الإثنين , 23 يوليو 2018
الرئيسية » محاسن الإسلام » الشُّكر .. من محاسن الإسلام
الشُّكر .. من محاسن الإسلام

الشُّكر .. من محاسن الإسلام

الشُّكرُ مِن صفاتِ الرَّحمن – جلَّ جلالُه، وتقدَّسَت أسماؤُه -، فالله تعالى شاكِرٌ وشَكورٌ، والشُّكرُ مِنه – تبارك وتعالى -: مُجازاةُ العبدِ ؛ فهو – سبحانه – بَرٌّ رحيمٌ كريمٌ يشكُرُ قليلَ العمل، ويعفُو عن كثيرِ الزَّلَل.
ومِن كرمِه وجُودِه وفضلِه: أنَّه لا يُعذِّبُ عبادَه الشَّاكِرين، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147].
قال ابنُ القيِّم – رحمه الله -: “وسمَّى نفسَه شاكِرًا وشَكُورًا، وسمَّى الشَّاكِرين بهذَين الاسمَين، فأعطاهُم مِن وَصفِه، وسمَّاهم باسمِه، وحسبُك بهذا محبَّةً للشَّاكِرين وفضلًا”.
وكما أن الشُّكر مِن صِفاتِ الله – جلَّ جلالُه -، فهو مِن صِفاتِ المُؤمنين، بل أهلُ شُكرِه هم أهلُ عبادتِه، ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172].
وهو مِن أجَلِّ العبادات وأعلاها، ومِن المقاصِدِ العُظمَى التي خُلِقَ الخلقُ مِن أجلِها، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل: 78].
فلِذا أثنَى الله تعالى على أهل شُكرِه، ووصَفَ به خواصَّ خَلقِه، فقال عن نُوحٍ – عليه السلام -:﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: 3]، وهو الذي دعَا قومَه ليلًا ونهارًا، سِرًّا وجِهارًا ألفَ سنةٍ إلا خمسِين عامًا، فما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
وقال – سبحانه – في ثَنائِه على خلِيلِه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 120، 121].
وأما نبيُّنا – صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه -، فقد لقِيَ مِن قومِه ما لقِيَ، فكان أشكَرَ الخلقِ لربِّه، وكان يقُومُ مِن الليل حتى تتفطَّر قَدَماه، فقالت له عائشةُ – رضي الله عنها وأرضاها -: أتصنَعُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّر؟! فقال: «يا عائِشة! أفَلا أكُونُ عبدًا شَكُورًا؟»؛ رواه البخاري ومسلم.
ولما نقَضَت غزوةُ أُحُد، وأُصِيبَ – صلى الله عليه وسلم – في جسَدِه، وقُتِلَ أحبُّ الناسِ إليه عمُّه حمزةُ – رضي الله عنه وأرضاه -، وكان مُصابُ الصحابةِ عظيمًا، وجُرحُهم عمِيقًا، والنبيُّ – صلى الله عليه وسلم – في أشدِّ الساعاتِ تعَبًا وألَمًا، ومع ذلك قال لأصحابِه: «استَوُوا حتى أُثنِيَ على ربِّي». فصارُوا خلفَه صُفوفًا، ووقَفَ – صلى الله عليه وسلم – وقوفًا طوِيلًا يشكُرُ ربَّه ويُثنِي عليه. كما في “مسند الإمام أحمد”.
وإنَّ رِضا الله – تبارك وتعالى – مُعلَّقٌ بالشُّكر؛ فالنِّعمُ مهما صَغُرَت، فشُكرُها سببٌ لحُلول رِضوانِ الله – تبارك وتعالى -.
ففي “صحيح مسلم”: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله ليَرضَى عن العبدِ أن يأكُلَ الأكلَةَ فيحمَدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمَدَه عليها».
ورِضا العزيزِ الغفَّار أعظمُ نعيمٍ في الجنَّة للشَّاكِرين الأبرار.
ففي “الصحيحين”: أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: «إنَّ اللهَ يقُولُ لأهلِ الجنَّة: يا أهلَ الجنَّة! فيقُولُون: لبَّيكَ ربَّنا وسَعدَيك، والخَيرُ في يَدَيك، فيقُولُ: هل رضِيتُم؟ فيقُولُون: وما لَنَا لا نرضَى يا ربِّ! وقد أعطَيتَنا ما لم تُعطِ أحدًا مِن خلقِك؟! فيقُولُ: ألا أُعطِيكُم أفضلَ مِن ذلك؟ فيقُولُون: يا ربِّ! وأيُّ شيءٍ أفضَلُ مِن ذلك؟ فيقُولُ: أثحِلُّ عليكُم رِضوانِي فلا أسخَطُ عليكم بعدَه أبَدًا».
وإنَّ مِن شُكرِ النِّعَم في أيامِ العِيدِ: أن يظهَرَ على المرءِ أثَرُ نعمةِ الله عليه مِن غير إسرافٍ ولا كِبرياء.
ففي “مسند الإمام أحمد”: أنَّ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «كُلُوا واشرَبُوا، وتصدَّقُوا، والبَسُوا مِن غيرِ مَخِيلةٍ ولا سَرَفٍ، إنَّ الله يُحبُّ أن تُرَى نعمتُه على عبدِه».
وتقوَى الله تعالى مِن شُكر النِّعَم، وإذا أنعمَ الله على عبدِه بنعمةٍ وهو غافِلٌ عن شُكرِها، مُتمادٍ في معصِيةِ واهِبِها، فاعلَم أنَّما هو استِدراجٌ.
ففي “مسند الإمام أحمد”: عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قال: «إذا رأَيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ مِن الدُّنيا على معاصِيه ما يُحبُّ، فإنَّما هو استِدراجٌ»، ثم تَلَا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]».
وإنَّ نِعمَ الله تعالى لا تُعدُّ ولا تُحصَى، وقد امتَنَّ الله بها على عبادِه، ودعاهُم إلى ذِكرِها وشُكرِها، فلا زوالَ للنِّعمةِ إذا شُكِرَت، ولا بقاءَ لها إذا كُفِرَت، ومَن رُزِقَ الشُّكرَ رُزِقَ الزيادة، ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7].
وكلُّ نِعمةٍ وإن كانت يسيرةً سيُسألُ عنها العبدُ يوم القِيامة.
ففي “سنن الترمذي”: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أولَ ما يُسألُ عنه يوم القِيامة – يعني: العبدَ مِن النَّعِيم – أن يُقال له: ألم نُصِحَّ لك جِسمَك، ونُروِيَك مِن الماءِ البارِدِ؟!».
ثم اعلَمُوا – أيها المُؤمنون – أنَّ كلَّ نعمةٍ تستوجِبُ الشُّكر، والشُّكرُ نعمةٌ تحتاجُ إلى شُكرٍ، وهكذا يبقَى العبدُ مُتقلِّبًا بين نِعمِ ربِّه وشُكرِها، حتى يدخُلَ دارَ الشَّاكِرين.
أعوذُ بالله مِن الشيطانِ الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 42، 43].
وإنَّ مِن أعظم النِّعَم إدراكَ مواسِم الطاعات، والمُسارَعة فيها بأنواع القُرُبات في وقتٍ حُرِمَ البعضُ مِن اغتِنامِها، أو حالَ الأجَلُ دُون بلوغِها.
وإنَّ مِن شُكرِ النِّعمة بعد مواسِمِ الطاعة: المُداومةَ على العِبادة.
وقد سُئِلَت عائشةُ – رضي الله عنها -: كيف كان عملُ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ هل كان يخُصُّ شيئًا مِن الأيام؟ قالت: “لا، كان عملُهُ دِيمةً” أي: إذا عمِلَ عملًا داوَمَ عليه.
وكان – صلى الله عليه وسلم – يُوصِي أصحابَه بالثَّباتِ على الطاعاتِ، والمُداومَة على القُرُبات، ولو كان شيئًا يسيرًا.
ومِن العبادةِ الدائِمة التي هي أحَبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى: المُحافظةُ على الفرائِضِ.
ففي “صحيح البخاري” عن أبي هُريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ قال: مَن عادَى لِي ولِيًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ، وما تقرَّبَ إلَيَّ عبدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ما افتَرضتُ عليه، وما يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يسمَعُ بِه، وبصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويدَهُ التي يبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشِي بها، وإن سألَنِي لأُعطِيَنَّه، ولئِن استَعاذَني لأُعِيذنَّه».
فالمُؤمنُ – يا عباد الله – ينتَقِلُ مِن عبادةٍ إلى عبادةٍ، ومِن طاعةٍ إلى طاعةٍ، ومِن شُكرٍ إلى شُكرٍ إلى أن يُلاقِي ربَّه، ففي القرآن الكريم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].
وإنَّ مِن النِّعَم العظيمةِ: ما مَنَّ الله به علينا في هذه البلادِ المُبارَكةِ مِن أمنٍ وأمانٍ، واجتِماعٍ للكلِمةِ، وأُلفةٍ ومودَّةٍ مع وُلاةِ أمرٍ تدعُون لهم ويدعُون لكم، وتَدِينُون لهم بالطاعة، ويَدِينُون بالحِرصِ على مصالِحكم.
فاشكُرُوا اللهَ – عباد الله -، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
———————
د. ماهر المعيقلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*