الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الحضارة الوسط ( الوظيفة . المنطلقات )

الحضارة الوسط ( الوظيفة . المنطلقات )

المقدمة:
إن الحضارة التي نشأت وتكونت مع هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى قد قامت على أساس مهم جدا وهو بناء الإنسان وصياغته صياغة إسلامية في جوانبه المختلفة سواء العقلية أو الروحية أو البدنية. وعندما تحققت هذه الصياغة الإسلامية للإنسان بدأت الثمار تتوالى من فتوحات وإنجازات في مجالات الحضارة المختلفة من علمية وثقافية وأدبية وفنية وغيرها من المجالات. إن ما يميز الدين الإسلامي
إنه دين شامل لا يقف عند البعد الديني الروحي فقط كما أنه لايغفل البعد المادي ولا يهمله ولكنه يجمع بين المادة والروح بقدر محدد يمكِّن الإنسان من الحياة ويحقق أهدافه ويعيش في سعادة، كما أن الدين الإسلامي وهو أساس هذه الحضارة لا يقوم على التعبد الفردي الخالص -على أهميته- مهما بلغت درجة تقواه وإنما يقوم على تحقيق كافة فرائضه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.
والحضارة الإسلامية تتميز عن باقي الحضارات قديما وحديثا بأنها حضارة قامت على أساس الدين الشامل، فالحضارة الصينية لم تكن حضارة كونفوشيوسيه والحضارة اليابانية لم تكن بوذية وكذلك الحضارة الرومانية والغربية الحديثة لم تقم على تعاليم الديانة المسيحية ولكن الحضارة الإسلامية تختلف فلو لم تكن هناك دعوة الإسلام ما قامت الحضارة الإسلامية. وتبعاً لذلك  فإن الحضارة الإسلامية هي حضارة شاملة متكاملة قد نبغت وتفوقت وأبدعت في مختلف مناحي الحياة. وهذا قلما نجده في الحضارات الأخرى فنجد معظمها قد تفوق في مجال من المجالات أمّا مجال الطب أو مجال الفلك أو مجال الفلسفة أو مجال الفنون. وكما أخذت الحضارة الإسلامية الشمول من الدين الإسلامي فإنها قد أخذت أيضا -فيما أخذت- الوسطية لذلك فالحضارة الإسلامية حضارة وسط.
وعن الحضارة الوسط والبعد الحضاري للوسطية قد تم إعداد هذه الورقة من أجل تقديمها لمؤتمر الوسطية منهج حياة الذي تنظمه وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت. بعد هذه المقدمة سوف نتناول مفهوم الحضارة وتطورها يلي ذلك عرض لبعض النماذج التي توضح دور الحضارة الإسلامية في بناء وتكوين الحضارة الحديثة ومن خلال ذلك نناقش فكرة حتمية توارث الحضارات. في الجزء التالي نعمل على توضيح الوظيفة الأساسية للحضارة الوسط وما هو دورها وبعد ذلك نعرض بعض المنطلقات التي يجب أن تقوم عليها الحضارة الوسط والسمات التي تضمن استمراريتها.وفي النهاية نقدم خاتمة وبعض التوصيات التي نراها مهمة.
 
مفهوم الحضارة وتطورها:
إن الحضارة في مفهومها المتعارف عليه هي “ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته والرقي بها سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصودا أم غير مقصود في المجالين المادي والروحي” لذلك فهي مرتبطة بالزمن لأن كل جهد إنساني يحتاج إلى زمن لكي يوتي ثماره الحضارية كاملة كما تحتاج الشجرة إلى الزمن لكي تنضج ثمارها. ومن هذا التعريف يتضح أيضا أن أي إنتاج ينتجه الإنسان لا يدخل في دائرة الحضارة ما لم يتداول ويشيع وتتم الفائدة من وراءه فاي اختراع لا ينتشر ولا يوظف لمصلحة البشرية لا يعد إسهاماً حضاريا لان هذا الاختراع لم يشع استعماله ولم تعم به الفائدة وانما اصبح دليل على عبقرية المخترع.
والخطوات الحضارية لا تحتاج إلى الوقت والزمن فحسب بل تحتاج إلى الجهد العقلي والبدني أيضا. وأهمية العقل أنه يساعد الإنسان على حسن توظيف ما لديه من إمكانات. وقد كانت قدرة العقل محدودة في أول الأمر ولكنها قويت وازدادت مع الاستعمال والمران شأنه في ذلك شأن باقي أعضاء الجسم مثل الزراع إذا لم يتم استخدامه بشكل دائم يضمر ويتوقف عن الحركة وأداء وظيفته بشكل جيد. والعقل هبة لجميع البشر على حد سواء ولا يوجد تفاوت بين أجناس البشر في درجات الذكاء الطبيعي –كما أشاعت ذلك النظريات العنصرية الأوربية ولكن الاختلاف يأتي من درجة التمرين والاستعمال للعقل كعضو من أعضاء الجسم.
وترتبط الحضارة بالبيئة بمكوناتها المختلفة من طبيعة الأرض والمناخ وموارد الثروة فيها.وخلص بعض المفكرين ومنهم ابن خلدون “إن أهل الأقاليم المعتدلة هم اكمل خلق الله وأعدلهم أجساما وألوانا وأخلاقاً وادياناً”. ولكننا يجب ألا نبالغ في تقدير أثر البيئة على التطور الحضاري والدليل على ذلك أن هناك مجتمعات وجدت في بيئات جغرافية متشابهة ولكنها تفاوتت في مستواها الحضاري. فبيئات وادي النيل في أفريقيا ووادي ريودوجنيوري ووادي كلورادوا في أمريكا الجنوبية والشمالية تكاد تكون واحدة من حيث التشابه الجغرافي والمناخي كأودية نهرية. ولكن المجتمع المصري القديم قد تفوق وبلغ مستوى عالي من الرقي الحضاري في حين أن الهنود الحمر عاشوا على ضفاف الأنهار الأمريكية شمالا وجنوبا في حالة بدائية. وكذلك في البيئات الصحراوية وبيئات الغابات وغيرها وهذا يرجع إلى دور العقل ومدى قدرته على مواجهة الصعوبات التي تقابله والتغلب عليها.
ويعد الدين أهم العوامل التي تؤثر في توجيه مسيرة الحضارة ، فالعقيدة أياً كانت ذات أثر فعّال في حياة المجتمعات ويشترك في تلقي هذا الأثر جميع البشر مهما تتفاوت حظوظهم من الحضارة ,لكن يلاحظ أن عقائد الجماعات البدائية التي تتعبد لظواهر الطبيعة – وتتخذ رموزا لها من الحجر والخشب – لم تؤد بها إلى الرقي بتلك المجتمعات على حين أن العقيدة كلما اقتربت من فكرة التوحيد والإيمان بالحياة الأخرى والثواب والعقاب أصبحت من اكثر العوامل فاعلية في الارتقاء بالحضارة والإنسان. ذلك لأن الدين يفرض علة للكون ورسالة للإنسان على الأرض ويقدم منظومة من القيم الروحية والأخلاقية التي ينبغي الالتزام بها. وهذه الجوانب تحث الإنسان والفرد على أن يبذل الجهد في ظل منظومة القيم التي يؤمن بها من اجل تحسين مستوى معيشته على الأرض.
والحضارة ظاهرة إنسانية عامة، وقد يحدث أن تمر على شعب من الشعوب ظروف تدفعه إلى الانتقال من سكون البداوة إلى حركة النهضة والتحضر. كما حدث لبدو الجزيرة العربية ، عندما جاءت الرسالة السماوية ونزل الوحي على الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد تحولوا من مجرد رعاة للغنم تشغلهم نزواتهم وتمتد صراعاتهم لأعوام لأسباب واهية إلى علماء وقادة فتحوا العالم اجمع واستطاعوا خلال سنوات قليلة أن ينشروا عقيدتهم وأن يقدموا للبشرية الاختراعات والفتوحات العلمية التي قامت على أساسها الحضارة الغربية الحديثة، وقد لا تتاح مثل هذه الظروف لشعوب ومناطق أخرى أو أن تكرر نفسها مرة أخرى مثلما حدث لشعوب المنطقة العربية بعد الغزوات التخريبية للصليبيين والتتار وذلك بسبب الفساد السياسي والإداري الذي كان سائدا.
أما اصل الحضارة ونشأتها فقد ناقشها الكثير من الفلاسفة  الغربيين مثل أر نولد تونبي و نيتشه وغيرهم أما ابن خلدون فقد تكلم فيها وقال:” إن الله سبحانه وتعالى لما ركّب الطباع في الحيوانات كلها وقسّم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة اكمل من حظ الإنسان وجعل للإنسان عوضاً عن ذلك كله الفكر واليد. فاليد مهيئة للصنائع بخدمة الفكر والصنائع تحصل له الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع عن نفسها، ولكن الإنسان مع ذلك عاجز عن حماية نفسه لذلك فهو مضطر للاستعانة بغيره والالتئام مع أشباهه في جماعات تتوزع فيما بينهم الأعمال الضرورية والكفيلة ببقائهم، وهذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني وإلا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم” وهذا الاجتماع الإنساني هو الخطوة الأولى على طريق الحضارة.
لقد شبه الكثير من المفكرين و المؤرخين الغربيين القدامى بين أطوار حياة الإنسان وحركة الحضارات. فقد ذهب توكيد يد المؤرخ الروماني إلى هذا المعنى عندما قال “إن الحضارات تدور في دائرة واحدة من ميلاد وشباب وقوة ثم شيخوخة وتراجع وأخيرا وفاة واندثار”. كما قال “إن كل ما يحدث اليوم حدث مرارا قبل ذلك وسيحدث مرات أخرى في مستقبل الزمان” وقد اخذ ابن خلدون هذه النظرية واعتبرها محوراً لأفكاره عن التاريخ والحضارة وخلاصتها أن البداوة هي أول مرحلة من مراحل الحضارة عندما يتجمع البشر في جماعة بدوية ثم ينتقلون إلى مرحلة أخرى وهى مرحلة الحضر والقوة والتقدم يلي ذلك مرحلة الصعود والسيطرة وأخيراً مرحلة التراجع والاندثار. هذه هي المراحل الأربعة في تطور الحضارات عند ابن خلدون وقد تطول إلى ستة مراحل وقد تقتصر على ثلاثة فقط.
وهذه الأطوار الحضارية والتدرج في مراتب الحضارة حتى اندثارها يعود –كما يقول أصحاب هذه النظرية- إلى أن الحضارة تضعف من يملك أسبابها ويطمئن إليها ويستسلم لنعيمها فتخور قوته ويقل حماسه للجهاد ويستولي عليه الترف فيفسد ويضمحل، وهذا القول يجانبه الصواب لان الحضارة تقوي الإنسان ولا تضعفه لأنها معارف وعلوم وخبرة وتجارب وكل هذا يزيد ملكات الإنسان وتفجّر فيه ينابيع القوة. ولكن سوء استخدام هذه العلوم والمعارف هو ما يؤدي إلى الفساد وقد كان أهل الأمم السابقة يسيئون استخدام ما يملكونه من أسباب التمدين والرقي فيسرفون في التنعم ويزهدون في العمل والجهد فتضمحل قواهم وتندثر حضارتهم ويمهد الطريق لأمم أخرى لكي تبني حضارة جديدة. وهذه الظاهرة لخصها المؤرخين وأصحاب الفكر فيما يطلق عليه بسيطرة أدوات الحضارة على الإنسان وليس سيطرة الإنسان على أدوات الحضارة، وليس المقصود هنا هو عدم السيطرة على أدوات الدمار من أسلحة وبارود وخلافه فقط ولكن هو عدم التحكم في شهوات الفرد ورغباته فالإسراف في أي شئ حتى الطعام والشراب يؤدي إلى الإفساد والضرر.
وبعد أن عرضنا لمفهوم الحضارة ونشأتها ومراحل تطورها فإننا يجب أن نتساءل هل الحضارات تتصارع كما تتصارع الأمم والدول في ميادين الحرب والسياسة والرياضة وغيرها من مجالات التنافس؟ والإجابة المباشرة هي نعم تتصارع الحضارات وهذا أمر غير صحي لأنه يهدر موارد البشرية كما تهدرها الحروب بين الدول. فكل أصحاب حضارة أو ثقافة يودون أن تكون لهم السيطرة والانتشار من خلال نشر ثقافتهم وفكرهم في مدى أوسع من الدول وبين عدد اكبر من البشر. والصراع الحضاري قد يأخذ أشكالاً مادية -الصراع  على الوصول أولاً للقمر- أو أشكال فكرية مثل التي بين اللبرالية والشيوعية.
 
نشأة وسكون الحضارة الإسلامية:
يعتقد البعض أن الحضارة الإسلامية كان يجب أن تمر بمراحل الصعود والهبوط الحضاري كبقية الحضارات. ولكنني اعتقد أن الحضارة الإسلامية تختلف عن باقي الحضارات وتتميز عنهم بأنها حضارة نابعة من الدين الخاتم الذي ارتضاه الخالق سبحانه وتعالى للبشرية “…ورضيت لكم الإسلام دينا” . كما أن الحضارة الإسلامية لم تمر بمراحل الصعود المتدرج وانما ولدت حضارة عظيمة منذ أول يوم ذلك لان الهدف من التقدم الحضاري هو الوصول بالإنسان إلى أعلى مراتب التحضر من خلال التعامل مع مكونات الكون طبقا للناموس الإلهي وفهم الأدوار المختلفة لهذه المكونات وتوظيفها في خدمة الإنسان حتى يحقق رسالته. من هنا فإن الحضارة الإسلامية منذ نشأتها مع هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قد وصلت إلى أعلى مراتب التحضر من خلال صياغتها للإنسان المسلم الصياغة التي يستطيع أن يتعامل مع الخلائق المتعددة بالطريقة المثلى.
أما الحضارات الأخرى فقد كان للإنسان دور رئيسي في تكوينها وتطويرها وبالتالي فإنها تحمل في طياتها بذور فنائها نظرا لقصور القدرة الإنسانية مهما بلغت من عبقرية. فنجد أن معظم الحضارات السابقة مثل الحضارة المصرية القديمة أو الحضارة اليونانية أو الرومانية أو حضارات الشرق المختلفة سواء الهندية أو الصينية وغيرهم وقد أبلت بلاءً حسناً على مستوى العلوم والفنون. ولكن أغلب هذه الحضارات لم تستطيع أن ترفع من درجة تعامل الإنسان مع ما يحيط به في الكون. أو أن يفهم رسالته في الحياة فهماً صحيحاً حتى يتمكن من أن يعيش سعيداً، وأن هذه الحضارات عندما كانت تتقدم وتحقق بعض النجاح والسيطرة ويزداد نفوذها كان أبناؤها يخلدون إلى الدعة والراحة ويفقدون الرغبة في العمل وبذل الجهد ، وبالتالي تبدأ هذه الحضارات في التراجع والاضمحلال لأنه لم تكن هناك عقيدة قوية تعمل على صياغة أفراد وشعوب هذه الحضارات بالطريقة التي يفهموا بها رسالتهم الحقيقية في الحياة.
ولقد نشأت الحضارة الإسلامية – ولا نقول صعدت لأنها لم تتدرج مثل باقي الحضارات في الصعود – واستطاعت في خلال سنوات معدودة أن تسود الجزيرة العربية وارض الرافدين وبلاد الشام في فترة لم تتجاوز عشرين عاما، كما أنها خلال هذه الفترة أخضعت حضارتين كبيرتين في ذلك الزمن هما الفرس والروم. ثم فتحت مصر وشمال أفريقيا حتى وصلت إلى بلاد المغرب العربي وساحل المحيط الأطلنطي واصبح البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية عربية.
ولقد استطاعت الحضارة الإسلامية أن تقدم للبشرية الكثير من العلوم والمعارف والفنون. ونحن هنا لن نقوم باستعراض ما قدمته الحضارة الإسلامية للأمم والشعوب الأخرى. وهذا لآن دور الحضارة الإسلامية في تقدم ورقي الحضارة الغربية الحديثة اصبح معروفاً من التاريخ بالضرورة ولاينكره مجادل من الغربيين أنفسهم. ويكفي هنا الإشارة إلى الكتاب القيّم الذي كتبته المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه عن أثر الحضارة الإسلامية العربية في أوروبا بعنوان “شمس العرب تسطع على الغرب” وفيه تقدم الكاتبة الكثير من الأمثلة سواء في الطب أو الفلك أو الحساب والرياضيات أو الفلسفة والعلوم الاجتماعية وغيرها. وسوف نذكر هنا أحد المشاهد العديدة التي أوردتها المستشرقة الألمانية هونكه عن انتقال الأرقام العربية إلى الغرب مما سهل عمليات الجمع والطرح وباقي العمليات الحسابية وهو ما ساعد على تطور علوم أخرى. تؤكد الكاتبة أن نقل الأرقام الحسابية إلى الغرب تم عن طريق أحد الكهنة في أسبانيا ويدعى جربرت والذي تدرج إلى أن وصل إلى كرسي الباباوية عام 999 ميلادية ليصبح البابا سلفستروس الثاني وبالتالي كان رئيس الكنيسة يحسب بالعربية.
مشهد آخر من مشاهد العلاقة بين الحضارة الإسلامية وغيرها من خلال نص نموذج عقود الصلح مع الشعوب المنهزمة في البلاد التي تم فتحها وهذا الذي عقد عند فتح مصر” هذا الاتفاق يشمل كل الرعايا المسيحيين كهنةً ورهباناً وراهبات, وهو يضمن لهم الحماية والأمن أينما كانوا حسب مشيئتهم, وبالمثل يحمي كنائسهم ومساكنهم وأماكنهم المقدسة, وكذلك يحمي من يزور تلك الأماكن من جورجيا او الحبشة, يعاقبة كانوا او نساطرة, ويحمى كل من يؤمن بالنبي عيسى عليه السلام. كل هؤلاء يجب مراعاتهم لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم قد كرمهم في وثيقة تحمل خاتمه نبهنا فيها أن نكون معهم رحماء وان نضمن لهم أمنهم” وهذه صورة حية لتسامح المسلمين والحضارة الإسلامية ولكنه تسامح عن قوة -وليس كما يراد الآن أن نتسامح عن ضعف- وهذا الاتفاق لم يكن وعوداً جوفاء بل احترمها المسلمون نصاً وروحاً.
ولكن استقراء التاريخ ونظرة على الواقع يجد أن المسلمين أصحاب هذه الحضارة العظيمة متخلفين بمقاييس عديدة منها العلم والاقتصاد والمعرفة وغيرها من المعايير. وهذا ما يجعلنا نتساءل هل الحضارة الإسلامية مثل بقية الحضارات أخذت دورها في التاريخ وصعدت وهبطت وقامت بتسليم الراية الحضارية لحضارة أخرى وهي الحضارة الغربية الحديثة!! أم أن الحضارة الإسلامية نسيت وفقدت دورها ووظيفتها التي قامت من اجلها وبالتالي تراجعت عن مكانتها الأصلية والمؤهلة لها حتى تسترجع دورها الذي يجب أن تقوم به وهذا ما سوف نناقشه في الجزء التالي.
 
الحضارة الوسط …الوظيفة والدور:
من دراسة التاريخ الإنساني نجد أن لكل حضارة من الحضارات التي مرت في العصور المختلفة دوراً ,كان يجب عليها القيام به في ظل الأوضاع العالمية والإنسانية التي كانت سائدة في وقتها، ثم تقوم بتسليم الراية إلى حضارة أخرى، فنجد الحضارات التي غالت في المادية والاهتمام بالمادة وكان دورها هو تقديم النموذج المادي في التعامل مع متغيرات الحياة وكانت تأتي هذه الحضارات في فترات تكون الإنسانية شديدة الانغماس في الروحانيات وترفض أي شكل مادي سواء في العلوم أو في غيرها من الأشكال ولا تتعامل معه، وعلى النقيض من هذا الوضع تكون هناك حضارات تغالي في الجوانب الروحية وترفض أي اهتمام بالمادة من أجل إبراز النموذج الروحي الصرف على البشرية والإنسانية جمعاء، وقد تقلص دور ووظيفة هذه الأنواع من الحضارات على تأكيد ضرورة وأهمية الرؤية الشاملة في التعامل مع الجنس البشري. وبعد بيان النماذج المختلفة للتعامل الحضاري مع البشر كان من الضروري أن يأتي البديل الثالث وهى الحضارة الوسط. إذن فالوسطية دور ووظيفة وليست مجرد صفة.
وإذا أردنا معرفة أسباب كون الحضارة الإسلامية هي الحضارة الوسط فإننا يجب أن نعود إلى مصدر هذا الدين وأساس تشريعاته وعقيدته وهو القرآن الكريم فنجد أن الآية الكريمة من سورة البقرة تقول ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” من هنا نتيقن أن الوسطية وظيفة ودورها الأساسي هو الشهادة على الأمم والحضارات الأخرى المختلفة. كما يتضح لنا لماذا يجب أن تكون الحضارة الخاتمة هي الحضارة الوسط لان متطلبات الشهادة الصادقة -وهى الدور- أن يكون الشاهد وسطا لا يميل يمينا ولا شمالا حتى تكون شهادته صحيحة. كما أننا نعرف من أقوال العرب المأثورة  أن خير الأمور الوسط, لذلك فإن الحضارة الإسلامية هي خير الحضارات، وقد قال أر سطو “الفضيلة وسط بين رذيلتين”.
وإذا كان الدور الوسطي ضروري لتحقيق الشهادة لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن التخلي عن هذا الواجب ينفي عن الحضارة الإسلامية الشهادة الصادقة وتقل قدرتها على أداء وظيفتها المنوطة بها، وسواء كان هذا التخلي مقصودا أو غير مقصودا فإن النتيجة الحتمية لهذا التخلي هو ما نراه الآن من تراجع وتخلف تعيش فيه الدول الإسلامية والمسلمين أصحاب هذه الحضارة، ولكن لايمكن وصف ما نعيش فيه بأنه هبوط واندثار كباقي الحضارات السالفة ولكننا يمكن أن نعتبره كمون وسكون للحضارة الخاتمة، وعندما تستعيد هذه الحضارة وظيفتها التي كلفت بها فسوف نجدها مرة أخرى تتصدر الحضارات وتقودها لأنها سوف تعود مرة أخرى الحضارة الشاهدة. والحضارة الوسط لها منطلقات أسس لاتعود إلا على أساسها كما نشأت أول مرة وسوف نناقش هذه الأسس في الجزء التالي.
 
منطلقات وأسس… الحضارة الوسط:
هناك العديد من المنطلقات التي يجب أن تعود الحضارة الوسط على أساسها وهى شروط ضرورية وليست شروط كافيه، أولها الحرية, التي يجب أن تسود المجتمعات الإسلامية حتى تسترد حضارتها دورها ووظيفتها الوسطية، يلي ذلك العدل والعلم والشمول والتوازن والقوة والأخلاق والقيم وهناك أسس أخرى ولكننا سنكتفي بهذه المنطلقات لأنها أصلية وفيما عداها تعتبر تابعة لها.
1.    الحرية:
إن أهم ما يميز الإنسان -الذي يعتبر الأداة الأساسية لتحقيق التقدم والتحضر- هو ما حباه الله به من عقل، لذلك فإن توظيف هذا العقل واستخدامه بكفاءة هو الطريق الأمثل لكي يعيش الإنسان سعيدا وناجحا في هذه الحياة، والعقل كما نعلم هو مناط الفكر والتفكير والاختيار بداية من الاختيار بين الخير والشر وحتى الاختيار بين البدائل في مجالات حياته المختلفة، وإذا لم يتح للإنسان بدائل مختلفة للاختيار فإن وظيفة العقل تتوقف وبالتالي يفقد الإنسان لأهم سمة من سمات تميزه دون باقي المخلوقات، ومن أجل قيام العقل بوظيفته الأساسية من تفكير واختيار فإنه من الضروري أن يعيش في بيئة حرة.
لذلك فإن الحرية النابعة من قيم المجتمع العليا واختياراته الأيدلوجية قيمة أساسية يجب أن تسود في أي مجتمع يريد أن يصل لمستوى حضاري متقدم، والحضارة الإسلامية لأنها نابعة من الدين الإسلامي فإنها تدعو إلى الحرية في مجالات الحياة كلها وأيضا على مستوى العقيدة فليس هناك إكراه حتى في الدين، كما أن الحياة في بيئة حرة تساعد على رفع درجات الانتماء للمجتمع وبالتالي المشاركة وبذل الجهد من أجل تحقيق أهدافه، أما اختفاء الحرية والحياة في بيئة مكبوتة يولد التطرف وينشئ أجيال تتسم بالضعف وهذا يؤدي إلى إعاقة استعادة وظيفة ودور الحضارة الإسلامية.
2.    الشمول والتوازن:
يجب أن تستعيد الحضارة الإسلامية شمولها وتوازنها حتى تستطيع أن تقوم بدورها ووظيفتها من وسطيه تمكنها من الشهادة الصحيحة الصادقة على باقي الأمم والحضارات، والشمولية المطلوبة تعني أن الحضارة الوسط تهتم بكافة الجوانب المادية والروحية , العلمية والفنية, وكما أنه يهتم بالفرد فإنه يهتم بالجماعة, وكما يهتم بالواقعية فإنه يهتم بالمثالية. هذا هو الشمول الذي تنادي به الحضارة الإسلامية كما انه هو الشمول الذي يجب أن يتحقق لعودة الحضارة الوسط، والشمول وحده لا يكفي بل يجب أن يتحلى هذا الشمول بالتوازن، فالتوازن أيضا من شروط تحقيق الشهادة “واقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان” فيجب التوازن في التعامل بين المادية والروحية والتوازن يعنى عدم الإفراط أو التفريط والتوازن ضد التطرف بأشكاله المختلفة, والتوازن في العبادات أيضا مطلوب، لذلك فالشمول المتوازن منطلق وأساس مهم من أسس الحضارة الوسط.
3.    العلم والعمل:
لقد وصف عبد الرحمن الكواكبي العلم في كتابه الشهير طبائع الاستبداد فقال”العلم قبسة من نور الله وقد خلق الله النور كشافاً مبصراً , ولاداً للحرارة والقوة. وجعل العلم مثل النور وضاحاً للخير فضاحاً للشر, يولد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة. العلم نور والجهل ظلام ومن طبيعة النور أنه يبدد الظلام , والمتأمل في حالة كل رئيس ومرؤوس يرى أن سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته” . وهذا الوصف والتعريف للعلم يوضح لماذا تتطلب الحضارة الوسط أن يهتم أبنائها بالعلم وأن يكون منطلق أساسي من منطلقاتها.
ولكن العلم يجب أن يتبعه عمل حتى تعم فائدته وتنتشر. والعمل في الحضارة الوسط هو العمل الصالح الذي تستفيد منه الأمة والبشرية كلها. كما أن العلم النافع ليس فقط العلم الشرعي ولكن يضاف إليه علوم الحياة المختلفة التي تيسر للأفراد معيشتهم وتعينهم على القيام برسالتهم في الحياة، وبدون العلم وحب العمل وبذل الجهد لن تستطيع الحضارة الوسط أن تقوم بدورها ووظيفتها والشهادة على الحضارات الأخرى, لان الشهادة الحقيقية الصادقة يجب أن تكون على علم ودراية حتى لا يستطع أحد أن يخدعها أو يغشها.
4.    القوة والعدل:
رابع المنطلقات الأساسية للحضارة الوسط هو أن تكون قوية قادرة على الدفاع عن نفسها ماديا وثقافيا. كما أنها مطالبة بأن تعد ما تستطيع من قوه مادية , وليس الهدف منها شن الحروب على الأمم الأخرى ولكن الهدف هو درء الصراعات عنها, مثلا فإن الدول التي تمتلك أسلحة نووية تحمي نفسها من أي هجوم نووي، والقوة المادية لا تقف عند قوة السلاح ولكن قوة الاقتصاد أيضا، والحضارة الوسط يجب أن تكون حضارة تسامح وعفو ولكن التسامح القائم على القوة وأن الضعيف لا يعفو أو يسامح ولكنه يغلب على أمره.
كما أن الحضارة الوسط يجب أن تتسم بالعدل وأن يكون ملازم لقوتها, لان مجتمع القوة دون العدل  يصبح غابه، والشاهد إذا لم يكن عدلاً ترد شهادته وترفض، وكما ورد في الأمثال العربية أن دولة الظلم ساعة ودولة العدل إلى قيام الساعة، والحضارة الوسط هي الحضارة الخاتمة  ويجب أن تظل إلى قيام الساعة، ونحن على يقين بان ما نشاهده من قوة للحضارة الغربية في الزمن المعاصر هي قوة بدون عدل , لان العدل المطلوب ليس فقط العدل الداخلي بين أفراد المجتمع -لو تحقق-  بل العدل في كل التصرفات والمواقف، فما نراه الآن من استخدام للمعايير المزدوجة في التعامل للحضارة الغربية هو الظلم بعينه ويعتبر من نقاط الضعف في تلك الحضارة ، ذلك لأن الحضارة الوسط لا تريد أن تكون هي القوية وباقي العالم ضعيف أو أن تكون هي الغنية وتستغل قوتها للسيطرة على العالم ولكن الحضارة الوسط تهدف إلى  تحقيق الخير للعالم اجمع.
5.    الأخلاق والقيم:
وهو أحد المنطلقات الهامة التي لا يمكن للحضارة الوسط أن تقوم بدونه لأنه هو الضمانة الأساسية لاستمراريتها، والقيم الأخلاقية المطلوبة ليست المثالية التي تعتبر الإنسان ملاكاً لا يخطئ، وهي أيضاً ليست الإفراط في الواقعية والتي تعتبر الإنسان كالحيوان وتبرر له من السلوك ما لا يليق به، ولكن الحضارة الوسط تتعامل مع الإنسان بجوانبه المختلفة من عقل وروح وجسد وتنمي فيه حب أمهات الفضائل وتحث عليها، فمن ينكر أهمية الصدق والأمانة والوفاء والصبر والعفاف والحياء والشجاعة وغيرها من القيم الضرورية والمهمة في حياة الإنسان التي تتحقق له السعادة في الدنيا؟ كما أن الفطرة السليمة ترفض وتنكر الكذب والنفاق والفحشاء والفساد والخيانة وغيرها من الرذائل الغير محمودة. ويجب ألا ننسى كيف أن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم -تعظيما لدور الأخلاق والقيم- قد جمع هدف رسالته في كلمات محددة هي”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
هذه هي المنطلقات الأساسية للحضارة الوسط ومن الضروري على أصحاب هذه الحضارة وأبنائها أن يستعيدوا تلك المنطلقات حتى يتمكنوا من أن تعتلي الحضارة الوسط المكانة التي تستحقها، ولقد ذكرنا أن الحضارات تتصارع مادياً وفكرياً وثقافيا ولكن هل الحضارة الوسط تتصارع أيضا من أجل السيطرة على مساحات اكبر من العالم وإذا كانت تريد الخير ليس لمجتمعها فقط ولكن للبشرية جمعاء, فلماذا تتصارع إذن؟  هذا ما  سوف نناقشه في الجزء التالي عن شكل العلاقة بين الحضارة الوسط والحضارات الأخرى وهل هي علاقة صراع أم علاقة تعاون؟
 
التعاون بديلا عن الصراع:
إن الصراع الذي نراه الآن ويروج له عدد من المفكرين الغربيين ينطلق أساسا من المشكلة الاقتصادية والتنافس على الرزق والموارد المختلفة، والحضارة الوسط تؤكد علينا بأن دورنا للحصول على احتياجاتنا وأرزاقنا هو البحث عن هذا الرزق والسعي حثيثا لاستنباطه واستخراجه والتعرف عليه. من الخطأ أن نتصارع فيما بيننا على المتاح والظاهر أمامنا نتيجة اعتقادنا -الغير صحيح- أن هذا الظاهر هو فقط الرزق المخلوق لإشباع احتياجاتنا. لكن الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الاحتياجات الكافية للبشر جميعا من خلال أرزاقهم التي خلقها مع خلقهم ذاتهم وما عليهم إلا السعي للتعرف على هذا الرزق والبحث عنه، والسعي المطلوب لا يتطلب صراعا حتى لا تتفتت الجهود بل أن البحث يدعونا إلى عكس الصراع وهو التعاون فيما بيننا.
كما أنه يجب التفكير في كيفية التعامل مع هذا الرزق أو هذه الاحتياجات عند اكتشافها والحصول عليها ويجب العلم بأن ما نطلبه من احتياجات هل هو لسد حاجة حقيقية لحياتنا أم أنه للاستهلاك الترفي وللشراهة في الاستحواذ. فغالباً ما نجد أن الصراع على الموارد الطبيعية بين الدول والمجتمعات ليس لسد حاجة حقيقية ونقص في الاحتياجات الأساسية لأفراد وشعوب تلك الدول أنما ناتج عن الطمع والرغبة الشديدة في الاستحواذ على ما يزيد عن الحاجة خوفاً من نضوب هذه الموارد في المستقبل والذي سوف يؤثر بدوره كما ذكرنا على رفاهية هذا الشعب أو ذاك، وهناك أمثلة كثيرة وعديدة في العالم تؤكد هذا المفهوم الشره لطبيعة الاستهلاك ويتناسى الجميع أن البشر أفراداً أو مجتمعات لن يستطيع أن يستهلك أكثر من احتياجاته الحقيقية؛ لذلك من الضروري التأكيد على الفهم الذي يدعو بأن التعاون بين الدول في البحث عن مصادر الاحتياجات والأرزاق يؤدي إلى الوصول إلى نتائج إيجابية وفاعلة وبالتالي يحصل كل فرد ومجتمع على احتياجاته من دون صراع أو نزاع وبالتالي سوف يعمل على تحقيق الرفاهية ليصل بالبشرية إلى مستوى معيشة أفضل, وهذا من الأدوار المهمة التي تقوم بها الحضارة الوسط بان تنشر هذا الفهم بين شعوب ومجتمعات العالم والحضارات الأخرى.
وحتى ينجح التعاون المنشود بين الدول يجب أن يتوفر له ثلاثة شروط أساسية. أولهما أن يكون هناك يقين عند المتعاونين بأن الرزق والاحتياجات التي يبحثون عنها موجودة وأن لم تكن ظاهرة لهم وأن المطلوب منهم هو اكتشافها وتوظيفها، وهذا اليقين مهم جدا لأنه يعضد الأمل ويقاوم أي أحساس بالإحباط والفشل، والشرط الثاني هو أن يكون هناك ثقة بين المتعاونين في أنفسهم وفي بعضهم البعض، وأن كل طرف منهم سوف يبذل قصارى جهده وأقصى طاقة له من أجل الوصول للاحتياجات المختلفة أو للرزق المخلوق والذي يبحث عمن يتعرف عليه ويوظفه، أما الشرط الثالث والأخير من هذه الشروط الأساسية لنجاح التعاون هو توفر روح المساواة والتكافؤ بين الأطراف المتعاونة وألا يفترض أي طرف لنفسه أي مكانة أعلى من الآخرين حتى يسود الود بين الجميع وهذا سوف يدفع بالعمل ويعجل من تحقيق النتائج المرجوة من وراء هذا التعاون.
نموذخ أخر في مجال التعاون تدعو له الحضارة الوسط هو التعاون الحضاري فبدلا من صراع الحضارات التي تؤجج التنازع بين الدول والمجتمعات وكذلك الديانات المختلفة تقوم فكرة التعاون الحضاري على أساس تبادل العلوم والأفكار الحضارية بين الحضارات المختلفة للوصول لسعادة البشرية، فالبشرية جميعها في حاجة ماسة إلى أن تتعاون حضاريا بمعنى أن تستفيد من بعضها البعض في مكونات الحضارة من سلوكيات وأخلاقيات ونظم الحياة المختلفة. لذلك يجب التأكيد على هذا الفهم في العلاقة بين الحضارات وأن الصراع بينهم لن يؤتي بأي نتائج إيجابية على الإطلاق.
مفهوم أخر يجب التأكيد عليه عند طرح فكرة التعاون بديلا للصراع هي أن تعاوناً مع الأخر يجب أن يكون لتحقيق الخير للبشرية وليس كما ينادي البعض لتحقيق المصلحة، فالخير كمصطلح هو أسمى وأشمل وأعم ويعطي انطباعا فيه تواد وحب الاخر أما مصطلح المصلحة ففيه قصور ودونية وذاتية. كما أن الخير وتحقيقه يمثل شعار لنا نحن المسلمين وهناك الكثير من الأحاديث النبوية والآيات القرآنية الشريفة تؤكد على هذا المعنى ومنها قول الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام وتأكيده على أن إيمان الفرد لا يتحقق إلا بأن يحب الخير لأخيه كما يحبه لنفسه؛ لذلك من الضروري أن تشمل مفردات لغة الحوار مع الأخر المصطلحات النابعة من فهمنا للحياة والكون والبشر ودور كل منها في ناموس الخلق. كما يجب ألا نردد ما يعتمده الأخر من مصطلحات استقاها من فلسفته وأيدلوجيته وعقيدته.
 
الخاتمة:
إن ما نعيشه في عصرنا الحالي من صراعات وحروب ودمار يعود على البشرية بالويل يؤكد الحاجة الضرورية لأن تفيق الحضارة الوسط من سباتها وأن تنشط من كمونها, وذلك لكي تقدم للعالم النموذج الذي يجب آن يعيش على نهجه. ولكي تنشيط الحضارة الوسط تحتاج إلى أن تتوفر منطلقاتها الأساسية من حرية وعدل وأخلاق وغيرها، وهذه المنطلقات والأسس ضرورية لكي تقوم بدورها ووظيفتها على خير وجه، وعدم توفر المنطلقات الأساسية يؤخر ويعيق عودة الحضارة الوسط لتحتل مكانتها بين الأمم والحضارات الأخرى. كما أن وظيفتها التي جاءت من أجلها وهى الشهادة على الشعوب والناس في العالم أجمع ستظل معلقة حتى تسترجع وسطتيها الأولى.
لذلك يجب على أبناء الحضارة الوسط وكل من يريد ويصبوا إلى أن تسترد وعيها, عليهم جميعاً أن يعملوا جاهدين من أجل ترسيخ المنطلقات الأساسية لصحوة الحضارة الإسلامية في واقع حياتنا المعاصرة، وهذا يتطلب أولا نشر ثقافة الحرية لتسود وتعم بين أبناء هذه الحضارة الخالدة، فكما ذكرنا هي الشرط الضروري لباقي المنطلقات, وهى المنطلق الأساسي الذي يمكّن الإنسان من توظيف العقل الذي يميزه عن باقي المخلوقات، وبالتالي يستطيع من خلال ذلك أن يعمر الأرض ويؤسس للحضارة والتقدم. يلي ذلك عليهم الاهتمام بالعلم والحث عليه ولكنه العلم الذي ينبني عليه عمل وبذل الجهد وتشجيع أصحاب الهمم العالية والعلماء في مختلف المجالات.
كما أن الشمول المتوازن ضروري في رؤية هذه الحضارة وتعاملها مع المتغيرات والأحداث المختلفة. والحضارة الخاتمة تحتاج إلى القوة لتحميها ولكنها قوة عادلة تقيم العدل وتدعو إليه, لأنها بدون العدل في مجتمعها وخارجه تصبح قوة غاشمة لا تنصر ضعيفا بل تكرس الظلم والقيم الأخلاقية هي التي تساعد على بقاء الأمم وبدونها تفنى الحضارات مهما بلغت من تقدم. والحضارة الوسط هي حضارة الخير ليس فقط لأبنائها
ولكن للبشرية جمعاء, ذلك لأنها الحضارة الوحيدة التي نشأت بناءً على تشريعات الدين الخاتم ووضع أسس نجاحها الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والله ولي التوفيق
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,

-- الأستاذ/ محمود عبد الله عاكف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*