الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » معالم في الوسطية والاعتدال)1(

معالم في الوسطية والاعتدال)1(

الحمد لله وكفى ،وسلام على عباده الذين اصطفى ،أما بعد :
 فإن دين الله ـ عز وجل ـ وسط بين الغالي فيه والجافي عنه ،وإن الشيطان حريص  على إخراج المرء من طريق الاعتدال ،ولا يبالي أكان ذلك بتفريط منه أو إفراط ,والموفَّق من وفقه الله تعالى ،ولذا فالمؤمنون يدعون ربهم في أشرف عباداتهم ـ وهي الصلاة ـ قائلين :(إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) والمغضوب عليهم هم أهل الإفراط والغلو , والضالون هم أهل التفريط والجفاء ، ولا يلزم من ذلك أن كلا الطائفتين سالمة من عيب الأخرى ، فاليهود فيهم إفراط وجفاء ،والنصارى فيهم تفريط وغلو.. وبقدر فهْم المرء دينه فهما صحيحا بقدر تحقيقه ما أوجبه الله عليه في الاعتدال ،وعكسُه عكسُه ،ومن فهم مراد الله ـ عز وجل ـ ومراد رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولزم سبيل المؤمنين أمن الفتنة ، وكان مفتاح خير على نفسه وعلى غيره ، وانتفع ونفع ، وصلح وأصلح ، بخلاف من اضطرب في هذا الباب ، فإنه يبني ثم يهدم ، وربما كان ضرره أعظم من نفعه ، والتاريخ السابق واللاحق يدلان على ذلك دلالة واضحة.
 
 ولأهمية هذا الأمر؛ فقد رأيتُ أن أوضحه ـ ما أمكن ـ في هذا الكتاب، وإن كان ذلك ارتجاليًّا وعلى عجالة بِحسب ما يتيسر لي جمعه ، إلا أني أرى أن هذا لايخلو من فائدة ،وإذا أفسح الله في العمر بوقت يناسب إعادة التصنيف والترتيب والتبويب ،وزيادة المادة ، أو حذف ما ليس مناسبا منها ، أو تقديم وتأخير فيها؛ فعلتُ إن شاء الله تعالى، وإلا فالمقصود قد حصل ـ ولله الحمد ـ على أنني سأهتم بذكر المسائل التي وقع بسبب الجهل بها فتن وتهارج بين الدعاة وطلاب العلم ، ففرّقتْ شملهم ، وزَرَعت البغضاء في صدورهم ، وأفسدت ذات بينهم، وشغلتهم عن نصرة دينهم ، وأشمَتت عدوهم بهم ؛ وذلك لعظم النفع بهذا البيان ، ولعظيم الحاجة إليه ، بخلاف كثير من المسائل التي ظهر فيها توسط أهل السنة بين انحراف أهل الأهواء،إذ الكثير من ذلك موضع اتفاق بين الدعاة إلى السنة اليوم ، ومع ذلك فهم مختلفون متنافرون !! فلا بد من طائفة في كل خلف ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين  وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، جعلنا الله وإياكم من هذه الطائفة المباركة ، وحشرنا في زمرتها .
ومعلوم أن أهل السنة هم أهل الوسط والاعتدال بين الفِرق والنِّحَل ، كما أن أهل الإسلام هم الوسط بين أهل الأديان والمِلَل .

وقبل الشروع في بيان وجه ذلك ، أذكر معنى الوسطية ، ونشأة مصطلح “أهل السنة والجماعة “.

المبحث الأول :- في تعريف الوسطية لغة وشرعاً
قال ابن فارس : الواو والسين والطاء ـ مادة وسط ـ هذه المادة تدل على العدل والنصف ، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه ” ا هـ  . فكلمة “وسط ” تضبط بسكون السين وفتحها، وعلى  الأول فمعناها “بين” تقول :جلستُ وسْط القوم ، أي بينهم ، وعلى التحريك تأتي بمعنى : “خيار ـ وأفضل ـ وأجود” ومنه : مَرْعَى وسَط أي خيار ،وواسطة القلادة : الجوهر الذي وسَطها ،وهو أجودها ، وتأتي بمعنى :عَدلْ ، وأعدل الشيء أوسطه ، وتأتي بمعنى يدل على أن الشيء بين الجيد والرديء , قاله الجوهري وغيره ا هـ  .ملخصا من “وسطية أهل السنة بين الفرق” (15 ـ17) إلا أن المعنى الأخير ليس مراداً في موضوعنا.

والوسطية في الشرع تدور على هذه المعاني اللغوية ، كما في قوله تعالى :(وكذلك جعلناكم أمة وسطا) (قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تُسبحون ) أي أعدلهم وخيرهم ، ومن حديث : ” … فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة أو أعلى الجنة ” (خ ) أي أعدلها وأفضلها ، ومما يدل على الوسطية الحسية (فوسطْن به جمعا ) أي : دخلْن به وسط العدو ،
 وقوله تعالى : (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) ا هـ ملخصا من ” وسطية أهل السنة ” (18 ـ22 ).

..والوسط بين الإفراط والتفريط ، فالإفراط :هو  التقدم ، والإعجال ، والإسراف ومجاوزة الحد في الأمر، والزيادة فيه ، والتفريط:هو التقصير والتضييع ، كما في الحديث : ” أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لايصلي الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى ” ا هـ المصدر السابق .(26ـ28 ) .

وكذا الغلو والجفاء ، فالغلو: مجاوزة الحد ، ومنه غلا السعر يغلو غلاءً إذا ارتفع وزاد، قال تعالى :ـ (يا أهل الكتاب لاتغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) وقال سبحانه :ـ (قل يا أهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” إياكم والغلو في الدين ، إنما أهلك من كان قبلكم الغلو ” وكل هذا يدل على نتائج الغلو وعاقبته الوخيمة ، والجفاء يدل على نُبُوّ الشيء عن الشيء ، ومن ذلك جفوت الرجل أجفوه ، والجفاء خلاف البر ،والجُفاء بضم الجيم ما نفاه السيل ورمى به،انظر بعضه في المصدر السابق .

المبحث الثاني :- نشأة مصطلح أهل السنة :
ذهب بعضهم إلى أن أول من تكلم به ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فيما أخرجه اللالكائي بسنده عنه في قوله تعالى : (يوم تَبْيضّ وجوه وتسْوَدّ وجوه ) قال : فأما الذين ابيضت وجوههم فأهل السنة والجماعة وأولو العلم ، وأما الذين اسْوَدّت وجوههم :فأهل البدع والضلالة  ا هـ  ,إلا أن سنده لا يُحتج به .

ولذا فأول من استعمل هذا المصطلح ـ فيما أعلم ـ هو محمد بن سيرين ،فيما أخرجه مسلم في مقدمة صححيه بسنده إلى ابن سيرين انه قال : ” كانوا لايسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة ، قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم ، فيُنْظر إلى أهل السنة فُيؤخذ حديثهم ،ويُنْظر إلى أهل البدعة فيُردّ حديثهم “.

ثم تتابع الناس على استعمال هذا المصطلح :
ـ فقد قال أيوب السختياني (68 ـ131هـ) فيما أخرجه اللالكائي :”إني أُخْبَر بموت الرجل من أهل السنة ، وكأنّي أفقد بعض أعضائي ” وقال أيضاً : “إن من سعادة الحَدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالم من أهل السنة “.
ـ وقال الثوري (ت161هـ):”استوصوا بأهل السنة خيراً ؛فإنهم غرباء ” وقال :”ما أقلّ أهل السنة والجماعة ” .
ـ وقال الفضيل بن عياض (ت187هـ):”…ويقول أهل السنة “الإيمان المعرفة والقول والعمل ”
ـ وقال الإمام أحمد (164ــ 241 هـ):” … هذه مذاهب أهل العلم ، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروتها ، المعروفين بها ، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يومنا هذا ……..الخ  ا هـ .ملخصا من “وسطية أهل السنة” (ص 41ـ ) مع زيادة مني .
ثم تعددت الأسماء لهذه الطائفة ، وكلها يدل على ما هم عليه من اعتقاد وعمل , فمن ذلك أن يقال لهم:
أهل السنة ، وأهل الجماعة ، وأهل الحديث ـ وقال شيخ الإسلام : “ونحن لانعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه،أوكتابته، أو روايته ، بل نعني بهم ؛كل من كان أحق بحفظه ومعرفته ظاهراً وباطناً,واتباعِه باطنا وظاهرا ,وكذلك أهل القرآن , وأدنى خصلة في هؤلاء:محبةُ القرآن والحديث، والبحثُ عنهما،وعن معانيهما ، والعمل بما علموه من موجبهما ،ففقهاء الحديث أخبر بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من فقهاء غيرهم ، وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم ، وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم ،وعامتهم أحق بموالاة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غيرهم ” ا هـ (4/95)المجموع.
ويقال لهم أيضاً : ـ أهل الأثر ،والفرقة الناجية ,والطائفة المنصورة ,والسواد الأعظم ،والجمهور الأكثر ـ قاله شيخ الإسلام “المجموع”(3/245) ويقال: ـ أهل العلم ، ويراد بهم أئمة السنة ، ويقال: السلف الصالح ،والسلفيون ،وأهل الاتباع ،والغرباء.
*(تنبيه):ذهب بعض الكتاب المعاصرين إلى أن أول من تسمى بأهل السنة والجماعة الاشاعرة ، ومما سبق من آثار عن التابعين ومن بعدهم ـ وهم قبل الأشعري نفسه فضلا عن أتباعه ـ يرد ذلك ويدفعه.
ويُراد بهذا المصطلح معنيان:
الأول : المعنى العام ,ويدخل فيه جميع المنتسبين إلى الإسلام إلا الرافضة ، فيقال : هذا رافضي ، وهذا سُنِّي ، وهذا هو اصطلاح العامة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ :”لأن الرافضة هم المشهورون عندهم بمخالفة السنة ، فجمهور العامة لاتعرف ضد السني إلا الرافضي ، فإذا قال أحدهم : أنا سُنيِّ، فإنما معناه :لست رافضَّيا ـ “انظر مجموع الفتاوى ” (3/356) .

الثاني :المعنى الخاص ، ويُراد به أهل السنة المحضة الخالصة من البدع ، قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ جامعا للمعنيين : “فلفظ أهل السنة يُراد به من أثبت خلافة الثلاثة ، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة ، وقد يُراد به : أهل الحديث والسنة المحضة . فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ،ويقول : القرآن غير مخلوق ,وأن الله يُرى في الآخرة ،ويُثبت القَدر،وغير ذلك من الأمور المعروفة عند أهل الحديث والسنة “انظر “منهاج السنة ” (2/163) ا هـ ملخصا من “وسطية أهل السنة (ص47).

المبحث الثالث:- خصائص أهل السنة والجماعة وعقيدتهم
واعلم انه ليس كل من وقف بين طائفتين أومقالتين فهو على الوسطية ،فقد يكون من كان كذلك مذموماً ، كالمنافقين الذين قال الله تعالى فيهم : (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )إنما لابد أن يكون على حق بين باطلين ، وهدى بين ضلالتين ، وأن يكون كالوادي الموطوء السهل بين الجبلين الوعرين .
ونحن نرى في زماننا فرقا ضالة كالرافضة وغلاة الصوفية الخرافية ـ بل الماسونية والعلمانية وأهل الفجورـ يزعمون أنهم على الوسطية ، وأصبح كثير من الناس يدّعون الوسطية ، مع أنهم في أقصى اليمين أو الشمال .

والدعاوى إن لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء ؛فالسنة المحضة هي الإسلام المحض، وهي الوسطية ، قال شيخ الإسلام : ” ….صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشَّوْب هم أهل السنة والجماعة ” ا هـ (3/ 159)من المجموع ،
وقال رحمه الله :”وهذا الصراط المستقيم هو دين الإسلام المحض، وهو ما في كتاب الله تعالى ،وهو السنة والجماعة ؛فإن السنة المحضة هي دين الإسلام المحض…” وذكر حديث الافتراق والفرقة الناجية ،وهي الجماعة ، ثم قال: “وهذه الفرقة الناجية أهل السنة ،وهم وسط في النِّحَل ، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل ” ا هـ (3/369)المجموع .
إن منهج أهل السنة تميزعن الفرق الأخرى بخصائص ،فكان من ثمرتها على أهل السنة سلوك مسلك الوسطية ، فمن هذه الخصائص :
1ـ سلامة مصدر التلقِّي : للكِتاب والسنة والإجماع ،قال شيخ الإسلام  “ويزنون بهذه الأصول الثلاثة جميع ما عليه الناس من أقوال وأعمال باطنة وظاهرة مما له تعلّق بالدين ” ا هـ مجموع الفتاوى (3/157).
وقال شيخ الإسلام :”وكذلك في سائر أبواب السنة هم وسط ؛لأنهم متمسكون بكتاب الله ،وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم  وما اتفق عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان ” ا هـ (3/375)المجموع .
وقال في وصْف الفرق المخالفة للسنة :”وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع ،فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة ” ا هـ (3/245) من” مجموع الفتاوى” .
2ـ التسليم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما قال الطحاوي :” ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام ” وذلك لأن العقول لاتدرك الغيب ، ولا تستقل بمعرفة الشرائع على سبيل التفصيل ؛لعجزها وقصورها ،أما الآخرون فيحكِّمون آراءهم وعقولهم وأهواءهم على النصوص ، ومنشأ فساد الأمم والأديان إنما هو تقديم العقل على النقل ، والرأي على الوحي ، والهوى على الهدى .
3ـ موافقة منهجهم للفطرة السليمة ،فالنقل الصحيح لا يعارض العقل الصريح ، وأماغيره من منهاج فهو مجموع أوهام وتخرُّصات ، تُعمي الفطر,وتُبلِّد العقول .
4ـ اتصال سند هذا المنهج بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، والصحابة و التابعين، وأئمة الدين ، فالخلف أتباع للسلف ، والعبرة بالأمر العتيق ، ومالم يكن بالأمس ديناً ، فليس اليوم بدين .
5ـ الوضوح والسهولة والبيان قال تعالى :(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر )  فلا تعقيد في هذا المنهج ولا غموض ،ولا التواء ، انظر قوله تعالى : (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ) وقوله تعالى : (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) وقوله تعالى :(أفمن يخلق كمن لايخلق ) وقوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم ، قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ، الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون ، أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ، إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون). 
6ـ السلامة من الاضطراب والتناقض واللبس كما قال الله عز و جل : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)أما العقائد الأخرى فلا  تَسَلْ عما فيها من الاضطراب والتناقض واللبس : فالرافضة يقولون : “إن الأئمة يعلمون ما كان وما يكون ، ولا يخفى عليهم الشيء، ويعلمون متى يموتون ،ولا يموتون إلا بإذنهم ” ومع ذلك ينقلون عنهم أنهم أخذوا بالتقية ، وأن إمامهم الثاني عشر في الشعب مختفٍ حتى الآن من أعدائه  !! فإذا كان لا يموت إلا بإذنه ، فلماذا يختفي ؟! ويدّعون أن أئمتهم لهم هيمنة على جميع ذرات الكون، فماذا أبقوا لله عز و جل ؟ ثم لماذا تسلط عليهم غيرهم ، وأخذوا الملك منهم ؟! وأكثر دين الرافضة قائم على الجهالات والتناقضات ، وحدِّث ولا حرج عما عند غلاة الصوفية من تناقضات قبيحة، حتى بلغ ببعضهم القول بالحلول والاتحاد.

وكذا الجهمية الذين يعبدون عدما ،والمرجئة الذين جعلوا إيمان أفسق الناس كإيمان الملائكة والرسل!!وكذا القدرية الذين نفوا القدر، ومقابلهم الذين احتجوا بالقدر على المعايب والذنوب .
وإذا نظرت إلى تناقضات اليهود والنصارى فبحر لاساحل له.
والشيوعية أنكروا الله عز وجل وجميع الأديان ، ولما سُلِّط عليهم هتلر أمر “استالين ” بفتح المعابد والتضرع إلى الله تعالى ، فالقوم متناقضون غير ثابتين على كلامهم، قال تعالى: ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم).
ولذا فعقيدة أهل السنة قد تأتي بالمُحَار لا بالمُحَال والتناقض: كما في عذاب القبر ونعيمه والمغيبات ، فهي أشياء تحار في كيفيتها العقول، ولذا أمرنا بالتسليم ،وليست هذه الأمور محالة عند العقل الصحيح الصافي من الشهوات والشبهات ، أما اليهود فيزعمون أنهم شعب الله المختار، وأن الله خَلَق الشعوب الأخرى حميراً يمتطيها اليهود ،فكيف ينسبون إلى أحكم الحاكمين التحيز لشعب دون بقية الشعوب ؟! والنصارى يقولون باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد ـ فكيف يكون الثلاثة واحداً؟!
وصدق من قال:
جعلوا الثلاثة واحداً ولو اهتدوْا*********لم يجعلوا العدد الكثير قليلا!!
“ولذا قالت طائفة من العلماء: إن عامة مقالات الناس يمكن تصورها إلا مقالة النصارى ، وذلك أن الذين وضعوها لم يتصوروا ما قالوا ، بل تكلموا بجهل ، وجمعوا في كلامهم بين النقيضين ، ولهذا قال بعضهم : لواجتمع عشرة نصارى لتفرقوا عن أحد عشر قولا ، وقال آخر : لو سألت بعض النصارى وامرأته وابنه عن توحيدهم ؛لقال الرجل قولا ، وامرأته قولا آخر ، وابنه قولا ثالثا ” انظر” الجواب الصحيح” (2/155)وهداية الحيارى ( ص321).
والرافضة يرون نقص وتحريف القرآن الذي بين أيدينا ، وأن القرآن الصحيح مع الغائب المنتظر في السرداب الذي سيخرج في آخر الزمان ، فما الفائدة من قرآن سيظهر بعد موت معظم الأمة ؟! وأما النصيرية فلهم القِدْح المعلى من هذه الترهات ، فسائر فرقهم يعبدون عليا ، ومع ذلك يعظمون قاتله عبدالرحمن بن ملجم ،بزعم أنه خلّص اللاهوت من الناسوت !!
وقبلة البهائين حيث يوجد زعيمهم البهاء المازندراني ، وتتقلب بتنقله ،فكيف يتأتى لهم العلم بتنقل زعيمهم قبل الهواتف والأجهزة الموجودة في هذه الأيام  ؟ بل مع هذه الأجهزة كيف يتأتى لهم في بقاع الأرض العلم بذلك على وجه الدقة؟
أما منهج أهل السنة فليس فيه تناقض ولا اضطراب ، وما من إشكال أورده أهل البدع على أهل السنة إلا أجاب عليه علماء السنة بما يوافق العقل والنقل ، ولو نظرة فيما عند أصحاب هذه الإشكالات لرأيت ما هو أطم وأعظم ، وصدق الله القائل : ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا).
7ـ العموم والشمول والصلاحية لكل زمان ومكان ، ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم آخر الرسل ، وشريعته آخر الشرائع ، والناس جميعا مخاطبون بها قال تعالى:( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) وقال تعالى :( لأنذركم به ومن بلغ )فلا بد أن تكون شريعته صالحة لكل زمان ومكان ، ولذلك وجدت قواعد عند علماء السنة تحكم كل جزئية مستحدثة بحكم من أحكام الشرع ، وتلحق الجزئيات بالكليات ، والفروع بالأصول ، وترد الأشباه والنظائر إلى بعضها ، فتجمع بين المتماثلين ، وتفرق بين المختلفين ، كالقياس ، والأصل في الأشياء الإباحة ، والعمل بالعرف والمصالح المرسلة مالم يخالف ذلك نصا… الخ .
8ـ الثبات والاستقرار أمام الضربات المتوالية ، مما جعل المتمسكين بها أهل قوة في حجتهم ، أو تمكين وظهور على غيرهم ، ولا يمكن أن يزيلهم عدوهم بالكلية :
فما أن يظن أعداؤها أن عظامها قد وهن ، وأن جذوتها خبتْ ،حتى تعود جذعة ناصعة نقية ، فهي ثابتة على مر التاريخ ، لم تفت في عضدها تحريفات الغالين وتأويلات الجاهلين (إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون) فلم يحرف متأخرو أهل السنة ما كان عليه سلفهم ، كما هو الحال في الفرق الأخرى ، ومهما ملأت دعوة غير دعوة السنة الدنيا ضجيجا وصراخا، وبلغت أوج مجدها إلا وانفرط عقدها، وهدم نظامها على أيدي أتباعها ، كما حصل للشيوعية .
أما أهل السنة فلا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة ، وذلك لسلامة إيمانهم ، قال تعالى :(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون )  وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق …” الحديث (م )فمتى أخذت الأمة بهذه العقيدة ؟ظهرت على عدوها ،وإلا تصدّع كيانها ، وتفرقت كلمتها ، وتسلط عليها عدوها . ثم إن الأمة الزائغة عن عقيدتها الصحيحة ، المنحرفة عن منهاج دينها القويم ؛ لاتلبث أن تهبط من عليائها ، وتنزل من شامخ عزها ، وتشرف على حضيض التلاشي والفناء ،فتلقى صَغاراً بعد شمم ، وخمولاً بعد نباهة , وذلاًّ بعد عزة ، وحطة بعد رفعة ،وجهلاً بعد علم ، وتقاطعاً بعد ائتلاف ، فما الذي أضاع الأندلس ،وأغرى النصارى باحتلالها وإذلال أهلها ؟ وما الذي سلّط التتار حتى شنوا غارتهم الشعواء على حاضرة الإسلام فذهب ضحيتها قرابة المليونين ، وتقوّض بسببها صَرْح الخلافة الإسلامية ؟ وما الذي سلط الأعداء على المسلمين في هذا الزمان إلا زيغ العقيدة ،وانتشار الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه ؟!
ومع هذا ، فلا يزال في الأرض من ينادي بقوة بهذه العقيدة المباركة، والسلسلة متصلة حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك .
10ـ تدعو إلى الألفة والاجتماع .
11ـ التميز والمفارقة للباطل.
12ـ سلامة القصد والعمل .
13ـ التأثير على السلوك والأخلاق والمعاملة ، فليست عقيدة مفرغة ، بل لا بد فيها من العمل وفق ما جاءت به الشريعة ، العلم يهتف بالعمل، إن أجابه وإلا ارتحل.
14ـ ربط خلف الأمة بسلفها .
15ـ عبادة الله بأسمائه وصفاته جلا وعلا .
16ـ لاتنافي العلوم الدنيوية النافعة .
17ـ تقدِّّر مكانة العقل ،وتحدِّد مجاله .
18ـ تعترف بالعواطف والشهوات الإنسانية ، وتوجهها وجهة صحيحة .ا هـ ملخصاً من كتاب عقيدة أهل السنة والجماعة لمحمد بن إبراهيم الحمد.   
19ـ لا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
20ـ الإجماع حجة شرعية .
21ـ عدم إحداث قول لم يقل به العلماء المتقدمون ،قال شيخ الإسلام في قوله تعالى : (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان…)الآية ،قال:”فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم ….. ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيراً وانفع من أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله… فإنهم أفضل ممن بعدهم ، كما دل عليه الكتاب والسنة ، فا لإقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم خير وانفع من معرفة ما يُذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم ، وذلك أن إجماعهم لايكون إلا معصوماً، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ،ولا يُحْكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يُعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه ،….لأن كثيراً من أصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام ، مسبوق بإجماع السلف على خلافه ، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا …. وأيضاً فلم يبق مسألة في الدين إلا وقد تكلم فيها السلف ، فلابد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه . ا هـ (13/23ـ27).
22ـ التمسك بالجماعة والجمل الثابتة ونبذ الفرقة وما يوصِّل إليها .
قال شيخ الإسلام :”فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وسنة الخلفاء الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه : إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل ؛ وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع ،وأعرض عن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعا ، فإن مواضع التفرقة والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس ، ولقد جاءهم من ربهم الهدى…  والواجب أمْرُ العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع ، ومنعهم من الخوض في التفصيل الذي يوقع بينهم الفرقة والاختلاف ،فإن الفرقة والاختلاف  من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم  “ا هـ (12 /237).
 وقال :”ومن جمع الخصال الثلاث التي هي جماع الصلاح ,وهي: الإيمان بالخلق والبعث,أي بالمبدأ والمعاد،الإيمان بالله واليوم الآخر ،والعمل الصالح :وهو أداء المأمور به ,وترك المنهي عنه ،فإن له حصول الثواب وهو أجره عند ربه ، واندفاع العقاب ، فلا خوف عليه مما أمامه ، ولا يحزن على ما وراءه ” ا هـ (12/469).
26ـ التفرقة بين العاجز والقادر فيما يجب عليهما من معرفة العلم .” وانظر مجموع الفتاوى   (3/312ـ314)”. 
23ـ كما أن ملة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم هي الامتداد الصحيح لملل الأنبياء عليهم السلام ؛ فعقيدة أهل السنة هي الامتداد الصحيح لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه .
قال شيخ الإسلام في معرض كلامه على حديث الافتراق وأهل البدع : ” وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع ،فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة ” ا هـ (3/245) المجموع  .
24 أهل السنة لا يأخذون إلا ما كان ثابتاً عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والسلف الصالح.
25ـ ولذا كان أهل السنة أعلم الناس بأحوال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأقواله وأفعاله : قال شيخ الإسلام  : ” إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية : أهل السنة والحديث ، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها ، وأئمتهم فقهاء فيها ، وأهل معرفة ٍ بمعانيها ، وإتباعا لها تصديقا وعملا وحبا ، وموالاة لمن والاها ، ومعاداة لمن عاداها ، الذين (يردُّون ) المقالات المجملة إلى ما جاء  به من الكتاب والحكمة ” ا هـ (3/ 247) المجموع .
26ـ أهل السنة لايفرق جماعتهم الاختلافُ في اجتهاداتهم : قال شيخ الإسلام :”… وقد كره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المجادلات ما يُفضي إلى الاختلاف والتفرق فوصف الفرقة الناجية بأنهم المستمسكون بسنته ،وأنهم هم الجماعة… وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر اتبعوا أمر الله تعالى في قوله : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا )  وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشاورة ومنا صحة ، وربما اختلف قولهم في المسالة العلمية والعملية مع بقاء الأُلفة والعصمة وأخوَّة الدين … وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط ، ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا ؛لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أُخُوة ” ا هـ (24 / 170) المجموع .,وقال أيضاً : ” وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية ،وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد احد منهم على أحد لابكفر ، ولا بفسق ، ولا معصية ” ا هـ (3/ 229).
وقال أيضاً: ” وأبو حنيفة وأصحابه لايُجَوِّزون الاستثناء في الإيمان بكون الأعمال منه، ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لايوجبون الفرائض ولا اجتناب المحارم ، بل يكتفون بالإيمان ، فتبين أن النزاع في المسألة قديكون لفظيا ، والمقصود هنا أن النزاع في هذا كان بين أهل العلم والدين من جنس المنازعة في كثير من الأحكام ، وكلهم من أهل الإيمان والقرآن ” ا هـ (13/41ـ47).       
27ـ وهم خير الناس للناس : تعليما ،وهداية ،وإحسانا إليهم بلا عوض ، كما قال أحمد في خطبته: “الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرسل بقايا من أهل العلم ،يدعون من ضلّ إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ،يُحيُون بكتاب الله الموتى ، ويَبصِّرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضالٍّ تائه قد هدوه ، فما أحسن  أثرهم على الناس ، وأقبح اثر الناس عليهم ….” والله سبحانه وتعالى يحب معالي الأخلاق ،ويكره سفسافها ، وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ، وقد قيل أيضاً :وقد يُحب الشجاعة ولو على قتْل الحيات ، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات ” ا هــ من مجمع الفتاوى (16/313ـ317) .
28ـ وهم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحفاظ على الجماعة : قال شيخ الإسلام :” من الأمر بالمعروف :الأمر بالائتلاف والاجتماع ، والنهي عن الاختلاف والفرقة “ا هـ (3/421). ونصح ولاة الأمر ،مع الحفاظ على الجماعة ،والطاعة لهم في المعروف ، قال شيخ الإسلام :” وهي متوسطة بين طريقة الحرورية وأمثالهم ممن يسلك مسلك الورع الفاسد الناشئ عن قلة العلم ، وبين طريقة المرجئة وأمثالهم ممن يسلك مسلك طاعة الأمراء مطلقا و إن لم يكونوا أبرارا ” ا هـ المجموع (28/508).
29ـ ربط الولاء بالحق وحده ، وبالجمل الثابتة لا المسائل الاجتهادية :
 قال شيخ الإسلام :”وليس لأحد أن يعلِّق الحمد والذم والحب والبغض والموالاة والمعاداة ، والصلاة واللعن بغير الأسماء التي علق الله بها ذلك :مثل أسماء القبائل والمدائن ، والمذاهب ،والطرائق المضافة إلى الأئمة والمشايخ ، ونحو ذلك مما يراد به  التعريف … فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان ، ومن كان كافراً وجبت معاداته من أي صنف كان … ومن كان فيه إيمان وفيه فجور أُعطي من الولاء بحسب إيمانه ، ومن البغض بحسب فجوره ، ولا يخرج من الإيمان بالكلية بمجرد الذنوب والمعاصي ، كما يقول الخوارج والمعتزلة ، ولايُجعل الأنبياء والصد يقون والشهداء والصالحون بمنزلة الفساق في الإيمان والدين والحب والبغض والموالاة والمعاداة ” ا هـ (28/ 227ـ229).
وقال رحمه الله :” الواجب  أن يكون المسلمون يدا واحدة ، فكيف إذا بلغ الأمر ببعض الناس إلى أن يضلل غيره ويكفره ، وقد يكون الصواب معه ، وهو الموافق للكتاب والسنة ، ولو كان أخوه المسلم قد أخطأ في شيء من أمور الدين ؛فليس كل من أخطأ يكون كافرا ولا فاسقا ، بل قد عفا الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ” ا هـ (3/420).
وقال شيخ الإسلام في (16/ 96) ـ في معرض ذمِّه لظلم بعض من تأثر ببدعة لمن هو مثله أو أشد: “ومن لم يعْدل في خصومه ومنازعيه ، ويعذرهم بالخطأ في الاجتهاد ، بل ابتدع بدعة، وعادى من خالفه فيها أو كفَّره ، فإنه هو (ظالم لنفسه ) ” ا هـ.
وقال في (19/73ـ74) :”فهذا أصْل البدع التي ثبت بنص سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإجماع السلف أنها بدعة ، وهو : جَعْل العفو سيئة ، وجعْل السيئة كُفْرا ، فينبغي للمسلم أن يحذر من هذين الأصلين الخبيثين ، وما يتولّد عنهما من بُغْض المسلمين ، وذمِّهم ، ولعنهم ، واستحلال دمائهم وأموالهم ” ا هـ وفي (11/15) قال :” ….ومن جعل كل مجتهد في طاعة أخطأ في بعض الأمور مذموما معيبا ًممقوتاً ؛فهو مخطئ ضال ، مبتدع “ا هـ
وقال في رسالته إلى أهل البحرين (16/485ـ506) :” والذي أَوْجَب هذا :أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم ، حتى ذكروا أن الأمر آل إلى قريب المقاتلة ، وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف في رؤية الكفار ربهم ، وماكنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة إلى هذا الحد ، فالأمر في ذلك خفيف ،وإنما المهم الذي يجب على المسلم اعتقاده أن المؤمنين يرون ربهم في الدار الآخرة في عرصة القيامة ، وبعدما يدخلون الجنة ، على ما تواترت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند العلماء بالحديث ….”إلى أن قال :” فأما مسألة رؤية الكفار :فأول ما انتشر الكلام فيها ، وتنازع الناس فيها ـ فيما بلغنا ـ بعد ثلاثمائة سنة من الهجرة ، وأمسك عن الكلام في هذا قوم من العلماء ، وتكلم فيها آخرون  فاختلفوا فيها على ثلاثة أقوال ، مع أني ،ما أعلم أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولاتها جروا فيها ، إذْ في الفرق الثلاث قوم فيهم فضل ، وهم أصحاب سنة .
والكلام فيها قريب من الكلام في مسألة محاسبة الكفار ،هل يحاسبون أم لا؟هي مسألة لا يُكفَّر فيها باتفاق والصحيح أيضاً :أن لا يُضَيَّق فيها ولا يُهجر…” ثم ذكر الأقوال الثلاثة في مسالة رؤية الكفار ربهم ،إلى أن قال :”فبالجملة فليس مقصودي بهذه الرسالة : الكلام المستوفى لهذه المسألة ، فإن العلم كثير ، وإنما الغرض بيان أن هذه المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها ،وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة حتى يبقى شعاراً، ويوجب تفريق القلوب ، وتشتت الأهواء ، وليست هذه المسألة فيما علمتُ مما يوجب المهاجرة والمقاطعة ؛فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة وأتباع ، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم والناسُ بعدهم في رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه في الدنيا ، وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجراً ولا تقاطعا، وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواماً من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة حتى آلتْ المناظرة إلى ارتفاع الأصوات ، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ، ولم يهجروا من امتنع من الشهادة ،إلى مسائل نظير هذه كثيرة والمختلفون في هذه المسألة أعذر من غيرهم ….وقال ما ملخصه :وهنا آداب تجب مراعاتها :
1) من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إليها فإنه لايحل هجره ، وإن كان يعتقد أحد الطرفين ،فإن البدع التي هي أعظم منها لايُهجر فيها إلا الداعية دون الساكت ،فهذه أولى.
2) لا ينبغي جعْل هذه المسألة شعاراً أو محنة فإن هذا مما يكرهه الله ورسوله .
3) لايفاتح العامة في هذه المسألة ، ويتركون في عافية وسلام عن الفتن.
4) ترك الإطلاق والتعميم في القول في موضع التخصيص .
5) لايخرجن أحد عن الألفاظ المأثورة.
6) إذا اشتبه الأمر :هل هذا القول مما يعاقب عليه أم لا؟ فتترك العقوبة لحديث :” ادرءوا الحدود بالشبهات ….” ولاسيما إذا آل الأمر إلى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة  فإن الفساد الناشئ في هذه الفرقة أضعاف الشر الناشئ من خطأ نفر قليل في مسألة فرعية.
7) إذا اشتبه الأمر على الإنسان ؛فليدع بدعاء :” اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض ،عالم الغيب والشهادة ، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ؛اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ” أخرجه مسلم .
30ـ أهل السنة لا يمتحنون الناس بما لم يأمر به الله ولا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وانظر المجموع (3/414) وقال أيضا :”فكيف يجوز مع هذا لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تفترق وتختلف حتى يوالي الرجل طائفة ويعادي أخرى بالظن والهوى بلا برهان من الله تعالى وقد برّأ الله نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ممن كان هكذا ، فهذا فعل أهل البدع كالخوارج الذين فارقوا المسلمين واستحلوا دماء من خالفهم وأما أهل السنة والجماعة فهم  معتصمون بحبل الله ؛وأقل ما في ذلك أن يفضل الرجل من يوافقه على هواه وإن كان غيره أتقى لله منه … وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة لاأصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟وهذا التفريق الذي حصل من الأمة :علمائها ومشايخها وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلطا الأعداء عليها ، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله ، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به ؛وقعت بينهم العداوة والبغضاء  ، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا،وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا ،فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب ” ا هـ (3/419ـ421)
31ـ ( لا يعصِّمون ولا يؤثِّمون ) .
32ـ أهل السنة يعملون على تأليف القلوب واجتماع الكلمة ، وأئمتهم يتجاوزون عمن أساء إليهم، مع دعوته للصواب،والدعاء بالهداية والرشاد والمغفرة ؛قال شيخ الإسلام :”تعلمون أن من القواعد العظيمة التي هي من جماع الدين تأليف القلوب واجتماع الكلمة ، وصلاح ذات البين ، فإن الله تعالى يقول: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم )أو أمثال ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف ، وتنهى عن الفرقة والاختلاف ، وأهل هذا الأصل :هم أهل الجماعة ،كما أن الخارجين عنهم أهل الفرقة،وجماع السنة: طاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
وإني لاأحب أن يؤذَى أحد من عموم المسلمين ـ فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلا ،لاباطنا ولا ظاهرا ، ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلا ، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ماكان ، كل بحسبه ، ولا يخلو الرجل : إما أن يكون مجتهدا مصيبا ، أو مخطئا مذنبا ، فالأول : مأجور مشكور ، والثاني مع أجره على الاجتهاد : فمعفوٌّ عنه مغفور له ، والثالث : فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين …. وتعلمون أنا جميعا متعاونون على البر والتقوى، وواجب علينا نصر بعضنا البعض أعظم مما كان وأشد ، وأنا أحب الخير لكل المسلمين ، وأريد لكل مؤمن من الخير ما أحبه لنفسي … وأهل القصد الصالح يُشكرون على قصدهم ، وأهل العمل الصالح يُشكرون على عملهم ، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم ” ا هـ (28/50ـ57).وهذه البقية مستفادة من ” معالم الانطلاقة الكبرى ” إلا النادر.
33ـ ويرون أن المؤمن يُحَبُّ ويُبْغَض ويُمْدَحُ ويُذَمَّ على حسب ما فيه من خير وشر ، وسنة وبدعة ، ويرون تبعض الولاء والبراء،وأهل البدع أبْعَدُ عن الاتباع في الولاء والبراء ، “انظر مجموع الفتاوى ” (4/486) (11/15)(8/365)(3/227) والمنهاج (4/544ـ570).
34ـ ليس كل مخالف يخرج من دائرة السنة عندهم ،فقد يقع السني في بعض البدع والجهل والظلم ،قال شيخ الإسلام في سياق الدفاع عن أهل السنة ، وتفنيد شبهات أهل البدع في ذم أهل السنة بقلة الفهم ، والاحتجاج بالموضوعات والمنكر من الحكايات ، بعد أن سلَّم  بوجود شئ من ذلك عند بعض أهل السنة ـ لا كلهم ـ فقال : “ولا ريب أن هذا موجود في بعضهم ، يحتجون بأحاديث موضوعة في مسائل الأصول والفروع ، وبآثار مفتعلة ، وحكايات غير صحيحة ، ويذكرون من القرآن والحديث ما لايفهمون معناه ، وربما تأولوه على غير تأويله ، ووضعوه على غير موضعه .
ثم إنهم بهذا المنقول الضعيف ، والمعقول السخيف ، قد يكفِّرون ويُضلِّلون ويبدِّعون أقواماً من أعيان الأمة ويُجهِّلونهم ،ففي بعضهم من التفريط في الحق ، والتعدِّي على الخْلق ، ما قد يكون بعضه خطأ مغفوراً،وقد يكون منكراً من القول وزوراً، وقد يكون من البدع والضلالات التي توجب غليظ العقوبات ، فهذا ـ أي وجود ذلك عند بعض أهل السنة ـ لاينكره إلا جاهل أوظالم ، وقد رأيت ُ من هذا عجائب .
لكن هم بالنسبة إلى غيرهم في ذلك كالمسلمين بالنسبة إلى بقية الملل ، ولاريب أن في كثير من المسلمين من الظلم ، والجهل ،والبدع ،والفجور مالا يعلمه إلا من أحاط بكل شيء علما، لكن كل شر يكون في بعض المسلمين فهو في غيرهم أكثر ،وكل خير يكون في غيرهم فهو منهم أعلى وأعظم ، وهكذا أهل الحديث بالنسبة إلى غيرهم …”ا هـ (4/23ـ25) مجموع الفتاوى .
وقال في (19/191) :” وكثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفَعَلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة ، إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة ،وإما لآيات فهموا منها ما لم يُرَدْ منها ، وإما لرأْي رأوه ، وفي المسألة نصوص لم تبلغهم ” ا هـ .
وفي (16 /432) قال:” لكن ينبغي أن تُعْرف الأدلة الشرعية إسناداً ومتنا،فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه ، فينبغي أن يُعْرف وجوه دلالته ،والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما عُلم انه كذبٌ ؛فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة ،وعظَّم السنة والشرع ، وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة ؛ جمعوا أحاديث وردتْ في الصفات ، منها ما هو كذبٌ معلوم أنه كذبٌ ،ومنها ما هو إلى الكذب أقرب ، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب ومنها متردِّد ،وجعلوا تلك الأحاديث عقائد، وصنفوا مصنفات ، ومنهم من يكفِّر من يخالف ما دلتْ عليه تلك الأحاديث ” ا هـ  وقال في “منهاج السنة ” (5/241):” فإن كثيراً من المنتسبين إلى السنة فيهم بدعة ، من جنس بدع الرافضة والخوارج ” ا هـ وانظر “الاستقامة ” (1/13ـ،49)
35ـ تفاوت مراتب البدع ، فمنها ما يخرج من السنة ، ومنها ما دون ذلك ، كما في كلام الشاطبي في “الاعتصام ” وتقسيمه البدعة إلى كلية وجزئية ،وأن الجزئية لا تُخرج من السنة إلا إذا كثرت حتى تقوم مقام البدعة الكلية ، القائمة على أصل مخالف للكتاب والسنة ،وكذا تفاوت مراتب الكفر والفسوق والعصيان والنفاق والذنوب ، فهذا الفهم والتقسيم ساعدهم على وضع الشيء في موضعه.
36- التفرقة بين العموم والمعين ، والقول والقائل ، ومراعاة ضوابط تنزيل الحكم العام على الأعيان : قال شيخ الإسلام في (3/229ـ230) من المجموع ” هذا مع أني دائما ـ ومن جالسني يعلم ذ لك مني ـ أنِّي من أعظم الناس نهياً عن أن يُنْسَبَ معيَّنٌ إلى تكفير، وتفسيق ،ومعصية إلا إذا عُلم أنه  قد قامتْ عليه الحجة الرسالية ، التي من خالفها كان كافراً تارة ،وفاسقاً أخرى ،وعاصياً أخرى ، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها ، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية ، والمسائل العملية ، ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ، ولم يشهد أحدٌ منهم على أحدٍ :لابكفر ، ولا بفسق ، ولا بمعصية …إلى أن قال :” وكنتُ أبيِّن لهم أن ما نُقِل لهم عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا ؛فهو أيضاً حق ،لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين ، …” ا هـ وانظر المجموع (28/ 500ـ501).
 وقال في (24/172):”وقد كان العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذا تنازعوا في الأمر ؛اتبعوا أمر الله تعالى في قوله : (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) وكانوا يتناظرون في المسألة مناظرة مشورة ومناصحة ، وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الأُلفة والعصمة وأُخُوَّة الدين ، نعم من خالف الكتاب المستبين،والسنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة ،خلافاً لا يُعْذَر فيه ؛فهذا يُعامل بما يُعامل به أهل البدع ” ا هـ .
37- النظر والموازنة بين خير الخيريْن وشر الشريْن ،فيعمل الأول، ويُترك الثاني ,ومراعاة المصالح والمفاسد ، والحال والمآل .
هذه مسالة مشهورة عند أهل العلم ، وقد قال شيخ الإسلام في (20/ 54 ) مبينا أن العقل يشهد لذلك أيضا ، وقال :” كما يقال : ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر ، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ، ويُنْشَد :  
إن اللبيب إذا بدَى من جسمه                مرضان مختلفان داوى الأخطرا.
وهذا ثابت في سائر الأمور …. ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدب يكون نزول المطر لهم رحمة ، وإن كان يتقوّى بما يُنبته أقوام على ظلمهم ، لكن عدمه أشد ضرراً عليهم ، ويرجحون وجود السلطان مع ظلمة على عدم السلطان ، كما قال بعض العقلاء :ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان …” ا هـ .
38ـ قبولُ الحق من كل أحد ، وردُّ الباطل على كل أحد ، لأن الحق همهم وبغيتهم ، فينظرون إلى القول لا إلى القائل.
39- أهل السنة يذكرون مالهم وما عليهم ، وأهل البدعة يذكرون مالهم ،ويكتمون ما عليهم ، لأنهم أسسوا مذهبهم على الحق المبين ، فلا يخافون من ذكر ما ظاهره ضدهم ، لأنهم قادرون على وضعه في موضعه مع بقية الأدلة. 
40- إنصاف أهل السنة لأهل البدع ،ورحمتهم بهم أكثر من رحمة أهل البدع ببعضهم ، لأن أهل السنة أهل شفقة ورحمة بالأمة ، وليسوا أهل انتقام وتشف من المخالف، كالوالد إذا أنكر على ولده بشدة وهو يريد الخير، وكالطبيب مع المريض إذا عالجه بما يكره ، وهو يريد له العافية.
ومن ذلك : رد أهل السنة على بعضهم إذا خالفوا الحق في معاملة أهل البدع ، أوفي الانتصار للحق بنوع خطأ أو باطل ـ انظر ” المنهاج ” (8/198) والدرء “(1/221) .
والرد على أهل البدع للإحسان إليهم لا للتشفي والانتقام ، انظر ” المنهاج “(5/ 239).
41- أهل السنة يخطِّئون ولا يكفِّرون كل من خالفهم كأهل البدع ،انظر ” المنهاج” (5/251)
42- مراعاة أدب الخلاف .
43- الاستفصال عند إطلاق العبارات المجملة قبل قبولها أوردها.انظر”الدرء” (1/ 238ـ241/244ـ251)(2/104)
44- رد المشتبه إلى المحكم ، والمجمل إلى المفصّل …
45- التعاون على البر والتقوى وفيما ينصر الإسلام حالا ومآلاً مع الموافق والمخالف ،مع مراعاة ضوابط ذلك  .   
46- الاستدلال قبل الاعتقاد.

الفصل الأول
(وسطية أهل السنة في مسائل الاعتقاد)
معلوم أن مسائل الاعتقاد من أهم مسائل الديانة ،لما ينبني عليها من مسائل العبادات ، والأخلاق، والمعاملات .
فمن حَسُن اعتقاده – ووفقه الله تعالى –حسنت عباداته ومعاملاته ، وكان مفتاح خير مغلاق شر  (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ومن فسد اعتقاده فسد فهمه للأمور وتصوره ، وفسَد بذلك حاله في المعاملات والأحكام ، وربما فسد حاله في العبادات ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ).
 وقد وفق الله أهل السنة لحسن الاعتقاد لأسباب :
1- أنهم يؤمنون بالكتاب كله ، وبما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا يضربون الكتاب بعضه ببعض .
2- أنهم حكّموا النصوص على الآراء والعقول والأهواء ، وجعلوا هذه الأمور تابعة للنصوص لا حاكمة عليها، والنصوص منضبطة ، والاستحسانات مضطربة ،فمن يقيد بالمنضبط نجا.
3- أنهم تجردوا من الأهواء المضلة ، فليس لهم هَمٌّ إلا نصرة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فلا ينتصرون لكبير أو صغير على حساب الحق ، ويدورون مع الحق حيث دار .
4- أنهم جمعوا أدلة الباب – الموافقة والتي ظاهرها المخالفة ، وأخذوها ممن توافرت فيه الشروط قبول الرواية ، حسب منهج علمي رصين لهم وعليهم ، دون النظر إلى موافقة الراوي لهم  أو مخالفته ، ووفقوا بينها حسب القواعد الشرعية ، فكان مذهبهم جامعا لكل الأدلة من المنقول والمعقول .
5- أنهم استرشدوا بفهم السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) (فإن آمنوا بمثل ما آمنهم به فقد اهتدوا وإن تولوا فغنما هم في شقاق ) . وقد أثمرت هذه الأسباب ثمرة مباركة في الوسطية والاعتدال في باب الاعتقاد وغيره .
ففي باب الإيمان والوعد والوعيد: قولهم وسط بين المرجئة المفرطين، والخوارج والمعتزلة الغلاة المارقين.
وفي باب الأسماء والصفات : قولهم وسط بين المشبهة المجسمة ، والنفاة المعطلة .
وفي باب الصحابة : قولهم وسط بين النواصب الجاحدين والروافض الغلاة الجاحدين المنكرين .
وفي باب القدر وأفعال العباد :قولهم وسط بين الغلاة والنفاة ، بين القدرية والجبرية .
وهكذا في بقية الأبواب تراهم أسعد الطوائف بالمنقول والمعقول ، وبالنظر والاعتبار والآثار ، وتراهم قد سلموا من ككل الإيرادات على مخالفيهم ، وترى حجتهم قاهرة ، ومحجتهم ظاهرة ، حتى إن كثيراً من الفرق ـ على انحرافها  ـ باعتقادهم يتظاهر ، وإذا ردوا على المخالف لا يخرج عن إلزاما تهم ، ولا يستطيع أن يلزمهم بما يلزمون به ، ولا يستطيع أن يقلب حجتهم عليهم ، كما يفعلون هم مع أهل الفرق .
وهذا كله تطبيق عملي لبعض المعالم السابقة ،وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية  ـ رحمه الله ـ كما في ” مجموع الفتاوى ” (4/53) : ” ومن المعلوم أن العلم أصل العمل ، وصحة الأصول توجب صحة الفروع ” ا هـ .
وقال في ” المنهاج ” (5/ 83 )ومجموع الفتاوى (19/203) : ” ونحن نذكر قاعدة جامعة في هذا الباب لهم ولسائر الأمة ، فنقول : لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية يرد إليها الجزئيات ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا فيتقى في كذب وجهل في الجزئيات ، وجهل وظلم في الكليات ، فيتولد فساد عظيم ” ا هـ .
وقال في بيان تخبط الرافضة : ” ولهذا قال فيهم الشعبي :” يأخذون بأعجاز لا صدور لها ” أي بفروع لا أصول لها  . ا هـ ” المنهاج (8/ 355) .

الفصل الثاني
(وسطية أهل السنة في باب الجهاد)
معلوم أن الجهاد في سبيل الله ذروة سنام هذا الأمر ، وقد أعد ّ الله للمجاهدين درجات عالية وفضلا عظيما .
 إلا أن الجهاد في الإسلام غاية ، قد حددها الله عز وجل  في كتابه فقال : (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) ، وبينها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : ” من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ” .
فليس كل من اندفع للقتال وإن أفضى إلى مفاسد أكبر أو أكثر كان مجاهداً ممدوحاً مشكوراً.
 كما أن الجهاد لم ينحصر في القتال ، فالأمر بالمعروف والنهي عن  المنكر ، والدعوة إلى الله  من الجهاد الكبير ، كما قال تعالى في سورة الفرقان المكية : (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيرا ) ومعلوم أن الجهاد في مكة لم يكن بالسيف والسنان ، إنما كان بالحجة والبيان .
بل إن هذا الجهاد هو أعظم أنواع الجهاد ، كما قال الإمام ابن القيم  ـ رحمه الله تعالى ـ بما حاصله: الجهاد نوعان جهاد بالسيف والسنان ، وهو جهاد العامة ، وأنصاره وكثير ، وجهاد بالحجة والبيان ، وهو جهاد الخاصة من أتباع الرسل وهو جهاد الأئمة ، وأنصاره قليل ، وهو أفضل النوعين ، لعظم منفعته ، وشدة مؤنته ، وكثرة أعدائه ” انظر ” مفتاح دار السعادة (1/ 70) ط / رئاسة البحوث العلمية والإفتاء.
كما أنه يُفَرّق عند الكلام على الجهاد بين حالة الضعف وحالة القوة ، ففي زمن الضعف يكون الجهاد الأكبر هو جهاد الدعوة ، ودفع شبهات المخالفين ، للحفاظ على سلامة اعتقاد المسلمين ، وكذلك الجهاد بالحوار والمناظرات ، والجهاد بالدعوة إلى الفضيلة وكشف المخططات التي تُحاك للأمة ، والجهاد بتربية أبناء المسلمين على الإسلام الصافي ، وبث روح الثقة بالله وبدينه، والاعتزاز بالحق ، والحياة من أجله ، وكشف عوار البدع والمحدثات والنظريات التي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب ، ونشر العلم النافع ، وتعليم المسلمين أمر دينهم في عقائدهم ، وعباداتهم  ومعاملاتهم ، ومزاحمة أهل الباطل بالمنهج الرباني الصحيح ، وعدم تخلية المجالات لهم ، كل هذا مع التدين ، والعفاف ، والزهد ، ومكارم الأخلاق ، والحكمة والوسطية في الأمر كله .
وإذا كان المسلمون أقوياء مجتمعين على راية الحق ، دعْوا غلى الله الأمم الأخرى وبيّنوا لهم محاسن الإسلام وكشفوا لهم عن بؤس النظريات المنحرفة ، أو الديانات المنحرفة ، وحاوروا حملة وسدنة هذه الأفكار بالتي هي أحسن ، حتى يدخل الناس في دين الله أفواجًا ، ويحيى من حيّ عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة ، ولا يكون همهم القتال وإراقة الدماء ، إنما همهم دخول الناس في الدين ، فمن أبى، ووقف أمام الدعوة، وحاربها ؛حاربه المسلمون ، ومن سالمها سالموه ـ على تفاصيل معروفة في كتب الفقه ـ .
وإن الذين ينادون بالجهاد المسلح اليوم : إما أن يقولوا: المسلمون أقوياء قادرون على ذلك ، وصفوفهم متماسكة ،كما وصفهم الله تعالى بقوله : ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص )وإما أن يقولوا : المسلمون ضعفاء في القوة العدة أمام عدوهم ، وصفوفهم ممزقة بالبدع والأهواء والشريكات ، وأكثرهم خاضعون لدول كافرة !!
فإن قالوا بالقول الأول ؛رد عليهم الواقع ، وإن قالوا بالثاني فكيف ينادون بالجهاد المسلح والأمة كذلك ؟ أليس الله عز وجل  يأمر بإعداد العدة: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) وهذا الأمر يتضمن مسألتين :
الأولى : إيجاد الفئة التي هُيّئت لهذا الخطاب (وأعدوا ) فلو كان المسلمون على الوصف السابق  فهم بحاجة إلى إيجاد أمة قد رُبِّيت تربية صحيحة تخاطب بهذا أولا ، ثم تخاطب بعدذلك بإعداد القوة.
الثانية : الأمر بالإعداد الذي يوقع الرهبة في العدو ، فما لم يوقع الرهبة فليس هو الإعداد الذي أُمرنا به، ولا يجوز الإقدام به على الحرب التي تستأصل المسلمين بلا نكاية في العدو تدرأ فتنتهم ، وتجعل كلمة الله هي العليا.
والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد استؤذن من بعض أصحابه في مكة ليأذن لهم في القتال ، فأمرهم بالكف ؛ لأن الله عم وجل يعلم أنهم إن قاموا بذلك ، ولم يتموا العدة والقوة ، فستكون الدائرة عليهم  ، ولا يراد بالجهاد الانتحار واستئصال ما بقي من المسلمين ، إنما يراد به عزة الدين ، فإذا كان الجهاد يؤول إلى عكس المقصد الشرعي من الجهاد فهو فساد ، وليس بجهاد .
ولو سألنا من ينادي بذلك : هل المؤمنون بفكرته  يقدر كل منهم في قريته  أومدينته على جهاد أهلها ـ لو سلمنا له بقوله بأنهم أهل لأن يُجَاهدوا ـ أم غير قادرين ؟ فإن قال : نعم ، هم قادرون ، كذَّبه الواقع ، وإن قال : لا، غير قادرين،فلماذا يصرخ فيهم بما يكلفهم فوق طاقتهم ؟ فإن قال : نحن في مقام جهاد الدفع لا الطلب ، ولايُشترط فيه وجود قوة ، إنما يُراد إخراج الكفار من بلاد المسلمين .
فالجواب : إخراجهم ـ وهم بالقوة التي لا تخفى ـ يحتاج إلى قوة تدفع قوتهم ، فدعوى عدم اشتراط القوة يردها الواقع والدليل ، فإن جهاد الدفع واجب من الواجبات الشرعية ، ويُشترط فيه القوة والقدرة ، لقوله تعالى :(فاتقوا الله ما استطعتم )وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ” ما أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ” وما دليلكم على إخراج جهاد الدفع من هذا العموم ؟
وقال شيخ الإسلام ابن تنمية ـ رحمه الله ـ كما في ” مجموع الفتاوى ” ( 28/ 396) ـ :” ومن كان عاجزاً عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ، ففعل ما يقدر عليه : من النصيحة بقلبه ، والدعاء للأمة ، وحبه الخير ، وفعل ما يقدر عليه من الخير ؛ لم يُكَلَّف ما يعجز عنه .. ” ا هـ  . 
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ :”المهم أنه يجب على المسلمين الجهاد ، حتى تكون كلمة الله هي العليا ، ويكون الدين كله لله ، لكن الآن ليس بأيدي المسلمين ما يستطيعون به جهاد الكفار ، حتى ولو جهاد مدافعة ، وجهاد المهاجمة ما في شك الآن أنه غير ممكن ، حتى يأتي الله بأمة واعية ، تستعّد إيمانيًا ونفسيًا ، ثم عسكريا ، أما نحن على هذا الوضع فلا يمكن أن نجاهد ” ا هـ من ” لقاء الخميس ” الثالث والثلاثين ، في شهر صفر سنـة 1414هـ . نقلا عن ” مهمات الجهاد ” ص17 .
وانظر كتابي ” فتنة التفجيرات والاغتيالات ” (ص278ـ 281) الشبهة  السابعة والثلاثين .
ثم يُنظر إلى آثار من نادى بالجهاد بالعلم والتعليم والدعوة إلى الله عز وجل، وآثار من نادى بالجهاد المسلَّح ، وماذا جَرَّ كل منهما على الأمة ؟
ومن الذي تأصَّل فيه منهج السلف وقواعدهم ، ومن تخطَّفته الآراء والأفكار ، وأكثر التنقُّل ؟
ومن الذي احتاجت إليه الأمة في أمر دينها من أصحاب المنهجين ؟ ومن الذي زاحم أهل البدع والأهواء والفرق التي تقذف بآلاف الشبهات على الأمة ، ومن انحاز واعتزل ، أوهرب وطلب اللجوء السياسي عند الكفار ؟
ومن الذي له يد بيضاء على أبناء النهضة واليقظة في العالم كله من أهل هذين المنهجين؟ ومن همه التكفير منهما ، ومن همه الإصلاح والتغيير ولو بتقليل الشر إن عجز عن تعطيله بالكلية ؟ ومن يحترم العلماء والمصلحين على اختلاف بلدانهم ومشاربهم ، ويعرف لهم حقهم وقدرهم , ومن يطعن في صدعهم وصلاحهم ، ويرميهم بما يتنزه عنه عقلاء  العوام ؟! ومن دخل بدعوته أدغال إفريقيا ، وغياهب أوربا ، وظلمات الصين ، وغيرهم ، ومن كان دعوته سببا في تفرق الدعاة والدعوة ، وطيّ الفراش الذي بسطه العلماء الكبار بحكمتهم وجدهم وإخلاصهم ؟ كل هذا وغيره يدلنا على أي المنهجين أقوم قيلا وأهدى سبيلا .
ثم إنك ترى المشغولين بالجهاد المسلح لايهمهم من الدين ـ في أكثر أوقاتهم ـ إلا هذه الجزئية  ، وذلك على حساب كليات وجزئيات أخرى ، وأما أهل العلم ففي ميدان العقيدة ينافحون ، وبتعليم العبادات والأحكام يشتغلون ، وبغرس الورع والزهد والتقى قائمون ، وبكشف مكايد الأعداء يصولون ويجولون ، وبالسعي إلى رص ِّالصفوف وتبجيل العلماء مهتمون ، وعن الإصلاح بين الناس ، والقضاء في الخصومات ، وإصلاح الأسر والمجتمعات ؛لايغيبون وعن تنقية السنة وتصفيتها لايتخلفون، بل يتسابقون ، وفي النهضة بمستوى المرأة لتفادي ما يُكاد لها يصيحون ، وبتميز الولاء العقدي متميزون ، وغيرهم تقذف بهم الأفكار ، المصالح المزعومة في أحضان الأعداء،بعد أن يموّهوا على الأتباع بأنهم صاروا من الأصدقاء ،فأي الفريقين أنفع لأمته ؟ (نبئوني بعلم إن كنتم صادقين ).

الفصل الثالث
(الوسطية في الدعوة إلى اجتماع الكلمة)
إن الدعوة إلى اجتماع الكلمة تلقي الرواج والفرحة عند المخلصين والغيورين ، الذين يحملون هَمَّ الأمة المسلمة في كل عصر ، وقد أمر الله سبحانه وتعالى باجتماع الكلمة ، وحذَّر من الفرقة والاختلاف،واتباع كل ذي رأي رأيه ، لأن هذا يفضي إلى الوهن وتسلُّط الأعداء .
والاجتماع قد أمر به النقل والعقل والعرف والواقع :
قال تعالى : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) ، وقال تعالى :(ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ) ، وقال جل ذكره :(إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ) فبّرأ الله رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم  من الانتساب إلى أهل الفرقة في الدين .
 وقال جل وعلا : ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وقال سبحانه وتعالى :(شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه ) وذمّ الله أهل الفرقة بعد أن جاءهم العلم ، وبيّن أن سبب ذلك بغي بعضهم على بعض ، فقال تعالى : (وما تفرقوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم ) ،وحذَّر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفرقة ، فقال : “لا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تنافسوا , وكونوا عباد الله إخوانا …” وقال :”يد الله مع الجماعة ” وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم  حريصاّ على إصلاح ذات البين ، وجعل فسادها ذهاباً للدين ، فقال :” وإياكم والحالقة ” قالوا:وما الحالقة؟ قال:”فساد ذات البين” وآخى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وأغلق الباب أمام كل ما يفرق الصفوف ، ويفضي إلى تنافر القلوب ، ولو كان في عبادة ، فقال منكراً على معاذ لما أطال الصلاة :” إن فيكم منفِّرين ” وقال منكراً على أبي ذر عندما سبَّ غلامه :” إنك امرؤ فيك جاهلية ” وذهب إلى بني عبد الأشهل ليصلح بينهم ، وسارع في جمع الأنصار عندما بلغه أن بعض صغارهم قالوا يوم حنين :” يغفر الله لرسول الله : إنه يعطي قريشا غنائمنا ، وإن سيوفنا لتقطر من دمائهم …” وشبه المؤمن للمؤمن بالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ” فهذه سنن قولية وعملية منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم  في السعي إلى جمع الكلمة ، والحذر من كل ما يفضي إلى فُرقة.
وقد حرص علماء السنة على هذا الأصل العظيم بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فكل ما يؤول إلى الفرقة والوهن حذّروا منه ، ودعوا الناس إلى الاعتصام بالأمر العتيق ، وتسَّمْوا بأهل السنة والجماعة ، مما يدل على أنهم يدعون إلى الأمرين ، فيدعون إلى السنة في اجتماع وقوة ، وإلى الاجتماع على السنة والبصيرة في الدين فهم أهل سنة وجماعة ، وأهل اتباع واجتماع  ، وأهل تمسُّك وتماسك ، وأهل كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ، فلم يقع هذا الشعار عند هذه الطائفة من فراغ ، ولا وقع اتفاقاً دون قصد وإدراك لمدلوله ، وما يُحترز به منه ، فإنه احتراز من أهل البدعة والفرقة ن والسنة إذا أُخذتْ من جميع جوانبها كانت باباً للاجتماع والائتلاف والقوة ، وإذا أُخذت من جانب مع إهمال جوانب أخرى كانت سببا في الفُرقة والضلالة ، كما حصل للأمم السابقة الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، والذين ضلوا بعد هُدًى كانوا عليه . 
ومع أن الدعوة إلى اجتماع الكلمة من أجَلّ الطاعات ، إلا أنها يجب أن تكون منضبطة بضوابط شرعية حتى تؤتي أُكُلها ، وتُحمد عاقبتها ؛فإن هناك من إفراط في ذلك ومن فرّط ، والحق الذي عليه علماء أهل السنة ـ وسط بين الإفراط والتفريط .
وبالاستقراء للواقع المعاصر ؛ وجدت دعاة الاجتماع على أربعة اتجاهات :
الأول : دعاة الماسونية : الذين ينادون بحرية الأديان ، وعدم النظر إلى الدين عند اجتماع الكلمة ، فينادون باجتماع اليهودي والنصراني والوثني والمسلم اجتماع أخوَّة ومودة ، ويصرّحون بطرح الدين وراء الظهر ، أو أن كل طائفة تحتفظ بدينها لنفسها ، وأن الاختلاف في الأديان لايؤثر في الأخوة والتناصر!!
ولاشك أن هذا المذهب مصادم لأصل دين الإسلام القائم على قاعدة الولاء والبراء بالضوابط الشرعية، والتفاصيل الفقهية ، ومع ذلك فقد أثبتت التجارب والمواقف أن اليهود وغيرهم لايتنازلون عن عقائدهم وثوابتهم ، وأنهم يروِّجون هذا المذهب لتحقيق مصالحهم فقط، فهؤلاء الدعاة ينظرون إلى المسلمين نظرة ريْب وعداء ، بل نظرة احتقار وازدراء ، ومنهم من يمثل دور الصديق  للمسلمين ، والحقيقة أنه مع العدو الظاهر على رأْي واحد في إنهاك المسلمين ، وابتزاز ثرواتهم، وتمييع قضيتهم وحقوقهم ،وتشويه عقائدهم وأصولهم ،فياليت قومي يفقهون !!
الثاني: وطائفة أخرى لكنها من جملة المسلمين ،بل تنتمي إلى أهل السنة والجماعة : بلغ بها الحماس ـ بدون ضابط شرعي ـ إلى الدعوة إلى الاجتماع بمجرد الانتماء إلى الإسلام ، والنطق بشهادة أن لا إله إلا الله ، فنادوا بالتآخي مع الرافضة الإمامية ، وغضوا الطرف عن كل معتقداتهم ، ونسوا أو تناسوا تاريخهم مع الإسلام والمسلمين ، وقالوا: ربنا وربهم واحد ، ونبينا ونبيهم واحد ، وديننا واحد ، وقبلتنا واحدة , ومصحفنا واحد …الخ فلماذا نختلف معهم ؟
ومع أننا لو سلمنا ـ إرخاءً للعنان ـ بصحة هذه الوحدة الفكرية ؛ لما لزم من ذلك الدعوة إلى التآخي والتآلف والتناصر ، ونسيان المعتقدات الأخرى ، والتاريخ المظلم لهذه الطائفة حتى ننظر شهادة العمل والواقع بصحة هذه الشعرات أم لا ؟! فكيف إذا كان هناك تصريح من بعض أئمتهم بكلمات تدل على انحراف في كثير من هذه الدعاوي التي تزعم الوحدة الفكرية ؟َ! فهذا صاحب الأنوار النعمانية (2/ 278) يقول :” ووجه آخر لهذا لا أعلم إلا أني رأيته في بعض الأخبار ، وحاصلة : أنّا لم نجتمع معهم ـ يعني مع أهل السنةـ على إله ، ولا على نبي ، ولا على إمام ، وذلك أنهم يقولون : إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم نبيه ، وخليفته بعده أبو بكر ، ونحن لا نقول بهذا الرب ، لا بذلك النبي ، بل نقول إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ، ولاذلك النبي نبينا ” ا هـ من “علماء الشيعة يقولون ”  وثائق مصورة من كتب الشيعة إعداد مركز إحياء تراث آل البيت ص27 .
– وكلامهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ ورضي الله عنهم ـ الذي يلزم منه الطعن في الرسول  والدين أكثر من أن يُذكر .
– وكلامهم في تحويل القبلة من الكعبة المشرفة إلى كربلاء ، وأن الحج إلى مشاهدهم وعتباتهم أفضل من الحج إلى البيت الحرام ، انظر “بروتوكولات آيات قم حول الحرمين المقدسين ” (ص118ـ154).
– وكلامهم في أن المصحف محرّف لايوثق به : ، انظر نصوصا عنهم بذلك في ” الشيعة الاثنا عشرية وتحريف القرآن ”  ص9ومابعدها .
فهذه وغيره يجعل صاحب الحق لا يضع يده في يد هذه الطائفة بالتآخي والتناصر المطلق ، وإذا  انضم إلى ذلك ما عُلِم من تواطؤهم مع أعداء الإسلام على أهل الدين  الصحيح عبر التاريخ علمنا فساد قول هذه الطائفة ، وإذا انضم إلى ذلك عدمُ صدقهم فيما اتفقوا عليه مع دعاة التقريب من أهل السنة ونقضُهم لما أبرموه معهم ، واستمرارهم في نشر مبادئهم وعقائدهم ن واتخاذ هذه المؤامرات التقريبية تخديرا ودغدغة لعواطف أهل السنة ليتموا برامجهم الفكرية وخططهم الفعلية في نشر مذهبهم ؛ كل ذلك يزيد صاحبَ الحق قناعة بفساد هذا القول ، لاسيما بعد مرور هذه العقود من الزمن على دعوى التقريب ، والمستفيد فيها الرافضة الإمامية ، لا أهل السنة الذين خدعوا بعواطف تجعلها العقائد الراسخة عند الرافضة سراباً ، وهباءً منثوراً !!
الثالث : قوم اتخذوا من الدين بعضه ، ووالوْا وعادَوْا عليه ، وجعلوا مناط الولاء والبراء موافقتهم على هذا البعض وتلك الآراء أو مخالفتهم ، فمن وافقهم عليها ؛ فله الولاء الكامل ، ومن خالفهم فيها أوفي بعضها ؛ فإنهم يتبرؤون منه براءة تامة ، مع أن هذه المسائل ليست من أصول الدين وثوابته العامة ، وغايتها أن تكون من المسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف للمختلفين ، فضلاً عن أن يكون الحق في خلاف قولهم ، فخالفوا الحق تأصيلاً وتنزيلا،واستدلالا حالا ومآلا.
وهذه الطائفة سلكت مسلكاً حزبياً مقيتا ، ومن لم يكن معهم فهو ضدهم، ومن خالفهم في شيء لم يعترفوا له بعد ذلك بشيء ، وسلكوا مسلك من قال: من لم يكن معنا فهو ضدنا ، وأفرادهم في ذلك على درجات متفاوتة ؛إلا من رحم الله وهذا الاتجاه ينقسم إلى قسمين : قسم بالغوا في التكفير للمجتمعات وولاة الأمور ، التهييج عليهم ، وإشاعة مثالبهم ، فآلت الأمور إلى فتنة التفجيرات والاغتيالات،ـ شاءوا أم أبوا ـ وقسم بالغوا في التكفير للمجتمعات وولاة الأمور والتهييج عليهم ، وإشاعة مثالبهم ، فآلت الأمور إلى فتنة التفجيرات والاغتيالات ، شاءوا أم أبوا ـ وقسم اشتغل بالطعن في الدعاة إلى الله ، وولغ في تصنيف الناس بهوى وجهل ، وعدَّ مخالفيه ـ وإن كانوا أهدى منه سبيلا وأقوم قيلاـ أضر وأخبث من اليهود والنصارى وغيرهم ، وجعلوا الاشتغال بزلات الدعاة ـ على أسوأ تقديرـ أفسد للأمة من كيد الصهاينة المحتلين ، والملا حدة الشيوعيين ، والرافضة الماكرين ، والنصارى المتسلطين ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وقد عمل دعاة هذا الاتجاه عملهم في صفوف الأمة ، وأثخنوا في تماسكها ، وكشفوا عورتها ، وأبدوا سوأتها ، وسلَّطوا عدوها عليها ، وجعلوا بأس الأمة بينها ، فالله المستعان ، وعليه التكلان!!
ومعلوم أن هذا مسلك أهل البدع الذين يوالون ويعادون على المسائل الاجتهادية لا الجمل الثابتة في الدين .
الرابع : وهم أهل الحق عبر العصور: وهم الذين عقدوا الولاء والبراء على أصول الدين المحكمة المجمع عليها ، سواء كان الخلاف في هذا الأصل يفضي إلى التكفير، أو إلى  التفسيق ، فمن آمن بأصول الدين وما أجمع عليه أهل الحق ؛ فهو منهم ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، وإن خالفهم في المسائل الاجتهادية ـ وإن كثرت ـ مادام الخلاف فيها سائغًا ،ويكتفون ببيان الحق للمخالف وغيره، لكنهم لا يجعلون مسائل العفو ـ أي ما يسوغ فيها الخلاف ـ من مسائل العقوبات والتشنيع ، فإن هذا لا يكون إلا مع من خالف في الأصول بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، ولإن جعل مسائل العفو من مسائل التشنيع عمل أهل البدع ، وأيضاً فلم يقبلوا تنازلاً عن الأصول، فلم يضخموا صغيراً  ، ولم يحقروا عظيما .
وبهذا بقي تماسكهم عبر القرون قائماً ، لأن صفوفهم لا تتصدع بمجرد أي خلاف ، إذ أنهم ينظرون إلى رتبة المسألة المختلف فيها بين مسائل الدين ؟ وينظرون في المخالف : ما الحامل له على الخلاف ؟ وينظرون في القرائن التي تحف المقام ، ثم ينظرون : هل الأرجح إعلان الخلاف أم إسراره ؟ وهل الأرجح والأنفع للأمة التعجيل بنشر الخلاف ، أم تأجيله ، أم طيه ؟ وهم في هذا كله مقتدون برسول الله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد تجلى بهذا : كونُهم أهل سنة وجماعة ، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر مع حفاظهم عن الجماعة ، وتجسد بلا خفاء : أنهم أهل العلم والحلم والفهم ، وأنهم أهل الدين الصحيح ، و أن طريقتهم امتداد لدعوة الحق وأهله عبر القرون ، وأنهم أسعد الناس بنصوص الوحيين ، ومنهج الأئمة ، وأنهم أرعى الطوائف لمقاصد الشريعة ، وتقدير الأمور بقدرها ، بخلاف غيرهم الذي عظم ما ليس بعظيم ، وفرط في الأمر الذي لايسع أحداً التفريط فيه !! 
فأنت ترى الإفراط التفريط في الاتجاهات الثلاثة الأولى ، والتوسط في الاتجاه الرابع ، والتوفيق بيد الله .
وإذا كان اجتماع الكلمة والاعتصام بالحق وتماسك الصفوف من أعظم أصول الدين ، فإن الإفراط أوالتفريط في ذلك وخيم العاقبة،ولذا كان التوسط ولزوم الجادة في ذلك من أعظم القربات، وأكرم المآلات ،والله أعلم .

الفصل الرابع
(الوسطية في طاعة ولي الأمر ولزوم الجماعة)
من المعلوم عقلا ونقلا ، ونظراً واعتباراً أن الناس لا صلاح لهم إلا بأمير يسوسهم ، ولا إمارة بدون قوة، ولا قوة بدون سمع وطاعة .
ولما كان الإنسان مدنيا بالطبع ، ويستوحش من الشذوذ والانفراد ، ويستأنس بالاجتماع والاقتراب ؛كان ولابد للناس من وجود من يرجعون إليه في دينهم ودنياهم ، ومن وجود من ينصف المظلوم ، ويرد الحقوق لأهلها ، وإلا فسد أمرهم ، وأكل قويُّهم ضعيفَهم .
ولذا فقد أنزل العليم الخبير منهجا تعيش به الأمم والطوائف والأفراد حتى يستمر أمرهم ، ويقوى شأنهم ، إلا أن الناس سلكوا في هذا الباب عدة مسالك :
فهناك طائفة تجاري الحكام في كل ماجاءوا به ، فتحل لهم  ما حرم الله ، وتحرم ما أوجب الله ، وتبيح ما حظر الله ،وتحرف الدين ، وتعطل معالمه وتطمسها تبعا لشهوات ملوكهم وقادتهم ، ويجعلون ما رآه الحاكم هو الأصل ، وكل ما عداه يجب أن يكون تبعا له ، واستدلوا بعمومات من الأدلة ، ووضعوها في غير موضعها ، أو أهملوا قيودها وضوابطها ،والغالب على من وقع في ذلك أنه ممن آثر الدنيا على الآخرة ، وباع دينه بدنيا غيره ، أو بغرضٍ زائل عما قليل ، ونعوذ بالله من حال هؤلاء ، ومن حال ممن يجادلون بالباطل عن الذين يختانون أنفسهم .
وهناك طائفة قابلتْ الطائفة السابقة ، فرأتْ من ظلم الحكام ما رأتْ ، فلم تصبر نفوسها على احتمال هذا الظلم ،فسارعتْ إلى تكفيرهم ، وإعلان الخروج علنهم ن ودعت الناس إلى مباغتتهم، والانقضاض عليهم وعلى من يتبعهم ، حتى أفتوا بقتل أو هجر من كشف خطأ مذهبهم بالدليل والبرهان ، وجعلوه من علماء السلطان ، ورموه بالقبائح ـ
وآثار هاتين الطائفتين على ضياع الدين واندثاره وطمْس معالمه ، وتسلط أعدائه لا تخفى على عاقل .
فالطائفة الأولى ممن اتخذوا أحْبارهم ورهباهم أربابا بل واتخذوا بعض فجارهم من دون الله ، وهلكوا بسبب شهواتهم , والثانية من الخوارج المارقين الذين هلكوا بسبب شبهاتهم .

وهناك طائفتان سلكتا مسلك الإفراط والتفريط وإن كانتا من أهل السنة :
فإحداهما : لا تنادي بالخروج المسلح على الحكام، ولكن سلكت مسلك التهييج والإثارة ، وذِكْر مثالب الحكام ، حتى أوغرت الصدور ، وهّونت من أمر الخروج المسلح شاءتْ أم أبتْ .
والثانية : بالغت في عكس ما ذهبت إليه هذه الطائفة ،حتى أصبحت لا تعطي أمر الحاكمية حق في النظر ، وترى أن أي تحذير من الوقوع في المنكرات العامة من وسائل الخروج على الحكام ، وتصنّف العلماء وطلاب العلم والخطباء بهذا المعيار ، مع أنها بالغت في التشهير بأهل العلم والفضل بلا خطام ولا زمام .
والحق وسط بين هذه الفرق ـ على اختلاف درجات انحرافها ـ وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة، إذ عملوا بالنصوص الدالة على السمع والطاعة في المعروف دون المعصية ، فخالفت الفرقة الأولى ، وعملت بالنصوص الدالة على الحرص على الجماعة ،والنصح بالمعروف ، والصبر على الأذى ، فخالفت الفرقة الثانية ، وعملت بالنصوص الدالة على الرفق في الأمر والنهي ، والقواعد الدالة على سد الذرائع ، والحذر من الوسائل الموصلة للسوء ، وأدركت أثر الكلام في إيغار الصدور ، وأثر التكتلات السرية في ذهاب القوة الهيبة ، فخالفت الفرقة الثالثة ، وعملت بنصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع مراعاة ضوابط ذلك في الحال والمآل ، وأدركت أن الدفاع بالباطل عن الحكام وخيم العاقبة ، كما أن الخوض بالباطل في أعراض العلماء ذهاب للدين ؛فخالفت الفرقة ، وعملت بمنهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، وبطريقة أئمة المذاهب والأمصار ، فنفع الله بهم ، واستمر خيرهم ، وقاموا بالدين من جميع جوانبه : علما وتعليما ، وقضاءً وجهادا , وتربية وسلوكا ، وصدا للشبهات والشهوات ؛فكانوا أهل السنة والجماعة حقا,,,.

الفصل الخامس
الوسطية في تناول الفتوى والاجتهاد، والمذهبية والحكم على المستجدات، وطريقة التفكير والحكم على الأشياء
للفتوى منزلة عظيمة في الدين ، وأهلها هم أهل الرفعة في الدنيا والآخرة ، لكن حَدَث في تناولها إفراط وتفريط .
… فمن الناس من تجرأ على الفتيا وليس لها بأهل ، وتزبَّب قبل أن يتحصرم ، فضَلَّ وأضَلَّ.
ـ والدليل على فساد ذلك :قصة الصحابي الذي أصابته جنابة ولاماء ، وكان فيه شجة، فأفتاه من حضره من الصحابة بالغسل ،وكان زمن برد شديد ، فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم “قتلوه قتلهم الله ،هلا سألوا إذ لم يعلموا ، إنما شفاء العي السؤال” فهذه آثار الفتوى بدون علم على النفس والغير.
ـ وقصة الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، دليل على أن الجاهل يضر نفسه.
… ومن الناس من هو أهل للفتيا لكن شُغل عن ذلك بغير العلم ، فضيَّع علمه ، إما لتنافسه على الدنيا ،أو لجعل علمه خادماً لشهوات أمراء الجور ، أو لعدم تمسكه في نفسه وأهله بما يفتي به ، فنفر الناس عنه ، ونحو ذلك .
…ومن الناس من عنده علم في باب من أبواب الفتوى ، ولم يقتصر على ما رُزِق ، فدخل في غير فنِّه ، فأتى بالعجائب والموبقات .
.. ومن الناس من يُحسن الخطابة مثلاً ، فاغتر الناس به ، وظنوا أنه أهل للفتيا في المسائل العامة والخاصة ، واغتر هو بالأتباع ، فخاض فيما لا يحسن فأفسد.
… ومن الناس من ادعى اغلاق باب الاجتهاد من وقت قديم ، ودعا إلى التقليد فقط.

وأما أهل الحق فسلكوا مسلك الوسط ، الذي هو بين التشديد المفرط والتيسير المنفلت غير المنضبط ولهم في ذلك عدة أمور ومعالم  :
1- أن باب الاجتهاد مفتوح لمن دخله بشروطه ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، ودعوى إغلاق هذا الباب تضييق لواسع ن وحرمان لمن تأهّل من منزلة أكرمه الله بها ، والواقع يثبت ذلك.
2- أن الاجتهاد منه مطلق ، ومنه مقيد ، وأنه يتبعض ، فقد يكون العالم مجتهدا في الشريعة على جميع المذاهب ، وقد يكون مجتهداً في مذهب دون غيره ، وقد يكون  مجتهداً في الحديث دون غيره ، او الفقه دون غيره ، وقد يكون عالما في باب من أبواب الفقه دون غيره ، كالفرائض ، والمناسك ، والبيوع … الخ .فأهل السنة يقبلون من كل عالم في بابه ، ولا يتكلم عالمهم إلا في فنِّه , ويحيل على غيره فيما لا يحسن .
3- أن المسائل الشرعية مختلفة المراتب ، ولكل مسألة أهلها الذين  يتناولونها :
أ‌- فهناك مسائل فرعية في أبواب الفقه ، ويتناولها عامة العلماء ،إلا إذا خرجت هذه المسائل عن مجاله الذي تأهّل فيه .
ب – وهناك خصومات ترجع إلى القضاة والحكام ، لا مطلق العلماء.
ج- وهناك مسائل ونوازل عامة ن خيرها وشرها يعم الأمة ،ولا يقتصر ذلك على طائفة معينة ، أو مسائل تتصل بالحرب والسلم والعلاقات الدولية بين المسلمين بينها البين وبينها وبين الدول الأخرى …ونحو ذلك ، وهذه مسائل لها صلتها الوثيقة بباب الموازنة بين المصالح والمفاسد فهذه المسائل لا يتكلم فيها مطلق العلماء ، فضلا عن جمهور طلاب العلم ، بل يتكلم فيها أهل الاجتهاد والاستنباط العام ، وقد قال تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )وهناك حالات لايستقل هؤلاء العلماء بالفتوى فيها حتى يجتمعوا بولاة الأمور ، وينظروا الأصلح للأمة ،فإذا تكلم في هذا النوع من المسائل الأحداثُ علما وتجربة أفسدوا ، وقد وقع ذلك في هذه السنوات ، فخاض الأحداث في مسائل التكفير ، والحكم بالخروج على ولاة الأمور لظلمهم او لكفرهم ـ حسب اعتقاد أصحاب هذه الفتاوى ـ وأعلنوا الحرب على كثير من الدول الإسلامية فضلا عن غيرهم ، فكان من آثار ذلك ما كان ، والله المستعان .  
  مع أن هذه المسائل والنوازل لو كانت في عهد عمر ـ رضي الله عنه ـ لجمع لها القراء من أهل بدر وأعيان الصحابة .
4- كُتُب المذاهب يستفاد من علم أهلها ، لأنهم الذين فهموا الشريعة وصوروها ، فالمطلوب فهم مرادهم ، ومعرفة مآخذهم ، وإدراك طريقتهم في ترتيب الأدلة , وكيفية جمعهم بين ما ظاهره التعارض، وطريقة مناظراتهم ، ومراتب الحجج والبراهين عندهم ، وطرق استنباطاتهم ،وما يُعوَّل على ذلك من غيره ،وقواعدهم المتفق عليها والمختلف فيها ، وأساليبهم في الرد على المخالف سواء كان من أهل السنة أو غيرهم ، لكن لايلزم من ذلك إغلاق باب الاجتهاد ، وإلزام كل الأمة بتقليد الأئمة الأربعة فقط ، والنظر إلى نصوص أئمة المذاهب على أنها صالحة لكل زمان ومكان ، فإن الشريعة منوطة بالمقاصد ، وتحقيق المصالح ودرء المفاسد ، ولكل زمان فهم وأحكام ومصالح ومقاصد يجب مراعاتها على ضوء الثوابت العامة ، وذلك لتجدد القضايا ، فإن الزمن له حركة ،والمدنيّة ولادة ، والحضارة متوقدة متجددة ، أما العامة وأشباههم والعاجزون عن الاستنباط : إما لعدم قدرتهم ، أو لضيق وقتهم ؛فلهم أن يقلدوا على قدْر حاجتهم ، وتقليد منضبط خير من اجتهاد أهوج ، هذا هو الوسط بين معطلة المذاهب والغلاة في المذهبية .
5- لزوم الوسط بين من يرون أن الحق في الشدة الاحتياط ، وبين من يرون أن الحق في التيسير والانفلات ، وإننا نأخذ بالتشديد في مكانه , وبالتيسير في مكانه ، وحيث خُيِّرْنا بين أمرين لم يرد في أحدهما نص ؛ اخترنا أيسرهما ما لم يكن إثما ، كما هو هدْي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وهذا منهج في الفتوى ، والبحوث ، والمقالات ، والمحاضرات ، والتربية .
6- لزوم الوسط بين من غلا في اعتبار المصالح ودرء المفاسد ، حتى أخذ بالمصالح المتوهمة ، ولم يراع شروط هذه القاعدة ، وبين من جفا فرأى إلغاء المصالح مطلقا ، وأن النظر في النصوص كافٍ ، والأخذ بظاهرها هو المصلحة ، وهذه الوسطية منشؤها أن الشريعة معلَّلة مبينة على جلب المصالح ودرء المفاسد ، ومن فاته العلم بقواعد الشريعة ومقاصدها ؛ فإنه يفوته تحقيق هذه الشريعة .
7- لزوم الوسط في الحكم على الأشياء بين أهل العاطفة وسوء الظن وحمل الأمور على الأسوأ ، وبين أهل التفريط وعدم أخذ الحِذْر وسدّ الذرائع ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ، فلا بد من منهج قائم على قواعد صحيحة في الحكم على الأشياء ، والأوضاع ، والأشخاص ، والأفكار ، والنوايا والمقاصد ، والمجتمعات ، والدول ، والعلماء والدعاة ، وبقية الناس ، فمن رام الدعوة والإصلاح لزمه لزوم هذا المنهج الوسط ، والله عز و جل   يقول :( ولاتقف ما ليس لك به علم ) ويقول سبحانه : ( … وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا  وأن  تقولوا على الله ما لا تعلمون ) ولو كان لكل أحد أن يحكم ويفتي دون الرجوع إلى هذا المنهج لما كان الفقهاء قليلين في الأمة !!
8- لزوم الوسطية في منهج التفكير بين العقل الجامد والعاطفة الجامحة ، فالعقل مطلوب دون إلغاء العاطفة ، والعاطفة والحماس للدين مطلوبان لكن دون غياب العقل السليم ورعاية النص ، وعاطفة الخوارج أضرت بالأمة ، وهل قُتل على إلا بعاطفة طائشة من عبد الرحمن بن ملجم ؟! وهذا المنهج في التفكير قائم على النظر بين البدايات والمآلات , والتفرقة بين الواقع الكائن ،والأمثل الذي ينبغي أن يكون ، ففرق بين الواقع والتنظير ، والمثالية في حدود المتاحات لا في خيال الطموحات ، فهناك أمور سهلة في التنظير مستحيلة في التطبيق فهل يجوز لحملة الشريعة أن يعيشوا بين أسارى الخيالات؟ فالمصلح الذي يصلح الواقع ، لا الذي يأتي بتنظيرات يكره بسببها الواقع ، أو يجانبه الواقع .
لابد في هذا المنهج أن يقوم على التفرقة بين حالة السعة والاختيار ، وحالة العجز والاضطرار ، وحالة القوة والاستخلاف من حالة الفرقة والاستضعاف ، كمن يريد الجهاد أو الإنكار باليد وليس له قدرة على ذلك .
ولابد في هذا المنهج من مراعاة المخاطبين ، فكلام يُذكر عند طائفة ولا يُذكر عند أخرى ، لسوء فهمهم ، أو سوء تطبيقهم ، أو استغلالهم هذا الكلام واتخاذه ذريعة لباطلهم ، أو يفهم منها مشابهة الأعداء ،كما في قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ).خشية أن يُفهم أن المسلمين يريدون بها ما يريد ه اليهود من الرعونة والغلظة والشدة .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
انتهى الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك ويليه إن شاء الله الجزء الثاني
*****************
(تنبيه):استفدت رؤوس المسائل وعددا من الفوائد المذكورة مع زيادات كثيرة من عندي من كتاب “الوسطية والاعتدال” للشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله تعالى .

 

-- أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*