الإثنين , 23 يوليو 2018
الوفاء

الوفاء

الإسلامُ في بنائِه الأخلاقِيِّ جاءَ بكلِّ ما هو راقٍ ومُتحضِّرٍ، وسمَا بأتباعِهِ فوقَ كلِّ الصغائِر، ورسَمَ للإنسانيَّة حياةً كريمةً تُحيطُ بها كلُّ المعانِي السَّامِية. بِناءٌ أخلاقيٌّ متِين تستَقِيمُ به الحياة، وتُؤدَّى به الرسالة، ويقُومُ عليه البِناء، ويُواجِهُ كلَّ التجاوُزات.
وإنَّ ما تُعانِيه الأمةُ في كثيرٍ مِن مواقِعِها ومُجتمعاتِها بسببِ الضعفِ الأخلاقيِّ، وتلاشِي كثيرٍ مِن القِيَم. ودينُ الإسلام في قِيَمِه وأخلاقِهِ يأبَى أن تُمارَسَ الفضائِل في سُوقِ المنفَعَة العاجِلَة، أو أن تنطَوِي دخائِلُ النفوس على نِيَّاتٍ مغشُوشة.
وثَمَّةَ خُلُقٌ هو مِن جوامِعِ الأخلاقِ، ومجمَع المُروءات. خُلُقٌ في أعلَى منازِل الشَّهامة، وأسمَى مقامات المُروءة. قِيمةٌ إسلاميَّةٌ عظيمةٌ، ورصيدٌ إنسانيٌّ نبِيلٌ .
خُلُقٌ كريمٌ يدفِنُ الأخطاء، ويمحُو الزلَّات، ويُعلِي المحاسِن، ويغُضُّ عن المعايِب، تتفاوَتُ فيه أقدارُ الرِّجال تفاوتًا واسِعًا، بهذا الخُلُق تُصانُ المودَّات، وتتوثَّقُ العلاقات، ويدُومُ الإحسان، وتسُودُ السَّكِينة، وتستقِرُّ النُّفوس.
إنه خُلُقُ الوفاء. نعم – حفِظَكم الله – الوفاءُ خُلُقٌ عزيزٌ، لا يقدُرُه حقَّ قَدرِه إلا القلِيلُون أو الأقلُّون، وقد قال ربُّ العِزَّة: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: 102].
وقالت العربُ في أمثالِها: “أعَزُّ مِن الوفاء”.
بل إن الله – عزَّ وجل في عُلاه – تمدَّحَ به، فقال – عزَّ شأنُه -: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾[التوبة: 111]، وقال – عزَّ شأنُه -: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الروم: 6].
الوفاءُ مِن أخَصِّ صِفاتِ المُؤمنين، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾[الأحزاب: 23].
ومِن أبرزِ نُعوتِ أُولِي الألبابِ: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: 19، 20].
الوفاءُ – حفِظَكم الله ، وزادَكم هناءً ووفاءً – مِن أسمَى الأخلاقِ الإنسانيَّة وأرقاها، يحمِلُ معانِي الصدق، والإخلاص، والمحبَّة، والعدل، والكرَم، والنُّبْل، والثِّقة، والجُود، والنَّجْدة.
وما كان الوفاءُ بهذه المنزِلَة إلا لأن الوفاءَ مِن كل شيءٍ تمامُه وكمالُه، ومِن دقائِقِ المعاني في لُغةِ العرب: أن الوفاءَ يعني: الخُلُقَ الشريفَ العالِي الرَّفيعَ.
والوفاءُ في حقيقتِه – حفِظَكم الله – هيئةٌ في النَّفس راسِخة، تُنبِئُ عن طهارتِها وسُمُوِّها، يصدُرُ عنها أداءُ ما التَزَمَه المرءُ مِن حقوقٍ ومسؤوليَّاتٍ، وهذه الحُقوقُ – كما يُفسِّرُها ابنُ عباسٍ – رضي الله عنهما – هي: العُهُود مما أحلَّ الله وما حرَّم، وما فرَضَ وما حدَّدَ في الدينِ كلِّه.
الوفاءُ ينتَظِمُ جميعَ المسؤوليَّات الدينية والدنيوية، فمَن تولَّى عملًا أو التَزَمَ أمرًا، فقد تعهَّدَ أن يفِيَ بِه على أفضل الوُجوهِ، وعلى قَدر التقصيرِ يكونُ الإخلالُ بهذا الخُلُق العظيمِ.
الوفاءُ ينتَظِمُ جميعَ العلاقات بين الأفرادِ والجماعاتِ والشُعُوب والدُّول، ومساراتِ الإنسانيَّة كلِّها، والوفاءُ والإنسانيَّةُ صِنوان؛ فمَن فقَدَ الوفاءَ فقَدَ إنسانيَّتَه.
وأولُ ما يجِبُ الوفاءُ بِهِ: مسؤوليَّةُ العبد نحوَ ربِّه بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهِيه، والمُسارَعة إلى الخَيرات، وتطلُّبِ مراضِي الله – سبحانه -، وذِكرِه وشُكرِه وحُسن عبادِه.«فاقْضُوا اللهَ؛ فاللهُ أحقُّ بالوفاءِ».
يقولُ أبو العالِية – رحمه الله -: “عهدُ الله إلى عبادِه دينُ الإسلام أن يتَّبِعُوه”.
ومِن أعظم الوفاءِ: الوفاءُ مع جنابِ المُصطفَى سيِّدنا ونبيِّنا مُحمدٍ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -، الذي بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونصَحَ الأمةَ، وما مِن خيرٍ إلا دلَّ عليه، وما مِن شرٍّ إلا حذَّرَ مِنه، بيَّن المحجَّةَ بيضاء لا يَزِيغُ عنها إلا هالِك.
الوفاءُ معه – عليه الصلاة والسلام – بمحبَّتِه وتعظيمِه، وكثرةِ الصلاةِ عليه، والاعتِرافِ بعظيمِ مِنَّة الله ببِعثتِه، فيتعلَّقُ القلبُ بسُنَّته، ويتَّبِعُ مِلَّتَه وهَديَه، يزَمُ ذلك حتى يلقَى ربَّه.
ومِن الوفاءِ: الوفاءُ مع النَّفسِ بالحِفاظِ عليها وصِيانتِها؛ فإنَّ لنفسِك عليك حقًّا، فلا يحرِمها الطيِّبات، ولا يُورِدُها المهالِك، يسعَى في صلاحِها وإصلاحِها، وفَكاكِها مِن النَّار، وإدخالِها الجنَّة.
ثم الوفاءُ للوالِدَين ببِرِّهما، والإحسانِ لهما، وحُسن صُحبتِهما، والاعتِرافِ بفضلِهما، وخَفضِ الجَناحِ لهما، والدُّعاءِ لهما في الحياةِ وبعد الممات، ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 23، 24].
ومِن الوفاءِ: الوفاءُ بين الزَّوجَين، مما يجعَلُ الأُسرةَ مُطمئنَّةً، والحياةَ مُستقِرَّةً. وفاءٌ جميلٌ في حالِ الشدَّة والرَّخاء، والعُسر واليُسر، وفاءُ مودَّةٍ ورحمةٍ، وحُسن عِشرةٍ، ولُطفِ معيشةٍ، وتحمُّلٍ وتجمُّلٍ.
والوفاءُ للأقرَبِين، والأصحابِ، والمعارِفِ بالسُّؤال والمُزاوَرَة والتفقُّد والبَذل والتعاوُن والتسامُح والمعرُوف.
والإنسانُ في وطنِه ومع وُلاةِ أمرِه على عهدٍ والتِزامٍ بأن يقُومَ بمسؤوليَّته في السَّمع والطاعة، والمنشَط والمكرَه، والعُسر واليُسر، والأمانة والنَّصِيحة، والأمر بالمعروق، والنهي عن المُنكَر، والحِفاظ على المُكتسَبات.
مُواطِنٌ وفِيٌّ يعملُ ولا يُهمِل، ويبنِي ولا يهدِم، ويُخلِصُ ولا يغشُّ.
والوفِيُّ الكريمُ لا ينسَى جَميلَ المُعلِّم، وجَميلَ الصَّدِيق، وجَميلَ كلِّ صاحِبِ جَميلٍ. ومَن أُوتِيَ علمًا فكتَمَه، فقد خانَ ولم يَفِ.
أما الوفاءُ بالعُقودِ والعُهودِ والمواثِيقِ، والأيمانِ والنُّذُور، والدُّيُون والمُعاملات فهذا مِن أعظم الأماناتِ وأوسَعها وألزَمها.
ومِن الوفاءِ: الوفاءُ لماضِي الأمةِ وتُراثِها وتارِيخِها، فلا يجوزُ للمرءِ أن يتنكَّرَ لماضِيه؛ فمَن لا ماضِيَ له لا مُستقبَلَ له، والوفاءُ للماضِي ليس بتقدِيسِه وادِّعاء عِصمتِه وتبرِئتِه مِن الأخطاء والنقائِص، وإنما الوفاءُ بالارتِباطِ به، وعدم الانفِصال عنه؛ لأنه يُمثِّلُ الجُذُور، وفصل الشَّجَرة عن جُذُورها يُميتُها.
مَن رُزِقَ الوفاء فقَد رُزِقَ الخير كلَّه؛ فهو الدليلُ على طِيبِ الأصل، وهو البُرهانُ على شرَفِ العُنصر.
أما آثارُه الوفاءُ – عباد الله – وثِمارُه فأكثَرُ مَن أن تُحصَى أو تُحصَر؛ فبالوفاءِ يكونُ تحصيلُ التقوَى، ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ [آل عمران: 76]، ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7].
وبالوفاءِ يتحقَّقُ الأمنُ، وتُصانُ الدماء، وتُحفَظُ الحُقوق، ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: 72].
بالوفاءِ تكفِيرُ السيِّئات، ودخُول الجنَّات ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: 12]، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10].
بالوفاءِ تكونُ النَّجدَة والشَّهامة والمُروءَة، ودوامُ الصِّلة، وانتِشارُ الخير والمعروف، وحِفظُ النِّعَم، وغرسُ معانِي الإنسانيَّة ومكارِمِ الأخلاقِ. وبسِيادةِ الوفاءِ تجرِي العلاقاتُ الإنسانيَّة برُوح الأخُوَّة والمحبَّة والثِّقَة.
وصاحِبُ الوفاء تعظُمُ منزلتُه وتبقَى سيرتُه لِسانَ صِدقٍ في الآخَرين والآخِرين، وأقدارُ الرِّجال تتفاوَتُ تفاوُتًا واسِعًا، وثَمْلُ الوفاء قد يكونُ فادِحًا يُكلِّفُ المرءَ حياتَه قبل مالِه، وهذه – وربِّكم – تكالِيفُ المجدِ المنشُود في الدنيا والآخرة، والفضائِلُ لا تتجزَّأ، فلا يكونُ المرءُ كريمًا مع قومٍ لئيمًا مع آخرين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 91].
ومِن الوفاءِ: الوفاءُ بالعُهود والمواثِيق، والعلاقات الدوليَّة. وتاريخُ الإسلام ناصِعٌ مُنذ فجرِه الأول؛ فصفحتُه بيضاء نقيَّة، لم يُدنَّس بخيانةٍ، ولا غدرٍ، ولا نقضِ عهدٍ.
يقولُ الإمامُ الثوريُّ – رحمه الله -: “اتَّفقُوا على جوازِ الخِداعِ في الحربِ إلا أن يكون فيه نقضُ عهدٍ أو أمانٍ، فلا يحِلُّ”.
وتاريخُ الإسلام يُحدِّثُ أحسنَ الحديثِ عن الوفاءِ في صفحاتِ مجدٍ وفَخارٍ، يأتِي في مُقدِّمة ذلك: حبيبُنا وسيِّدُنا مُحمدٌ – صلى الله عليه وسلم – مع أهلِه، ومُعاهداتِه ومواثِيقِه:
ما وفاؤُه مع أهلِ بيتِه: فتأمَّله مع زوجِهِ خديجة – رضي الله عنها -، واستَمِع إلى عائشة – رضي الله عنها – وهي تقُولُ: “ما غِرتُ على امرأةٍ ما غِرتُ على خديجَة، ولقد هلَكَت قبل أن يتزوَّجَني بثلاثِ سِنين؛ لِما كُنتُ أسمَعهُ يذكُرُها، وإن كان ليَذبَحُ الشاةَ ثم يُهدِي في خُلَّتِها مِنها”.
وفي بعضِ المروِيَّات: “اذهَبُوا به إلى فُلانةٍ؛ فإنها كانت صَدِيقةً لخَدِيجة”.
تقُولُ عائشةُ: فرُبَّما قُلتُ: كأنَّما لم يكُن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجَة، فيقولُ: «لقد آمَنَت بِي إذ كفَرَنِي الناسُ، وصدَّقَتني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ أخرَجَني الناسُ، ورَزَقَني الله مِنها الوَلَد».
أما في مُعاهداتِه واتِّفاقيَّاتِه فالأمرُ أكبرُ وأعظمُ، وكلُّ صُلح الحُديبية بأحداثِه ومُفاوضاتِه صِدقٌ ووفاءٌ والتِزامٌ.
وتأمَّلُوا في قصة حُذيفَة بن اليَمَان ووالِدِه – رضي الله عنهما -، وسبب تخلُّفِهما عن غَزوَة بدرٍ. يقُولُ حُذيفةُ – رضي الله عنه -: “ما مَنَعَنا أن نشهَدَ بدرًا إلا أخِي وأبِي، أقبَلْنا نُريدُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -، فأخَذَنا كُفَّارُ قُريش، فقالُوا: إنَّكُم تُريدُون مُحمدًا، فقُلنا: ما نُريدُه، إنما نُريدُ المدينةَ، فأخذُوا علينا عهدَ الله ومِيثاقَه لتصِيرُون إلى المدينة ولا تُقاتِلُوا مع مُحمدٍ.
فلما جاوَزناهُم أتَينَا رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرنا له ما قالُوا وما قُلنا لهم، فما ترَى. قال: «نستَعِينُ اللهَ عليهم، ونفِي بعهدِهم». فانطَلقنَا إلى المدينة، فذاك الذي منَعَنا أن نشهَدَ بدرًا”.
وقصةُ إسلام أهل سمَرقَند بعد انسِحابِ جيش قُتيبَة بن مُسلم بعد أن أمَرَه أميرُ المُؤمنين عُمر بن عبد العزيز – رحمه الله – بالوفاءِ لهم بعَهدِهم، قصةٌ مِن أشهَر وقائِع التاريخ وأصدَقِها وأنبَلِها.
——————————
د. صالج بن حميد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*