الشجرة ورقها، وإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة؛ فانظروا أن يكون عملكم، إن كان اجتهادا واقتصادا، أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنتهم”[19]. وقد شرحنا التكلف وما يتصل به من المعاني في مقال سابق فلا حاجة إلى التطويل[20].

خوف الصحابة من الانحراف عن التوسط

روى يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: “إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه؛ تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه، قليل من يسأل كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم”[21]. وهو تحذير من هذه الانحرافات المتوقعة، وتأمل مثلا في تخصيص قنوات فضائية لترتيل القرآن وتجويده في الوقت الذي تصدر القوانين والمراسيم بما يعارض أحكامه، بل ويضيق الخناق وتشتد الوطأة على المتمسكين بتشريعاته وهديه!.

الإنكار على الغالين والمتنطعين

وهو عنهم مشهور معلوم، وفيه من الدلالة على الرد إلى منهج العدل والاعتدال ما يكفي كل متبع محب لمنهج السلف، فعن أبي قلابة: قال عبد الله بن مسعود: “تعلموا العلم قبل أن يقبض وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع وعليكم بالعتيق”[22]. وتأمل جيدا في قوله: “وعليكم بالعتيق” ففيه دلالة كبيرة على فهم الصحابة رضي الله عنهم لمنهج الإسلام في كلياته وجزئياته وأنه يجري في ذلك على الاعتدال والتوسط؛ إذ لا معنى للعتيق إلا القديم وهو ما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأوصاهم بملازمته والثبات عليه. وقد عبر عنه في موطن آخر فقال: “الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة”[23].

وعن ابن سيرين عن أبي العجفاء السلمي قال: “سمعت عمر بن الخطاب خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ألا تغالوا في صدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغالي بصداق امرأته؛ حتى يبقى لها في نفسه عداوة؛ حتى يقول: كلفت إليك علق القربة أو عرق القربة”[24].

وكتب سيدنا عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما: “إن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهدر وكثرة الرواية، وإنما الفقه خشية الله عز وجل”[25].

وعن سليمان بن يسار: “أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه وقال: أنا عبد الله عمر، فجعل له ضربا حتى دمي رأسه فقال: يا أمير المؤمنين حسبك، قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي”[26].

شدتهم على التنقص من معالم الدين أو تحريفها

ولعل الوقفة الشامخة لسيدنا أبي بكر رضي الله عنه في وجه مانعي الزكاة في تلك الظروف الصعبة خير مثال نقدمه في هذا السياق، وحدث بلال بن عبد الله بن عمر أن أباه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال يوما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد” فقلت: أما أنا فسأمنع أهلي فمن شاء فليسرح أهله، فالتفت إلي وقال: لعنك الله لعنك الله لعنك الله تسمعني أقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن لا يمنعن! وقام مغضبا[27].

وعن عبد الله بن مغفل: “أنه كان جالسا إلى جنبه ابن أخ له فخذف فنهاه، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها. فقال: إنها لا تصيد صيدا ولا تنكي عدوا وإنها تكسر السن وتفقأ العين. قال: فعاد ابن أخيه فخذف، فقال: أحدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ثم عدت تخذف! لا أكلمك أبدا”[28].

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: من يعذرني من معاوية أحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني برأيه لا أساكنك بأرض أنت بها[29].

وعن أبي البختري قال: بلغ عبد الله بن مسعود أن قوما يقعدون بين المغرب والعشاء يقولون: قولوا كذا قولوا كذا، قال عبد الله: إن فعلوا فآذنونني، فلما جلسوا أتوه فانطلق معهم وعليه برنس، فأخذوا في تسبيحهم فحسر عبد الله عن رأسه البرنس وقال: أنا عبد الله بن مسعود فسكت القوم، فقال: لقد جئتم بدعة ظلما؛ وإلا فضللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم!، قال عمرو بن عتبة بن فرقد: أستغفر الله يا ابن مسعود وأتوب إليه. فأمرهم أن يتفرقوا وفي رواية قال: لئن اتبعتم القوم لقد سبقوكم سبقا بعيدا مبينا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا[30].

عدل المسئولين منهم بين الرعية

لم يعرف تاريخ البشرية بعد محمد صلى الله عليه وسلم أعدل ولا أرحم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد شهد بذلك العدو قبل الصديق، وإذا كان العدل في الحكم أساس استقرار الملك واستقامة أحوال الناس وانبعاث الحياة، فإن التاريخ نقل لنا من صور العدل ما تعجز الأسفار عن حمله، وهي كلها صور شاهدة بالتوسط بين الإفراط بالميل إلى القوة والتفريط بالاستهانة بحق الضعيف. وإن القارئ الكريم في غنى عن التذكير بصلة العدل بالوسطية، ولو ذهبنا نستقرئ صور العدل التي عمت المسلم والذمي والمستأمن على حد سواء، لخرجنا عن المقصود، ولكني سأكتفي بمثال واحد في هذا المقام، وهو ما رواه البيهقي 

عن أبي عثمان النهدي: “أن عتبة بن فرقد بعث إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منًّا، فقال عمر رضي الله عنه: أيشبع المسلمون في رحالهم من هذا؟ فقال الرسول: اللهم لا. فقال عمر رضي الله عنه: لا أريده. وكتب إلى عتبة: فإنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك، فأشبع من قبلك من المسلمين في رحالهم مما تشبع منه في رحلك”[31]. وفي دنيانا اليوم كم هم الذين يشبعون ويتخمون.. وكم من الرعايا الجائعين!.

جمعهم بين معاني النصوص وظواهرها

وهو منهج المحققين منهم وأهل الإفتاء، وإلى تقرير استنباط المعاني من النصوص أشار قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سئل: هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه[32].

ولعل مسألة تقسيم سواد العراق -وتوقف عمر رضي الله عنه في تطبيق ظاهر النص على الواقعة ثم موافقة الصحابة له على ما انتهوا إليه من المعنى الجامع بين ظاهر اللفظ ومعناه- خير مثال لهذا الفقه، وفي إعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله مباحث كثيرة تدور على هذا المعنى وتقريره.

معرفتهم بمراتب التكليف وتنزيلهم لها على ذلك

من مقتضيات فقه التوسط إعطاء كل حكم شرعي مرتبته التي دلت عليها الأدلة؛ إذ الأحكام الشرعية ليست على وزن واحد من حيث توجه الطلب، كما أنها تختلف بحسب الكلية والجزئية، وفيها العزائم كما فيها الرخص، وفيها ما يتوجه التكليف به إلى كل فرد بعينه كما أن فيها ما التكليف متوجه إلى جماعة المسلمين وهو ما تبرأ به ذمتهم بفعل البعض منهم، وفقه الصحابة رضي الله عنهم لا تفتقد فيه هذه الحقائق؛ فمن ذلك:

أن سيدنا عمر رضي الله عنه قرأ السجدة على المنبر ثم سجد وسجد معه الناس، ثم إنه قرأها في كرة أخرى فلما قرب من موضعها تهيأ الناس للسجود، فلم يسجدها، وقال: إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء[33].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يشتري لحما بدرهمين يوم الأضحى، ويقول لعكرمة: من سألك فقل هذه أضحية ابن عباس، وكان غنيا[34].

ومن هذا الباب أيضا أن التدقيق في الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبهة فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه، كما قال ابن عمر رضي الله عنهما لمن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: “يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا”[35].

أئمة

والصحابة رضي الله عنهم هم أول من امتثل ما قرره الأصوليون من بعد من أن للإنسان أن لا يحمل الجمهور إلا على المعهود الوسط وله في خاصة نفسه أن يحملها فوق ذلك؛ إذ قد تقرر أن من أمَّ الناس فليخفف، ومن النماذج التي نقرؤها في هذا الباب:

ترك عثمان رضي الله عنه القصر في السفر في خلافته، وقال: إني إمام الناس فنظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين، فيقولون: هكذا فرضت[36].

وروى مصعب بن سعد قال: “كان أبي إذا صلى في المسجد تجوز وأتم الركوع والسجود، وإذا صلى في البيت أطال الركوع والسجود والصلاة، قلت: يا أبتاه إذا صليت في المسجد جوزت وإذا صليت في البيت أطلت؟ قال: يا بني إنا أئمة يقتدى بنا”[37].

وروى الربيع بن زياد الحارثي أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: اغد بي على أخي عاصم. قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك. فقال علي رضي الله عنه: عليّ به. فأتي به مؤتزرا بعباءة، مرتديا بالأخرى، شعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه: {والأرض وضعها للأنام} -إلى قوله- {يخرج منها اللؤلؤ والمرجان}؟ أفترى الله أباح هذه لعباده إلا ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثبتهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. قال عاصم: فما بالك في خشونة مأكلك وخشونة ملبسك؟ قال: ويحك! إن الله فرض على أئمة الحق أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس[38].

مراعاتهم لتغير الزمان والأحوال في تنزيل الأحكام

وقد عقد ابن القيم رحمه لذلك فصلا مطولا في كتابه الإعلام، وهو خلاف ما عليه العمل عند كثير من الناس اليوم في نقلهم فتاوى الماضين مجردة عن السياق والظروف والأحوال التي صدرت فيها، والواجب أن تترقى فهومنا إلى المعرفة بالسياق والقرائن التي حفت بالنصوص، وأسباب نزول النص ووروده كثيرا ما يهتم بها دارسو التفسير أو الحديث ويغفل عنها دارسو الفقه والأصول، وهو خلل في التكوين بلا شك لمن أراد أن يتأهل للفتوى.

وقد اختلفت أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم للسائلين في المسألة الواحدة كما في السؤال عن أفضل الأعمال وغيره، وقد نقل الونشريسي في المعيار: “الإجماع على أن الفتاوى تختلف باختلاف العوائد، فيجب على المفتي أن ينظر في مقاصد الناس ومقتضى خطاباتهم فيبني عليها الحكم، ويرتب عليها الجواب، وكل من ينظر إلى الروايات فيفتي فيما تختلف فيه الأحكام باختلاف المقاصد والعوائد، فقد أخطأ وكان ذلك منه فسقا إن علم ذلك وقصده”[39].

وفي حياة الصحابة الكرام يمكن التمثيل:

بما جاء في صحيح البخاري وغيره من نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التقاط ضوال الإبل[40]. لأنها لا يخشى عليها ما يخشى على غيرها من الضياع، فلما كان عهد عثمان أمر بالتقاطها وبيعها على خلاف ما أفتى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها[41]. وذلك لأنه رأى الناس قد امتدت أيديهم إلى الحرام، فقطع ذلك بهذا التدبير الذي يصون الحقوق لأصحابها.

ومثل هذا أيضا ما رواه مسلم عن ابن عباس أنه قال: “كان الطلاق على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة؛ فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم”[42].

وكتب سيدنا عمر -رضي الله عنه- إلى حذيفة، حين تزوج من يهودية أن “خل سبيلها”، فكتب إليه أتزعم أنّها حرام فأخلّي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنّها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن[43].

رجوعهم عن الخطأ ومبادرتهم في ذلك

وهو مُحدِّد مهم في فقه التوسط؛ إذ الوقوف مع الخطأ بعدما تبين تفريط في جانب الحق والحقيقة، والحق قديم وأحق بالمتابعة، والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا، فقد رجع سيدنا عمر رضي الله عنه عن قضائه في مسألة الحمارية -المشتركة- لما اعترض عليه الإخوة الأشقاء في العام الثاني وكان قضى بحرمانهم من الميراث في العام الأول، فقال له أحدهم: هب أن أبانا حمارا أو حجرا ملقى في اليم، أو لسنا أبناء أم واحدة ففطن لذلك وأشركهم في الميراث.

ومثل هذا: أنه رضي الله عنه لم يكن لديه علم بما ورد في دية الأصابع، فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى بلغه سنة في ذلك فعدل عن رأيه، فعن سعيد بن المسيب أنه قال: قضى عمر في الإبهام بخمسة عشرة، وفي التي تليها بعشرة، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم يذكرون فيه أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: في كل إصبع عشر من الإبل[44].

وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يأمر النساء إذا اغتسلن من حيض نفاس أو جنابة أن ينقضن رؤوسهن حتى يصل الماء إلى أصوله، ولم يكن قد بلغه من السنة في ذلك؛ روى مسلم في صحيحه عن عبيد بن عمير قال: “بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات”[45].

وكان زيد بن ثابت يفتي بألا تصدر المرأة قبل طواف الوداع لما سمعه من النهي أن يصدر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت -والصدر: رجوع المسافر من مقصده- وكانت الحائض عنده من الحاج الداخلين في ذلك النهي، ولقد أخبره ابن عباس بوجود سنة تستثني الحائض، فرجع عما كان يقول[46].

قبولهم للنقد وسبقهم في التأدب مع المخالف

فقد نقلت لنا دواوين السنة والآثار تلك الانتقادات التي وجهها الصحابة رضي الله عنهم لبعضهم البعض، ولم يكن في ذلك أدنى غضاضة لأحد منهم، بل الذي أثر عنهم حبهم للنقد ورحابة صدورهم له، كما قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة: “أما والله ما أنا بخيركم، ولقد كنت لمقامي هذا كارها، ولوددت لو أن فيكم من يكفيني، فتظنون أني أعمل فيكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لا أقوم لها، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعصم بالوحي، وكان معه ملك، وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا غضبت فاجتنبوني، لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم، ألا فراعوني! فإن استقمت فأعينوني، إن زغت فقوموني”[47]، وانتقدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من فتاواهم بما هو مشهور الكثير[48]. 

وأما أدبهم الجم في نقدهم واختلافهم فقد فاضت به السير والمصنفات بما يغني عن تسويد الصحائف، ويكفي أن أحيل القارئ الكريم على ما أورده الشيخ الدكتور طه جابر العلواني في كتابه القيم: “أدب الاختلاف في الإسلام” من صور رائعة في هذا الباب.

فتاوى الصحابة على التوسط

ومن حضور التوسط في فكر الصحابة رضي الله عنهم وفقههم جريان الفتوى عندهم على التوسط بين الغلو والجفاء؛ حتى إن الصياغة اللفظية في كثير منها لتشهد للاعتدال والقصد، ومن الأمثلة في هذا الباب ما رواه علقمة عن ابن مسعود: “أنه سئل عن رجل تزوج امرأة فلم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات عنها، فقال: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت، ففرح ابن مسعود”[49].

وروى عبد الرزاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة أن عليا رضي الله عنه قال: في الرجل يتزوج المرأة على حكمها: “قال: النكاح جائز، ولها صداق مثلها، لا وكس ولا شطط”[50].

وعن القاسم بن محمد عن ابن عباس: “أن رجلا سأله فقال: إن في حجري يتيما أفأشرب من اللبن؟ قال: إن كنت ترد نادّتها، وتلوط حوضها، وتهنأ جرباها؛ فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب”[51].

وفي ختام هذا العرض هذه شهادة من الجيل الذي تربى على يد الصحابة الكرام وتلقى عنهم؛ نحسبها تأصيلا وتأكيدا وتقريرا لما جاء فيه؛ لمعرفتهم بهم ومشاهدتهم لهم -وليس الخبر كالعيان- وليس بعد ذلك لمدع خلاف هذا سوى التنطع والتعصب.

شهادة التابعين بوسطية الصحابة

كتب سيدنا عمر بن عبد العزيز إلى أحد عماله فقال بعد أن أوصاه بلزوم طريق من سلف من الصحابة الكرام: “.. ما دونهم من مقصر وما فوقهم من محسر، لقد قصر دونهم أقوام فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، إنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم”[52].

وعن عمر بن إسحاق قال: “أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قوما أيسر سيرة ولا أقل تشديدا منهم”[53].

وفي الختام أقول: هذه لمحات ومعالم ونماذج من فقه التوسط في حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنها غيض من فيض، وقد بينا لك من خلالها صحة منهج مدرسة الوسطية المعاصرة، وإن الناظر المقتصد في هذا الفقه سينتهي إلى تقرير: أن منهج الوسطية هو منهج الاتباع لا الابتداع. ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

___________

[1] انظر: wasatiaonline.net/news/details.php?data_id=459

[2] رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الاقتصاد في الموعظة 4/2172حديث رقم 2821.

[3] سنن ابن ماجه: المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله حديث رقم 4.

[4] السنن الكبرى للبيهقي: 9/41.

[5] مدارج السالكين: 2/315.

[6] رواه أحمد في أول مسند الكوفيين باب بقية حديث عمار بن ياسر حديث رقم 17605.

[7] مصنف عبد الرزاق: 4/14 رقم 6816.

[8] مصنف عبد الرزاق باب المكيال والميزان: 8/67 رقم 14338.

[9] رواه البخاري في كتاب العمل قي الصلاة باب إذا انفلتت الدابة في الصلاة رقم 1211.

[10] رواه الدارمي كتاب فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن حديث رقم 3196.

[11] إبطال الحيل: عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري العقبلي، ت: زهير الشاويش،، نشر المكتب الإسلامي، ط/ الثانية بيروت.1/12.

[12] مصنف ابن أبي شيبة:7/100.

[13]رواه الترمذي في صحيحه: وقال الصحيح عن علي موقوف قوله، كتاب البر والصلة عن رسول الله، باب ما جاء في الاقتصاد والحب والبغض، حديث رقم 1920.

[14] وتروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير،ر:التمهيد لابن عبد البر:1/195. 

[15] أدب الدنيا والدين: ص172.

[16] منهاج السنة النبوية ابن تيمية:1/166.

[17] سنن سعيد بن منصور: 1/181.

[18] مصنف عبد الرزاق: 11/246.

[19] الشفا بتعريف حقوق المصطفى:2/14_15، إغاثة اللهفان: 1/105.

[20] انظر: wasatiaonline.net/news/details.php?data_id=513

[21] رواه مالك في الموطأ: كتاب النداء للصلاة، باب جامع الصلاة، حديث رقم 379.

[22] سنن الدارمي: 1/64.

[23] رواه الدارمي في السنن: رقم 223 ـ وابن عبد البر: في جامع بيان العلم: 2/230 وانظر:الشفا: 2/14.

[23] المصدر السابق. 

[24] سنن الدارمي: كتاب النكاح، باب كم كانت مهور أزواج النبي وبناته، حديث رقم 2103. 

[25] إبطال الحيل: 1/14.

[26] سنن الدارمي: المقدمة، باب من هاب الفتيا وكره التنطع والتبدع: رقم 144.

[27] جامع بيان العلم: ص 239.

[28] سنن ابن ماجه: المقدمة، باب تعظيم حديث رسول الله والتغليظ على من عارضه، رقم 17.

[29] جامع بيان العلم: ص 240.

[30] مجمع الزوائد: 1/181-182.

[31] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: 9/42.

[32] إعلام الموقعين: 1/225.

[33] الموافقات: 3/247.

[34] التهيد لابن عبد البر: 23/194.

[35] جامع العلوم والحكم: 1/111.

[36] الموافقات:3/248.

[37] مجمع الزوائد: باب في الاقتداء بالسلف: 1/182 وقال عنه رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.

[38] الاعتصام: 1/342.

[39] – المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل افريقية والأندلس والمغرب، أبو العباس أحمد بن يحي الونشريسي، ت:محمد حجي ومن معه،نشر وزارة الأوقاف المغربية،ط1981م:8/ 290 وانظر أيضا العرف للجيدي: ص 126

[40] – البخاري في الجامع الصحيح، كتاب العلم، باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره:1/46 حديث رقم 91.

[41] الموطأ: كتاب الأقضية، باب القضاء في الضوال، حديث رقم 1449.

[42] مسلم:كتاب الطلاق، باب الطلاق الثلاث:2/1099 حديث رقم 1472.

[43] تفسير الطبري:2/378-تفسير القرطبي:3/68. 

[44] أثر الاختلاف في القواعد الأصولية للخن: 44/45 والحديث أخرجه الشافعي في المسند والرسالة، والنسائي 8/56.

[45] مسلم: 1/179 رقم الحديث 331، وانظر المسألة في أثر الاختلاف: ص 49.

[46] جامع بيان العلم لابن عبد البر: 1/159.

[47] مصنف عبد الرزاق: 11/336 رقم 20701.

[48] العقل الفقهي معالم وضوابط: لكاتب هذا المقال: ص 20.

[49] مصنف ابن أبي شيبة: 7/8.

[50] مصنف عبد الرزاق: 6 / 140.

[51] السنن الكبرى للبيهقي: 6/4.

[52] رواه أبو داود: كتاب السنة باب لزوم الجماعة (رقم 4612) 

[53] ا لاعتصام:1/205-306

* أستاذ محاضر، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة ـ الجزائر

المصدر: المركز العربي للدراسات والأبحاث

-- د.أبو أمامة نوار بن الشلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*