الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الوسطية » الوسطية عند أهل السنة والجماعة

الوسطية عند أهل السنة والجماعة

  الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعدُ:
فقد امتن الله عز وجل على هذه الأمة واصطفاها واختارها من بين سائر الأمم، فجعلها خير أمة أُخرجت للناس، وجعل لها من الفضل والمنزلة والمكانة ما أهَّلَها للشهادة على الأمم، فقال « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا » (البقرة:143).
 
والشاهد يشترط فيه العدالة والخيرية، وهذه الأمة لمنزلتها يستشهدها ربنا تبارك وتعالى على الأمم أنها قد بَلغَتْهَا رسالاتُ الله، وقامت عليها الحجة، وأن الأنبياء قد بلّغوها عن الله، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم مزكيًا لهذه الأمة شهادتها.
 
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيقال: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيدعى محمدٌ وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: جاءنا نبينا، فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فصدقناه، فذلك قوله: « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا » (البقرة:143). (مسند أحمد 11757، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 8033).
معنى الوسط في اللغة:
 
يأتي الوسط لغةً لعدة معانٍ، منها:

1- ما كان بين طرفي الشيء، وهو منه، كقولك: كسرت وسط الرمح، جلست وسط الدار، جئت وسط النهار.
 
2- يأتي صفة، بمعنى خيار، وأفضل، وأجود. فأوسط الشيء: أفضله وخياره، والفردوس أفضل الجنة، وهو أعلاها، وأوسطها.
 
3- ويأتي بمعنى عَدْل. فالوسط من كل شيء: أعدله، وبذلك لا يخرج معنى الوسط عن العدل والفضل والخيرية، فعقيدتنا أفضل العقائد، وخيارها، وأعدلها، فلا إفراط فيها ولا تفريط.
 
أولاً: وسطية أمة الإسلام بين الأمم الأخرى:

1- في توحيد الله عز وجل وصفاته: فهي وسط بين اليهود والنصارى؛ بين اليهود الذين وصفوا الرب عز وجل بصفات النقص التي يختص بها المخلوق، وشبّهوه به؛ فقالوا: إنه بخيل، وفقير، وأنه يتعب فيستريح، وأنه يتمثل في صورة البشر، وغير ذلك من الافتراءات، فمن ذلك قوله تعالى: « لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ » (آل عمران:181)، « وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ » (المائدة:64).
 
وبين النصارى الذين وصفوا المخلوق بصفات الخالق عز وجل؛ فشبّهوه به، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وأن المسيح ابن الله، وأنه يخلق، ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويثيب، ويعاقب.. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

وبينهما ظهرت وسطية المسلمين الذين وحدوا الله عز وجل، فوصفوه بصفات الكمال، ونزّهوه عن جميع صفات النقص، وعن مماثلته لشيء من المخلوقات في شيء من الصفات، وقالوا: إن الله ليس كمثله شيء في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
 
2- في أنبياء الله عز وجل، ورسله: فهي وسط أيضًا بين اليهود والنصارى؛ بين اليهود الذين قتلوا الأنبياء، ورموهم بكل شَيْن ونقيصة، وجفوهم، واستكبروا عن اتباعهم.

وبين النصارى الذين غلوا في بعضهم، فاتخذوهم أربابًا من دون الله، واتخذوا المسيح إلهًا من دون الله، قال الله تعالى: « اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » (سورة التوبة:31).
 
وبينهما ظهرت وسطية المسلمين الذين أنزلوا الأنبياء منازلهم، وعزّروهم، ووقّروهم، وصدّقوهم، وأحبوهم، وأطاعوهم، وآمنوا بهم جميعًا عبيدًا لله عز وجل ورسلاً مبشرين ومنذرين، ولم يعبدوهم، أو يتخذوهم أربابًا من دون الله؛ فهم لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، ولا يعلمون الغيب.
 
3- في أمر الحلال والحرام، فهي وسط أيضًا بين اليهود والنصارى، فاليهود حُرِّم عليهم كثير من الطيبات، منها:

– ما حرم الله عز وجل عليهم جزاء بغيهم وظلمهم، كما قال الله تعالى: « فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا » (النساء:160)، والنصارى أسرفوا في إباحة المحرمات؛ فأحلوا ما نصت التوراة على تحريمه، ولم يأتِ المسيح عليه السلام بإباحته: فاستحلوا الخبائث، وجميع المحرمات؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير.

أما المسلمون: فقد أحلوا ما أحل الله لهم في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الطيبات، وحرموا ما حرم عليهم من الخبائث؛ كما قال الله تعالى: «) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ » (الأعراف:157).
 
4- وفي العبادات، فهي وسط بين اليهود والنصارى أيضًا:
فاليهود علموا، ولم يعملوا، فهم المغضوب عليهم، أعرضوا عن العبادات، واستكبروا عن طاعة الله، واتبعوا الشهوات، وعبَّدوا أنفسَهم للمادة فاشتغلوا بدنياهم عن دينهم وآخرتهم.
 
والنصارى لم يعلموا، وعبدوا الله على جهالة، فهم الضالون، غلوْا في الرهبنة، وتعبدوا ببدع ما أنزل الله بها من سلطان؛ فاعتزلوا الناس في الصوامع، وانقطع رهبانهم للعبادة في الأديرة، وألزموا أنفسهم بما لم يُلزمهم الله به، مما يشق على النفس والجسد، ويغالب الفطرة البشرية ويضادها، فلم يستطيعوا الوفاء بذلك، كما حكى الله عنهم: « وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ » (الحديد:27).
 
أما الأمة الوسط: فقد علموا، وعملوا، فهم الذين أنعم الله عليهم؛ عبدوا الله وحده بما شرع ولم يعبدوه بالأهواء والبدع، ولم ينسوا نصيبهم وحظوظهم في الدنيا، وقدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وسطية أهل السنة بين سائر الفرق
 
1- فأهل السنة والجماعة وسط بين الفرق الضالة المنتسبة للإسلام كالخوارج والمعتزلة والقدرية والشيعة فهم وسط بين المفرطين المضيعين وبين المفرطين الغالين، ففي أسماء الله تعالى وصفاته أهل السنة وسط بين المعطلة الذين نفوا أسماء الله وصفاته من الجهمية وغيرهم، وبين الممثلة المشبهة الذين شبّهوا الله بخلقه، فأهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات من غير تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما قال تعالى: « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » (الشورى:11).
 
ففي قوله تعالى: « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » (الشورى:11) رد للتعطيل؛ حيث أثبت الله لنفسه السمع والبصر، وسمى نفسه بالسميع والبصير.
 
فأهل السنة والجماعة يجعلون هذه الآية وأمثالها ميزانًا ومعيارًا يسيرون عليه، وهو ميزان الاعتدال بين الجفاء في الأسماء والصفات وتعطيلها، وبين الإفراط في إثباتها وتشبيهها بصفات المخلوقين؛ فهم يعتقدون أن لله أسماء وصفاتٍ تليقان به سبحانه وتعالى، لا يشبه أحدًا من خلقه ولا يشبهه أحدٌ من خلقه وهذا هو موقف الاعتدال بين المعطلة والممثلة.
وفي القضاء والقدر هم وسط بين الجبرية وبين القدرية.
 
الجبرية: الذين يغلون في إثبات القدر حتى سلبوا العبد فعله واختياره، ويجعلونه مجبرًا على أفعاله ليس له فيها اختيار ولا مشيئة، وإنما هو كالآلة التي تتحرك بدون اختيارها، هذا مذهب الجبرية من الجهمية وغيرهم، وبين مذهب القدرية: الذين ينحلون في قدرة العبد ومشيئته ويحصدون قدرة الله ومشيئته وتقديره للأفعال والأعمال ويقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه بدون أن يكون لله في ذلك تقدير برسالته أو كتابة في اللوح المحفوظ وإنما هو شيء العبد يفعله مستقلاً هذا مذهب القدرية.
 
وأهل السنة والجماعة بين الفريقين، فهم لا يغلون في إثبات مشيئة الله وقدرته غلو الجبرية فينفوا أفعال العبد، ولا يغلون في إثبات أفعال العبد غلو القدرية فينفوا مشيئة الله وقدرته وإنما يقولون: العبد يفعل باختباره ومشيئته، ولكن لا يخرج عن مشيئة الله وقدره وقضائه، وذلك كما في قوله تعالى: « لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ » (التكوير:28، 29).
 
فالله أثبت للعبد مشيئة وقدرة واختيارًا وأرجع ذلك وربطه بمشيئة سبحانه وتعالى، فقوله تعالى: «وَمَا تَشَاءُونَ» رد على الجبرية، وقوله تعالى: «إلا أن يشاء الله» ردًّا على القدرية.
 
وأهل السنة والجماعة وسط في نصوص الوعد والوعيد وأصحاب الكبائر بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، فالمرجئة يأخذونه بنصوص الوعد ويتركون نصوص الوعيد، ويقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، فالمعاصي عندهم أمرها هين وسهل ما دام العبد يؤمن بربه يقولون: لا تضره المعاصي أخذًا بنصوص الوعد التي فيها: إن الله غفور رحيم، وإن الله تواب، وإن الله رءوف بعباده، فيأخذون بهذه النصوص وينسون أن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب، وينسون أن الله سبحانه وتعالى يغضب على من عصاه فيهم يأخذون بطرف من الأدلة ويتركون الطرف الآخر، والله جمعهما في آية واحدة، كقوله: « غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ » (غافر:3).
 
فهو مع كونه غافر الذنب وقابل التوب، فهو أيضًا شديد العقاب لمن عصاه، لكن المرجئة أخذوا بالطرف الأول غافر الذنب وقابل التوب وتركوا شديد العقاب وقالوا: ما دام الإنسان مؤمنًا فمهما عمل من المعاصي والكبائر فإنه كامل الإيمان ولا تضره المعصية، أما الخوارج والمعتزلة فهم على النقيض من المرجئة أخذوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد فأخذوا بقوله تعالى: «شديد العقاب»، وقوله: «? إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا » (الجن:23).
 
فأخذوا نصوص الوعيد وقالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر خالد مخلد في النار بدليل قوله: «شديد العقاب»، ودليل قوله: « إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا » (الجن:23).
 
فهذا فيه أن جميع العصاة في نار جهنم خالدين فيها أبدًا، ونسوا أن الله جل وعلا يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان، كما قال تعالى: « إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا » (النساء:48)، فالمؤمن السالم من الشرك والكفر إذا فعل كبيرة من كبائر الذنوب فهو تحت المشيئة إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، خلافًا للوعيدية الذين يقولون: إن الله لا يغفر له، و« شَدِيدُ الْعِقَابِ » (البقرة:196) رد على المرجئة؛ لأن مرتكب الكبيرة معرّض للعقوبة، لكن إن شاء الله عاقبه، وإن شاء غفر له، وإذا عاقبه فإنه لا يخلد في النار؛ لأنه لا يخلد في النار إلا الكافر، أما المؤمن فإنه إن دخل النار بذنوبه فإنه يخرج منها ولا يخلد فيها بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جل وعلا يوم القيامة يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان». ((أخرجه البخاري: 1/11).
 
فالمؤمن الذي يرتكب الكبيرة معرّض للعقوبة، وإن شاء الله غفر له ولم يعاقبه وإن شاء عاقبه، ولكنه لا يخلد في النار، بل هو موعود أن يخرج من النار ولا يخلد فيها إلا أهل الكفر، هذا مذهب أهل السنة والجماعة الوسط في أن مرتكب الكبائر من المؤمنين لا يكفر خلافًا للخوارج، وأنه عرضة للعقاب خلافًا للمرجئة فهم جمعوا بين النصوص وعملوا بها كلها فبذلك صاروا وسطًا في هذا الباب بين الوعيدية وبين المرجئة.
 
وكذلك أهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخوارج وبين الروافض والشيعة، فالخوارج كفّروا كثيرًا من الصحابة بناء على مذهبهم الفاسد في نصوص الوعيد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أفضل الأمة وإذا صدر من أحدهم خطأ فإنهم أقرب إلى مغفرة الله من غيرهم من العصاة؛ لفضلهم وسبقهم، قال الله تعالى: « لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ » (سورة التوبة:117).
 
أما الرافضة فإنهم غلوا في علي بن أبي طالب، حتى إن منهم من اعتقد أنه هو الله وهم غلاة الشيعة الذين حرقهم علي رضي الله عنه بالنار. فقد أمر بالأخاديد فحفرت وأضرم النيران ثم ألقاهم فيها وهم أحياء؛ غضبًا لله سبحانه وتعالى، وأقر الصحابة عليًّا على قتلهم إلا أنهم يقولون: إنه لو قتلهم بالسيف لكان أحسن من قتلهم بالنار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». (أخرجه الإمام أحمد: 3/494 وصححه الألباني).
 
لكنهم وافقوا على كفرهم وعلى قتلهم، وكثير من الروافض لا يعتقدون أن عليًّا إله، ولكن يقولون: هو أحق بالخلافة من أبي بكر وعمر وعثمان وأن هؤلاء مغتصبون للخلافة وظلموا عليًّا في أنهم أخذوا الخلافة قبله، وكان هو الوصي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا كذب، فالخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين هو أبو بكر، ثم من بعده عمر بن الخطاب، ثم من بعده عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وهو الخليفة الرابع، هذا موقف أهل السنة والجماعة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقدون فضلهم وسابقتهم وأنهم أفضل الأمة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». (البخاري: 3/151، ومسلم: 2535).
 
وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه». (البخاري: 4/195، ومسلم: 2540، 2541). قال الله تعالى: « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا » (الفتح:29).
 
فلا يبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبهم وينتقصهم إلا كافر، كما في هذه الآية: «ليغيظ بهم الكفار».
فموقف الرافضة من صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم التكفير والتنقص والطعن فيهم، ويعتقدون ذلك من أفضل القربات، قبحهم الله.
 
أما أهل السنة والجماعة فإنهم يحبون كل الصحابة وآل البيت: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والعباس، وأهل البيت وغيرهم من الصحابة؛ لما جاء في الكتاب والسنة عن فضلهم وسابقتهم والنهي عن تنقصهم والأمر بالاقتداء بهم واتباعهم، قال الله تعالى: « وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ » (الحشر:10).
 
فأهل السنة والجماعة يحبونهم كلهم ويتولونهم كلهم، لا يفرقون بينهم ويعتقدون فضلهم وسابقتهم، وأنهم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن فضائلهم كثيرة في كتاب الله، وأن أحدًا لا يمكن أن يصل إلى درجتهم مهما بلغ من العبادة ومهما بلغ من الأعمال الصالحة، فلا يمكن أن يلحق بالصحابة أبدًا: «لو أنفق أحدكم مثل أُحدًا ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (متفق عليه).
 
فأهل السنة والجماعة يخالفون الخوارج الذين يكفّرون كثيرًا من الصحابة، ويخالفون الشيعة الذين يغلون في علي رضي الله عنه وينتقصون غيره من الصحابة، هذه وسطية الفرقة الناجية: أهل السنة والجماعة بين فرق الضلال من الخوارج والمرجئة والشيعة والقدرية، وبهذا صاروا الأمة الوسط، وصدق الله العظيم: « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ » (البقرة:143).
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من هذه الأمة الوسط، وأن يوفقنا وإياكم لقول الحق والعمل به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

-- مجلة التوحيد:معاوية محمد هيكل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*