الأربعاء , 19 سبتمبر 2018
الرئيسية » محاسن الإسلام » تنوّع العبادات .. من محاسن الإسلام
تنوّع العبادات .. من محاسن الإسلام

تنوّع العبادات .. من محاسن الإسلام

مِن أعظم توابِعِ نعمةِ الإسلام وفُروعِها: نِعمةُ تنوُّع العبادات وتعدُّدها، وهي نعمةٌ تحتضِنُ حِكمًا ربَّانيَّة، الطريقُ إلى الله هي واحدةٌ جامِعةٌ لكل ما يُرضِي الله، وما يُرضِيه مُتعدِّدٌ مُتنوِّعٌ بحسبِ الأزمان والأماكِن والأشخاصِ والأحوال؛ لاختِلافِ استِعداداتِ العباد وقوابِلِهم، وتخفيفًا عنهم وتيسيرًا، بما يتلاءَمُ مع قُدرتهم في المنشَطِ والمكرَهِ.
في تنوُّع الفرائِضِ والواجِبات مِن العبادات اختِبارٌ وابتِلاءٌ للمُؤمن على غلَبَته لهوَاه، فانتِقالُ العبد مِن عبادةٍ إلى أُخرى بحسبِ وقتِ كلٍّ مِنها دليلٌ على أنَّه عبدٌ حقيقيٌّ لله.
تتنوَّعُ العباداتُ بمقاصِدِها فتُحقِّقُ كلُّ عبادةٍ مِنها حِكمةً ربَّانيَّةً، ومقصِدًا تربويًّا؛ ففي الصلاةِ يقولُ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]، وفي الزكاةِ يقولُ الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]، وفي الصيامِ يقولُ الله – عزَّ وجل -: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، وفي الحجِّ يقولُ الله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
تتنوَّعُ العباداتُ بمناسِكِها وطُرقِ أدائِها؛ فمَن عجَزَ بمرضٍ أو سفرٍ أو فقرٍ أو ضعفٍ عن عبادةٍ وجَدَ أجرَه في رُخصةٍ وعبادةٍ أُخرى؛ رِعايةً لظروف المُكلَّفين، ورفعًا للحرَجِ عنهم، وتيسيرًا وتسهيلًا لهم، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
راعَى الإسلامُ أحوالَ الفُقراء الذين ظنُّوا سبقَ الأغنياء لهم بفُضول أموالٍ يتصدَّقُون بها، قال الفُقراءُ: يا رسولَ الله! ذهبَ أهلُ الدُّثُور بالأجُور؛ يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصُومُون كما نصُوم، ويتصدَّقُون بفُضُول أموالِهم، فقال لهم رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «أولَيسَ قد جعلَ الله لكم ما تصدَّقُون به؟ إنَّ بكل تسبيحةٍ صدقة، وكل تكبيرةٍ صدقة، وكل تحميدةٍ صدقة، وكل تهليلةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن مُنكَرٍ صدقة، وفي بُضعِ أحدِكم صدقة».
أصَّل الإسلامُ لمبدأ التخفيف؛ مُراعاةً لأحوال المُكلَّفين؛ فقد جاءت امرأةٌ مِن خثعَم فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ فريضةَ الله على عبادِه في الحجِّ أدرَكَت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبُتُ على الرَّاحِلة، أفأحُجُّ عنه؟ قال: «نعم».
ومِن الأحاديثِ العظيمةِ التي تدلُّ على سعة رحمةِ الله وفضلِه، ومُراعاةِ أحوالِ المُكلَّفين: قولُه – صلى الله عليه وسلم -: «إذا مرِضَ العبدُ أو سافَرَ كُتِبَ له مِن الأجر مثلَما كان يعملُ صحيحًا مُقيمًا».
راعَى الإسلامُ أحوالَ المُكلَّفين مِن النِّساء؛ حيث تعجزُ المرأةُ على القِيام ببعضِ أعمالِ الرِّجال، فرتَّبَ على أعمالهنَّ أجرًا عظيمًا؛ تقديرًا لدورهنَّ، وقيمة أعمالهنَّ.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلَّت المرأةُ خمسَها، وصامَت شهرَها، وحصَّنَت فرْجَها، وأطاعَت زوجَها قِيل لها: ادخُلِي مِن أيِّ أبوابِ الجنَّة شِئتِ».
تتنوَّعُ العباداتُ بفضائِلِها، فتزيدُ كلُّ عبادةٍ في صحائِفِ أعمال المُسلم سجِلًّا مِن الخير، وفيضًا مِن الثوابِ والأجر الجَزيل، مِنها ما يُؤدِّي إلى محو الذنوبِ والخطايا؛ قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ما مِن امرِئٍ مُسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتُوبةٌ، فيُحسِنُ وضوءَها وخُشوعَها وركوعَها، إلا كانت كفَّارةً لما قبلَها مِن الذنوبِ ما لم يُؤتِ كبيرةً، وذلك الدهرَ كلَّه».
ومِنها ما يُحقِّقُ النَّماء؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: «ما نقَصَ مالٌ مِن صدقة».
ومِنها ما يكون سببًا لدُخُول الجنَّة؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «والحجُّ المبرُورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنَّة».
ومِنها ما يُجيرُ المُسلمَ مِن عذابِ النَّار؛ قال – صلى الله عليه وسلم -: «لا يلِجُ النَّارَ أحدٌ بكَى مِن خشيةِ الله حتى يعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرع، ولا يجتمِعُ غُبارٌ في سبيلِ الله ودُخانُ جهنَّم».
ومِن تنوُّع فضائِلِ الأعمال ما يرتفِعُ به المُسلمُ إلى مقامٍ سنِيٍّ لا يُجارَى؛ قال – عليه الصلاة والسلام -: «إنَّ مِن أحبِّكم إلَيَّ وأقربِكم مِنِّي مجلِسًا يوم القِيامة أحاسِنكم أخلاقًا».
وتنوُّعُ أوقات العبادات وتنوُّعُ فضائِلِها يُحفِّزُ المُسلمَ إلى أن يستغرِقَ حياتَه في التنقُّل بين بساتين العبادة؛ فإنَّ الله – سبحانه – إذا أحبَّ عبدًا استعملَه في الأوقاتِ الفاضِلة بفواضِلِ الأعمال، وإذا مقَتَه استعملَه في الأوقاتِ الفاضِلة بسيِّئ الأعمال.
في تنوُّع العبادات مُدافعةٌ لبواعِثِ السَّآمة والملَل، يُنشِّطُ النَّفسَ، ويُفضِي إلى استِشعار المُتعَةِ واللذَّة في العبادة.
وهناك عباداتٌ فرديَّةٌ لها فضلٌ، وفيها حِكَمٌ؛ فهي تُقوِّي الصلةَ بالله، وتُربِّي على الإخلاص، والبُعد عن الرِّياء، وتزيدُ صفاءَ الرُّوح والأُنسَ بالله.
قال الحسنُ البصريُّ حينما سُئِل: ما بالُ أهل اللَّيل على وجوهِهم نُور؟ قال: “لأنَّهم خلَوا بربِّهم فألبَسَهم مِن نُورِه – سبحانه وتعالى -“.
التوجُّهُ إلى الله بالدُّعاء تضرُّعًا وخيفةً مِن أجمل العبادات الفرديَّة، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: 205].
الصِّيامُ لوجهِ الله عبادةٌ فرديَّة، وكلُّ عملِ ابنِ آدم له إلا الصَّوم، فإنَّه لله.
الصدقةُ الخفيَّة عبادةٌ فرديَّة، تبذُلُها يمينُ المُسلم ولا تعلَمُ شِمالُه ما أنفقَ.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «سبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه ..»، وذكَرَ مِنهم: «.. ورجُلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلَمَ شِمالُه ما صنَعَت يمينُه».
وكما عظُمَت العباداتُ الفرديَّة، فإنَّ للعبادات التي يجتمِعُ في أدائِها المُسلمون – كالصلاةِ والحجِّ وغيرِهما – فضائِلَ ومقاصِدَ لا تخفَى؛ مِنها: التوادُد والتحابُّ، ومعرفةُ أحوال بعضِهم، وتعليمُ الجاهِل، وتعويدُ الأمة على الاجتِماع وعدم التفرُّق، والمُواساةُ والمُساواةُ ونبذُ الفوارِق الاجتِماعيَّة.
وفي تنوُّع العبادات ميدانٌ فسِيحٌ للعمل؛ فمِن النَّاسِ مَن يُفتَحُ له في عملٍ دون غيرِه، وكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له.
والنَّاسُ يتفاضَلُون في هذا البابِ، كما ذكَرَ العُلماءُ؛ فمِنهم مَن يكون العلمُ أيسَرَ عليه مِن الزُّهد، ومِنهم مَن يكون الزُّهدُ أيسَرَ عليه، ومِنهم مَن تكون العبادةُ أيسَرَ عليه مِنهما، فالمشروعُ لكل إنسانٍ أن يفعَلَ ما يقدِرُ عليه مِن الخير، كما قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وإذا علِمَ المُسلمُ وأدركَ عظيمَ نعمةِ تنوُّع العبادات لزِمَه أن يشكُرَ ربَّه عليها بالسَّعي فيها؛ قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ ليرضَى عن العبدِ أن يأكُلَ الأكلةَ فيحمدَه عليها، أو يشرَبَ الشَّربةَ فيحمدَه عليها».
——————————-
د.عبدالباري الثبيتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*