الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الوسطية

الوسطية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعاملين، وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله ورضي الله عن أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة (أي في الدين) بدعة، وكل بدعة ضلاله؛ قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

معنى الوسط في لغة العرب التي نزل بها القرآن الكريم: الخيار، ويطلق لفظ الوسط على مابين الطرفين، ووسطية الإسلام تعني الاعتدال والبعد عن الغلو والتقصير والاهتداء إلى صراط الله المستقيم، والخطاب في الآية الشريفة للمسلمين.
 
أي أن الله سبحانه اصطفى محمداً عليه الصلاة والتسليم وأمته، فجعلهم أفضل الأمم؛ قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، ولذلك جعلهم شهوداً للأنبياء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم، وتلك الشهادة جاء بها القرآن الكريم في آيات كثيرة، والمسلمون هم أهل القرآن.

ووسطية الإسلام عامة بالنسبة لجميع الأديان، وخاصة بالنسبة لجميع الفرق الإسلامية، فأما وسطيتها بين الأديان السابقة فهي وسطية يتجلى فيها الكمال ووضع الآصار والأغلال التي كانت على الأمم الماضية، ويتجلى فيها قبل ذلك كله توحيد الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وعبادته وحده لاشريك له، وإخراج الناس الداخلين فيه من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق، بعد أن حرفت هذه العقيدةُ الصحيحةُ في الكتب المتقدمة.

ويُنَزِّه الإسلام اللهَ عز وجل عن الوالد والوالدة والولد والزوجة والشبيه والمثيل؛ لأن هذه الصفات لا تكون إلا في المخلوق، والمخلوق لا يكون خالقاً ولا إلهاً؛ قال الله تعالى واصفاً ذاتَه المقدسة: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1 – 4].
 
والإسلام بريء من الظلم والاعتداء على الغير حتى من غير المسلمين، إذا كان معاهداً أو داخلاً في ذمة المسلمين أو إمامهم، بل إن ترويع الآمن محرم في الإسلام ولو على سبيل المزح، كالإشارة إليه بسلاح أو شيء مخيف، أو إخفاء شيء من متاعه، وقد كذب أعداء الإسلام الذين يصفونه بالإرهاب أو يصفون المتمسكين به بذلك، وأما ما يحصل من أفراد من المسلمين من إرهاب؛ فإن الإسلام بريء منه، وما هو إلا نتيجةُ انحرافٍ فكرِي أصيبوا به.
 
ومن أعظمِ الافتراءِ على الإسلام وأهله: وصفُ المصلحين من دعاة الإسلام والمجددين له بالإرهاب، كما حصل هذا الاتهام والافتراء ضد الإمام محمد بن عبدالوهاب من قِبَلِ المشركين والمبتدعين المنتسبين إلى الإسلام، ومن اتبعهم في ذلك من أعدائه من اليهود والنصارى وغيرهم، وهذا الحكم لا يصدر إلا من ظالم يعمل ضد التوحيد وأهله.
 
ونقول لهؤلاء: اقرأوا سيرة الإمام محمد بن عبدالوهاب وكتبه ورسائله؛ لتروا أن دعوته أشبه بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي تجديدٌ لما اندرس من توحيد الله تعالى، ونَهْيٌ عن الشرك والبدع والظلم.. والعاقلُ المنصفُ من يجعل نفسه في منزلة القاضي العادل، فلا يحكم إلا بعد فهمِ جوابِ المُدَّعى عليه وسماعِ حُجَّتِه.
 
ويتجلى في وسطية الإسلام: أن الله أوجب الإيمان بجميع رسله وكتبه، لذا فإن الإنسان لا يكون مسلماً حتى يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.

وتتجلى عظمة الإسلام كذلك في وسطيته في الاقتصاد والاجتماع؛ فهو يوجب على اتباعه أن يكتسبوا بالطرق الشرعية التي لا ظلمَ فيها ولا أنانيةَ، وأن ينفقوا جزءاً من أموالهم على الفقراء والمحتاجين، ويُرَغِّبُ في الإنفاق في المشاريع والمرافق العامة؛ ليحصل التعاونُ والتكافؤ بين طبقات المجتمع.

ويحَرِّم المكاسب المحرمة كالربا والسرقة والقمار والغش في المعاملات والرشوةِ، وهذا عكس ما عليه أهلُ الجاهليةِ المشركون، وما عليه اليهود والنصارى وغيرُهم من غير المسلمين في الشرق والغرب، من استباحتهم للربا والتعاملِ به، واحتكارِ الثرواتِ؛ حتى صار أكثرُ شعوبهم فقراءَ، يعيش أكثرهم على الأرصفة في الشوارع على ما يُعطَون من صدقات المارة.

وتتجلى وسطية الإسلام في إكرام المرأة وصيانة شرفها حتى لا يُنتهك، وقصرها على وظيفتها التي جعلها الله مناسبة لخَلْقِها وخُلُقِها، وذلك بتكليف الرجل بالقوامة على المرأة، وتفريغها للقيام بتربية أولادها، وخدمة زوجها داخل البيت، إلا ما راق لها أن تقوم به من عمل خارج بيتها تتفق في القيام به مع زوجها، شريطة أن لا يكون شاقًّا عليها، ولا معرضا لها للإهانة.

وفي جهاد الكافرين المعاندين الصادين عن الإسلام المحاربين له؛ يأمر الله بجهادهم مثل ما أمر بذلك الأنبياء والمؤمنين بهم في الأمم الماضية، شريطة أن يكون القصدُ منه رحمةَ الخلق، وإظهارَ الحق الذي يريد الكافرون طمسه، والصدَّ عنه حتى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدين لله، ولذا فإن الإسلام يحَرِّم قتال الذين لم تبلغهم الدعوة إلى الله، ولم يحصل منهم عداء للإسلام وأهله، حتى يُدْعوا وتقوم عليهم الحجة.

ويحرِّم قتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى حتى يُدْعَوا إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى دفعِ الجزيةِ لقاءَ حمايتهم وبقائهم على دينهم، شريطة أن لا يُظهروا شعائر الكفر أمام المسلمين.

ويحَرِّمُ الإسلام قتلَ النساءِ والصبيان، والشيوخِ والرهبان، وأصحابِ الصوامعِ وكلِّ من لم يشارك في القتال، ويأمرُ بإكرامِ الأسرى والعنايةِ بهم حتى يفهموا الإسلامَ على حقيقتهِ، فيكونَ الأسرُ سبباً في إسلامهم وسعادتهم – إن شاء الله.

وتتجلى وسطية الإسلام في جميع صور الاعتدال والبعد عن الغلو والتقصير الذي وقعت فيه أكثر الأمم، وحَرَّفت من أجله كتبَ اللهِ وعلى رأسِها التوراةُ والإنجيلُ، فإن اليهود لعنهم الله قصروا في الأخذ بها كل التقصير؛ فجعلوها قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً حسب أهوائهم!!

ومن جملة ما أخفوه: البشارةُ برسالة خاتمِ المرسلين نبِيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وبرَّأ الإسلام مريم عليها السلام مما اتهموها به من الزنا، فهي في الإسلام الصدِّيقة الطاهرة المطهرة العذراء البتول، وبرَّأ الإسلام ابنها عيسى عليه السلام من اتهامهم له بأنه ابنُ زنا فهو المسيح عيسى بنُ مريم عبدُالله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأدان اليهود بالعزم على قتله وبقتل حوارِيِّه الذي ألقى الله عليه شَبَهه بعد أن رفع نبيه عيسى عليه السلام إليه، وهكذا أدانهم بقتلهم الأنبياءَ قبلَه ومحاولتِهم قتلَ خاتمِ المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم عدة مرات، فنجَّاه الله منهم وأدان كفرهم بالله وشركَهم العظيمَ به إذ عبدوا الطاغوت، وجعلوا عزيراً ابن الله وإلهاً معه وألَّهوا العجل والأحبار ووصفوه سبحانه بالفقر وبأن يده مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا وأدانهم الإسلام باحتيالهم على الله باستحلالهم ما حرم عليهم بأدنى الحيل فلعنهم وجعل منهم القردة والخنازير وكتب عليهم الذلة إلى يوم القيامة.

وتتجلى وسطية الإسلام في البعد عن الغلو الذي اتصف به النصارى فرفعوا عيسى وأمَّه عليهما السلام إلى مرتبةِ الألوهيةِ وجعلوا الآلهة ثلاثة، وجعلوا عيسى ابناً لله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، وغلا رهبانهم في ابتداعِ عباداتٍ لم يشرعها اللهُ، وفي تحريمِ ما لم يحرمه من بعض الطيبات.

وتتجلى وسطيةُ الإسلامِ بالنسبة لجميعِ الفرقِ الإسلاميةِ في أعدل الفرق وأصلحها وأزكاها وأحبها إلى الله ورسوله، وهي الفرقة الناجية – أهل السنة والجماعة – التي نجاها الله من النار من بين ثلاث وسبعين فرقةً، وهم من كان على مثلِ ما عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه، كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح.

ففي أسماء الله الحسنى وصفاته العلى يُمِرُّونها كما جاءت في الكتاب والسنة، ويثبتونها على الوجه اللائق بالله سبحانه، بلا تعطيل ولا تأويل ولا تكييف، ولا تشبيه ولا تمثيل، على حد قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} {الشورى: 11] فهم وسطٌ بين الجهميةِ المعطلةِ والمعتزلةِ والأشعريةِ المأولةِ وبين المشبهة.

وفي عبادة الله تعالى يخلصونها لله تعالى، ويتبرؤُن من طريقة المشركين الذين يعبدون مع الله غيرَه من أصحاب القبور وغيرهم، فلا يدعون إلا الله، ولا يذبحون ولا ينذرون إلا لله، ولا يعتقدون النفع والضر إلا في الله، ولا يتوكلون إلا على الله ولا يعتقدون علم الغيب وتدبير الأمور إلا في الله، ويتبرأون من طرق المبتدعين الذين لا يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يتبعون مشايخ طرقهم الضالةِ في تشريعِ ما لم يأذن به الله.

وأهل السنة والجماعة وسط في قدر الله تعالى بين الجبرية والقدرية النافين للقدر، فهم يثبتون أن كل شيء بقدر، وأن ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن، ويثبتون الأمر الشرعي، وهو أن للعبد مشيئةٌ تابعةٌ لمشيئة الله تعالى، كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 28 ، 29].

وهم وسط في محبة آل البيت والولاء لهم بين الرافضة الغلاة والنواصب الجفاة فهم شيعة آل البيت حقا لأنهم على نهجهم الحق في إخلاص العبادة لله ومحبتِهم ومحبةِ كلِّ عبدٍ صالحٍ في الله.

وهم وسطٌ في الوعد والوعيد بين الخوارج والمرجئة يعتقدون أن الإيمانَ قولٌ واعتقادٌ وعملٌ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ولا يكفِرُون أحدا من أهل القبلة بذنب وأِنْ كان كبيرةٍ إلا إذا استحله وكان ذنبا قد أُجْمِعَ على تحريمه بعد إقامة الحجة عليه إن كان يجهله.

ويتبرؤن من طريقة أهل التكفير المعاصرين الذين قلبوا قاعدة (الحكم بإسلام من شهد أن لا إله إلا اللهُ وأن محمداً رسولُ الله وتحريمِ دمِه ومالِه)، وشرعوا قاعدةً لم يأذن بها الله وهي الحكم بتكفير الحكام والمجتمع المطيع لهم بحجة ارتكابِ بعضِهم للمعاصي وتعاملِهم مع الدولِ الكافرةِ وعقدِ الصداقةِ معها مما جعلهم يستحلون الخروج على الحكام والاعتداء على الآمنين من المستأمنين والمسلمين بل ويُقْدم بعض من يقوم بهذا الاعتداء على قتل نفسه جهلاً منه وظناً أنه استشهاد في سبيل الله.

ويتبرؤون من عقيدة ومنهج العلمانيين الذي يمثلون دور المنافقين والزنادقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين والذين يدعون إلى الإلحاد وعزل الدين عن الدولة والانحلال والفجور باسم الحرية والديمقراطية بل ويدعون إلى الأخذ بمنهج الشيوعيين واليهود والنصارى والأخذ بقوانينهم وإباحيتهم ومنهجهم في الحياة الذي لا تمييز فيه بين حلال وحرام ممتطين في الدعوة لهذا الكفر البواح الصحافةَ المنحرفةَ والتلفزيونَ ووسائلَ الإعلامِ الأخرى واتخذوا من المرأة مطية لدعوتهم إلى الفجور والانحلال باسم الديمقراطية ومسايرة الحضارة الغربية وصاروا يعملون على إبراز من انخدع بهم من النساء ممن قل حياؤهن وإيمانهن وسُلبت عقولُهن في المحافلِ والمنتدياتِ ويشجعونهن على التبرج والاختلاط بل وعلى الانحلال والرذيلة باسم حرية المرأة وتقدمها.

وأخطر مجال لبث سمومهم وكفرهم هو قربُ بعضِ رموزِهم من الحكام وكونُهم بطانةً لهم فإنهم بذلك يزينون للحاكم وسائلَ الكفرِ والانحلالِ باسمِ التقدمِ ومجاراةِ العصرِ والحضارةِ ومسالمةِ الغربِ الكافر فإذا انخدع بهم الحاكم صار حرباً على الإسلام والمتمسكين به وحينئذ يكون قد أذن بهلاك نفسه وزوالِ حُكْمِه وعقابِ الله عز وجل العاجلِ له إن كان مسلماً ـ وإننا لنسأل الله عز وجل القريب المجيب أن يكفي حكامنا شر العلمانيين وشر كيدهم فإنهم أعدى أعدائهم ولكننا في الوقت نفسه ندعو العلمانيين إلى الإيمان بالله ورسوله ودينه وإلى التوبة النصوح فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا فإنما يهلكون أنفسهم ولا يهلك على الله إلا هالك، ونتوجه إلى النساء اللاتي انخدعن بدعاياتهم وتضليلهم وصرن ألعوبة يوجهونهن وجهة الشر التي فيها هلاكهن وشقاؤهن بخلع جلباب الحياء والتهتك والاختلاطِ بالرجال وحبِّ الظهورِ المُشِين؛ نتوجه إليهن بدعوتهن إلى الرجوع إلى الله والتوبة النصوح فإن لم يتبن ولم يتب دعاتهن العلمانيون الصادون عن سبيل الله المعرضون عن دينه الداعون إلى النار حتى يموتوا على كفرهم وتنكرهم فإنهم متوعدون بدخول جهنم مع الأمم الكافرة كلما دخلت أمة لعنت أختها وانقلبت محبتُهم وصداقتُهم في الدنيا عداوةً في الآخرة وندماً حين لا ينفع الندم.

وتتجلى وسطية الإسلام في مجال الدعوة إلى الله تعالى في امتثال أمر الله تعالى ورسوله بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المشروع وهو العمل بمراتبه الثلاث التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» والمنكر عند الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة هو ما دل الدليل الصريح من القرآن أو الصحيح الصريح من السنة على تحريمه والنهي عنه، وتغييره عندهم باليد إنما يكون لولي الأمر أو نائبه وللرجل في بيته مع أهله وأولاده وخدمه وللمرأة كذلك، وأما باللسان فهو لمن لا سلطة له باليد على العاصي ولكنه يقدر على نصيحته وموعظته ودعوته لتركِ ذلك المنكرِ أو أداءِ الواجبِ الذي تركه، وأما التغيير بالقلب فيكون لمن لا يقدر على التغيير بيد ولا بلسان فيلزمه بُغْضُ ذلك المنكر بقلبه وبغضُ فاعله من هذا الوجه فأهل السنة يحبون المسلم العاصي من جهة إسلامه وما اتصف به من صفاتِ الإيمانِ ويكرهونه من وجه اتصافه بذلك المنكر ويرفقون به ويحبون له الهداية ويدعون الله له ويحمدون الله الذي عافاهم مما ابتلاه به، وهم مع إخوانهم الدعاة إلى الله تعالى بطريقٍ مخالفٍ للحق الذي هم عليه في بعض تصرفاتهم واعتقاداتهم نتيجة اجتهاد من المؤسسين لتلك الطرق هم مع هؤلاء بمنزلة الطبيب الحاذق المخلص للمرضى يتعرف على داء كل مريض ثم يلتمس له العلاجَ المفيدَ بإذن الله.

فالجماعة -الإخوان المسلمون- التي اهتمت مشكورة بالدعوة إلى تحكيم الشريعة وتربيةِ الشبابِ على ما فيه صلاحهم، لكنها قصرت في جانب الدعوة إلى توحيد الله ومحاربة الشرك والبدع رغم انتشار ذلك في بلدانهم وعلى مرأى منهم.. هذه الجماعة يعالج أهل السنة السلفيون تقصيرها في الدعوة إلى التوحيد بدعوة رجالها إلى الاهتمام بهذا الأمر والدعوة إليه ويعالجون موقفهم مع الحاكمين بغير ما أنزل الله الناطقين بالشهادتين بالبيان لهم أن الواجب عليهم مناصحتُهم بحكمة والاجتهادُ في إقناعهم بضرورة تحكيم الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك وتحذيرُهم عن القيام بالاعتداء على أحد منهم لما يترتب على ذلك من فتنة وشر، ولا يخوض أهل السنة والجماعة في أعراض هؤلاء الإخوان بل يدعون الله لهم بالتوفيق ويحبون منهجهم فيما هو موافق للشريعة الإسلامية ويعتبرونهم إخواناً لهم في الله وأنهم خير ممن لم يهتموا بالدعوة إلى الله.

والجماعة -أهل التبليغ- التي اهتمت بإصلاح الفرد ودعوة المسلمين إلى التواضع والإيثار وإلى تجديد الإيمان بالله والإخلاص له ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام وتضحيتهم في سبيل هذه الدعوة والتفرغ لها والبعد عما يثير الاختلاف، والخروج المرتب المستمر من أجل إصلاح الداخلين في هذه الدعوة واكتساب المزيد من الداخلين الجدد من كل بلد يصلون إليه.. هذه الجماعة يحب أهل السنة والجماعة السلفيون ما اشتملت عليه دعوتهم من التواضع والإخلاص وإكرام المسلمين بالخدمة والإيثار وحسن الخلق والعفاف والحرص على دعوة المسلمين وغيرهم إلى الإسلام والإيمان بالله تعالى وذكره ـ ويعدونهم بذلك إخواناً لهم في الله ويدعون الله لهم ويحبون فيهم هذه الصفات.

ولكنهم مع هذا لا يقبلون منهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ذلك واجب على الوجه الشرعي خصوصاً بالنسبة للذين لا يخرجون معهم.

ولا يقبلون منهم وصف الوعظ والإرشاد وبيانِ الحقِ والدعوةِ إليه وبيانِ الباطل والتحذيرِ منه على المنابر وفي المجامع والأسواق على الوجه المشروع بأنه لا يجدي لأن ذلك واجب أمر الله به ورسوله وهو هدي الرسول صلى الله عليه وسلموخلفائه الراشدين والسلف الصالح بل هديُ جميعِ الرسل لأن البلاغَ وإقامةَ الحجةِ والبيانَ لعامة الناس لا يتم إلا بذلك لا بالخروج الذي لا يشمل إلا جزءاً يسيرا من الأمة.

ولا يقبلون منهم نسبة ارتكاب العاصي من المسلمين للمعصية إلى عدم الإيمان لديه لأن المؤمن تقع منه المعصية مع بقاء أصل الإيمان لديه فهو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته.

ولا يقبلون منهم قصر الجهاد في سبيل الله على الخروج لأن الخروج الشرعي جزء منه ولكن الجهادَ الأكبرَ الذي هو ذروةُ سنامِ الإسلامِ والذي جاءت به النصوص إنما هو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله على الوجه المشروع.

ولا يقبلون منهم إقناعَ من له والدان أو أهلٌ وعيالٌ هم بحاجة إليه يومياً لا يقبلون منهم إقناعه بالخروج معهم لما في ذلك من إضاعة لمن أوجب الله عليه أن يجاهد فيهم بالبقاءِ معهم وقضاءِ حوائجِهم.

ولا يقبل أهل السنة والجماعة – السلفيون حقاً – ما نُسب إلى جماعة من إخوانهم أهل السنة والجماعة في الزمن الحاضر، من النيل من أعراض بعض العلماء والدعاة إلى الله، والافتراء عليهم رغم أنهم من أهلِ السنةِ والجماعةِ، المتأسين بالسلفِ الصالِح في هذا الزمن، لما عرف عنهم من الوسطيةِ تجاهَ الجماعاتِ المتقدمِ وصفُها، وتشجيعِهم فيما عرف عنهم من الخير، ومعالجةِ ما أخطئوا فيه بالحسنى ولا يقبلون ما نسب إلى تلك الجماعة من محاربة حلقِ تحفيظِ القرآن في المساجد ومحاربةِ خروجِ الشباب في رحلاتٍ تربوية تربيهم على أداء الفرائض وطاعة الوالدين وتبعدهم عن جلساء السوء من الشباب المنحرف وتغرس فيهم الفضيلة والأخلاقَ الإسلاميةَ وطاعةَ اللهِ ورسولهِ وأولي الأمر.

ولا يقبل السلفيون حقاً ما نسب إليهم من اتهام القائمين على تلك الحلق الخيرية بما يستحي العاقل أن يتفوه به، وما نسب إليهم أنهم يحملون كلام علماء تلك الجماعات بل وبعض العلماء والدعاة من جماعة السلف من أهل السنة والجماعة المحمل السيء ويسيئون بهم الظن بل ربما ألصقوا ببعضهم تهمة الإلحاد اتباعاً للهوى وتسويلِ الشيطان.

وأما ما نسب إليهم أنهم يصفون الدعاة الذين سبق ذكرُ بعضِهم ونحوَهم ممن ليسوا على منهجهم في الدعوة بأنهم خوارج فإن ذلك راجع إلى عدم فهمهم بمذهب الخوارج الذي هو الخروجُ على الحكام المسلمين بالسيف بمجردِ حصولِ مظالمَ منهم أو عصيانٍ وتكفيرُهم المسلمَ إذا ارتكب الكبيرة دون الكفرِ والشرك الأكبر واستحلالُ دمِه ومالِه إذا لم يتب، وإعمالُهم نصوصَ الوعيدِ وإهمالُهم نصوصَ الوعدِ. هذا مذهبُ الخوارجِ.
 
أما ما يحصل من أناسٍ عُرفوا بالصلاحِ وسلامةِ العقيدةِ وحسنِ النيةِ من تذمر تجاه ما يرونه تقصيراً أو سوءَ تصرف فهذا يحصل بين الوالد وولده والأخ وأخيه ولا يسلم منه إنسان؛ بل قد وجدَ من بعض الصحابةِ الذين عاشوا بعد الخلافة الراشدة في زمن بني أمية ومن بعض التابعين بما لا يتسع المقام لذكره من ذلك التذمر فهو لا يعني الخروج على ولي الأمر بأي حال، وولاة الأمر حفظهم الله بالإسلام يدركون ذلك ولا يؤاخذون عليه بل إنهم يعلنون في كثير من المناسبات أنهم غير معصومين وأنهم يرحبون بالنقد الهادف ويشكرون من يتعاون معهم ببيان ما يخفى عليهم من أمور تحتاج إلى إصلاح وإنما الذي ينهون عنه ولا يرضونه ونحن كذلك لا نرضاه لمخالفته لمنهج الحق هو التشهير بهم على المنابر وفي وسائل الإعلام لأن أهل السنة والجماعة يوجبون مناصحَةَ ولاةِ الأمورِ مشافهةً أو مكاتبةً بما هو واجبٌ وهذا مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة قالها ثلاثاً، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، وما ينسب إلى هؤلاء المدعين للسلفية المحاربين للسلفيين حقاً كما تقدم وصفهم من مداهنة ولاة الأمر وترك مناصحتهم.. نرجوا أن لا يكون صحيحاً لأن ذلك من كبائر الذنوب وهو أعظم خيانة لله ولرسوله ولولاة أمرهم لأن مناصحة ولاة الأمر والنصح لهم على الوجه المشروع فريضة؛ مكاتبةً أو مشافهةً من غير تشهير كما تقدم بيان ذلك.

وما يشاهده الكثيرون من أهل السنة والجماعة من انكماشِ بعض إخواننا المذكورين وعبوسِهم في وجوه إخوانهم ووقيعتهم في الأعراض أمرٌ يغرس في النفوس كرهَهم واعتبارَ الناسِ لهم بأنهم يقفون من حيث لا يشعرون مع العلمانيين في صف واحد ضدَّ الإسلامِ وأهلِه ويُوجِدُون فجوةً بين ولاة الأمر وبين من يتهمونهم من العلماء والدعاة إلى الله والشباب المتوجه إلى الخير بالإضافة إلى ما ينشأ عن ذلك من خلاف وتفرق بين المؤمنين نهى الله عنه، ومما يجب على هؤلاء المنشقين أن يعلموه ويحذروه أنه لم يسلك مسلكهم جماعة إلا عاقبهم الله سبحانه، فليتقوا الله تعالى وليتوبوا إليه ولله عاقبة الأمور.

والذي ينبغي فهمه عن سبب الصحوة الإسلامية أنها فتح من الله فتح به على المسلمين فأصبحت المساجد تمتلئ بالشباب بعد أن كان لا يوجد منهم إلا النادر، وصاروا يتعاونون بكل إخلاص مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتعاونون مع وزارة الشئون الإسلامية في مكاتب الجاليات بدعوة غير المسلمين إلى الإسلام وتعليم الداخلين منهم في الإسلام تعاليم الإسلام إلى غير ذلك من جهودهم الإصلاحية، وهذا الفتح سنة من سنن الله تعالى التي يجدد بها دين الإسلام كلما اشتدت غربته والحمد لله.

وخلاصة منهج السلف الصالح أهل السنة والجماعة الذي يمثله ولله الحمد كبارُ علمائِنا الماضين والأحياء هو التوسط والاعتدال والبعد عن الغلو والتقصير والاعتراف لأهل الفضل بفضلهم وإعانتهم عليه وتصحيح أخطائهم بالرفق وبالمناصحة بالتي هي أحسن في سرية وستر مع التماس العذر لهم وحمل أقوالهم المحتملة للتأويل على أحسن محمل كما أمر الله سبحانه بذلك في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم والله المسؤول أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم وأن يعز الإسلام والمسلمين وأن يدمر أعداء الدين وأن يجمع شملَ المسلمين عامةً والدعاةِ إلى الله خاصةً على الحق وأن يعز ولاة أمرنا بالإسلام وأن يحفظهم به آمين والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه.

-- عبدالرحمن آل عمر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*