الثلاثاء , 21 نوفمبر 2017
الرئيسية » توعية إلكترونية » آداب الإنترنت » خشية الله تعالى أمان من مفاسد الإنترنت
خشية الله تعالى أمان من مفاسد الإنترنت

خشية الله تعالى أمان من مفاسد الإنترنت

مع الانفِجار المعرفيِّ، والتقدُّم التِّقنِيِّ، وانفِتاح العالَم، وتغلغُل الغزو الثقافِيِّ، وتنوُّع وسائِلِ التواصُلِ الاجتماعيِّ التي اقتحَمَت البيوتَ، وأصبحَت بيدَ الصغيرِ والكبيرِ، والذَّكَر والأُنثَى، فإن المُسلم يحتاجُ في نفسِه وفي تربيةِ أهلِ بيته إلى خُلُقٍ عظيمٍ، وعبادةٍ جليلةٍ هي من أجَلِّ العباداتِ وأعظمِ القُرُبات، تحُولُ بين المرءِ وبين محارِمِ الله ومعاصِيه، وبها ينزَعُ العبدُ عن الحُرُمات ويُقبِلُ على الطاعات.
هي أصلُ كل فضيلةٍ، وباعِثُ كل قُربةٍ، وهي التي تزرَعُ في القلبِ هيبَةَ الله – عزَّ وجل -، إنها خشيَةُ الله في الغيب والشهادة.
فلله ما أعظمَها! ولله ما أحوَجَنا إليها! هي أساسُ صلاح الدنيا والآخرة، ومنَاطُ التقوَى، وبُرهانُ الإيمان، وثمرَةُ التوحيد والإخلاص، ومنبَعُ حُسن الخُلُق، يحتاجُ إليها الإنسانُ عمليًّا؛ لكي يعيشَ بشَرًا سوِيًّا.
خشيَةُ الله بالغيبِ هي مُقتضَى الإحسان: أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإن لم تكُن تراه فإنه يرَاكَ.
ومن لوازِمِها: الشعورُ برَقابةِ الله – عزَّ وجل -، والعلمُ بأنه شهيدٌ رقيبٌ على قلوبِ عبادِه وأعمالِهم، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾[غافر: 19]، وأنه معهم حيث كانُوا ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: 7].
فإن مَن علِمَ الله أن الله يرَاهُ حيث كان، وأنه مُطَّلِعٌ على باطنِه وظاهِرِه، وسِرِّه وعلانيتِه، واستحضَرَ ذلك في خلَواتِه أوجَبَ له ذلك تركَ المعاصِي في السرِّ.
خشيَةُ الله بالغيبِ مِفتاحٌ لأبوابِ المغفِرَة، فيها خيرٌ كثيرٌ وأجرٌ كبيرٌ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12].
خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ سببٌ لحلُول مرضَاتِه ودخول جنَّاته، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾[ق: 33، 34]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 7، 8].
خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ صِفةٌ من صِفاتِ المُتقين، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 48، 49].
خشيَةُ الله تعالى بالغيبِ تُهيِّئُ القلوبَ للخير وقبُول التذكِرة والنُّصح، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: 18]، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى: 10، 11].
خشيَةُ الله تعالى تجعلُ من الموعِظةِ والتذكِرةِ والنُّصحِ أثَرًا في القلوبِ والأحاسِيسِ، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 23].
ولقد اختَبَرَ الله المُحرِمين في خشيتِه ومخافتِه بالغيبِ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94].
إن الحجارةَ وهي صُمٌّ جمادٌ تخِرُّ وتتصدَّعُ وتهبِطُ من خشيَةِ الله، لم يمنَعها الجُمودُ، وسَلبُ العقل والأحاسِيس، وعدمُ التكليفِ من الشُّعور والتأثُّر من خشيَةِ الله، ولم تنفَعها القوةُ والجلادَةُ والصَّلابَةُ لمُقاومة هذا التأثُّر، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74].
فحرِيٌّ بنا – عباد الله – أن ندَّكِر، وبقلوبِنا أن تخشَى وتعتبِر.
أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].
إن خشيةَ الله تعالى بالغيبِ سعادةٌ وسَكينةٌ، وراحةٌ وطُمأنينة، وحِصنٌ من الفِتَن، ولذَّتُها في القلبِ لا يعرِفُها من ذاقَها؛ فالعزمَ العزمَ، والجِدَّ الجِدَّ، والحِرصَ على توطينِ النفس على الخشيَةِ بالغيبِ، وكفِّها عن العيبِ، وتروِيضِها قبل الشَّيبِ، فإن القلبَ إذا امتلأَ بالخوفِ والمهابَةِ والإجلالِ لله – عزَّ وجل – أحجَمَت الأعضاءُ عن ارتِكابِ المعاصِي.
صحَّ عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «ثَلاثٌ مُنجِياتٌ: العدلُ في الغضَبِ والرِّضَا، والقصدُ في الفقرِ والغِنَى، وخشيَةُ الله في السرِّ والعلانِية».
فإن تزكِيةَ النفوسِ وخشيَةَ الله منُوطةٌ بصلاحِ القلوبِ: «ألا وإن في الجسَدِ مُضغَة إذا صلَحَت صلَحَ الجسَدُ كلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجسَدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ».
——————-
الشيخ عبدالله البعيجان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*