السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » مدخل إلى تعظيم وسطية الإسلام

مدخل إلى تعظيم وسطية الإسلام

الحمدُ لله الذي رفع بفضله مقامَ أمة الإسلام، وجعلها بعدله الشاهدةَ على الأنام، فكفانا حرجَ الحاجة إلى مِلَل السِّوَى، وأغنانا عن التمحُّل في طلب الهدى، والصلاةُ والسلام على أرفع الخلق رأسًا بالدين، وأرقاهم في درجات الحق واليقين، وعلى آله الأصفياء، وصحبه الماجدين الأتقياء.

وبعـدُ،
فهذا مدخل إلى تعظيم وسطية الإسلام الراسخة، والإشادة بخصائصها السامقة، وهو عبارة عن مراسم منيفة، وإشارات بليغة إلى أن ما تُسلِّم به العقولُ، وتأمن به النفوسُ، وتستقيمُ به أحوالُ الخلق من الوسطية والاعتدال قد تضمنه طريقُ الإسلام على جهة الغنى والكمال، واشتملت عليه نصوصُ القرآن أتم اشتمال، فغدا له من أماراتِ الإعجاز وخصائص التحدي ما يغمرُ الوسائلَ والبدائل في كل منهاج سواه.

وإنَّ قولَه تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] من الأدلة العظيمة على أن وسطية الإسلام -في جلالها وجمالها وتجددها- مهيمنة على وسطية كل دين وكل نظام ترجو البشريةُ خيرَه وعدله.

وأصلُ الهيمنة في العربية: الحفظُ والارتقاب، فالمراد بها في الآية الكريمة الحفظ والاستغراق؛ كما قال ابنُ عباس -رضي الله عنهما- في تفسيرها: “القرآنُ أمينٌ على كل كتاب قبله” [علقه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه في مطلع تفسير سورة المائدة، وبيَّن وصلَه الحافظُ في فتح الباري 8 / 268].

وفيه أيضا دليل على أن حديثنا عن وسطية الإسلام واعتداله في هذا الزمان ليس اضطرارًا وتكلفًا، أو دفاعًا عن النفس ورفعًا لحرج التهمة بـ”التطرف” و”الإرهاب”… كلا!

إنه كشف وبيان، وإفشاء للحق الأبلج الذي نزل به الكتابُ، وليعلم الناس أن الشاغلين مواقعَ الهجوم علينا هم الجناة حقًّا؛ الأحْرِياءُ باستشعار حرج الذنب، والإكراه على الإذعان واصطناع الأعذار.

ولئن كان من المسلمين طائفةٌ أو طوائف تشوه حقيقة الإسلام بما تأتي وتذر، فإن الإسلام لا يحابيها، ولا يجوز بوجه أن يحملَ وزرَها، أو أن يُعاد النظرُ في أصول تشريعه لتصحيح أخطاء المفسدين، بل لا تزال قوانينُ الأرض فوق النقد!…؛ يُمدح موافقُها، ويُذم مخالفُها، ويُردَع مَن تجاوزها، ولا تبدل إلا حظرًا وتضييقًا على المتحايلين عليها..، أفتكون أقدسَ من شريعة الله، وأكبرَ في أعين الداعين إلى “تجديد” الإسلام؟!…. 

إن كل متحدث عن الإسلام مدعو إلى تحقيق ما ينسب إليه من الصفات والخصال سلبًا وإيجابًا، وذلك ليس منعًا لحرية التعبير أو احتكارًا للمعرفة، ولكن طلبًا للإنصاف؛ فإن عقلاء العالم مجمعون على أن معرفةَ الشيء شرطٌ في الإخبار عن صفاته وأحواله.

وقد تخيرتُ مراسم منيفة وإشارات بديعة لطيفة مما أثار به الإمامُ المبدع ابنُ القيم رحمه الله دفائنَ الكتاب، وكشفَ به أسرارَ قوله تعالى من سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}.

فهاتان آيتان جامعتان من سورة الفاتحة التي لا يفتؤ كل مسلم يتلوها كل يوم وليلة؛ في كل ركعة من كل صلاة فريضة ونافلة؛ إشارة إلى أن وراءَ تَكرارِها على كل لسان في كل آن ومكان أسرارًا تستدعي مُستَمِرَّ اليقظةِ والتدبر، وأن العالمين لو وُفقوا لإحصاء دلالاتها، واستخراج ما تحت آياتها لنفِد ما يستخرجون دون أن تنفَد دقائقُ معانيها وأسرار مراميها.

وقد استخرج الإمامُ ابن القيم رحمه الله من هاتين الآيتين ستةَ ملامح إلى ما ذكرت، فانتقيتُ ما استخرجه، ولخصتُه من كتابيه الرائعين: بدائع الفوائد (2 / 244 وما بعدها) ومدارج السالكين (1 / 16 وما بعدها)، وما أورده من كلام غيره فإني أنسبه إلى صاحبه. 

الملمح الأول: فائدة البدل في الدعاء:
مع كون الداعي إنما يخاطِب بقوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} الربَّ تعالى، وهو عز وجل في غنى عن البيان، فلماذا زاد {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ…}؟

فالجواب من وجهين:
الأول: ما ذكره العلامة الزمخشري -رحمه الله- أن فائدة البدل هنا “التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده”. [الكشاف 1 / 25].

فهو في معنى قول المتكلم: هل أدلكم على أقوم السبل وأسلمها؟..: صراط الذين أنعم الله عليهم؛ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالاستقامة والاعتدال؛ لأن ذكره ثني مجملا ثم مفصلا؛ فوقع المفصل تفسيرًا وإيضاحًا للأقوم والأسلم، وجعل علمًا في الاستقامة.

والثاني: ما ذكره الإمام ابن القيم أن شرط الأدب في الطلب يقتضي أن يكون ممزوجًا بالثناء، لذلك أخبر طالبُ الهداية عن الصراط المطلوب بالاستقامة تصريحًا منه بمعتقده وإقرارًا، ثم ثنى بالثناء على المدعو بأن الصراط الذي يطلبه ما نصبه لأهل نعمته وكرامته.

ولا يخفى أن الداعي مأمور بتدبير ما يطلب وتصور معناه، فذكر له من أوصاف الصراط ما إذا لصق بخلده وطبع في قلبه كان أشدَّ طمعًا ورغبة فيه، وأحرص على دوام الطلب له.

الملمح الثاني:
فائدة تعريف (الصراط) باللام التي إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحق بتلك الصفة من غيره، ومنه ما كان يدعو به النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل: (أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ..). [أخرجه البخاري في كتاب التهجد من صحيحه، باب التهجد بالليل -3 / 5 فتح].

ثم قال: (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، والْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ..)، فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة، وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه[1].

فلو قال: اهدنا صراطًا مستقيمًا..؛ لكان الداعي إنما يطلب الهداية إلى صراطٍ ما مستقيمٍ، وليس المرادُ ذلك؛ ولكن المراد الهداية إلى الصراط المعين الذي نصبه الله لأهل نعمته، وجعله طريقًا إلى رضوانه وجنته، وهو دينه الذي لا دين له سواه، فهذا صراطٌ قد قام في الذهن والجَنان تصوره، وتصديقه، وتمييزُه عن سائر طرق الضلال[2].

الملمح الثالث: فائدة اشتقاق الصراط[3]:
فالمشهورُ أنه من: صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته، وانسرط الشيء في حلقه: سار فيه سيرًا سهلا، والصراط: الطريق الواضح كما قال جرير:
   أَمِيرُ  الْمُؤْمِنِينَ  عَلَى   صِرَاطٍ        -إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ- مُسْتَقِيمِ

وسمي الطريقُ صراطًا – كما في اللسان[4] – لأن المارة تسترط فيه لكثرة سلوكهم لاحِبَه، وبنَوْه على زنة فِعال لأنه مشتملٌ على سالكِه اشتمالَ الحلقِ على الشيء المسروط، وهذا الوزن كثيرٌ في المشتملات على الأشياء كاللِّحاف والخِمار والرِّداء والغِطاء والفِراش والكِتاب.

فالسالكون طريقَ الإسلام مشمولون لا محالة بفضله، مكفولون برعاية من هداهم إليه سبحانه وتعالى، قد غمرتهم أياديه عنايةً وكفاية.

ولا يكون الطريقُ صراطًا حتى يتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعينه طريقًا للمقصود[5].

فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه؛ لأن الخط المستقيم أقرب خط واصل بين نقطتين، وكلما اعوج طال وبعد.

واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا.

الملمح الرابع: إضافة الصراط إلى الموصول المبهم؛ فلم يقل صراط النبيين والمرسلين
وفيه ثلاث نكت بديعة:
أولها: إشعار الذهن بأن استحقاق الموصوفين أن يكونوا من أهل النعمة إنما هو بهدايتهم إلى هذا الصراط، فتعليق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد هنا أنسب وأليق، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأحقاف: 13].

ثانيها: نفي التقليد عن القلب بإدراكه أن من هدي إلى هذا الصراط فقد أنعم الله عليه، فإذا عرف غاية ما توصل إليه الهداية إلى الصراط المستقيم نشط وتحرر.

والفرق بين هذه النكتة والتي قبلها أن الأولى تضمنت الإخبار بأن أهل النعمة هم أهل الهداية إلى الصراط المستقيم، والثانية تضمنت طلب الداعي وإرادته أن ينزل منزلتهم.

ثالثها: أن الآية عامة في جميع طبقات المنعم عليهم، ولو أتى باسم خاص لفات الداعي سؤال الهداية إلى تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وهذا أجلُّ مطلوب، وأعظمُ مسؤول، ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هِجِّيراه[6]، وقرنه بأنفاسه، فإنه لم يدع شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمنه.

الملمح الخامس: لِمَ قال الله تعالى في وصف أهل الصراط المستقيم: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ولم يقل (المُنْعَم عليهم) كما قال {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}؟

فيه أربع فوائد:

الفائدة الأولى:
أن النعمة هي الخير والفضل[7]، والغضب من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب؛ فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين، وأسبقهما، وأقواهما.
وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنعم إلى الرب سبحانه، وحذف الفاعل في مقابلتهما، كقول مؤمني الجن: {وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [الجن: 10]، وقول الخضر في شأن الجدار واليتيمين: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا} [الكهف: 82]، وقال في خرق السفينة: {فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف 79]، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف: 82]، ونظيره قول الخليل عليه السلام: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 78.79.80]؛ فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولما ذكر المرض قال: وإذا مرضت، ولم يقل: وإذا أمرضني، وقال: فهو يشفين.

الفائدة الثانية:
أن ضمير المنعم إنما أبرز ذكرًا له وشكرًا على إنعامه بالهداية إلى الصراط المستقيم، وهما الذكر والشكر الواردان في قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152].

الفائدة الثالثة:
أن الله تعالى هو المنفرد بالنعم كما قال: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]، فاقتضى هذا الاختصاصُ أن يسند إليه الإنعام بضمير الإفراد، بخلاف غضبه على من استحقه؛ حيث حذف فاعله.

الفائدة الرابعة:
أن صراط المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنه وعن أهله، والإشارة إلى محض صفتهم، والاقتصار عليها، بخلاف صراط أهل النعمة؛ فإنه في مقام تعيينه، ورفع قدره، والإشادة بذكره وأهله.

الملمح السادس: ذكر الصراط المستقيم مفردًا معرفًا تعريفين: تعريفًا باللام – وقد مر -، وتعريفًا بالإضافة… 

وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه طريق واحد، وأن طرق أهل الغضب والضلال شتى، كقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، فجمع سبل الزيغ، وأفرد سبيل الاستقامة[8]، وفي حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “خط لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطًّا؛ وقال: (هذا سبيل الله)، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: (هذه سبل؛ على كل سبيل شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. [أخرجه النسائي في تفسيره 1 / 485، رقم الحديث 194].

ومن أدلة القرآن المتينة البديعة على اختصاص الصراط المستقيم، وأنه موصل لا محالة قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} [الحجر: 41].

فإن (عَلَيَّ) فيه للوجوب؛ أي علي بيانُه وتعريفُه والدلالةُ عليه، كما قال في آية أخرى: {وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} [النحل: 9]، أي أن السبيل القاصد المستقيم المعتدل يرجع إلى الله، ويوصل إليه، كما قال الشاعر طفيلٌ الغنوي:
مَضَوْا سَلَفاً قَصْدَ السَّبِيلِ عَلَيْهِمُ        وَصَرْفُ الْمَنَايَا بِالرِّجَالِ  تَقَلَّبُ

وقال آخر:
   فَهُنَّ  الْمَنَايَا  أَيُّ  وَادٍ  سَلَكْتُهُ        عَلَيْهَا طَرِيقِي، أَوْ عَلَيَّ طَرِيقُهَا

فإن قيل: أليس الأليق بهذا المقام أداة “إلى” الدالة على الانتهاء؟؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 22.23]،.. ونظائره.
فالجواب: أن أداة “على” قد اشتملت على سر لطيف، وهو الإشارة إلى أن سالك الصراط المستقيم على الحق، وعلى الهدى؛ كما قال تعالى: {أُولَئِكَ عَلَى هُدى مِن رَبِّهِمْ} [البقرة: 4]، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79]، فليس في أداة “إلى” ما في أداة “على” من العلو والاستعلاء بالاستقامة مع الثبات على صراط أهلها، بل إن أداة “على” تقابل -في وصف حال أهل الزيغ والضلال- أداة “في” الدالة على انغماسهم فيه؛ كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ} [الأنعام: 39]، وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 14]، ونظائره، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

كان الفراغ من مراجعته وتنقيحه صباح يوم الجمعة خامس ذي الحجة 1428 هـ.

بمراكش الحمراء الغراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] فإن قيل: فلماذا قال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} فأضاف الصراط إلى غير الله؟، فالجواب أنه صراطهم بالنظر إلى انتسابهم إليه ومرورهم عليه فحسب؛ وقد قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ} [الشورى: 52 – 53]، فبهذا يتسق المعنى ويزول التعارض.
[2] فإن قيل: لم جاء منكرًا في قوله تعالى: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 87]، وقوله فيها أيضا: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 161]، وقوله أيضا: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، وقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} [الفتح: 2]، فالجواب أن هذه الآيات ليست في مقام الدعاء والطلب، وإنما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم.
[3] الأصل: السراط، والصراط لغة فيه، وإنما قلبت السين صادا لكونها أقرب إلى مخرج الطاء.
[4] لسان العرب: سرط.
[5] ولم يذكر في القرآن الكريم بلفظ الطريق إلا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن في قوله: {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30].
وتعبيرهم ههنا بالطريق فيه نكتة بديعة، وهي أنهم لما قدموا ذكر موسى، وأن ما سمعوا من القرآن مصدق لكتابه وغيره كان ذلك تصديقا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقومه في الآية 9 من نفس السورة: (مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ)؛ أي لست أول رسول بعث إلى أهل الأرض، بل بعثت مصدقا لمن بعث قبلي من الرسل، فقال مؤمنو الجن: (… يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)أي إلى سبيل مطروق؛ قد مرت عليه الرسل قبله، فهو حري بأن يصدق فيه صلى الله عليه وسلم ويتبع عليه، فاستعمال الطريق هنا أبلغ وأليق بالدعوة إلى الصراط المستقيم، والتنبيه على تعين سلوكه.
[6]  الهجيرى -بكسر الهاء وتشديد الجيم المكسورة-: الدأب والعادة، قال ذو الرمة:
رَمَى   فَأَخْطَأَ   وَالأَقْدَارُ    غَالِبَةٌ        فَانْصَعْنَ وَالْوَيْلُ هِجِّيرَاهُ وَالْحَرَبُ

[7]  وفي إفراد الله تعالى أهل الصراط المستقيم بالنعمة دليل على أن النعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدائم، وأن مطلق النعمة يشمل المؤمن والكافر؛ إذ كل الخلق في نعمه، وهذا فصل النزاع في مسألة: هل لله على الكافر نعمة أم لا.
والنعمة من جنس الإحسان؛ بل هي الإحسان، وإحسان الرب تعالى إلى البر والفاجر، والمؤمن والكافر، أما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون خاصة.
[8]  ولا يقدح في هذا آياتٌ ثلاث، أولها: قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ..} [المائدة: 16]، فإن المراد -كما في الكشاف- [1 / 605] “طرق السلامة والنجاة”، وهي بالنظر إلى تنوع شرائع الإسلام شتى، وتمام الآية: {.. وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فأكد على أن طريق الله واحد.
والثانية: قوله تعالى للنحل: {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً} [النحل: 69]، فالمراد –كما قال الإمام الشوكاني في فتح القدير– [3 / 249] ما ألهم الله النحل أن تسلكه من الطرق لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر.
والثالثة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، والمراد -كما في فتح القدير أيضا– [4 / 297] أن الله تعالى تعهد للذين يعملون بما يعلمون بأن يفتح لهم أبواب معرفته والفقه في دينه.

-- د. عبدالرزاق مرزوك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*