الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » دراسة : الوسطية سلاح التصدي للإرهاب في المجتمع

دراسة : الوسطية سلاح التصدي للإرهاب في المجتمع

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.143 البقرة
الإطار العام للدراسة
مقدمة
 لقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالاستقامة والاعتدال ونهاهم عن الغلو والانحلال، و”إن ‌الدين الإسلامي يعارض التطرف والتعصب، ويحترم التعددية الثقافية والدينية والحضارية وينبذ العنصرية” ،ويدعو للوسطية.
فقد قال الله تعالى:- (يَاأَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) الآية 171 سورة النساء.
وقال سبحانه وتعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَةً وسَطَاً لِتَكُونُواْ شهداء على النَّاسِ وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيَداً) الآية 143 سورة البقرة.
  حينما يفتقد أفراد المجتمع الوعي السليم، والقدوة الرشيدة، ويقعوا فرائس الصراعات النفسية بين الحلال والحرام، بين الفطرة ومستجدات العصر، يبحثون عن سبل وأساليب أخرى يجدون فيها تعبيراً عن الرفض للصور غير المقبولة بالمجتمع ويتمردون على واقع يرون أنه لا يعبر عن حاجاتهم ومتطلباتهم؛ كاللجوء إلى شكل من أشكال التطرف أو التكفير وهجرة المجتمع، أو الغلو في العبادة أو التعصب في الأفكار والممارسات،أو حتى التفريط والتهاون في الأصول .
 وإن قضية التصدي لظاهرتي الغلو والتطرف لا تتم إلا بإحياء دور العقل ودراسة الظروف الاجتماعية التي ساعدت على تفشي تلك الظواهر، والتعرف على أسبابها، وسبل مواجهتها.
 وتعد الوسطية في كل الأمور من أهم مزايا المنهج الإسلامي، فأمة الإسلام أمة الوسط والصراط المستقيم بمعنى أنها تستغل جميع طاقاتها وجهودها في البناء والعمران المادي والتربوي والعلمي والثقافي من غير إفراط ولا تفريط، فهي تحقق التوازن بين الفرد والجماعة، وبين الدين والدنيا وبين العقل والقوة وبين المثالية والواقعية وبين الروحانية والمادية وغيرها .  
 لا شك أن أهم أهداف التربية قديماً وحديثاً، هو إيجاد الفرد الصالح النافع لنفسه وأمته، وإن جنوح الفرد يميناً أو يساراً بالغلو والتطرف،أو اللامبالاة والتهاون، لهو مؤشر خطير يستوجب صحوة كل من يضطلع بمسئولية التربية النظامية وغير النظامية لبحث أسباب هذا التطرف وسبل علاجه للجيل الحاضر، وإعداد العدة لوقاية الجيل الجديد من استفحال تلك الظواهر فيه.
 و خير وسائل العلاج هي اللجوء لفقه النظرية الوسطية في الحياة.
الحاجة إلى الدراسة
 تكمن الحاجة إلى تلك الدراسة في الإجابة عن التساؤل التالي:-
كيف يمكن لوسائط التربية في المجتمع الإٍسلامي تفعيل قيمة الوسطية للحد من تفشي ظاهرتي الغلو والتطرف.
 وتجيب الباحثة عن هذا السؤال في محاور تلك الدراسة التي تتلخص في:-
المحور الأول: تحديد مفاهيم الدراسة: الغلو والتطرف والتفريط والوسطية
المحور الثاني: أسباب ودوافع الغلو والتطرف واللامبالاة أو التهاون ومظاهرها بالمجتمع الإسلامي.
المحور الثالث: دور التربية في تطبيق الوسطية كمنهج حياة.
المحور الأول: تحديد مفاهيم الدراسة:الغلو والتطرف والتفريط والوسطية
(1) مفهومي الغلو والتفريط
الغلو في لغة العرب:” مجاوزة الحد “، وكل من غلا فقد تجاوز الحد،  والمعنى الاصطلاحي للغلو كما عبّر عنه كثير من العلماء:”المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد ” .
يقال غلا فلان في الدين غلوًّا، تشدد وتصلب حتى جاوز الحد  .
يقال: غلا القدر إذا ارتفع ماؤه وفار بسبب شدة الحرارة، ويقال: غلا السعر إذا ارتفع عن الحد المعروف.
فالغلو شرعاً: هو مجاوزة الحد بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق.
 وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الغلو فقال:((إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين)) .
أسباب الغلو
وللغلو دوافع وأسباب، منها  :-
1ـ البيئة المغالية، أو المستخدمة للـشـدة والضغط والإكراه والتي ينتج عنها ومنها: التكوين النفسي والفكري لبعض المغالين، والفراغ وعدم البصيرة بالأولويات، والاعتماد على النفس من أول الأمر في تحصيل العلم أو المعرفة،أو التلقي عن الجاهلين، مع خلو الساحة من العلماء الذين يضبطون الفكر والتصور والسلوك، والتصدر للفتوى والاجتهاد قبل الاستواء والنضج.
2ـ الرغبة في الطاعة مع الجهل.
3ـ وقد يحدث الغلو في مجتمع شهد المغالون فيه تعطيل شرع الله في الأرض، و”العلمنة الصريحة، وإعراض أكثر المسلمين عن دينهم، متمثلاً في: كثرة البدع والعقائد الفاسدة، والإعراض عن منهج السلف، وشيوع الفساد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،أو التقصير في القيام بذلك، وشيوع الظلم، وتحكم الكافرين في مصالح المسلمين،ومحاربة التمسك بالدين،والجفوة بين العلماء والشباب،والخلل في مناهج التعليم” ،كل هذا مع وجود قوة العاطفة والرغبة الأكيدة في حب الله وطاعته من قبل المغالين إلا أنهم ضلوا السبيل بالتشدد والتعصب الأعمى.
 “وليس دائما سبب الغلو فساد الأوضاع؛ بل تغير الشيء،قد يكون التغير صحيحا في نفسه لم يفقهه الذي غلا فغلا ”
أنواع الغلو وبعض مظاهره
(1)الغلو في الدين
 فالإسلام ينفر أشد النفور من الغلو في الدين، ويحذر منه حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:
“قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ” الآية 77 سورة المائدة.
  وإن الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الرؤوف بعباده، وقد يسر على الإنسان في أمور العبادة ولم يقضي بشقائه فقال جل وعلا: ” مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى”الآية 2 سورة طه.
 كما قال سبحانه وتعالى “…. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى” الآية 8 سورة الأعلى.
وقال تعالى “رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ..” الآية 286 سورة البقرة.
 وقد روى عن أنس بن مالك:أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:(( لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ))سنن أبي داوود.

 ومن أنواع الغلو في الدين:-

1-الغلو فيما يتصل بالعقيدة
 فمن الناس من غلا في حبه وتعظيمه ببعض بني آدم، غلا بعضهم في الأنبياء والمرسلين، فجعلوا لهم بعض صفات الإلهية، كما غلا النصارى في عيسى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ولكن قولوا عبد الله ورسوله» رواه البخاري
 كما غلا بعض هذه الأمة في محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أنه عيه الصلاة والسلام يملك أن يغيث من استغاث به بعد مماته، يملك أن يجير من استجار به بعد مماته، وهكذا، كما فعل بعض المغالين هذا مع الصحابة وأهل البيت والأولياء الصالحين فيما بعد.
  2- الغلو فيما يتصل بالعبادة
 أبى الإسلام أن يغلو الإنسان في العبادة فالأصل في التكليف هو طاقة النفس البشرية، فقد قال الله تعالى:-
 “لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ……” الآية 286 سورة البقرة.
 وقد ‏جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم‏ ‏فلما أخبروا كأنهم ‏ ‏تقالوها ‏ ‏فقالوا وأين نحن من النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله ‏ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏إليهم فقال ‏ ‏أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني ‏ ‏لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
 وقد يحدث غلو الإنسان حتى في وضوئه، وطهارته فبدلا من أن يستن غسل كل عضو ثلاث مرات، ربما  يغسل كل عضو عشر مرات، وهكذا يغلو في طهارته غلوا خرج به عن المشروع.
  3- الغلو في الحكم على أصحاب الذنوب الكبائر التي هي دون الشرك بالكفر والخروج من الملة كما فعلت الخوارج من هذه الأمة فكفروا أصحاب الكبائر.
(2) الغلو والإفراط في الحياة الاجتماعية ومظاهره
  1- الغلو في أساليب التربية
    1- القهر والقسوة
 ” من كان مرباه العسف والقهر، سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث؛ وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره”  .
 وبذلك تستهدف القسوة سلب إرادة الشاب وجعله عاجزاً عن إلجام نفسه بنفسه، وتكون مشفوعة بمجموعة من الانفعالات والأحقاد العمياء، فلا تعرف القسوة حدوداً لها، ولا تحقق سوى العبودية و فقدان الإحساس بالمسئولية وامتناع تبلور الشخصية، فالقسوة لا تعرف إلا القهر وقمع كل ما ينم عن الخروج على الخط المرسوم من جانب الأب، فتجعل الشاب بذلك غريباً عن المجتمع غير متكيف مع الحياة الاجتماعية، وأخيراً
تنال القسوة السخط والاحتقار من المجتمعات و الأفراد المحيطين  .
     فليجعل كل مرب ولده شريكاً له في التربية،لا يسلبه بالقهر إرادته، وليتخير أنسب الأوقات التي يكون فيها الشاب موثوقاً  به ،وفي قدرته على إدارة شئون حياته ،ويبدأ في فطامه النفسي وتحلله من تبعية قرارات الوالدين ،حتى لا يجعل منه فرداً تابعاً في كافة مراحل عمره ، اتكالياً لا يستطيع اتخاذ القرارات في حياته ،وتدور دورة الحياة ويصبح الشاب أباً ،وعندئذ تكون المعضلة أكبر مما كانت، وليكن الأب أيضاً رفيقاً رحيماً .
     فعن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لم يعطي على العنف ” رواه مسلم .
  2-الغلو في الحياة الاقتصادية
    * الإسراف (الإنفاق ببذخ)
•   قال تعالى ” يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”  سورة الأعراف.
 وقد أمر الله تعالى بالتوسط في الإنفاق، فلا إسراف ولا تقتير، ولا إمساك ولا تبذير، بل قصد وتدبير، وإنفاق بحساب وتقدير، ومع الوسطية تتحقق الخيرية والأفضلية، ودون ذلك التخبط والتطرف أو الخمود والتفريط :-
• فقال تعالى” وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا” الآية 29 سورة الإسراء.
 ولأن الاعتدال في الإنفاق من التدبير الذي دعت إليه الأخلاق السليمة والفطرة البشرية، لأنه توسط بين طرفين مذمومين هما البخل والتبذير، فقد وصف الله عباده المؤمنين الذين استقاموا على الطريقة، واهتدوا للوسطية بقوله تعالى:-
“وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا” سورة الفرقان.
 وعلى ما سبق فإن الوسطية ينشدها كل مجتمع في سلوك أبنائه، لينعم بحياة مستقرة بعيدة عن المنغصات التي تنتج عن الغلو والإفراط والتفريط
فقال تعالى”..وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ..” سورة الإسراء.
* الغلو في المعاملات
 وهو التشديد بتحريم كل شيء، وقابل هذا التشدد تساهل ؛ من قال: يحل كل شيء ينمي المال والاقتصاد حتى الربا والغش، والوسط أن يقال بحل المعاملات المبنية على العدل وهي ما جاءت بها النصوص من الكتاب والسنة  .
  3-الغلو في الحياة الاجتماعية (التعصب)
* غلاء المهور
 يؤدي غلاء المهور بأي مجتمع إلى أزمات اجتماعية يصعب حلها نتيجة لعزوف الشباب عن الزواج أو تأخر سن الزواج بشكل عام،  وليس أفضل من سنة الله في خلقه وتحقيق الاستقرار العائلي والنفسي،إذ أن زواج الشاب والفتاة في سن متأخرة يعرض حياتهما في الغالب للفشل،وإن أحد أسباب هذا الفشل اعتياد كل منهما ولفترة طويلة على حياة مستقلة يصعب التغير بعدها، كما أن تأخير سن الزواج يقلل من عدد المواليد في الغالب.
* المبالغات
 يتبع بعض الأشخاص أسلوب المبالغة بشكل عام في الحياة، مما يجعلهم صورة مثيرة للسخرية، ذلك أنها نوع من الكذب المرضي الذي يصور لصاحبه أنه يملك من البلاغة واللعب بعقول الآخرين ما يمكنه من إقناعهم بأفكاره أو خواطره أو هواجسه، وهي دليل أيضاً على عدم النضج النفسي والفكري الذي يفقد الفرد قدرته على عرض الأفكار بموضوعية منطقية وهدوء ورزانة .
ومن صور المبالغات:-
(أ) في الجدال والحوار
 إن ” موضوع الحوار والعلم بتفاصيله والتسلح بالحجج والبراهين المؤيدة له سلاح فعال في يد المحاور الناجح، يمكنه من الوقوف على أرض ثابتة وليس على رمال متحركة، وحق الاعتراض والتصدي للمحاورة والجدال لا يتأتى لجاهل في مواجهة عالم،بل ولا يقبل منه، ومن لا يعلم لا يصح له أن يتصدى لمن يعلم،فلا بد أن يكون المحاور صادقاً مع نفسه ومع أفكاره التي يدعو إليها ” حتى لا يصبح جداله العقيم مجرد غلو في الحديث لا معنى له.
 وإن الحوار هو الوجه الحضاري المضيء في مقابل التعصب والانغلاق والاستبداد والإقصاء، وعليه تقوم قاعدة التواصل والاحترام الفكري المتبادل، وتبرز روح (التسامح)والقدرة على استيعاب أفكار الآخرين والتعامل معها.
(ب) في التهور مقابل الجبن
 يجب على المسلم أن يتسم بالشجاعة والجرأة و الإقدام ومع العقل والحكمة والمبادرة و هي فضيلة بين التهور و الجبن و هي تتولد من الفزع و الغضب إذا كانا متوسطين، والمبالغة في الشجاعة تهور والتهاون والتساهل فيها جبن.
 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (شر ما في رجل شح هالع و جبن خالع) رواه أبو داوود
(ج) في الكلام والصمت
 “إن التزايد في الكلمات والمبالغة، تستبدل البلاغة بالمبالغة التي لا تعني سوى استخدام العبارات الطنانة والنبرات الرنانة، والألفاظ ذات الجرس الفخيم، والتركيز على أفعال التفضيل للإيحاء بأنه ليس في الإمكان أكثر بلاغة مما كان، وقد تدل المبالغة على عدم ثقة المتحدث بنفسه في مجال إقناع الآخرين” .
 « عن النبي  صلى الله عليه وسلم ‏‏ قال‏‏” ‏‏ ثَكِلَتْكَ ‏‏ أُمُّكَ وَهَلْ ‏‏ يَكُبُّ ‏‏ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلا‏ ‏حَصَائِدُ ‏ ‏أَلْسِنَتِهِمْ ” مسند أحمد
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه ) حديث حسن رواه الترمذي وغيره.
 قال النبي صلى الله عليه وسلم ” يا غلام، إني أُعلمك كلمات ..احفظ الله يحفظك،احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله …… ) . رواه الترمذي.
(د) في اللباس والزينة
 ومن صور المبالغات أيضا التي تظهر بالمجتمع الإسلامي المبالغات في اللباس والزينة فيبحث الفرد عن أغلى الثياب، وأرقى الماركات، وأحدث الصيحات، ويكثرون من اقتناء الثياب وأدوات الزينة بما يزيد ويفيض عن حاجته.
 وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا إسراف فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده ). أخرجه البخاري في اللباس
(هـ) في اللهو واللعب
•  قال علي بن أبي طالب رضي الله عن : “روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت” .
 إن النفس مؤثرة للهوى جانحة إلى اللهو أمارة بالسوء مستوطئة للعجز طالبة للراحة نافرة عن العمل فإن أكرهتها أضنيتها وإن أهملتها أرديتها‏.
 لقد منحنا الإسلام حق الترويح عن أنفسنا وقلوبنا بوسطية، لكن المبالغة فيه صورة من صور إهدار أوقات المجتمع الإسلامي حيث يقضون ساعات طويلة في اللهو واللعب أمام شاشات التلفاز والحاسب الآلي، وبالمقاهي وجلسات الرفاق غير الهادفة.
 ومما سبق رأينا أن المبالغات قد تؤدي بالإنسان للتفريط في حق من حقوق الله، وحقوق المجتمع، وحقوق النفس أيضاً فالتفريط هو: التضييع، والتقصير، والترك، ومنشؤه التساهل والتهاون.
 فالتساهل في أمور الدين لايقل خطورة عن الغلو بل هو شر منه، فالمتساهلون يصفون المتمسكين بالدين والوسطية بأنهم متشددون وغلاة ومتطرفون ويرون الإباحية والتحلل من الدين والأخلاق تقدما ورقيا وحضارة ويقولون إن التمسك بالدين فيه كبت للحريات وعائق عن الانطلاق مع الحضارة العالمية  
* الغلو في العادات
 وهو التشدد في التمسك بالعادات القديمة ولو كان غيرها خير منها، أما إذا لم يكن غيرها خيراً منها أو كان مساوياً لها في المصالح فالبقاء عليها خيراً من الانتقال والتحول إلى العادات الوافدة  .
وتتمثل بعض مظاهر التفريط أيضاً ما يلي:-
1- التفريط في العبادات
• تأخير الصلاة عن أوقاتها
• عدم الالتزام بالنوافل والسنن
• عدم الاكتراث بحساب الزكاة المستحقة على اختلاف أنواعها بالتمام والكمال.
• عدم حساب ما يجب قضاؤه من أيام الصيام والصلاة لمن أفطروا بعذر أو غير عذر، أو فاتهم بعض الصلوات سهوا أو عمداً.
2- التفريط في التربية
 ومن مظاهر اعتلال أخلاقية المسئولية الاجتماعية عند الفرد؛ التهاون: أي تأدية العمل على غير الوجه الذي ينبغي أن يكون عليه من الدقة والتمام والإجادة والإتقان.. واللامبالاة، وهي برود يعتري الجهاز التوقعي التحسبي عند الإنسان كما يصيب سائر الأجهزة النفسية بما يشبه التجمد، والعزلة النفسية: وهي تعبير عن ضعف الثقة بالجماعة، وضعف الرجاء في حاصرها ومستقبلها  .
ومن تلك المظاهر ما يلي :-
 * إهمال الآباء لتربية الأبناء وإطلاق حريتهم
 إن إطلاق الدعوة لحرية الأبناء أيضاً له عواقب غير مرضية، فلا ينبغي على الآباء أن يرفعوا أيديهم عن الأبناء، لأن” الحرية في التربية يجب ألا تفهم بأنها التسيب والانفلات من كل قيد.. فالحرية وظيفة تربوية يجب أن يكون لها أهداف واضحة، وألا تكون غاية في حد ذاتها .
ومع أهمية وجود الحرية لتربية الأبناء، والتخلي عن القهر والتسلط، لا يجب أن تلغي سلطة الأب الجبرية في أمور كثيرة ومواقف لا تتطلب إلا الحزم مهما كان الأب ديموقراطياً، فيجب ألا يفقد الأب دوره الرقابي التخويفي التأديبي الحازم داخل الأسرة بوسطية وعدم مغالاة أو قسوة، لأنها في معظم الأحيان تشكل وقاية وحماية من شرور كثيرة قد يتعرض لها الأبناء.
فينبغي على”الوالد في ولده أن لا يستبد عليه في التأديب ” ، وفي ذات الوقت لا يلين ولا يفقد الزمام، فالحرية ليست الانحلال والفوضى، إنما هي تحرير الطاقات الإبداعية، متمثلة في العقل والوجدان، لا انفلات السلوك وحرية التقليد الأعمى.  
 *إهمال الطلاب لمتابعة دروسهم وعدم الحرص على حسن تحصيلها.
3- بعض مظاهر التفريط في الحياة الاجتماعية
 *سلبية الأفراد تجاه الاهتمام بواقع المسلمين.
 *التقريع واللاّمبالاة
 كما يتضح ذلك في عدم محافظة بعض الشباب على المال العام، وفي التهور في قيادة السيارات.
• عدم الولاء والانتماء والوفاء للوطن، وولاة الأمر.
• عدم تقدير قيمة الوقت
كثيرا ما نرى مواعيد بعض الناس تكون غير محددة، كأن يقول الشخص للآخر نتقابل بعد صلاة العشاء أو بعد صلاة الجمعة،دون ضبط محدد لموعد المقابلة ودون تقدير لقيمة الوقت، ويفقد الأفراد إمكانية التعود على ضبط المواعيد، كما أنه يؤثر أيضاً على أداء الصلاة في أوقاتها.
4- التفريط في الصحة
• السهر
إن طول السهر الليلي في السمر وأمام شاشات التلفاز، كما أنه مرتبط بالانضباط فهو مرتبط أيضاً بالصحة العامة والحيوية، مستويات الإنتاج.
 فالأصل أن النهار للعمل واللي للنوم فقد قال تعالى:” وجعلنا الليل لباساً (10) وجعلنا النهار معاشاً (11)” سورة النبأ

• إهمال الطهارة والنظافة
قال اللـه تعالى: { إِنَّ اللـه يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} الآية 222 سورة البقرة.
 الاهتمام بالنظافة العامة من الأمور الهامة التي تحافظ على صحة الإنسان، فاهتمام الإنسان بنظافة جسده ونفسه وبيئته من الأمور التي لا يجب التفريط فيها، لأن إهمالها يصيب الإنسان بالأمراض ويعرضه للأخطار.
  *ويبدو خطر التفريط واضحاً لشكل عام في كونه عين العجز والكسل، وقد يعرض الإنسان للوعيد والعقوبة، وقد يجره إلى الانحراف.
 وقد يكون سبب التفريط الجهل، أو الكسل، وقد يكون السبب في التفريط: الاستجابة لضغط الواقع، أو الهروب من تهمة التطرف والغلو.
 فأما الكسل: فما أكثر ما استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من العجز والكسل؛ الكسل الناتج من إيثار العاجلة، ونسيان الآخرة، وهو نوع من الظلم.
وأما الجهل: فداء عضال، وأَقْبِحْ باتصاف الداعية به، خاصة إذا كان الإخلال بالقدر الواجب من العلم.
.. والتفريط عامة هو انحراف في المنهج، ومظهراً من مظاهر الانحراف في الفهم  .
 ثانيا : مفهوم التطرف والتنطع
 التطرف في اللغة معناه الوقوف، أو الجلوس في الطرف،وأصل الكلمة في الماديات، ثم انتقل إلى المعنويات، كالتطرف في الدين،أو الفكر أو السلوك،وبهذا المعنى فإنه بعيد عن الوسط،وبالتالي أكثر تعرضاً للخطر والهلاك، وأبعد ما يكون عن الحماية والأمان، وهو يعني الغلو والتشدد والتنطع .
 أي أن التطرف هو:” طلب نهاية الحد أي طرفه الأقصى والأبعد، وهو قريب من معنى الغلو في هذا.
 فكل من تجاوز حد الاعتدال وغلا، يصح لغوياً تسميته بالمتطرف. جاء في المعجم الوسيط في معنى تطرف: ((تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط)   ، كذلك التنطع والتشدد، وترك الرفق واستخدام العنف.
 قال ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  ((هلك المتنطعون)) قالها ثلاثاً .
 فيشير مفهوم التطرف”إلى حالة من التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه بوجود الآخرين، وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا بفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهاناً، وأرجح ميزاناً .

وقد قال تعالى: “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ  وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ “الآية 125 سورة النحل.
 ومن مظاهر التطرف في المجتمعات الحديثة وأبرزها استخدام أساليب العنف بالمجتمعات الإسلامية وظهور الإرهاب المسلح الناتج عن التعصب الفكري، وترويع الآمنين بدعوى حراسة الدين، و”التعصب بصفة عامة هو حالة نفسية غير سوية وغشاوة فكرية”  ، ينتج عنه سلوكيات تضر بالمحيطين بالمتعصب،وقد يرتبط التعصب بمرحلة عمرية بحياة الأفراد.
مفهوم الوسطية
 إن الحديث عن الوسطية يستدعي الوقوف لتكوين مفهوم حول الماهية العلمية للوسطية، باعتبارها منهجاً شرعياً بعث به سائر الرسل عليهم الصلاة والسلام أولاً، وباعتبارها قانوناً يمثل أفضل صياغة للمعادلة بين العقل والنفس ثانياً .
 وربما كان الاعتراف بصحة مفهوم الوسطية، وتأهيله للتأسيس والصياغة في العلم والعمل، يعد حقيقة مسلمة لا جدال حولها، بما أن “الوسطية هي الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغيير بين الحركة والسكون” .
 والوسطية في العرف الشائع في زمننا تعني الاعتدال في الاعتقاد والموقف والسلوك والنظام والمعاملة والأخلاق، وهذا يعني أن الإسلام دين معتدل غير جانح ولا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين،ولا تطرف ولا شذوذ في الاعتقاد،ولا استكبار ولا خنوع ولا ذل ولا استسلام ولا خضوع وعبودية لغير الله تعالى،ولا تشدد أو إحراج،ولا تهاون ،ولا تقصير،ولا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى،ولا حقوق الناس،وهو معنى الصلاح والاستقامة .
 يدل الصراط المستقيم على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي فمثلاً في سورة الفاتحة جعله الله طريق خيار الذين أنعم عليهم، وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضالين،وفي سورة البقرة ذكره ثم ربطه بالوسطية، فقال:” يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” الآية 142 سورة البقرة
 ولا تخرج معاني الوسطية عن:العدل والفضل والخيرية،والنِّصف والبينية،والتوسط بين طرفين، فقد استقر عند العرب أنهم إذا أطلقوا كلمة (الوسط) ،أرادوا معاني:الخير والعدل،والجودة والرفعة والمكانة العالية.
ولا يصح إطلاق مصطلح (الوسطية) على أمر إلا إذا توفرت فيه الملامح التالية :-
1- الخيرية: وهي تحقيق الإيمان الشامل، يحوطه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2- الاستقامة:وهي لزوم المنهج المستقيم بلا انحراف، فالوسطية لا تعني التنازل أو التميع أبداً.
3- البينية: وذلك واضح في كل أبواب الدين، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين.
4- اليسر: ورفع الحرج: وهي سمة لازمة للوسطية.
5- العدل والحكمة: وقد فسر النبي  صلى الله عليه وسلم  الوسط بالعدل  ، وذلك هو معنى الخيار؛ وذلك لأن خيار الناس: عدولهم.
وقد قال الله تعالى:- ((إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ)) الآية 90 سورة النحل
 فالتوازن في الشريعة الإسلامية:النظر في كل الجوانب، وعدم طغيان جانب على آخر، وذلك باجتناب الغلو والجفاء..
 وهكذا:فإن الوسطية سمة ثابتة بارزة في كل باب من أبواب الإسلام:في الاعتقاد، والتشريع، والتكليف، والعبادة، والشهادة والحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والأخلاق والمعاملة، وكسب المال وإنفاقه، ومطالب النفس وشهواتها   .
وبهذا المعني فإن الوسطية تفترض وجود الإفراط والتفريط، التحلل والتزمت. الإسراف والتقتير الخ… ولا يمكن تصور وسطية حيوية بدون تعددية، وإلا تصبح هي الوسطية الرياضية التي تعنى التوسط بين نقطتين أو أنها تتجمد في قالب واحد وتأخذ طابعاً ثبوتيا، وهو ما يتنافى مع حيوية ودينامية الإسلام .
 فالحياة لاتعدو أن تكون واحدة من حالات ثلاث:إفراط في شيء،أي مبالغة فيه،أو تفريط في شيء،أي تقصير فيه،وحالة بين بين، وهي ما نسمِّيه بالاعتدال، فالمغالاة انحراف، كما أنّ الإجحاف انحراف و خير الأمور أوسطها .
 فتؤدي الوسطية إلى نقاء النفس من الأدران الأخلاقية، والأحقاد القلبية وكل ما من شأنه إيقاد نار العداوة والبغضاء، وتؤدي إلى نظافة المجتمع من آفات الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وأمراض الأثرة والأنانية وحب الذات ولها غير ذلك فوائد كثيرة ينعم بها كل مجتمع هيمنت عليه الوسطية، وكانت سمته البارزة في تعامله وفي سلوكه وحياته .
 ففي الاعتدال في الملبس مثلاً أثر اقتصادي على المجتمع بأسره حيث يقلل من النفقات غير الضرورية، ويوفر على المجتمع مالاً يمكن إنفاقه في مشروعات أخرى تعود عليه بالنفع، فهو من الناحية الاقتصادية دعامة لدفع عملية التنمية والبناء، وعليه يتوقف رافد أساسي في ضبط إهدار المال وصرفه في غير فائدة وبالإضافة إلى ما تنتجه العولمة من هيمنة طبقة الأغنياء على حساب الطبقة الفقيرة وتطبيق القوانين لصالح الأقوى، ونرى أحوالاً تنذر بالشر، وتعد مقدمات لانهيار الأخلاق، والمجتمعات والشعوب حيث الأنانية والشخصية والابتزاز وانتشار الفقر والجوع، وحيث تعيش مجتمعات بأكملها تعاني الفقر والمجاعات في الوقت الذي تلقي فيه الأطعمة في النفايات أو للحيوانات في كثير من الدول الغنية التي لا تشعر بحاجة الفقراء وضرورة مواساتهم،فمن أشد ما يسبب انهيار المجتمعات أن لا تشعر بحاجة الفقراء، وضرورة مواساتهم.  
المحور الثالث
دور التربية في تطبيق الوسطية كمنهج حياة
 لاشك أن الوسطية منهج حياة وسمة في الإسلام في كل الأحوال.. في السراء والضراء.. في السلم والحرب.. في معاملة الأحباء ومعاملة البغضاء لا يتغير ذلك كما هي الصفة اللازمة الدائمة، وكما كان سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه أن يرزقه الله-سبحانه وتعالى- العدل في الرضا والغضب،والقصد في الغنى والفقر.
 إن الوسطية في الإسلام تعني العدل والتوازن والحكمة ووضع الشيء في موضعه في حين انه حذر من كل ما يخالف الوسطية من مفاهيم خاطئة كالإلحاد والشرك والفواحش والتهور والإسراف كما حذر من الرهبنة والبخل واللامسؤولية أو تجاوز الحد مما يهدد الأمن الاجتماعي أو الفكري والبيئي والسياسي والاقتصادي، وهي تعفي من جملة الأسباب التي تؤدي إلى ظاهرة الإرهاب والتي منها انتشار الجهل وروح التعصب وتفشي الفقر والجوع والظلم والاستبداد والقهر وفقدان الوازع المعنوي.
 وترصد كثير من الأدبيات الأسباب التربوية لغلو الشباب وتطرفهم وانحرافاتهم عن الوسطية، وقد توصلت الباحثة إلى أن أهم أسباب الابتعاد عن الوسطية في منهج الحياة الاجتماعية ما يلي:-
1-قصور التربية المنزلية
 حيث تضاؤل دور الأسرة في التوعية الدينية وعدم الحرص على حث الأبناء وتحريضهم على أداء الشعائر الدينية بانتظام، الأمر الذي يجعل الشاب يتخاذل بسند قوي،ألا وهو علم أسرته بعدم صلاته أو صيامه وعدم اعتراضها،بل وعدم معاقبته بأي شكل من العقوبات.
 الأمر الذي يجعله يعتقد أن تأدية الفرائض والالتزام بالسلوك الديني السليم، أمر اختياري يرجع لإرادته واختياره أو اقتناعه فمنهم من يختار الجنوح بالتفريط والتساهل،ومنهم من يقع فريسة لمن يستقطبونهم ليرغبوهم في الالتزام بالشعائر الدينية ثم يحدث النفور من المجتمع والأسرة لأنهم يرون أنها محضن غير آمن وغير موجه وغير ملتزم.
2-عدم الاهتمام بتفعيل مناهج ومقررات التربية الإسلامية في المؤسسات التعليمية، وجعلها مجرد نشاط لزيادة المعلومات الدينية.         
3- قصور دور المساجد في توجيه أفراد المجتمع، وارتباطهم، وفي هذا يجب تحقيق الأمور التالية:
أ-ربطها بالمؤسسات التعليمية والمصالح الحكومية والمصانع والأسواق.
ب- تأكيد دور الدعاة في القيام بواجب الدعوة والتوجيه والتعليم، فلابد من اختيار الدعاة ممن تم تأهيلهم علميا ومسلكياً، مع الإلمام بطرف من علوم الحياة والكون والاقتصاد والفلسفة، وأن يكونوا ممن عرفوا بحسن الخلق وسلامة السلوك والتدين الواعي، والشخصية القائدة المؤثرة لينعكس ذلك كله على عطائهم وأدائهم.
ج- ربط الأنشطة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها بالمساجد فتصبح أماكن تربية وتوجيه وتثقيف وإرشاد، وتكون مؤسسات اجتماعية للمناسبات المختلفة في حياة الناس، وتكون جمعيات بر وإحسان ورعاية اجتماعية، وتكون أماكن لفض المنازعات، والإصلاح بين الناس، وأن تلحق بها قاعات للمحاضرات العامة والخاصة، ومكتبات للإطلاع والدرس،ومكتبات للتوجيه النسائي والطلابي،غير ذلك من الأنشطة المختلفة.
هـ– توسيع نشاط المسجد، ليكمل النقص في وسائل توجيه الشباب ولتكون أماكن لنشر الوعي بمشكلات المجتمع، وغير ذلك من النشاطات التي يمكن للمسجد أن يؤديها إذا توفرت له القيادة الواعية.
 وعلى ماسبق فهناك ضرورة لتفعيل دور المؤسسات التربوية في ترسيخ قيمة الوسطية والترهيب من الغلو والتطرف وأيضا التفريط ،لأن التربية التي نحتاجها اليوم هي التي تأخذ الإسلام جملة وتفصيلاً،وتراعي شخصية الفرد بجميع جوانبها وأبعادها، مع التوازن في تربية الجوانب المختلفة: العقلية، والمعرفية، والوجدانية، كما توازن أيضاً في رعاية كل جانب على حده .
ومن الوسائط التربوية الهامة التي لها دور فاعل في ترسيخ قيمة الوسطية:-
1-دور الأسرة بكامل أفرادها (الأم والأب والجد …)
 لإن أهم  مقاصد الشريعة وغاياتها الأساسية الكبرى، وهي ؛حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال، لتحقيق مصلحة الفرد والجماعة والأمة، وإيجاد التوازن والاعتدال الذي به تدوم الأوضاع والأحوال على منهج حسن ووضع مستقر، فالتوسط في الأمور ينسجم مع إمكانات البشر وقدراتهم وعطاءاتهم، وبه ينعم الناس في مظلة الحرية، ومتابعة الفعاليات والإنجازات، فيتحقق الأمن النفسي والاجتماعي والصحي والمعيشي، ويتجنب الناس كل ألوان الخوف والقلق واليأس والإحباط، ومن خلاله تنتعش الأحوال الاقتصادية، ويعم الاستقرار والوئام، ومن ثم ويقبل الأفراد والجماعات على التنمية وزيادة الإنتاج، وتوفير الثروة •
 وعلى الأم بادئة بنفسها وقدوة لأبنائها وراعية لمالها ولمال زوجها أن تعتدل وتتوسط في كافة أمور حياتها فيتعود أبناؤها وتصبح العادة سلوكاً قويماً يكون قيمة توجه سلوكياتهم الاقتصادية.
 ودور المرأة في تفعيل قيمة الوسطية عظيم، فالمرأة متهمة دائماً بأنها مصدر الإنفاق والتبذير لسهولة التأثير عليها وإغرائها بالسلع والأسواق، ومع تحديات العولمة وزحف الفقر وظهور الطبقية لابد من تفعيل المرأة لقيمة الوسطية، لتبصر الأجيال الجديدة بحقائق واقعة نظراً لطبيعة تغيرات العصر، وتبين لهم أصول الاقتصاد الإسلامي.
 وما البذخ في إقامة الحفلات والولائم بأي أسرة إلا حباً للمفاخرة بين الناس، وقد يكون لصاحب الوليمة أو من كانت الحفلة له أقارب في أمس الحاجة للعون والمساعدة، فلو توسط في حفلته أو مأدبته وساعد من هو بحاجة لكان ذلك من الكمال لأن التكلف والمبالغة في الولائم والحفلات مذموم فهو يرهق صاحب الدعوة وربما يقترض المال من أجل هذه المظاهر التي سرعان ما تزول ولا تترك أثراً إلا الرياء وحب الثناء والأمة التي تبتلى بالتبذير والإسراف يستغل أغنياؤها فقراءها وينحصر المال في أيد قليلة يقابلها كثرة فقيرة فيقوم الشقاق بينهم، ولو ترك مكان للعدالة ومساحة للوسطية والاعتدال لما نتج انهيار المجتمع.  
 فيجب على الوالدين -خاصة الأم – أن يعودا أولادهما على الاقتصاد في كافة جوانب الحياة وخاصة الإنفاق والاعتدال في المأكل والمشرب والملبس حتى يشبوا معتدلين غير مبذرين ولا مسرفين.
• في الحديث ” ‏قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ‏ ‏صلى الله عليه وسلم  ‏ ‏كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ ” سنن النسائي.
 والاعتدال في الطعام والشراب بحيث لا يكون هناك نقص غذائي يؤدي إلى الضعف ولا يكون هناك إسراف وإفراط يؤدي إلى تخمة وبدانة وسمنة.
 كما يجب على الأباء ترسيخ قيمة القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى بالأسرة، والتخلي عن الطمع والنظر لأرزاق العباد، إذ أنّ القناعة تعني عدم اللجوء إلى الأساليب المنحرفة والملتوية لتحصيل ما نتمنّى، فإذا عاقت الموانع من بلوغ الأماني، فلا توسل بالوسائل الرخيصة أو المذلّة أو العوجاء لبلوغها، وإنّما نحاول أن تتذرع بالقناعة كلون من ألوان الصبر والتهدئة النفسية، وليس كحالة من حالات التجميد للطاقات العقلية أو البدنية.
 على الصعيد الاجتماعي يجب أن يبصر الأبناء بأن الإسلام قد نظم العلاقة بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، وكذلك بين الأهل والأقارب..والعلاقات الاجتماعية بني البشر من الجيران والأصدقاء  باعتدال متناهي لا يجب التجاوز فيه.
• يجب تبصير الأبناء بأن الإسلام وضع نظاماً دقيقاً للصدقات والزكاة لتؤخذ من الأغنياء فترد على الفقراء ليخلق ذلك التكافل والتكامل الاقتصادي الذي يجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا يتحقق فيه الاكتفاء الذاتي ويرقى بالإنسان المسلم عن الذل والاضطهاد في سبيل الحصول على لقمة العيش .. كما نظم العلاقة في معاملات البيع والشراء والرهن والدين وتوزيع المواريث .  
• كما يجب تربية الأبناء على العلاقات الاجتماعية القائمة على منهج الإسلام من تراحم وتعاون وعفو وإغاثة الملهوف والتفريج على أهل الكروب
2-دور المؤسسات المجتمعية التربوية المختلفة في تفعيل قيمة الوسطية
 يجب تعامل مؤسسات المجتمع مع ظاهرة الغلو والتطرف تعاملاً عقلانياً، والنظر إليها نظرة واقعية، باعتبارها ظاهرة موجودة، ولا بد من التعامل معها، حتى يتم احتواؤها، وبالعقل وحده يمكن الاهتداء إلى العلل الحقيقية الكامنة، وراءها، وعدم الانسياق وراء أحكام آنية، تنجم عادةً من موقف عاطفي متشدد، ولا تصدر من دراسة متأنية مستبصرة   .
 والمؤسسات المجتمعية قد تكون وسائل الإعلام على اختلافها سواء كانت مسموعة أو مرئية،وقد تكون الأندية الثقافية أو الأدبية، وقد تكون نوادي الشباب ومراكزهم وغيرها.
 وقد تتمثل المؤسسات المجتمعية في المؤسسات المعنية بالصحة في المجتمع، فلكل دوره المجتمعي الهام بالتوعية الصحية السليمة من حيث عدم التفريط في الصحة والاهتمام بالنظافة وعدم الإفراط في الطعام، وكلها تطبيقات للمنهج الإسلامي الوسطي.
 هذا إلى جانب المسجد كأهم وأخطر مؤسسة مجتمعية بالمجتمع الإسلامي فيجب التأكيد على دور العلماء الأجلاء بالمساجد لمعالجة موضوعات مهمة مثل:التعصب الديني، التعصب المذهبي، أسباب الاختلاف بين الفقهاء، الخلاف المشروع وغير المشروع، المعنى القرآني للدين والتدين، محاربة البدع والخرافات، معنى العقيدة الصحيحة.
 والتأكيد على أن الإسلام قد حث على طلب العلم واحترام العلماء والمسارعة إلى أعمال الخير.. ولم يهمل الإنسان في نفسه.. فقد أمره بالصلاة وكان مفتاح الصلاة الوضوء.. وهيكل الوضوء الطهارة في الجسم والملبس والمكان لتتحقق النظافة مظهراً أو مخبراً.. كما حثه على التداوي وطلب الأسباب.. وأمر بأكل الطيبات واجتناب الخبائث
 3- دور المؤسسات التربوية النظامية
 لاشك في دور المدارس والمعاهد والجامعات في ترسيخ قيمة الوسطية وذلك بتوافر المعلمين والمعلمات المعتدلين سلوكيا وفكريا وعقائديا، وبتوافر المناهج التي تبعد عن الغلو والتطرف والتعصب،وإتاحة مزيد من الحرية للطلاب في التعبير عن أنفسهم ،والإجابة عن استفساراتهم في المسائل الفقهية والدينية بتوافر العالم الذي يستطيع تقديم إجابات علمية وافية شافية لتوص لفقه النظرية الوسطية في التوفيق بين: العلم،والعبادة،والدعوة،والجهاد وبين كافة الأمور الحياتية الأخرى .

التوصيات
1-توصي الباحثة باستخدام أسلوب العقل في معالجة ظواهر الغلو والتطرف والتخلي عن العنف “فالضغط والإرهاب والتعسف لا يزيد الغلو إلا مضاء وقوة وإصراراً، وهذا الضغط يعتبر من أكبر المسوغات لأولئك الغلاة” .
 ينبغي إقامة الحوار البناء مع الغلاة، على أسس شرعية، فقد سن رسول الله صلى الله عليخ وسلم أسلوب المحاورة مع الغلاة، ودحض شبهاتهم إذ رد على ذي الخويصرة بقوله: ((ويحك من يعدل إن لم أعدل)) رواه البخاري
 ما حاور علي صلى الله عليه وسلم الخوارج، وحاورهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وهو أسلوب ناجح لأن نور الحق ساطع، ولكن لابد من ضوابط لهذا الحوار:
أ- أن يكون مبنياً على الثقة، فيكون العالم المناقش والمحاور محل ثقة المتهمين بالغلو.
ب- أن يعامل المتهمون بالغلو على أنهم متهمون، لا أنهم مدانون يقفون في ساحة محكمة.
جـ- أن يتوفر للطرفين حرية الحوار، فلا يملى على العالم جوانب الحوار، ولا يكون حوار المتهمين بالغلو في ظل القوة والعنف.
د- أن يكون القصد من الحوار البحث عن الحق، وليس جمع أدلة لإدانة المتهمين بالغلو  
2-كما توصي بأن يضطلع كل فرد بدوره بدلا من ضياع المسئولية، فالأم تبدأ بنفسها ،والأب يبدأ بنفسه والمعلم والداعية والمدرب وكل في موقعه، ليتعرف كل فرد على دوره التربوي في ترسيخ تلك القيمة حيث أن القدوة هي خير السبل لترسيخ القيم الحميدة.
3-توصي الباحثة بتوعية الأمهات بمدارس محو الأمية وتعليم الكبار بأسلوب الإنفاق وترشيد الاستهلاك، حيث تجهل الكثيرات أسلوب التطبيق العملي في التوسط في الإنفاق والاستهلاك.
4- توصي الباحثة بتقديم منهج تربية الأولاد في الإسلام لطالبات الكليات على اختلاف أنواعها وتخصصاتها لتقديم المنهج الوسطي في تربية الأولاد للتخلي عن أسلوب القهر والاستبداد في التربية وأيضا التخلي عن إطلاق حرية الأبناء على الغارب.
5- توصي الباحثة بأن تكون حصص التربية الإسلامية بالمدارس بها تطبيقات عملية على القيم الإسلامية الحميدة وضرب الأمثلة والنماذج بالمجتمع على تطبيق القيم الإسلامية وأثرها على المجتمع ترغيباً في تبنيها من قبل الأطفال والشباب .

-- الدكتورة حنان درويش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*