الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الوسطية في العبادات

الوسطية في العبادات

الوسطية منهج يسري في كل أصول الدين وفروعه، كما يسري الماء في عود النبات الأخضر، وسوف نتناول اليوم، منهج الوسطية في العبادة، فالإسلام قد جاء فيها بمنهج، توَّسط فيه بين الإفراط الذي فيه جور على النفس وتسئيم لها، والتفريط الذي فيه حرمانها من حظها من العبادة التي لا تصلح ولا تزكو إلا بها.

ولعل من أهم ما يرسم منهج الوسطية في العبادة: تلك الأحاديث الثلاثة:

عن أنس بن مالك قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي، يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من النبي، صلى الله عليه وسلم؟ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر.

فقال أحدهم: أمّا أنا فأصلي الليل أبدًا.

وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.

وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء أبدًا.

فجاء رسول الله، فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني

وعن أنس بن مالك قال: «دخل النبي، المسجد، فإذا حبل ممدود بين ساريتين فقال: ما هذا الحبل؟ فقالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلّقت به، فقال النبي، حلّوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد».

وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي، دخل وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملّوا وكان أحبّ الدّين إليه ما داوم عليه صاحبه.

هذه الأحاديث واضحة في إيضاح منهج الوسطيَّة في العبادة، فالحديث الأول واضح في ذلك غاية الوضوح، والحديث الثاني – قصة زينب – قال فيه ابن حجر: فيه الحثّ على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمّق فيها، والثالث قال فيه ابن حجر – أيضًا -: «عليكم بما تطيقون»: أي اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يُطاق.

وهذه الأحاديث – وما في معناها – جاءت موافقة لما في القرآن في أمره بالوسطية في العبادة، وتشنيعه على من خرج عنها.

وقد كان قبل نزول القرآن، منهجان سائدان يتعلقان بالعبادة تفريطًا وإفراطًا:

المنهج الأول: التفريط والبعد عن التعبد:

ويمثله اليهود الذين فرطوا وقصروا في التعبد، وإذا نظرنا إلى التوراة لوجدنا أن الآخرة غائبة عن نصوصها، فلا تقرأ في أسفار التوراة ذكرًا للآخرة، حتى ما ورد فيها من وعد ووعيد فإنما هو متعلّق بالدنيا فقط، فالدنيا هي غايتهم ومقصدهم ومنتهى آمالهم، وتحول الإنسان في نظرهم إلى آلة تتحرّك، ومعدة تهضم، وكائن يلهو.

وقد وصفهم القرآن الكريم، وبين مدى تعلّقهم بالحياة وحرصهم عليها، فقال- تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: من الآية96).

ووصف بعدهم عن العبادة فقال: – سبحانه وتعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم:59).

وقال – جلّ وعلا: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) (النساء:27).

المنهج الثاني: التعمق في الروحانيات والغلو فيها:

ويمثل هذا المنهج النصارى. حيث ابتدعوا عبادات قاسية على النفس، تحرّم الزواج، وتكبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الحياة، وبالغوا في ذلك، حتى أصبحت العبادة في نظرهم لا تخرج عن تعذيب البدن.

قال تعالى في ذم عبادة النصارى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: من الآية27).

قال القاسمي: الرهبانية هي المبالغة في العبادة، والرياضة والانقطاع عن الناس، وإيثار العزلة والتبتل.

وقال ابن كثير: «ورهبانية ابتدعوها» أي ابتدعتها أمَّة النصارى. (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) (الحديد: من الآية27) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد: من الآية27) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام، وهذا ذمّ لهم من وجهين:

أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.

الثاني: في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا أنه قربة يقرّبهم إلى الله.

وقول الله – جل وعلا: (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) (الحديد: من الآية27) دليل على أن الله لا يشرع ولا يكلّف بما فيه غلوّ ومشقّة، لما في ذلك من الجور والظلم للنفس، وتكريه العبادة لها.

وأمام هذين الانحرافين: انحراف التفريط في العبادة، وانحراف الغلو فيها، جاء الإسلام ليهدي الناس إلى أقوم السّبل، وأعدل الطّرق، المنهج الوسط بين الإغراق في الدنيا ونسيان حق الروح، كما فعلت اليهود، وبين الإغراق في العبادة ونسيان حق البدن، كما فعلت النصارى ليعطي كل ذي حقّ حقّه، ويتضح ذلك من النصوص التالية:

قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) (القصص: من الآية77).

قال ابن كثير: « وقوله: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة «وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا» أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه».

قوله- تعالى – (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16).

قال ابن كثير: أي جهدكم وطاقتكم، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله – تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: من الآية102). وقال: لما نـزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرّحت جباههم فأنـزل الله – تعالى – هذه الآية، تخفيفًا على المسلمين: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: من الآية16). فنسخت الآية الأولى.

ودلالة الوسطيَّة في العبادة على هذا القول واضحة جلية.

قوله – تعالى – في سورة المزمل: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (المزمل:1-4). ثم قال في آخر السورة: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) (المزمل: من الآية20).

قال السعدي في تفسيره لهذه الآية: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ) (المزمل: من الآية20). أي: فخفف عنكم، وأمركم بما تيسر عليكم، سواء زاد على المقدر أو نقص، « فَاقْرَأوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ » أي: مما تعرفون ومما لا يشق عليكم، ولهذا كان المصلي بالليل مأمورا بالصلاة ما دام نشيطا، فإذا فتر أو كسل أو نعس، فليسترح، ليأتي الصلاة بطمأنينة وراحة.

وقد جاءت الأحاديث مؤكدة على هذه المعاني:

فعن أنس بن مالك أن رسول الله، كان يقول: لا تُشّددوا على أنفسكم فيشدِّد الله عليكم، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدّيارات رهبانيَّة ابتدعوها ما كتبناها عليهم.

وفي الصحيحين أن رجلا جاء إلى رسول الله، فقال: إنّي لأتأخرّ عن صلاة الصّبح من أجل فلان مما يطيل بنا قال أبو مسعود الأنصاري راوي الحديث: فما رأيت النبي، غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال: أيّها الناس إن منكم منفّرين، فأيّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنَّ من ورائه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة.

وجاء في الصّحيحين وغيرهما عن أنس بن مالك أن النبي، رأى شيخًا يهادي بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي، قال: إنَّ الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني، وأمره أن يركب.

فهذا كله وغيره كثير، يؤكد على نهي الإسلام عن الغلو في التعبد، وأمره بالتوسط.

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*