السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الوسطية في الإسلام

الوسطية في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم
حمد لله لقد تميزت الأمة الإسلامية بخاصية منفردة لم تكن لأمة من الأمم السابقة وهي ميزة الوسطية التي جعلها الله – سبحانه وتعالى- خصيصة لأمة – محمد صلى لله عليه وسلم- قال الله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا): البقرة:143

معنى الوسطية في اللغة:

لفظة (وسط)وما شابهها من مشتقات أخرى(كواسطة), وأوسط, كوسيط, وواسطة, ووساطة,تطلق في اللغة على معنيين:

المعنى الأول:بديهي وعام, ويقصد به مجرد التوسط بين شيئين مطلقاً معنوياً أن أو حسياً- كقولهم: فلان يقوم بدور الوسيط أو الوساطة بين خصمين.(1)

أما الشرعي الثاني:للفظ (وسط)فهو المعنى الخاص, حيث يراد به في لغة العرب-

الأعدل,والأفضل,والأحسن,والأخْيَر(2) (بسكون الخاء),ويتضح هذا المفهوم من خلال الآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ (وسط وأوسط ووسطى) ومن خلال ذلك قوله تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة (143)

أي:جعلناكم أعدل الناس وأخيرهم(3)، وقوله تعالى:ﮋ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (القلم 28)

وقوله تعالى: ( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) البقرة (238). وهي أفضل أوقات الصّلاة عند المفسرين. وهي صلاة العصر لأنها بين صلاتي النهار والليل.

وقد اتضح من النصوص الشرعية المذكورة وغيرها أن الإسلام منهج وسط في كل شيء, في التصور والاعتقاد والتعبد والتنسك والأخلاق والسلوك والمعاملة والتشريع وينهى عن الغلو والتطرف.

وقد أحسن فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي صنعاً في ذكر بعض مظاهر التطرف منها:

1- تعصب الرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر.

2- إلزام جمهور النّاس بما لم يلزمهم الله تعالى به.

3- التشديد في غير محله.

4- الغلظة في التعامل والخشونة في الأسلوب والفظاظة في الدعوة.

5- سوء الظن بالنّاس والنظر إليهم من خلال منظار أسود والغرور بالنفس وازدراء الآخرين.

6- السقوط من هاوية التفكير(4).

فالوسطية الإسلامية ترفض لأمتها وأفرادها تلك المظاهر, وتحذر منها أشد التحذير, وتدعو إلى معاني العدل والاعتدال والاستقامة والتوازن واحترام الآخر التي يدعو إليها الإسلام, وتدعو إلى نبذ صور العنف والقسوة والغضب والانتقام والإرهاب.

فهي وسطية في التصور والاعتقاد: ولا تغلو في التجرد الروحي ولا الارتكاز المادي.

وسطية في التنظيم والتنسيق, لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر, ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب.

وسطية في العقدية : قال تعالى ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ )    ( النساء 171)  وذلك لكون الأنبياء خير خلق الله المصطفين لنقل الرسالات ، لا يرفعهم بحال إلى مقام الربوبية والألوهية .

وسطية في التشريع: قال تعالى ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) (النحل 126)

وسطية في الأخلاق والسلوك: قال تعالى: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) (الفرقان67)

وسطية في العبادات: وكانت قصة نهي الرسول صلى الله عليه وسلم- ثلاثة من أصحابه عن الغلو في العبادة ظناً منهم أن أفضلية العبادة وعظم ثوابها لا تحصل إلا بالمشقة البالغة وحرمان النفس مما أباح الله من طيبات الدنيا نهياً لسائر الأمة.

الوسطية في التوفيق بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ )  القصص (77) وقد صحح نبي الهدى-صلى الله عليه وسلم- فهمهم الخاطئ وأرشدهم منهج وسطية العبادة في الإسلام.

وهذه الوسطية للأمة الإسلامية بمفهومها الشامل ليست خصصتها المميزة فحسب, بل هي من أعظم خصائصها التي اختارها الله لها.

والتي يجب الدفاع عنها كلما حدث في المجتمع الإسلامي أي انحراف عنها فكرياً أو سلوكياً, وكما يجب على الأمة الوسط الدفاع عن وسطيتها في العقيدة والأخلاق والتشريع والسلوك ضد كل غلو وتطرف.

ومن أبرز الخصائص التي تتميز بها وسطية الإسلام:

   1. اليسر ورفع الحرج والمشقة.
   2. الخلق الحسن.
   3. التحذير من الغلو والدعوة إلى الاعتدال.
   4. التسامح.

واليك بيان ذلك مفصلاً.

 

المطلب الأول: اليسر ورفع الحرج والمشقة:

يقول الله سبحانه في ختام آيات الصيام: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )       البقرة(185)

وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ ):المائدة(6)، وهي تدل دلالة واضحة على أن الله سبحانه وتعالى لا يطلب من عباده إلا ما يطيقونه وستطيعونه مما هو يسير عليهم غير شاق.

وصح عن ابن عباس-رضي الله عنهما-إنّما ذلك سمحة الإسلام، وما جعل الله فيه من التوبة والكفارات ، فليس هناك ضيق إلاّ ومنه مخرج ومخلص، فمنه ما يكون بالقدوة والروحة وشيء من الدلجة (5)

قال ابن حجر –رحمه الله تعالى:« والمعنى:لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز، وانقطع فيغلب.

وقال ابن المنيّر: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، فقد رأينا وأرى الناّس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملل أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم إلى غلبته عيناه في آخر الليل فنام عن صلاة الصبح في الجماعة،أو إلى أن خرج وقت الفريضة.»(6)

وفي حديث « إنكم لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة وخير دينكم اليسر »(7)

وقد يستفاد من هذا : « الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن يترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي استعماله إلى حصول الضرر.

قوله: (فسددوا) أي ألزموا السداد, وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط, قال أهل اللغة: السداد: التوسط في العمل.

وقوله: (وقاربوا) أي إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه. وقوله: (وأبشروا) أي بالثواب على العمل الدائم وإن قل.

والمراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل, بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المنشّر به تعظيماً له وتفخيما»(8)

ومنها قوله – صلى الله عليه وسلّم- لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل –رضي الله تعالى عنهما- عندما بعثهما إلى اليمن:-«يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»(9)

ومنها قوله– صلى الله عليه وسلّم- « إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره»(10)

وقد طبق الرسول – صلى الله عليه وسلّم- ما بلغه من يسر الإسلام وسماحته الخاصة والعامة تطبيقا عملياً منقطع النظير، حتى ثبت عنه– صلى الله عليه وسلّم- ما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما(11) ليتحقق فيه قوله سبحانه ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) الأحزاب :21

ونهج الصحابة الكرام –رضوان الله تعالى عليهم ومن سار على طريقهم قولاً وعملاً. فما بال المتنطعين الذين يشددون على هذه الأمة المرحومة التي أراد الله تعالى لها التخفيف ؟! لما قال تعالى:(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ) النساء:28

يظن البعض أن دين الإسلام دين القسوة ولكن هذا الظن خاطئ على الكتاب والسنة .

الإسلام إنما جاء هدى ورحمة للعالمين من يوم نزوله إلى أن تقوم الساعة، والرحمة والرأفة هما من أبرز صفات صاحب الرسالة – صلى الله عليه وسلّم- قال الله تعالى واصفا رسالته – صلى الله عليه وسلّم- ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء: 107 فقد أمر صلى الله عليه وسلم أمته برحمة كل من أوجده الله تعالى في هذه الدنيا من إنسان وحيوان، وهذا إعلان للعالمين قاطبة أن رسالته ليست عدواً لأحد من البشر.فقال– صلى الله عليه وسلّم-: « الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من الأرض يرحمكم من في السماء»(12)

الشاهد أن (من) في قوله – صلى الله عليه وسلّم- (ارحموا من الأرض) موصولة شاملة للإنسان مسلماً أو كافراً، وللحيوان كذلك وعلى هذا حمله العلماء- رحمهم الله تعالى.

قال الحافظ: قال ابن بطال«فيه الحض على استعمال الرحمة لجميع الخلق، فيدخل فيه الكافر والبهائم المملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والشقي والتخفيف في الحمل وترك التعدي بالضرب…. »(13)

وصح عنه – صلى الله عليه وسلّم-:أن الله تعالى غفر لامرأة بغي لسقيها كلباً اشتد عطشه. ودخلت امرأة في النّار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض. 

 

المطلب الثاني : الخلق الحسن والمعاملة الطيبة في الإسلام.

لا شك أن الإسلام نظام اجتماعي متكامل،ينظم علاقة الإنسان بخالقه-عزوجل، وعلاقته بأخيه (الإنسان) وعلاقته بالكون،وما فيه من سائر المخلوقات.

ولذلك فالأخلاق من دين الإسلام ولا شك،بل إن رسول الله – صلى الله عليه وسلّم- حصر مهمة بعثته في إتمام مكارم الأخلاق وإصلاحها،فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(14)

الإنسان هو خلقه، وهو كل ما ارتقى في سلم الأخلاق رقى في درجات إنسانية وأمكنه من ممارسة هذه الإنسانية بأبعادها.

ولما أثنى رب العزة تبارك وتعالى على رسوله   – صلى الله عليه وسلّم- لم يثن عليه بكثرة العلم مع أنه أعلم خلق الله ،أو جاه مع أنه أعظم الخلق جاهاً عند الله وعند المؤمنين،بل أثنى عليه بحسن الخلق: فقال تعالى ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم:4

  «قال ابن عباس ومجاهد لعلى دين عظيم، لا دين أحب إليّ ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام»(15) وقال أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها واصفة أخلاق رسول الله – صلى الله عليه وسلّم-«كان خلقه القرآن» وقد أرشده الله سبحانه وتعالى إلى مكارم الأخلاق في قوله تعالى( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) الأعراف:199

قال جعفر بن محمد إدريس: – صلى الله عليه وسلّم-ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية»

والدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين. وقد قيل: إن حسن الخلق بذلُك الندى، وكفّ الأذى، واحتمال الأذى.

وقيل بذل الجميل وكف القبيح، وقيل التخلي من الرذائل والتحلي بالفضائل.

وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل.

فالصبر: يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ ، وكف الأذى، والحلم والأناة والرفق، وعدم الطيش والعجلة.

والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من قول وفعل، وتحمله على الحياء. وهو رأس كل خير. وتمنعه من الفحشاء، والبخل والكذب، والغيبة والنميمة.

والشجاعة: تحمله على عزة النفس، وإيثار معالي الأخلاق والشّيم ، وعلى البذل والندى، والذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وتحمله على كظم الغيظ. فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن الظلم والبطش. كما قال – صلى الله عليه وسلّم -«ليس الشديد بالصرعة،إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»(16) وهو حقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقدر بها العبد قهر خصمه بإذن الله تعالى.

والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط.فيحمله على خلق الشجاعة، الذي توسط بين الجبن والتهور.وعلى خلق الحلم، الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.

ومنشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة. كما أن منشأ جميع الأخلاق السافلة، وبناؤها على أربعة أركان أيضاً: الجهل, والظلم, والشهوة, والغضب.

فالجهل: يريه الحسن في صورة القبيح, والقبيح في صورة الحسن, والكمال نقصاً والنقص كمالاً.

والظلم: يحمله على وضع الشيء في غير موضعه, فيغضب في موضع الرضا, ويرضى في موضع الغضب. ويبذل في موضع البخل, ويبين في موضع الشدة ويشتد في موضع اللين, ويتواضع في موضع العزة ويتكبر في موضع التواضع.

والشهوة: تحمله على الحرص والشح والبخل, وعدم العفة, والنَهمة, والجشع, والذل, والدناءات كلها.

والغضب: يحمله على الكبر, والحقد, والحسد, والعدوان, والسفه. ويتركب من بين كل خلقيين من هذه الأخلاق: أخلاق مذمومة.

وملاك هذه الأربعة أصلان: إفراط النفس في الضعف وإفراطها في القوة.

فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة, والبخل, والخسة, واللؤم, والذل, والحرص, والشح, وسفساف الأمور والأخلاق.

ويتولد من إفراطها في القوة :الظلم والغضب الحدة والفحش والطيش.

ويتولد من تزاوج أحد الخلقيين بالآخر: أولاد غيّة كثيرون, فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا, فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر, وأذلّهم إذا قهر, ظالم عنوف جبّار,فإذا قهر صار أذل من عبد,جبان عن القوي, جريء على الضعيف.

فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضا.

وكل خلق محمود مكتنفٌ بخلقيين ذميمين, وهو وسط بينهما, وطرفاه خُلقان ذميمان, كالجود الذي يكتنفه خلقا البخل, والتبذير, والتواضع الذي يكتنفه خلقا الذل والمهانة, والكبر والعلو.

فإن النفس متى انحرفت عن(التوسط) انحرفت على أحد الخلقيين ولابد. 

فإذا انحرفت عن خلق (التواضع, انحرفت: إما إلى كبر وعلو, وإما إلى ذل ومهانة وحقارة. وإذا انحرفت عن خلق الحياء) انحرفت: إما إلى قِحَة وجرأة, وإما إلى عجز وخَوَر ومهانة, بحيث يطمع في نفسه عدوه. ويفوته كثير من مصالحه.

وبرغم أن الحامل له على ذلك الحياء, وإنّما هو المهانة والعجز, وهو موت النفس.

وكذلك إذا انحرفت عن خلق (الصبر المحمود) انحرفت: إما إلى جزع وهلع.وكذلك طلاقة الوجه، والبشر المحمود، فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخف، وطي البشْر عن البَشَر، وبين الاسترسال بذلك مع كل أحد، بحيث يُذهب الهيبة، ويزيل الوقار، ويطمع في الجانب، كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق.

فالأخلاق الذميمة يولد بعضها بعضاً،كما أن الأخلاق الحميدة يولد بعضها بعضاً.

وصاحب الخلق الوسيط: مهيب محبوب، عزيز جانبه، حبيب لقائه, وفي صفة نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم« من رآه بديهة هابة،ومن خالطه عِشرة أحبه»(17)

ومن نظر إلى سيرة رسول الله – صلى الله عليه وسلّم – مبتدأ أمره ومنتهاه وبين ذلك وتطورات أحواله، وما حصل بذلك من الأحوال والانقلاب العجيب في العقائد والأخلاق والأدب والتشريع العادل الرحيم، والخير والرحمة مما لم يعهد له نظير في تاريخ البشر، فقد كان– صلى الله عليه وسلّم – معروفاً بين قومه قبل بعثته بالصدق الكامل، والأمانة التامة، والبر والعدل ومكارم الأخلاق، متربياً على الأخلاق الجميلة، متنزها عن الأخلاق الرذيلة،لا يعرف له شيء يعاب به لا قليل ولا كثير، ولا جرب عليه كذبة واحدة ولا خيانة قط، وأسلوب التعامل الأمثل ووسيلة الدعوة الناجحة، وطريق سريع للوصول إلى القلوب محبة وتقديراً، مودة وتأليفاً، إنها معيار فلاح الأمم، ,أسباب تقدمها في شتى المجالات، مفتاح القلوب، ومن أسباب انشراح الصدر، إنها طريق السعادة، أوصى بها النبي – صلى الله عليه وسلّم- أبا ذر- رضي الله عنه- « اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن»(18)

و في حديث آخر يبين النّبي – صلى الله عليه وسلّم- أنها من مقتضيات الإيمان، وبحسب كمال العبد فيها يكمل إيمانه،فقال: « أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم»(19)

ورتب الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن قام بترويض نفسه على كريم الصفات تهذيباً وتقويماً واقتداءً، فقال -صلى الله عليه وسلّم-:« إنّ أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون والمتفيهقون قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون»(20)

وعن أم المؤمنين  عائشة-رضي الله عنها-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)

وصح عنه-صلى الله عليه وسلم: أنها أعظم ما يثقل  موازين العبد يوم القيامة. (ما من شيء أثقل       في  ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق, وإنّ الله ليبغض الفاحش الذي)

وسئل –صلى الله عليه وسلم- عن أكثر ما يدخل الناس الجنة, فقال (تقوى الله وحسن الخلق) وسئل عن أكثر ما يدخل النّاس النّار, فقال: (الفم والفرج).

فهذه النصوص وما كان بمعناها يبين المنزلة العالية في دين الإسلام للأخلاق الحسنة, وهي معنى شامل يشمل ما يقوم به المرء في تعامله مع ربه, وفي تعامله مع النّاس مما تعرضه قواعد الشريعة, والأعراف المستقيمة, والعادات السليمة, والمروءات والشيم, وأعظم القدرات, والمثل الأعلى في ذلك رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال أنس بن مالك (كان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خلقاً).

يحسن بكل مسلم السير على هديه –صلى الله عليه وسلم- في أفعاله وأقواله, وخصوصاً إذا كان ممن له أثر وتأثير, طالب علم كان أو تربوياً أو داعية أوغيرهم.                               

 

المطلب الثالث: التحذير من الغلو والدعوة إلى الاعتدال.

الإسلام دين وسطية واعتدال في العبادات والطاعات والأحكام والسكنات, وهو يدعو إلى الموضوعية والاتزان في الأقوال والأفعال والنظرات التصرفات وجميع الأحوال قال تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(البقرة:143).

ومعنى الوسط: العدل الخيار.

وقد كان رسول المصطفى –صلى الله عليه وسلم-قدوة يتأسي به, ومثالاً يحتذى فيه لكل ناشد حق وخير وعدل,وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً.

وحثّ أمته على الاعتدال والاقتصاد في جميع الأمور حتى في الأكل والمشرب والمنام والمناكح وقال:«من رغب عن سنتي فليس مني»(21) وقال أيضاً:«القصد والقصد تبلغوا»(22) وندب إلى التيسير والتبشير والتطاوع فقال لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل-رضي الله تعالى عنهما عند ما بعثهما إلى اليمن-«يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا»(23)

ومعلوم من تاريخ الأمم وأحوالها أن سبب مخالفتها لمنهاج النبوية وقوعها في الزيادة عليه، أو النقصان فيه، وعدم ترسمها الصراط المستقيم، والطريق القويم، الذي جاءت به الرسل- عليهم الصلاة والسلام- وقد وقعت هذه الأمة بمثل ما وقع به من كان قبلهم، فظهر عبر قرونها الماضية وإلى وقتنا الحاضر، ولكن بشكل أكبر وصورة أعمق المتشددون الغالون في دين الله تعالى. وفي المقابل الجافون المتساهلون والمبتعدون عن إتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، ولذلك جاء في الأثر الحسن. « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين،وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين»(24)

فتحريف الغالين: يشير إلى التعصب والتشدد.

وانتحال المبطلين: يشير إلى تحسين الظن بالعقل في التشريعات، ومتابعة الهوى

وتأويل الجاهلين: أي الجهل بمصادر الأحكام، وبأساليب فهمها من مصادرها.

فالناظر في الأدلة قد يكون ممن تملكتهم الأهواء، فتدفعه إلى تقرير الحكم الذي يحقق غرضه، ثم يأخذ في تلمس الدليل يعتمد عليه، ويجادل به، وهذا في الواقع يجعل الهوى أصلاً تحمل الأدلة عليه، ويحكم به على الأدلة، وهذا قلب لقضية التشريع، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة، ومتابعة الهوى أصل الزيغ عن صراط الله المستقيم،قال تعالى: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﮊ القصص 50:، قال تعالى: ﮋ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) الجاثية:23

«ومعلوم أن متابعة الهوى ، تكتسح الأديان، وتقتل كل خيرن وتوقع في الشرور،وتورث الشقاق والخلاف والاختلاف، ولافتراق النزاع، والعداوة والبغضاء، والحقد وإثارة الفتن،والهرج والمرج»(25)

والابتداع بالهوى أشد أنواع الابتداع إثماً عند الله تعالىن وأعظم جرماً على الحق، فكم حرّف الهوى من شرائع، وبدّل من ديانات، وأوقع الإنسان في ضلال مبين.

إنّ الغلو في الدين نوع من ذلكن وغير خارج عنه، ولذلك ورد النهي الشديد في القرآن عنه، وجاء الخطاب في ذلك موجهاً إلى أهل الكتاب بشكل خاص قال تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) النساء:171 وقال تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السبيل) المائدة:77

«وهاتان الآيتان وإن تعلقتا يأهل الكتاب ابتداء، فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتتجنب الأسباب التي أوجبت غضب الله تعالى على الأمم السابقة»(26).

وقال شيخ الإسلام-رحمه الله تعالى:« وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال»(27)

وعن ابن مسعود –رضي الله عنه تعالى-« هلك المتنطعون قالها ثلاثاً»

قال النووي-رحمه الله تعالى:« هلك المتنطعون، أي المتعمقون الغالون والمتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم»(28)

وقال أيضاً: « لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم؛ فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم»(29)

مضامين الوسطية الإسلامية:

فوسطية الإسلام تستلزم الابتعاد عن الإفراط والتفريط في كل شيء؛ لأن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وكلا أمرين خروج عن جادة الصواب.

فوسطية الإسلام تقتضي إيجاد شخصية إسلامية متزنة تقتدي بالسلف الصالح في شمول فهمهم واعتدال منهجهم وسلامة سلوكهم من الإفراط والتفريط، والتحذير من الشطط في أي جانب من جوانب الدين، والتأكيد على النظرة المعتدلة المنصفة والموقف المتزن من المؤسسات والأفراد.

«فوسطية الإسلام ليست خصية مميزة فحسب؛ بل هي من أعظم حقوق الأمة الإسلامية التي سماها الله تعالى “أمة وسطاً” والتي يجب الدفاع عنها كلما حدث في المجتمع الإسلامي أي انحراف عنها فكرياً أو سلوكياً، كما يجب على الأمة الوسط الدفاع عن وسطيتها في العقيدة والأخلاق والتشريع والسلوك ضدّ كل غلو أو تطرف»(30).

وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قد أحس العالم الإسلامي بحاجة ملحة على أهمية دعوة السلام والوسطية وضرورتها التي يدعو الإسلام إلى تحقيقها ونشرها بين الناس بالطريق الصحيح، واتضحت جلياً واقعية الوسطية الإسلامية لمواجهة مجريات الأحداث مما جعل الوسطية الإسلامية من الأساليب الضرورية لحماية الهوية الإسلامية ومواجهة تحديات العصر في الوقت نفسه، لأنها بديل في حل المشكلات العصيبة، وسطية تشمل الشريعة والمجتمع والسياسة، والاقتصاد والثقافة والتربية.

وسطية تدعو إلى الالتزام بالمبادئ لا تفريط ولا إفراط.

وسطية تدعو إلى نبذ التطرف بكل أشكاله والتمسك بالقيم الأخلاقية والجمالية.

وسطية تدعو إلى الوحدة والائتلاف وتكوين أمة وسط بغض النظر عن اختلاف الألوان والألسنة وبعد المسافات بهدف سامٍ موحد مشترك.

وسطية تقوم على توحيد الله سبحانه تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأي انحراف عن هذا  أو غلو فيه هو التطرف.

وسطية تحارب الإرهاب بكل صوره وأشكاله، وتؤكد الوسطية بأن أول ما يقدمه الإسلام للبشرية هو الأمن والسلام، فأي حركة تمارس الإرهاب أو تناصره باسم الإسلام تخالف رسالة الإسلام من المبدأ والأساس، فكل ما يؤذي أو يهدد أمن النّاس وأموالهم وحرية عقيدتهم وكرامتهم، سواء صدر ذلك من الفرد أو المنظمة أو الدولة كلها من التطرف. ولذلك تدعو الضرورة إلى إزالة الإرهاب من مظاهره وأسبابه وجذوره من مصدره.

 

المطلب الرابع: تسامح الإسلام :

السماحة في اللغة: الجود والكرم والسهولة (31) 

وقد اكتسب مصدر (السماحة) في هذا العصر معنى هو أقرب إلى التساهل بما يعني عدم تعقيد الأمور وجعلها سهلة لينة. وللتساهل معنيان أولهما إيجابي، ثانيهما سلبي. ونحن نقصد بطبيعة الحال المعنى الإيجابي الذي هو نقيض التفريط والإخلال بالواجب، وبذلك يكون معنى سماحة الإسلام،أو الشريعة السمحاء، هو التسهيل في الأحكام والتكاليف الشرعية، ومراعاة مقتضيات الفطرة الإنسانية، وتخفيف الأعباء عن كاهل الإنسان وعدم تكليفه ما لا يطيق، مصداقاً لقوله تعالى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) البقرة:233 وقوله تعالى: ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) البقرة:286

ونحن إذا جمعنا هذه المعاني جميعاً, نصل إلى المعنى العام للسماحة الذي نهدف إليه, وهو المعنى الوافي بالقصد في هذا السياق.

وفي ضوء ذلك تكون سماحة الإسلام هي رحابة مبادئه وسعه شريعته ونزوعه إلى اللين واليسر وتلبيته لنداء الفطرة واستجابته لمتطلباتها في وسطية واعتدال.

لقد اشتملت مبادئ الإسلام على منهج للحياة ملائم للإنسان في كل أطواره وظروفه, فيه الرحمة بالإنسان, وفيه هدايته إلى ما فيه الخير والقوة والمناعة ضد كل ما يفسد الفطرة ويضر بالجسد والروح, وفيه ما يحقق له سكينة الضمير وراحة العقل وطمأنينة النفس, ويضمن له السعادة في الدارين ورحمة الإسلام بالإنسان من حيث هو إنسان, إنما تأتي من وسطيته, ومن سماحته ومن عدالته, ومن تكريمه للإنسان, ومن تأكيده على مبدأ الأخوة الإنسانية النابعة من وحدة الأصل.

فمبدأ الإسلام كلها رحمة وسماحة وعدالة بين البشر جميعاً, والله سبحانه وتعالى خلق الخلق وسخر لهم ما في الكون وبعث فيهم الرسل والأنبياء, وجعل رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- آخر أنبيائه ورسله مثال السماحة وعنوان الوسطية وميزان العدالة, والرحمة المهداة إلى الإنسانية, إلى أن تقوم الساعة.

 

المطلب الخامس : صور من تسامح الإسلام.

يرشدنا الإسلام إلى أن الأصل في معاملة النّاس جميعا مسلمهم وكافرهم البر بهم والإحسان إليهم. قال تعالى:

( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ،، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الممتحنة: 8-9

فلم ترغب الآيات في العدل والإحسان إلى غير المسلمين فحسب، بل رغبت في البر إليهم أيضاً. وإذا كان الإسلام لا ينهى عن البر والإقساط إلى المخالفين من أي دين ولو كانوا وثنيين أو مشركين، فإنه ينظر نظرة خاصة لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، فقد قدم القرآن الكريم نموذجاً في أدب الحوار معهم فلا يناديهم إلا بقوله تعالى:( يأهل الكتاب، يأيها الذين آمنوا) وذلك إشارة إلى أنهم في الأصل أهل دين سماوي، وبينهم وبين المسلمين قربى، يتمثل في أصل الدين الواحد الذي بعث به سبحانه وتعالى أنبياءه جميعاً، وقد وردت تسميتهم بهذا الاسم في أكثر من ثلاثين موضعاً من القرآن الكريم، معظمها في السور المدنية التي كانت نزولها بعد هجرة النبي-صلى الله عليه وسلم- مثل سورة البقرة وآل عمران التين وردت فيمهما هذه التسمية في اثني عشر مواضع.وهذا يدل دلالة واضحة على أن أصل الدين عند تعالى واحد كما قال تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) الشورى:13

وكذلك اعترف القرآن بالتوراة والإنجيل، بل جعل التصديق بها ركناً من أركان الإيمان الستة التي قام عليها قال تعالى: ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) البقرة:185 ولذلك اعتبر الإسلام اليهود والنصارى مواطنين في الدولة الإسلامية، وترك لهم حرية البقاء على عقيدتهم، وبقى لهم معابدهم وكنائسهم، وأذن لهم بممارسة عباداتهم وطقوسهم الدينية.

فقد عنيت الشريعة الإسلامية بأهل الكتاب، وأتاحت لهم المجال في الاختلاط بالمسلمين، وذلك بحل طعام كل منهما للآخر، وحل الزواج من المحصنات من نسائهم، وأباحت وأقرت التعامل معهم بمختلف أنواع العقود.قال الله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة:5

وحثّ الإسلام على الترفق في الحديث مع غير المسلمين ومجادلتهم بالتي هي أحسن، لأن في ذلك نزعاً لأحقاد، وتنقية للنفوس مما يتعلق بها من حقدن قال تعالى:( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) العنكبوت:46

ولم يكتف الإسلام باهتمام القرآن الكريم بقضية التسامح مع غير المسلمين إلى هذا الحد. بل جاءت السنة النبوية المطهرة تقاسم هذا الاهتمام ، ويعلن من خلالها رسول الهدى-صلى الله عليه وسلم- احترامه للآخرين وتقديره لهم ، وتسامحه معهم الدفاع عنهم ، حتى وإن كانوا على غير دينه، ومن ذلك: قوله –صلى الله عليه وسلم-:« ألا من ظلم معاهداً أو تنقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا خصمه يوم القيامة»(32)

بل بلغ به التسامح عليه الصلاة والسلام أن نهض قائماً عند مرور جنازة يهودي، فقالوا: يا رسول الله إنه يهودي. فقال عليه السلام:« أليست نفساً» وقال عليه الصلاة والسلام:« فإذا رأيتم الجنازة فقوموا لها»(33)

وقد فهم الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- هذا المنهج المتسامح مع اليهود والنصارى، فساروا على هذا المنهج الحكيم.

وهذا المسلك المتسامح ليس بمستغرب عن الإسلام، فهو دين الرحمة، ونبيه-صلى الله عليه وسلم- نبي ورسول الرحمة، وكل من يتبع منهجه تقوده الرحمة إلى صراط الله المستقيم في كل المجالات وسائر المعاملات.(34) 

وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

————————————————————–
(1 )  لسان العرب : فصل الواو، وباب الطاء ، القاموس المحيط: باب الطاء ،- فصل الواو ، مختار الصحاح: باب الطاء – فصل الواو ، المعجم الوسيط مادة (وَسَط)
(2 )  ينظر المصادر السابقة، ووسطية الإسلام في سماحة الدين وتسامحه :45-50
(3 )  ينظر جامع البيان 2/8، وجامع الأحكام القرآن 2/153، وفتح الباري 13/613
(4 )  ينظر: الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف
(5 )  أحرجه البخاري في الإيمان،باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق1/115/116 رقم126
(6 )  فتح الباري:1/94-95
(7 )  أخرجه الإمام أحمد في المسند:4/337
(8 ) فتح الباري:1/94-95
(9 )  أخرجه البخاري في المغازي،باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع:5/281 رقم789
(10 )  أخرجه الإمام أحمد في المسند:3/479
(11 )  أخرجه البخاري في المناقب ، باب صفة النبي– صلى الله عليه وسلّم-5/31رقم90
(12 )  رواه الترمذي:4/323
(13 )  الفتح:1/440
(14 )  رواه الإمام أحمد:2/381
(15 )  أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره:5/1638
(16 )  رواه مسلم:4/2014
(17 ) مدارج السالكين:2/316، ووجوب التعاون بين المسلمين للشيخ السعدي ضمن مجموعة الثقافية الإسلامية :206
(18 )  رواه الإمام أحمد:5/153
(19 )  أخرجه الإمام أحمد في المسند:2/250
(20 )  أخرجه الإمام أحمد:4/194، والترمذي:4/ 325
( 21)  رواه البخاري في النكاح،باب الترغيب في النكاح:7/2 رقم:5063
( 22)  رواه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر:1/83 رقم:38
( 23)  أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع:5/281 رقم:789
( 24)  أخرجه ابن حبان في الثقات:4/10 رقم:1607 وغيره.
( 25)  الاعتصام للشاطبي:2/740
( 26)  تفسير ابن كثير:2/477
( 27)  تيسير العزيز الحميد:275
( 28)  صحيح مسلم بشرح النووي:16/220
( 29)  أخرجه أبو داود: في الأدب، باب الحسد:4/276
( 30)  أصول المجمع الإسلامي لد. جمال محمد محمود:183
( 31)  كتاب التعريفات لعلي بن محمد الشريف الجرجاني:137
(32 )  أخرجه أبو داود وهو حديث حسن ،انظر كشف الخفاء:2/285
(33 )  أخرجه مسلم ، باب القيام للجنازة:2/660
(34 )  سماحة الإسلام في جانب الاجتماعي. د/ أحمد المبدي النجمي – من سلسلة فكر المواجهة (رقم 13)

-- الفريق العلمي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*