الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » إمام المسجد ومهمته في تعزيز الوسطية

إمام المسجد ومهمته في تعزيز الوسطية

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم، وبارك على النبي الأمين، سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد :
   فإن للمسجد في الإسلام منزلة عظيمة، ومكانة عالية في رفع شأن الأمة حتى تصبح خير أمة أخرجت للناس كما وصفها القرآن الكريم، والمسجد في عصرنا الحاضر هو أمل الأمة في النهوض بها.   
   فهناك قدر مشترك من المسئولية يتحمله كل من يقوم بالإمامة، وقدر خاص يناط ببعض الأئمة الذين يتحملون ما لا يتحمله غيرهم، ويجب عليهم بحسب قدراتهم، وعلمهم، وفضلهم، ما لا يجب على من ليس مثلهم، ومن هذه المسئولية تعزيز الوسطية في قلوب المصلين .
  كما أنه يجب عليه أن يلتزم الوسطية والحكمة والموعظة الحسنة مبتعداً عن القول الخشن، وأن يراعي أحوال المخاطبين، واختلاف مداركهم وبيئاتهم.
  ولأهمية هذا الأمر؛ فقد رأيتُ أن أوضحه ـ ما أمكن ـ في هذا البحث المسماه: إمام المسجد ومهمته في تعزيز الوسطية.
  وجاء هذا البحث في أربعة مباحث بعد مقدمة وخاتمة وفهارس المصادر والموضوعات، وهي على النحو التالي:
المبحث الأول: بيان حقيقة المسجد .
المبحث الثاني: منزلة الإمام في الإسلام .
المبحث الثالث: صفات إمام المسجد .
المبحث الرابع: مهمة إمام المسجد في تعزيز الوسطية .
  فهذا جهد المقل، وما حصل فيه من خطأ وتقصير فمني، وأستغفر الله الغفور الرحيم، وأسأل الله لي ولجميع العاملين في مجال الدعوة مزيداً من التوفيق والسداد، وتثبيتاً على طريق الهدى والرشاد، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين .

المبحث الأول
حقيقة المسجد، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول
التعريف اللغوي للمسجد
   المسجد لغة: هو مفعل بالكسر: اسم لمكان السجود، وبالفتح: اسم للمصدر، قال أبو زكريا الفراء: كل ما كان على فَعَل يَفْعُل كَدخَل يَدْخُل كَالْمَفْعَل منه بالفتح اسما كان أو مصدراً، ولا يقع فيه الفرق . مثل دخل مدخلا .
  ورد في اللسان:” سجد يسجد سجود: وضع جبهته على الأرض ” .
وقال الزجاج:” كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، ألا ترى أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال:” جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً”( ) .
   قال في الصحاح: والمسجَد بالفتح : جبهة الرجل حيث يصيبه السجود ، ويقال : مسيد بفتح الميم حكاه غير واحد( ).

المطلب الثاني
التعريف الاصطلاحي للمسجد
   قال الزركشي في تعريف المسجد شرعاً:
” كل موضع من الأرض لقوله- صلى الله عليه وسلم- :” جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراً”( )، وهذا من خصائص هذه الأمة، قال القاضي عياض : لأن من كان قبلنا كانوا لا يصلون إلا في موضع يتيقنون طهارته ، ونحن خصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا ما تيقنا نجاسته .
ولما كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل : مسجد ، ولم يقولوا : مركع، ثم إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ للصلوات الخمس حتى يخرج المصلى المجتمع فيه للأعياد ونحوها فلا يعطى حكمه( ) .
المجتمع : موضع الاجتماع ، و- الجماعة من الناس . ( محدثة ) ( ) .

المطلب الثالث
فضائل المسجد( )   

    لقد رفع الدين الإسلامي من مكانة المسجد، وميز عمارتها والعناية به، وإحياء رسالته، بأن جعلها دلالة على الإيمان بالله واليوم الآخر، فالمساجد أفضل بقاع الأرض، وأفضلها المسجد الحرام بمكة، ثم مسجد المدينة، ثم المسجد الأقصى، هذا عند الشافعي وأبي حنيفة( )، أما المالكية فعندهم مسجد المدينة ثم المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى( ).
وعن ابن عباس: قال :” المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض”( ) .
 وعن عبد الله بن عمر:” أن رجلا سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – أي البقاع خير، وأي البقاع شر؟ قال : خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق”( ) .
   وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول :” المسجد بيت كل تقي، وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله ، إلى الجنة”( ) .
وعن عبد الله بن عمرو عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال :”ستة مجالس : المؤمن ضامن على الله تعالى ما كان في شيء منها : في مسجد جماعة ، وعند مريض ، أو في

جنازة أو في بيته أو عند إمام مقسط يعزره ويوقره”( ).
   وعن أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال :” إن الله ليضيء للذين يتخللون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة”( ) .
   وعن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد فهو زائر الله ، وحق على المزور أن يكرم الزائر”( ) .
  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلا في الجنة كلما غدا أو راح”( ) .
  وعن أبي موسى- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- :”إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم ، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرا من الذي يصليها ثم ينام”( ) .
   وعن بريدة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- :” بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة”( ) .
  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال :” أحب البلاد إلى الله مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها”( ) .

   وفيه أيضا في حديث :”سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فقال : ورجل قلبه معلق بالمساجد”( ).
قال النووي : معناه شديد الحب لها والملازمة للجماعة فيها( ) .
  وعن عثمان رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:” من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة”( ) .
المساجد بيوت أذن الله جل وعلا أن ترفع ويذكر فيها اسمه وتطهر من الأنجاس الحسية والمعنوية كاللغو ورفث الحديث من غيبة وشتم وقيل وقال .
وتعمر في الصلاة والوعظ والذكر، بيوت أراد الله أن ترفع وأن تكون خاصة لذكره جل شأنه، يسبح فيها في الغدوات والآصال رجال متفرغون للطاعة، ومنصرفون للعبادة فلا مظاهر الدنيا البراقة تفتنهم وتلهيهم، ولا تقليب التجارة والانشغال بأرباحها الباهرة يصدهم عن ذكر الله وينسيهم الآخرة، بل يذكرون الله ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، ويخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار، يوم تتردد فيه النفوس بين الخوف والرجاء فتنقلب القلوب متجهة إلى اليمين والشمال لا تدري من أين تؤخذ ؟ أو من أين تؤتى كتبها ؟ أمن اليمين أم من الشمال . فهم يسبحون الله ويذكرونه ويؤدون فرائضه، وينتهون عن مناهيه ويخافون يوم الحساب ليجزيهم أحسن ما عملوا الجزاء الأوفى، ويزيدهم من فضله، والله يرزق من يشاء بغير حساب وهو واسع الفضل( ) .
  والمساجد دور عبادة وذكر، وتضرع وخضوع لله جل وعز شأنه، ومواضع تسبيح وابتهال وتذلل بين يدي الله ورغبة فيما عنده من الأجر الكبير. ( وأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) ( )، ومقام تهجد وترتيل لكتاب الله وحفظ له وغوص وراء معانيه ، وتمعن لمفرداته واستنباط لأحكامه ، واستخراج لمخزوناته ومكنوناته من بلاغة وبيان وإعراب وقصص وغيرها( ) .

المبحث الثاني
منزلة الإمام في الإسلام
    الإمامة في الإسلام لها منزلة عظمية، وتلعب دور تعليم، وتذكير، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، فبالعلم يزول الجهل، وبالتذكير تذهب الغفلة، ويحل الإقبال على الدين محل الإعراض عنه، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تسود طاعة الله في المجتمع وتضمحل المعصية، وتنتشر الفضيلة وتنحسر الرذيلة، ويكثر الخير ويقل الشر .
   من أجل هذا وغيره تعد الإمامة رسالة عظيمة، ومهمة جسيمة يوفق الله للقيام بها على الوجه المطلوب دعاة الحق، وصفوة الخلق حماة الدين، وحراس العقيدة الصحيحة، فيتعلم على أيديهم الجاهل، ويستيقظ من أجل مواعظهم الغافل، ويهتدي بهم السالك، وتسمو بتوجيهاتهم النفوس، وتزكو الضمائر، وتتهذب الأخلاق، ويقوم سوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتحيى السنن، وتندرس البدع ويسعد الناس بالأئمة الأكفاء كما سعدت الدنيا بإمام الأئمة- صلى الله عليه وسلم- .
   ولما كان أمر الإمامة عظيماً، دعا النبي- صلى الله عليه وسلم- للأمة بالرشد فقال :” الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤمنين”( ) .
    ومن المعلوم أن الإمامة رمز الاجتماع والائتلاف، لذا فقد حث النبي- صلى الله عليه وسلم- على اتخاذ إمام ولو كانوا ثلاثة نفر فقط، حيث قال عليه الصلاة والسلام :” إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم”( ) .
فإذا كانوا مأمورين شرعا باتخاذ إمام ولو كانوا ثلاثة فقط، فكيف إذا كانوا جمعا كبيرا، لا شك أن الأمر أعظم، وهذا فيه من المصالح العظيمة، والمحامد الجليلة ما لا يخفى على أحد ، فالناس يجتمعون على من يعلمهم الخير ، ويفقههم في الدين ، ويرغبهم تارة ويرهبهم أخرى ، وينقلهم من المعصية إلى الطاعة ، ومن الغفلة إلى التذكر والعبرة .
والناس محتاجون إلى من يقوم بهذه الرسالة خير قيام ؛ لأن أمراض المجتمع الحقيقية تكمن في : الجهل والغفلة ، والميل إلى الشهوات، يقول تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ( ) .
ولا يخفى أن هذه العلل إذا كثرت كثر الخبث ، ونزل البلاء إذ هو نتيجة لمقدمة ، والله يقول : ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ( ).
لهذا، فإن منزلة الإمام تعظم لكونه يتولى معالجة هذه العلل، فداء الجهل لا دواء له إلا بالعلم، وحاجة الناس إلى العلم الذي يرفع عنهم حجاب الجهل، ويزيل غشاوته أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وأعظم من حاجة الأرض المجدبة إلى الغيث العميم .
  يقول الإمام أحمد- رحمه الله-: الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه .
   ويقول الإمام ابن القيم- رحمه الله- عن العلم وفضله: به يعرف الله ويعبد، ويذكر ويوحد، ويحمد ويمجد، وبه اهتدى إليه السالكون، ومن طريقه وصل إليه الواصلون، ومن بابه دخل عليه القاصدون، به تعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام، وبه توصل الأرحام، وبه تعرف مراضى الحبيب، وبمعرفتها ومتابعتها يوصل إليه من قريب، وهو إمام والعمل مأموم . . إلى قوله : مذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وطلبه قربة ، وبذله صدقة ، ومدارسته تعدل بالصيام والقيام ، والحاجة إليه أعظم منها إلى الشراب والطعام( ) .
   والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:” إن الله ، وملائكته، وأهل السماوات، وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير”( )، فلو لم يكن من فضل الإمامة، ومنزلة الإمام إلا هذا لكفى .
   والأئمة مبلغون لدين الله، داعون إلى كل خير وفضيلة، والدعاة إلى الله هم خير الناس، فهم الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر، القائمون على حدود الله، الذابون عن دين الله ، الصالحون المصلحون الذين أثنى الله عليهم وامتدحهم في مواضع عديدة . قال تعالى:
( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين)   ( ) .
الآية يقول ابن القيم رحمه الله: أمر الله نبيه بأن يخبر أن سبيله الدعوة إلى الله فمن دعا إلى الله تعالى فهو على سبيل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وهو على بصيرة وهو من أتباعه، ومن دعا إلى غير ذلك فليس على سبيله، ولا هو على بصيرة وهو من أتباعه، ومن دعاء إلى غير ذلك فليس على سبيل، ولا هو على بصيرة، ولا هو من أتباعه، فالدعوة إلى الله تعالى هي وظيفة المرسلين وأتباعهم، . . وتبليغ سننه ( إلى الأمة أفضل من تبليغ ) السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء، وخلفاؤهم في أممهم جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه( ) .
   والمجتمعات تتعرض غالبا لعواصف من الفتن والمغريات تجر بعض الناس جرا إلى الفساد والإفساد ، وتصرفهم عن طاعة رب العباد، وهنا يأتي دور الإمام المذكر المحذر المشفق على إخوانه فتحي به القلوب ، ويفتح الله على يديه مغاليقها، فيكون له بذلك من الأجر العظيم، والثواب الجزيل ما بينه النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله :” من دعاء إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا”( ) .
    قال العلماء إن المتسبب إلى الهدى بدعوته له من الأجر مثل أجر من اهتدى به، وكذلك المتسبب إلى الضلالة عليه من الوزر مثل وزر من ضل به، لأن الأول بذل وسعه وقدرته في هداية الناس، والثاني بذل قدرته في ضلالتهم منزل كل واحد منهما منزلة الفاعل التام( ).
    وجاء في وصية النبي- صلى الله عليه وسلم- لعلي رضي الله عنه :” لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم”( ) . وحمر النعم هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب . يضرب بها المثل في نفاسة الشيء .
إنه فضل عظيم ، وحظ كبير أن يهتدي رجل واحد فقط فما الظن بمن يهتدي كل يوم به طوائف من الناس ، لا شك أن الأمر أعظم – نسأل الله العظيم بفضله وكرمه أن يجعلنا من الهداة المهتدين( ) .

المبحث الثالث   
صفات إمام المسجد
     مما سبق يتبين لنا أن الإمام معلم وواعظ ومصلح، يربي عقولاً، ويبنى نفوساً ويغرس قيماً وأخلاقاً حميدةً، ولذا فإن عمله ليس محصوراً بإمامة الناس في الصلاة فقط، وإن كان هذا من أهم الأعمال وأعظمها، وهذه الشمولية في العمل هي التي تضفي على الإمامة طابعاً مميزاً، وتعطي صاحب هذه المهمة قدراً عظيماً ، ومركزاً مرموقاً ، ومنزلةً عاليةً ، ولكن هل نطالب جميع الأئمة بهذا القدر العظيم من الصفات ؟، وهل يستطيع كل إمام يؤمن الناس أو نرشحه لهذا العمل أن يكون بهذا المستوى ؟ لا شك أن كل غيور على دين الله، ومشفق على إخوانه، يتمنى أن يكون كل إمام على هذا المستوى الرفيع من العلم، والفقه في الدين، والقدرات المتعددة، والمواهب المتنوعة التي تمكن الإمام من القيام بهذا العمل على أحسن وجه، وتتيح له فرص التأثير في الناس، وكسب قلوبهم فيعم الخير، ويضمحل الجهل والفساد( ) .
    غير أنه ليس من الممكن أن يتحقق هذا، ولو حرصنا عليه، ولا أعتقد أن كل إمام يستطيع القيام بالإمامة على النحو الذي أسلفنا، ومن المقرر أن اختيار الإمامة مبني على الأفضلية، حيث قال عليه الصلاة والسلام :” يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا”( ) .
    وهذا التوجيه النبوي الكريم فيه يسر ظاهر؛ لأنه يختلف تماماً عن قول القائل يجب أن يكون الإمام حافظاً، قارئاً، عالماً . . . الخ، لأن أقرأ القوم قد لا يكون كذلك، وهذا هو الغالب، وعندما ساق أبو يعلى الفراء الصفات المعتبرة في تقليد الإمام وهي أن يكون رجلا عدلا، قارئاً، فقيهاً، سليم اللفظ من نقص أو لثغ بين رحمه الله : أن أقل ما على هذا الإمام من القراءة والفقه أن يكون حافظا لأم القرآن ، عالما بأحكام الصلاة ؛ لأنه القدر المستحق فيه ، ثم قال ولأن يكون حافظا لجميع القرآن ، عالما بجميع الأحكام أولى( ) .
   مما سبق يتبين أن هناك قسما من الصفات يعد حدا أدنى لمن يقوم بالإمامة ، وقسما آخر هو الأولى لأن يتصف به القائم بهذا العمل الجليل ، وكلما ازداد منه عظم قدره ، وارتفع شأنه ، وقام بهذا العمل العظيم على الوجه الذي يحقق له بفضل الله وكرمه ، الفوز برضا الله ، والنجاة من عذابه .
   فأما القسم الأول فهو كما سبق ذكره أن يكون : رجلا ، عدلا ، حافظا لأم القرآن ، عالما بأحكام الصلاة ، سليم اللفظ من نقص أو لثغ .
   فالذكورية:  شرط لصحة الإمامة، ورد في المغني :” وأما المرأة فلا يصح أن يأتم بها الرجل بحال ، في فرض ولا نافلة في قول عامة الفقهاء ، ثم استدل بقوله صلى الله عليه وسلم :” لا تؤمن امرأة رجلا ، ولا فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان ، أو يخاف سوطه أو سيفه”( ) .
وذكر أيضا أن الخنثى لا يجوز أن يؤم رجلا ، لأنه يحتمل أن يكون امرأة ، ولا خنثى مثله ، لأنه لا يجوز أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلا( ).
أما إمامة المرأة للنساء مثله فلا بأس بذلك .
والعدالة : تعني أن يكون مؤمنا تقيا ، ذا عقيدة سليمة ، وسلوك مستقيم ، وسوف يأتي الحديث عن إمامة الفاسق في عقيدته ، أو في سلوكه .
   أما القسم الثاني من الصفات ، وهو أولى ما يكون عليه الإمام فيمكن إجماله فيما يلي: أولا: عن صفات علمية ، وتتلخص في حفظ القرآن الكريم كله أوجله، وحفظ قدر طيب من السنة، والإلمام بعلوم القرآن، والسنة، والتفسير، والسيرة وفقه الإيمان، وفقه الأحكام، والإطلاع على التاريخ ومعرفة اللغة العربية وعلومها. ومعرفة ما يدور في واقع الأمة، وأبرز قضاياها، وكشف شبهات الباطل ودحض مفترياته، ومعرفة خطط الأعداء، والتحديات المعاصرة الفكرية، والسياسية والسلوكية التي تواجه شباب المسلمين، ذلك أن من شأن خطيب الجمعة توجيه الناس، وتبصيرهم بأمور دينهم ودنياهم، وغرس الالتزام بالإسلام في حياة الناس، عقيدة، وعبادة، وخلقا وسلوكا، وهذا يحتاج إلى ما أشرنا إليه من الصفات، وإلا ضعف أداؤه لهذا العمل .
ثانيا : صفات عملية . وتتلخص في إخلاصه لله عز وجل ، وبعده عن الشهرة ، والجاه ، وحب الظهور ، ولا بد من متابعته للنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله ، وقوة صلته بالله تعالى ، وشدة تألهه ، وإصلاح سريرته ، وصدقه ، وغيرته ، وورعه وكرمه وحيائه وحسن تعامله ، وتواضعه ، وصبره ، وعفته ، وألا يسرف في المباحات ؛ لأنه قدوة ، وألا يخالف قوله عمله ، وأن يكون مشفقا على إخوانه المسلمين ، باذلا لهم النصح والدعاء وذا عطف على المحتاجين الفقراء ، مستذكرا دائما قوله الله تعالى:( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ ) ( ) .
ثالثا : صفات قيادية . وذلك بأن يكون قوي الشخصية ، ثابت القلب ، ذا حزم ورأي ، وثقه بالله تعالى ، وشجاعة في غير تهور ، وله نظرة بعيدة ، وتفكير عميق وعزيمة قوية ، ونشاط دائب ، وترتيب لأقواله وأفكاره ، وأعماله ، مستشعرا قول الله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) ( ).
نسأل الله العظيم بفضله وكرمه أن يمن علينا بذلك .

المبحث الرابع
مهمة إمام المسجد في تعزيز الوسطية، وفيه مطلبان:
المطلب الأول
بيان الوسطية في الإسلام
    لقد تميزت الأمة الإسلامية بخاصية منفردة لم تكن لأمة من الأمم السابقة وهي ميزة الوسطية التي جعلها الله – سبحانه وتعالى – خصيصة لأمة محمد- صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ( ) .
وتقوم وسطية الإسلام على قواعد من القرآن والحديث النبوي .
 يقول اللَّه تعالى في محكم التنزيل: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)  ( ) ، والمعنى في هذا السياق القرآني ينصرف إلى أمور ثلاثة :
أولها : الأمة الوسط .
ثانيها : الدين الوسط .
ثالثها : الرسالة الوسط .
   فالأمة الوسط التي تدين بالدين الوسط هي ذات رسالة وسطية، تحمل مبادئ الإيمان والحرية والمساواة والتكافل والتضامن بين جميع البشر، وتنشر قيم الخير والفضيلة، وتدعو الناس كافة إلى سواء السبيل، وتسلك بهم الطرق المستقيمة التي توصلهم إلى الأمن والأمان، والسلام والاطمئنان، وإلى سكينة القلب وراحة الوجدان .
 والأمة الوسط شاهدة على الناس الشهادة التي تؤكد التكليفَ الإلهيَّ ، يقول المولى تعالى في تتمة الآية الثالثة والأربعين بعد المائة من سورة البقرة ، موجّهاً الخطاب القرآني إلى المؤمنين: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ( ). والشهادة بالحق هي أعلى الدرجات في سلم المسؤولية التي تتحمّلها الأمة الإسلامية وتنهض بأعبائها وتقوم بواجباتها( ) .
   لقد اختار اللَّه الأمة الإسلامية لتكون شاهدة على العالمين، لأنها أمة الوسط، لا تميل إلى التفريط ولا إلى الإفراط، ولأن خيرية الأمة من وسطيتها، يقول تعالى في كتابه العزيز:(  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)( ) . فالخيرية في هذا السياق هي الوسطية ، واللَّه سبحانه وتعالى وصف أمة الإسلام بالصفتين معاً ، كما وصفها بصفات أخرى في آيات كثيرة .
ولما جعل اللَّه هذه الأمة وسطاً ، خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب( )، كما قال تعالى:( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) ( ) .
    إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعاً، فتقيم بينهم العدل والقسط، وتضع لهم الموازين والقيم، فتبدي فيهم رأيها، فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وشعاراتهم، فتفصل في أمرها، فتقول هذا حق منها وهذا باطل، لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها، وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم، وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها، فيقرر لها موازينها وقيمها، ويحكم على أعمالها وتقاليدها، ويزن ما يصدر عنها ، ويقول فيها الكلمة الأخيرة . وبذلك تتحدّد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها لتعرفها ، ولتشعر بضخامتها ، ولتقدر دورها حق قدرها ، وتستعد له استعداداً لائقاً ، وإنها لَلأمة الوسط بكل معاني الوسط ، سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي( ) .
   لقد جعل اللَّه الإسلام ديناً وسطاً وأمر المسلمين بأن يكونوا خياراً عدولاً، فهم خيار الأمم والوسط في الأمور كلها ، بلا إفراط، ولا تفريط في شأن الدين والدنيا، وبلا غلو في دينهم، ولا تقصير منهم في واجباتهم، فهم ليسوا بالماديين، ولا بالروحانيين، وإنما جمعوا حق الجسد وحق الروح، تمشياً مع الفطرة الإنسانية القائمة على أن الإنسان جسد وروح.
   ومن غايات هذه الوسطية وثمرتها: أن يكون المسلمون شهداء على الأمم السابقة يوم القيامة، فهم يشهدون أن رسلهم بلَّغتهم دعوةَ اللَّه، ففرط الماديون في جنب اللَّه وأخلدوا إلى الملذات، وحرم الروحانيون أنفسهم من التمتع بحلال الطيبات، فوقعوا في الحرام، وخرجوا عن جادة الاعتدال، وجنوا على متطلبات الجسد .
   والحاصل أن الشهادة على الأمم ميزانُها وسببُها وسطية الإسلام ، ويؤكدها شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته بأنه يزكيهم ويُعلم بعدالتهم( ) .
    ومن شروط الشهادة في الأمور التي تتعلق بأحوال الناس ومعاشهم وحياتهم العامة : الصدق، والنزاهة، والاستقامة ، إلى المعرفة والإحاطة بالظروف والحيثيات والمعطيات كافة . فالعلم مع هذه السجايا الحميدة ، من مقوّمات الشهادة ، وهذا الشرط لا يتوافر كاملاً مستوفيَ الأركان، إلا عند المؤمن حقاً بالدين الوسط ، والذي ينتمي فعلاً إلى الأمة الوسط .
   فالوسطية هي المنهج الرباني ، والنظام الكوني الإلهي ، وسنة اللَّه في خلقه ، وهي تنسجم مع الفطرة الإنسانية ، ولذلك فالخير كلُّه في الوسطية التي جاء بها الإسلام للأمة الإسلامية وللإنسانية جمعاء ، في كل زمان ومكان . وقد بلغت الوسطية الإسلامية وتبلغ هذا المقام في حضارتنا ، لأنها بنفيها الغلو الظالم والتطرف الباطل ، إنما تمثل الفطرة الإنسانية الطبيعية في براءتها ، وفي بساطتها ، وبداهتها ، وعمقها ، وصدق تعبيرها عن فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها ، إنها صبغة اللَّه( ).

المطلب الثاني
أثر إمام المسجد في تعزيز الوسطية
    لقد ثبت في المطلب السابق أن الوسطية والاعتدال من خصائص هذا الدين الحنيف، وأنها مما تمتاز بها هذه الأمة، فيجب على كل مسئول أن يسعى إلى تعزيزها في قلوب رعيته.
  والحديث في هذا المطلب عن دور إمام المسجد في تعزيز الوسطية؛ لأنه مسئول عن جماعته في المسجد.
   إمام المسجد هو قائد سفينة المأمومين، وهو مسئول عنهم يوم القيامة، فينبغي له أن يستشعر هذه المسئولية، من خلال تفعيل مكانة المسجد في المجتمع؛ لأن المسجد في المجتمع الإسلامي ليس مكاناً تؤدى فيه الصلاة فحسب، بل هو مركز دعوة، ومنبر توجيه، فكم نوّر قلوباً، وعمّر أفئدةً، وأزال عنها أوضار جاهلية، ومحا المعاصي، وانتزع منها جذور الزيغ والضلال، وجعل منها بحول الله تعالى وقوته أجيالاً مؤمنةً تقيةً نقيةً، مجاهدةً صامدةً، قانتةً مطيعةً، عمرت الأرض بالطاعة والخير، ونشرت الإسلام في آفاق واسعة، ونواحٍ عديدة من المعمورة، فكانت قرآناً يمشي على الأرض ينير للناس مناهج الحق ويهديهم سبل الرشاد، وسيوفاً مصلتة في رقاب المتجبرين المتكبرين النافرين عن الحق، المصرين على الكفر والطغيان، ورسل هداية تغزو القلوب بالإيمان وتغرس فيها بذور التقوى، وتقاوي الإصلاح وغراس الطاعة كلها : طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تأويلا) ( ) .
    فمن المسجد الحرام انطلقت دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تهز أرجاء مكة بقوه ألفاظها وسلاسة معانيها، وقوة نفوذها في الأعماق، تعرب عن صدق وإخلاص وأمانة، وتنبع من جنان عامر بالنور.    
   وهكذا عمّر خلفاؤه الراشدون الأئمة الحنفاء المهديون منابر المساجد معززين وسطية الإسلام، مرشدين ومتحسسين حاجة الأمة المسلمة إلى ما يرقق قلوبها، ويوضح لها معالم الحق ويسيرها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك .
   وسارت على هذا النمط الأجيال المؤمنة تستخدم منابر المساجد؛ للإرشاد، والتوجيه والإنذار، والتحذير، وبيان الأحكام، وغرس العقيدة الصحيحة، وعلاج ما في المجتمع من أدواء وعيوب، واستئصال شأنان الحقد والحسد وكل خلق ذميم، والحث على المنهج الصحيح، والسلوك المستقيم حتى يعيش المجتمع المسلم نقياً صافياً متواداً متراحماً ، متكاتفاً متعاطفاً، يحس فرده بما يقلق جماعته، وجماعته بما يزعج فرده( ).
  يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- ” المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا”( ).
 وقال أيضا:” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت إليه سائر الأعضاء بالسهر والحمى”( ) .
   ويمكن لإمام المسجد أن يقوم بتعزيز الوسطية من خلال إلقاء الدروس، والمحاضرات على المصلين، ويستعين بآيات الأخلاق في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة الواردة في كتب السنّة النبوية تارة، وباستخدام المثل والقصة تارة أخرى، وبالشريط والكتاب ونحوها كذلك، إلى أن نصل إلى كافة الوسائل العصرية من لوحات وإعلانات وإنترنت. وكلها من أنجع وسائل التأثير، ويكون دور الأئمة  في بيان أهمية الوسطية والاعتدال في الدين، مع التفصيل في خطر الغلو والتفريط على الفرد والمجتمع بالأمثلة والقصص والشواهد الحياتية المعاصرة من البيئة التي يقوم بالوعظ فيها( ).
  كما يجب على الأئمة والوعاظ أن يعيشوا هموم المجتمع، وأن يكون لديهم تصوراً كاملاً للأساليب التغيير المتاحة، ويعملوا على اغتنام الفرص المتاحة عند ظهور أي نوع من الانحلال للعمل على تغيره، مثل: تفشى شرب الخمر، أو شيوع حالات القتل، أو التهاون في الأفراح بالاختلاط والتعري، ونحو ذلك( ).

                                           

 الخاتمة
  الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة الذي كانت بعثته خيراً للعالمين، وعلى من سار على نهجه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:
   فمن نعم الله تعالى عليّ أن يسّر  عليّ إتمام هذا البحث، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وسأعرض هنا أهم النتائج التي اشتمل عليها هذا البحث، وهي على النحو التالي:
1 – بيان حقيقة المسجد في اللغة والاصطلاح.
2 – أن المسجد اصطلاحاً: كل موضع من الأرض لقوله- صلى الله عليه وسلم- :” جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراً”( )، وأن هذا من خصائص هذه الأمة .
3- أنّ الدين الإسلامي رفع من مكانة المسجد، وميز عمارتها والعناية به، وإحياء رسالته، بأن جعلها دلالة على الإيمان بالله واليوم الآخر.
 3- أن الأمة الإسلامية تميزت بخاصية منفردة لم تكن لأمة من الأمم السابقة وهي ميزة الوسطية التي جعلها الله – سبحانه وتعالى – خصيصة لأمة محمد- صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم في قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) ( ).
   والله أسأل أن يوفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح، والقول السديد، وأن يهدينا إلى الصواب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 فهرس المصادر والمراجع
1- القرآن الكريم .
2- (صحيح البخاري) الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، المؤلف : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، المحقق : محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر : دار طوق النجاة،الطبعة : الأولى 1422هـ.
3- صحيح مسلم، للإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي،بيروت.
4- سنن أبي داود، المؤلف : سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر : دار الفكر .
5- الجامع الصحيح سنن الترمذي، المؤلف : محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون، الناشر : دار إحياء التراث العربي – بيروت.
6- سنن ابن ماجه، المؤلف : محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر : دار الفكر – بيروت .
7-لسان العرب لسان العرب، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، ، ط.1، بدون تاريخ، دار صادر، بيروت .
8- أثر الخطابة والوعظ في تعزيز الأخلاق الكريمة وحماية المجتمع من الانحلال الخلقي، الرابط: المكتبة الشاملة .
9- التفسير المنير ، د . وهبة الزحيلي ، دار الفكر المعاصر بيروت ، دار الفكر دمشق ، الطبعة الأولى 1991م
10- في ظلال القرآن ، لسيد قطب ، دار الشروق ، الطبعة العاشرة ، القاهرة 1982 م  .
11- مختصر تفسير ابن كثير ، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني ، دار القرآن الكريم ، بيروت ، 1981م .
12- معجم ألفاظ القرآن الكريم ، مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، نشر الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية ، القاهرة 1996م .
 13- الأحكام السلطانية، المؤلف : الماوردي
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com
14-حاشية الروض المربع لابن قاسم
جمع الفقير إلى الله تعالى: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي رحمه الله 1312-1392هـ
15-حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، المؤلف : أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني
الناشر : دار الكتاب العربي – بيروت، الطبعة الرابعة ، 1405هـ .
16-شعب الإيمان، المؤلف : أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي
الناشر : دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الأولى ، 1410
تحقيق : محمد السعيد بسيوني زغلول
17-عمدة القاري شرح صحيح البخاري، المؤلف : بدر الدين العيني الحنفي
مصدر الكتاب : ملفات وورد من ملتقى أهل الحديث
http://www.ahlalhdeeth.com
18-المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، المؤلف : عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد، الناشر : دار الفكر – بيروت، الطبعة الأولى ، 1405هـ .
19- مسئولية إمام المسجد، المؤلف : علي بن حسن بن ناصر عسيري
الطبعة : الأولى، الناشر : وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية، تاريخ النشر : 1419هـ .
20- المسجد جامع وجامعة، المؤلف أ.د . محمد بن أحمد بن صالح الصالح
الطبعة الأولى1421هـ .
21- وظيفة المسجد في المجتمع، المؤلف أ.د. زيد بن عبد الكريم الزيد .
دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1422هـ .
22- المسجد ودوره في التربية والتوجيه، وعلاقته بالمؤسسات الدعوية في المجتمع
المؤلف أ.د. صالح بن غانم السدلان
مؤسسة الجريسي للتوزيع والنشر، الرياض، الطبعة الأولى1415هـ .
23- المعجم الكبير، المؤلف : سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني
الناشر : مكتبة العلوم والحكم – الموصل، الطبعة الثانية ، 1404 – 1983
تحقيق : حمدي بن عبدالمجيد السلفي .
24- وظيفة المسجد في المجتمع، المؤلف : صالح بن ناصر الخزيم
الطبعة : الأولى، الناشر : وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية، تاريخ النشر : 1419هـ .
25- كتاب الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية لأبي البقاء الكفَوي (ت : 1094 ه) ، تحقيق د . عدنان درويش ومحمد المصري ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1992م .
26- وسطية الإسلام، المؤلف : صالح حبيب الله (تشي شيوه ي)، مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام
 27- وسطية الإسلام وسماحته ودعوته للحوار، المؤلف : د. عبد العزيز بن عثمان التويجري
مصدر الكتاب : موقع الإسلام
http://www.al-islam.com ضمن مجموعة كتب من موقع الإسلام .

-- أحمد أولايولا عبد السلام

التعليقات

  1. أبو عبدالرحمن

    جزاك الله خير و نفع الله بك الإسلام و المسلمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*