الأربعاء , 22 أغسطس 2018
الرئيسية » محاسن الإسلام » التوكل على الله
التوكل على الله

التوكل على الله

إنَّ الإنسان متى كان على قوَّة بصيرةٍ وكمال يقينٍ بوعدِ الله – جلَّ وعلا -، فحينئذٍ لا يلتَفِتُ إلى ما يُخوِّفُه متى عمِلَ الأسبابَ، وتوكَّلَ على مُسبِّبِ الأسبابِ، بل إنَّه بذلك يفُوزُ بمقاصِدِه ويظفَرُ بكل مطالِبِه.
إنَّ العبدَ متى فوَّضَ أمرَه إلى الله – جلَّ وعلا -، وقطَعَ قلبَه عن العلائِقِ بالخلقِ، وقامَ بما شرَعَه الله – جلَّ وعلا – له مِن الأسبابِ الحسِّيَّة والشرعيَّة، صارَ ذا همَّةٍ عالِيةٍ قد وطَّأَ نفسَه على ركوبِ المصاعِبِ، وهانَت عليه الشدائِدُ؛ لأنَّه على يقينٍ جازِمٍ بوعدِ الله – جلَّ وعلا – له بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2، 3].
قال أحدُ السَّلَف: “لو أنَّ رجُلًا توكَّلَ على الله بصدقِ النيَّة، لاحتاجَ إليه الأُمراءُ فمَن دُونَهم”. وكيف يحتاجُ ومولاهُ الغنيُّ الحميدُ؟!
إنَّ المُتوكِّل على الله، المُفوِّض إليه – سبحانه – أمورَه كلَّها، يرَى الدنيا والآخرة مُلكًا لله – عزَّ وجل -، والخلقَ عبيدًا لله، والأرزاقَ والأسبابَ كلَّها بيدِ الله، ويرَى قضاءَ الله نافِذًا في جميعِ خلقِه، ولهذا أمرَ الله – سبحانه وتعالى – عبادَه بالتوكُّل عليه، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].
ومَن لم يُبالِ بهذه الأوامِرِ وأمثالِها في القُرآن وقعَ في المصائِبِ والشدائِدِ، ولم يظفَر بمطلُوبٍ، ويسلَم مِن مرهُوبٍ.
التوكُّلُ مُصطلَحٌ ذو معنًى عظيم، ومغزًى جليل، فالمُتوكِّلُ على الله – تبارك وتعالى – هو الذي يتَّخِذُه – سبحانه – بمنزلة الوكيل القائِمِ بأمرِه، الضامِنِ لمصالِحِه، الكافِي له مِن غير تكلُّفٍ ولا اهتِمامٍ.
المُتوكِّلُ على الله واثِقٌ بأنَّه لا يفُوتُه ما قُسِمَ له؛ فإنَّ حُكمَه – عزَّ شأنُه – لا يتبدَّلُ ولا يتغيَّرُ، يقولُ – سبحانه -: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22، 23].
ومِن معاني هذه الآية في التفسير: أنَّه – سبحانه – لم يكتَفِ بذِكرِ ضمانِ رِزقِ امخلُوق، بل أقسَمَ على تحقيقِ ذلك.
قال الحسنُ: “لعَنَ الله أقوامًا أقسَمَ لهم ربُّهم فلم يُصدِّقُوه”.
ورُوِي أنَّ الملائِكةَ قالت عند نُزول هذه الآية: “هلَكَت بنُو آدم، أغضَبُوا الربَّ حتى أقسَمَ لهم على أرزاقِهم!”.
قال – صلى الله عليه وسلم -: «لو توكَّلتُم على الله حقَّ توكُّلِه؛ لرَزَقَكم كما يرزُقُ الطيرَ، تغدُو خِماصًا وترُوحُ بِطانًا»؛ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وإسنادُه صحيحٌ.
المُتوكِّلُ على الله – جلَّ وعلا – صادِقُ الاعتِماد عليه في إسنادِ تسهيلِ الأمور، واستِجلابِ المصالِح ودفع المضارِّ، واثِقٌ بموعود الله، مُستَيقِنٌ بأنَّه بتفويضِ أمورِه إلى الله – جلَّ وعلا – يحصُلُ له المقصُود، ويندفِعُ عنه المرهُوب.
المُتوكِّلُ على الله يُفوِّضُ أمرَه إليه – سبحانه -؛ ثِقةً به، وحُسنَ ظنٍّ به – جلَّ وعلا -، فالمخلُوقُ المُتوكِّلُ يقطَعُ علاقتَه بغير الله، يقطَعُ النَّظرَ عن الأسبابِ بعد تهيئتِها والقِيام بها وفقَ المشرُوع، مُتبرِّئًا مِن الحَولِ والقوةِ إلا بالله العليِّ العظيمِ؛ لتفرُّده – سبحانه – بالخلق والتدبير، والضَّرِّ والنَّفع، والعطاءِ والمنعِ، وأنَّه ما شاءَ كان، وما لم يشَأ لم يكُن، قال – سبحانه -: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30].
التوكُّلُ على الله اعتِمادٌ عليه – سبحانه – في كل الأمور، والأسبابُ إنَّما هي وسائِطُ مِن غير اعتِمادٍ عليها؛ فالعبدُ يُراعِي الأسبابَ الظاهِرةَ، لكن لا يُعوِّلُ بقلبِه عليها، بل يُعوِّلُ على الخالِقِ المُدبِّر، مع الاستِسلام لجَرَيان قضائِهِ وقدَرِه ومشيئتِه، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159].
ومَن حقَّقَ التقوَى، وصدَقَ في التوكُّل على المَولَى، فقد تحصَّلَ على أعظم المطالِبِ، وأجَلِّ المآرِبِ؛ فمَن فوَّضَ أمورَه إلى ربِّه، وتوكَّلَ على خالِقِه، مُوحِّدًا له، مُنيبًا إليه، أوَّاهًا تائبًا مُمتثِلًا طائِعًا؛ جعلَ له مِن كل همٍّ فرَجًا، ومِن كل ضِيقٍ مخرَجًا، ورَزَقَه مِن حيث لا يحتسِب، ونالَ الخيرات المُتكاثِرة، ووقاه الله كلَّ ضرٍّ وشرٍّ، وكان مآلُه الفلاح والظَّفَر، والنَّصر المُؤزَّر.
يقولُ – جلَّ وعلا – عن العبدِ الصالِحِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 44، 45].
ويقولُ – سبحانه – عن نبيِّه مُحمدٍ – صلى الله عليه وسلم – ومَن معَه: ﴿{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 172- 174].
عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -: “﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالَها إبراهيمُ حين أُلقِيَ في النَّار، وقالَها مُحمدٌ – صلى الله عليه وسلم – حين قالُوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ..﴾ الآية”؛ رواه البخاري.
ويقولُ – صلى الله عليه وسلم -: «مَن قالَ إذا خرَجَ مِن بيتِه: بِسمِ الله، توكَّلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، يُقال له: كُفِيتَ وُوقِيتَ وتنحَّى عنه الشيطانُ»؛ رواه أبو داود والترمذي والنسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ.
أيها المُؤمن! فوِّض أمرَك إلى الله، واصدُق في الاعتِماد عليه، واعمَل بما شُرِعَ لك مِن الأسباب، وثِقْ أنَّ الذي يُدبِّرُ الأمرَ مِن السماء إلى الأرضِ، العالِمُ بالسرائِرِ والضمائِر، المُحيطُ بالأمور مِن جميعِ الوُجوهِ، القادِرُ القُدرةَ التامَّة، ذو المشيئةِ الكامِلة يُحيطُك بلطيف علمِه، وحُسن تدبيرِه بما لا يبلُغُه علمُ مخلُوقٍ، ولا يُدرِكُه فهمُ حاذِقٍ.
فاشتَغِل بشأنِك، وتفرَّغ لعبادةِ ربِّك، وتيقَّن أنَّ مَن توكَّل عليه كفاه، وكان آمِنًا مِن الأخطار، مُطمئنَّ البال، مُنشَرِحَ الصَّدر، راضِيًا بالنتائِج المُترتِّبة على ما بَذَلَ مِن جُهدٍ وعملٍ.
إنَّ مَن كان ليس يَدرِي ***أفِي المحبُوبِ نفعٌ له أو المكرُوهِ
لحَرِيٌّ بأن يُفوِّضَ ما ***يعجَزُ عنهُ إلى الذي يَكفِيهِ
الإلهِ البَرِّ الذي هو بالرَّأفةِ***أحنَى مِن أمِّهِ وأبِيهِ
——————————————-
د. حسين آل الشيخ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*