الأربعاء , 13 ديسمبر 2017
الرئيسية » الوسطية » الوسطية في تعلم السيرة وتعليمها
الوسطية في تعلم السيرة وتعليمها

الوسطية في تعلم السيرة وتعليمها

إن أي حياةٍ فاضلة لا بُدَّ لها من رائد، وكل مسيرةٍ ناجِحة لا بُدَّ لها من قائِد. ومَن غَيرُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رائدٌ للحياة، وقائدٌ للأحياء؟! وهو الرائدُ الأمين، والمُبلِّغُ الأمين – عليه من الله أزكَى الصلاة وأتمُّ التسليم -.
وهل كان رفعُ ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – في اليوم والليلة خمس مراتٍ، يُنادَى باسمه الشريف عبر الأثير إلا لتتواصَل معه النفوسُ والأرواحُ من غير انقِطاعٍ ولا ليومٍ واحد، بل ولا جزءٍ من يوم.
ومن أجل هذا كلِّه فقد حُفِظت سُنَّتُه وسيرتُه؛ لأنها الترجمةُ المأثورة لحياة هذا النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم -.
هذه السيرة المُتميِّزة لشمولها وكمالها، سيرةُ نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – هي المصدرُ الحي، والينبوع المُتدفِّق للحياة الإسلامية والمنهج الإسلامي المُستقيم، وهي المخرجُ، وهي المحجَّة.
إنها أصحُّ سيرةٍ لتأريخ نبيٍّ مُرسَل، سيرةُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – ليست مُجرَّد تاريخٍ يُروى، أو قصةٍ تُسرَد، أو واقعةٍ تُحكَى؛ ولكنها تسجيلٌ دقيقٌ لحياة رجلٍ اختارَه الله واصطفاه لرسالته، وأحاطه بعنايته ورعايته، وخصَّه منذ ولادته بخصائص ليست لأحدٍ غيره، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام: 124].
ولمزيدٍ من الإيضاح – معاشر الإخوة -، تأمَّلوا الفرقَ الكبير بين مسار التاريخ ومنهجه، ومسار السيرة النبوية ومنهجها:
التاريخُ مرجعُه العقلُ الإنسانيُّ، والعاداتُ البشرية، وطبيعةُ العُمران، والأحوالُ الإنسانية.
أما سيرةُ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – فلا تحكمُها العادات، ولا تخضعُ للعقل المُجرَّد؛ بل المُصطفى – صلى الله عليه وسلم – بشرٌ يُوحَى إليه، (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3، 4].
ومن هنا أخطأ من أخطأ من المُستشرقين والمُستغرِبين، ومن سارَ على منهاجهم، وهم يدرُسون سيرةَ محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وحياتَه؛ لأنهم نظروا إليها على أنها تأريخٌ إنسانيٌّ بحت.
وما فقِهوا أن التاريخ المُجرَّد قاصِرٌ على الطبيعة الإنسانية، والحياة الاجتماعية. أما السيرةُ النبوية فلها مقاييسُها الربانية، وخصائصُها الرسالية؛ فالوحيُ مصدرُها، والاختيارُ من الله سرُّها، وإصلاحُ البشرية غايتُها، (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ)[المؤمنون: 69]، (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33].
الأنبياءُ معصُومون مُصلِحون هادُون مهديُّون، في خصائص دينية وغيبيَّة، لهم مُعجزاتُهم وكراماتُهم التي لا يُشارِكهم فيها غيرُهم.
ومن أجل هذا، فإن أي دراسةٍ للسيرة تتجاهل أو تتغافلُ عن هذه الخصائص النبوية، وتجعلُها تأريخًا بشريًّا مُجرَّدًا، فسوف تقعُ في أغلاطٍ في المنهج، وفي التفسير، وفي النتائِج؛ بل قد يقعون في تخبُّطٍ وتناقُضٍ وجهلٍ وضلال.
أما من تعمَّد السلوكَ المُعوَجَّ بقصد التشكيك أو التحريف أو الإبطال، فإن الله يُحبِطُ عمله، ويرُدُّ كيدَه في نحره، كما هو مُشاهَدٌ – ولله الحمد -، (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67]، (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) [الحجر: 95]، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30].
وحينما أمر الله – سبحانه – بالاقتِداء برسوله، والتِزام سُنَّته، والتِزام هديِه وطريقته في قوله – عزَّ شأنُه -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]، وفي قوله – جل وعلا -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7]، وفي قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 31، 32]، وأمثال هذه النصوص.
لما كان ذلك كذلك حفِظ الله لنا هذه السيرة النبوية، حفظًا لم يكن لأحدٍ قبلَه ولا بعدَه – عليه الصلاة والسلام -، وهيَّأ لها من أهل العلم والفقه والتحقيق والتوثيق ما يبهَرُ العقول، ويُبهِجُ النفوس، ويُقيمُ الحُجَّة. فحظِيَت السيرةُ بتوثيقها كتابًا وسنَّة، توثيقًا مُتواترًا، نقلاً في السطور، واستيعابًا في الصدور، ومُقترِنًا بمشاعر التعظيم والإجلال، ومُمتزِجًا بصادق الحب والتقدير.
وقد تجلَّى هذا التوثيقُ والتدوينُ في جهود أجيالٍ من رجالات العلم، تعاقَبُوا على توثيق رواياتها وأحداثها، أفعالاً وأقوالاً وهديًا، في أقصَى درجات الدقَّة والضبط.
ومنهجُ علماء الحديث – رفع الله قدرَهم، وأعلى مقامَهم – في التوثيق هو المنهجُ الذي اختصَّ به أهلَ الإسلام في توثيق ما نُقل عن نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، في شأنه كلِّه، تحريرًا وحفظًا وضبطًا، وصيانةً عن الروايات الموضوعة والمكذوبة، وتمييزًا للضعيف من الصحيح والحسن، في درجاتٍ من الضبط والإتقان.
ولعله من المشمُول بالحفظ في قوله – عزَّ شأنُه -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، في أمانةٍ وديانةٍ، وصيانةٍ مُنقطِعة النظير. فله الحمدُ والمنَّة.
وسيرةُ نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – ليست هي سردَ الروايات، وتتبُّع الأحداث في حياته – عليه الصلاة والسلام -؛ بل السيرةُ في معناها الشامل، ومبناها المُتكامل هي حياتُه ومنهجُه وهديُه وسمتُه، ودينُه ودعوتُه، واقتِفاءُ كل ما صحَّ به النقلُ عنه، إيمانًا وتوحيدًا، وأحكامًا وأخلاقًا في شأن الحياة كلِّها.
ذلك أن حياة النبي – صلى الله عليه وسلم – وسيرتَه هي التفسيرُ الحي لنصوص الشريعة كتابًا وسُنَّة؛ فالسيرةُ لا تنحصِرُ في التفسير اللفظيِّ وحدَه، السيرةُ توحيدٌ في مواجهة الشرك والوثنية والخرافة، ووحدةٌ في مواجهة الفُرقة والتشتُّت، ودولةٌ في مواجهة القبيلة والعشيرة، وحكمٌ وتشريعٌ في مواجهة الأعراف والتقاليد، وأمةٌ في مواجهة التحزُّب والعصبية، وإصلاحٌ وإعمارٌ في مواجهة التخريب والفساد، وعلمٌ في مواجهة الجهل والأمية.
سيرةٌ نبويةٌ مُحكَمة، ضابطةٌ لمسار المُسلم في حياته كلِّها. في السيرة وتأملاتها وأحداثها يبرُزُ الميزانُ الدقيق بين الحقوق والواجبات، والعدل والقوة، والرحمة والإحسان، والمواساة والمساواة، والشورى والإدارة، وزينة الدنيا وعمارة الأرض، في إتقانٍ وإحسانٍ، وتكامُلٍ وتعاوُن، وبرٍّ وإيثار.
فالطهورُ شطرُ الإيمان، والصلاةُ نور، والصدقةُ بُرهان، والصبرُ ضياء، وطلبُ العلم فريضة، ومن يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين، وهل فقهُ الدين إلا فهمُ هذه الحياة ووظيفتها وإحسان الأعمال فيها؟!
يقول سُفيانُ بن عُيينة – رحمه الله -: “إن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – هو الميزانُ الأكبر، فعليه تُعرضُ الأشياء، على خُلُقه وسيرته وهديِه، فإذا وافقَها فهو الحقُّ، وما خالفَها فهو الباطلُ”.
السيرةُ في قُدوتها تهَبُ الإنسان هويَّته، والعقل بصيرتَه، والوجدان قيمتَه. السيرةُ المُصطفوية تبعثُ في المُؤمن العزَّةَ من غير كِبر، وعلُوَّ الهمَّة من غير بطَر، والثقةَ من غير غرور، والطُّمأنينة من غير تواكُل.
سيرةٌ وأُسوة تُشعرُ بالمسؤولية المُلقاة على الكواهِل، والأمانة والاستقامة، والدعوة إلى الله على بصيرة.
فيقول الإمام الحافظ ابن القيم – رحمه الله -: “واضطرارُ العباد إلى معرفة الرسول – صلى الله عليه وسلم – فوق كل اضطِرار؛ فإنه لا سبيلَ إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا يُنالُ رِضا الله البتَّة إلا على أيديهم؛ فالطيبُ من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلا هديهم وما جاءوا به، فهو الميزانُ الراجحُ الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم تُوزَن الأقوالُ والأخلاق والأعمال، وبمُتابعتهم يتميَّزُ أهلُ الهدى وأهل الضلال.
وإذا كانت سعادةُ العبد في الدارَين مُعلَّقةً بهدي النبي – صلى الله عليه وسلم -، فيجبُ على كل من نصحَ نفسَه وأحبَّ نجاتَها وسعادتَها أن يعرِف هديَه وسيرتَه ونشأتَه”. اهـ كلامُه – رحمه الله -.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)[الشورى: 52، 53].
سيرةٌ نبويةٌ مُباركة، ارتفعَت بها الأمة بعد أن كانت وضيعة، وعزَّت بعد أن كانت ذليلة، وتعلَّمت بعد أن كانت جاهلة. بسطَت حقوقَ الفرد والجماعة بتأصيلٍ وتفصيلٍ ليس له نظير، (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة: 15، 16].
أمةٌ خيرُ أمة، سارَت على خير سيرة، جاهَدت في الله فانتصَرَت، وغلبَت فرحِمَت، وحكمَت فعدلَت، وساسَت فحرَّرَت، وفجَّرت ينابيع المعارف الحقَّة بعد نُضوبها.

الكاتب: معالي الشيخ الدكتور / صالح بن عبدالله بن حميد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*