الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الكذب خصلة تنافي الوسطية

الكذب خصلة تنافي الوسطية

الوسطية تحتاج إلى بيئة أخلاقية سليمة ومتوازنة ، ومن أبشع الصفات الذميمة ( الكذب ) ؛ لذلك لا يمكن أن تنتشر الوسطية والاعتدال في أجواء مسمومة بأدخنة الكذب والدجل والتلبيس وسيء الأخلاق ، نحاول في هذا المبحث الاطلاع على الكذب والتحذير منه ، ومعرفة الصدق والحث على التزامه . 

أ-ما هو الكذبُ وآثارهُ؟

*-مفهوم الكذبِ :

*الكذبُ لغةً :
يقول ابنُ فارسٍ :” الكاف والذال والباء أصلٌ صحيح يدلُّ على خلاف الصِّدقِ”( ) .

*الكذبُ اصطلاحاً :

الكذبُ اصطلاحاً هو :   الإخبار عن الشيء بخلاف الواقع، وليس الإخبار مقصورًا على القول، بل قد يكون بالفعل، كالإشارة باليد، أو هز الرأس، وقد يكون بالسكوت( ) .

* آثارُ الكذبِ :

الكذبُ له آثارٌ سيئةٌ ؛ لعلَّ أبرزها ما يلي :

1-الْكَذِبُ جِمَاعُ كُلِّ شَرٍّ ، وَأَصْلُ كُلِّ ذَمٍّ لِسُوءِ عَوَاقِبِهِ ، وَخُبْثِ نَتَائِجِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنْتِجُ النَّمِيمَةَ ، وَالنَّمِيمَةُ تُنْتِجُ الْبَغْضَاءَ ، وَالْبَغْضَاءُ تُؤَوَّلُ إلَى الْعَدَاوَةِ ، وَلَيْسَ مَعَ الْعَدَاوَةِ أَمْنٌ وَلَا رَاحَةٌ(  ) .

2-الكذبُ طريقٌ للنفاقِ ؛ كما جاءَ في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ”( ) .

يقول الإمام ابنُ قيم الجوزية-رحمه الله- :”والإيمان أساسه الصدق والنفاق أساسه الكذب فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر”( ) .

3-الكذبُ أساسُ السيئاتِ ؛ وفي ذلك يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمهُ الله-:

” وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيِّئَاتِ وَنِظَامُهَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ حَيٌّ نَاطِقٌ فَالْوَصْفُ الْمُقَوِّمُ لَهُ الْفَاصِلُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ هُوَ الْمَنْطِقُ وَالْمَنْطِقُ قِسْمَانِ : خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْخَبَرُ صِحَّتُهُ بِالصِّدْقِ وَفَسَادُهُ بِالْكَذِبِ فَالْكَاذِبُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ وَالْكَلَامُ الْخَبَرِيُّ هُوَ الْمُمَيِّزُ لِلْإِنْسَانِ وَهُوَ أَصْلُ الْكَلَامِ الْإِنْشَائِيِّ فَإِنَّهُ مَظْهَرُ الْعِلْمِ وَالْإِنْشَاءُ مَظْهَرُ الْعَمَلِ وَالْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَمَلِ وَمُوجِبٌ لَهُ فَالْكَاذِبُ لَمْ يَكْفِهِ أَنَّهُ سُلِبَ حَقِيقَةَ الْإِنْسَانِ حَتَّى قَلَبَهَا إلَى ضِدِّهَا وَلِهَذَا قِيلَ : لَا مُرُوءَةَ لِكَذُوبِ”( ) .

4-الكذبُ طريقٌ إلى عالمِ الشياطينِ ؛ وفي هذه الحقيقةِ الرهيبةِ يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمهُ الله-:
“وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ *تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ *يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ }”( ) .

5-الكذبُ يُفضي إلى الفجورِ ومنْ ثَمَّ إلى النَّار-عياذاً بالله- ؛ فعنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مسعودٍ-رضي الله عنه- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- : « …وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا »( ).

ب-ما هو ضدُ الكذبِ وآثارهِ؟

*-ضدُ  الكذبِ : الصِّدقُ ، وهُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ( ) .

* آثارُ الصِّدقِ(  ):

1-شرفُ القدرِ، وعلوُ المنزلةِ: فالإنسانُ الذي يتحلَّى بالصدق يَشرفُ قدرهُ، وتعلو منزلتُه؛ ذلك أنَّ الصدقَ يَدلُّ على حسنِ السيرةِ، ونقاءِ السريرةِ، وسموُ الهمةِ، ورجحانُ العقلِ، كما أنَّ الكذبَ عنوانُ سفهِ العقلِ، وسقوطِ الهمةِ، وخُبثِ الطويةِ.

فالصدقُ حسنةٌ حميدةٌ تنساقُ بصاحبها إلى الحسناتِ ؛ فلا يستقيمُ لأحدٍ سؤددٌ، ولا تعلوُ له مكانةٌ، ولا يُحرزُ قبولاً في قلوبِ الناسِ إلا إذا وهبهُ اللهُ لسانَ صدقٍ.

2-طيبُ العيشِ : ذلكَ أنَّ الناسَ لا يطمئنونَ إلا إلى معاملةِ الصادقِ الأمينِ، وشأنُهم الانصرافُ عمن ألْفَوه يضعُ الكلمةَ في غيرِ مواقعها.

وقد يحرصُ التاجرُ أو الصَّانعُ على درهمٍ أو دينارٍ يقتنصهُ بكلمةٍ غيرِ صادقةٍ، فإذا هو يُضيِّعُ سمعةً طيبةً، ويخسرُ ربحاً وافراً .
والنَّاسُ إذا علموا صدقَ اللَّهجةِ منْ شخصٍ أكرموه، وأجَلَّوهُ، وسَوَّدوهُ، وحَرِصوا على صحبتهِ ، وأصاخوا السمعَ لمقولتهِ، واستناروا برأيهِ، وأخذوا بنصحهِ ؛ ومنْ هنا تَطيبُ حياتُه، ويكثرُ أنسُه، وتَسعدُ نفسُه.

3-صفاءُ البالِ: فصادقُ اللهجةِ يَصفُو بالهُ، ويُعينه صِدقُه على التَّخلُّصِ منَ المكدراتِ.

4-عِزَّة النفسِ: فالصادقُ تأبى عليه نفسُه الكريمةُ، ودينهُ القويم أنْ يكذبَ، فَيسلمُ بذلكَ منْ تبعاتِ الكذبِ، وينأى بنفسِه عنْ ذُلِّ الاعتذارِ، والتماسِ المسوِّغاتِ، التي لا بُدَّ للكاذبِ أنْ يقعَ فيها.

5-الشَّجاعةُ والثِّقة في النفسِ: فالصدقُ يُكسبُ الفرد شجاعةً وثقةً في النفسِ؛ لأنِّ الكاذبَ على وَجلٍ منْ أن يُكْشَفَ أمره، ويَتبيَّن كَذبُه، فَتَراه ذَليلاً، خائفًا، مذعورًا، يَحسبُ كلَّ صحية عليهِ، وكُلَّ مكروهٍ قاصدًا إليه.

أمَّا الصَّادق فَيتحركُ بِخُطًى ثابتةً، وبثقةٍ عاليةٍ ؛ فَسِّرُّهُ كعلانيتهِ، وظلمةُ ليلِه مثلُ ضوءِ نهارهِ.

6-الترابطُ بين أفرادِ المجتمعِ ؛ فالجماعةُ تسعدُ، وتنتظمُ شؤونُها على قدرِ احتفاظها بفضيلةِ الصدقِ؛ فالمعاملاتُ كالبيعِ والإجارةِ، والقرضِ، والشركةِ لا يَتَّسعُ مجالها، ولا يستقيمُ سيرها إلا أنْ تُديرَها لهجةٌ صادقةٌ.

7-والأُمَّةُ التي يسودُ فيها الصدقُ حتى يكونَ القائمُ بأيِّ عملٍ مَوضعَ ثقةِ الجمهور ، تَتقدَّمُ حالتُها الاقتصاديةُ، ولا يجدُ عَدُّوها الوسيلةَ إلى مزاحمتِها في نحوِ التِّجارةِ والصناعةِ.

8-والأُمَّةُ الصَّادق أفرادُها تَقطعُ على العدُّو فرصةَ التغلغلِ فيها، والإيضاعِ خلالها؛ لإفسادِ وُدِّها، وتفريقِ شملها.

9-يُفْضي إلى البِّرِّ ؛ ومنْ ثَمَّ إلى الجنةِ ؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنَ مسعودٍ-رضيَ الله عنه- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهُ -صلى الله عليه وسلم- « عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا…”( ) .

10-الصِّدقُ أساسُ الحسناتِ ؛ وفي هذه الحقيقةِ العظيمةِ يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ-رحمهُ اللهُ-:

” الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا” (  ) .

11-الصِّدقُ طريقٌ إلى الصِّديقيةِ ؛ كما جاءَ في الحديثِ الآنفِ الذِّكرِ :” وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا” .

12-سبيلٌ لمغفرةِ اللهِ عَزَّ وجلَّ ، ونيلِ الأجرِ العظيمِ ؛ كما قالَ تعالى : {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً }[الأحزاب : 35] .

13-سببٌ لرضوانِ اللهِ عَزَّ وجلَّ في جنَّاتِ النَّعيمِ ؛ كما قالَ تعالى : {قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }[المائدة : 119] .
****************
(1)-“معجم مقاييس اللغة” : (5/136) ، مادة : كذب .
(2) انظر:” أدب الدنيا والدين” : (1/322) للماوردي، وانظر:” كتاب الأخلاق” : (ص/199) لأحمد أمين .
(3) ” أدب الدنيا والدين” : (1/321) .
(4)-أخرجه البخاريُّ في:”صحيحه” : (1/21/رقم33) .
(5)-“مدارج السالكين” : (2/269) .
(6)-“مجموع الفتاوى” : (20/74) .
(7)-“مجموع الفتاوى” : (20/75) .
(8)-أخرجه مسلم في:”صحيحه” : (8/29/رقم 6805) .
(9) ” أدب الدنيا والدين” : (1/321) .
(10)-“الكذب” : (ص/12-14) للشيخ /محمد الحمد .
(11)-أخرجه مسلم في:”صحيحه” : (8/29/رقم 6805) .
(12)-“مجموع الفتاوى” : (20/74) .

-- موقع السكينة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*