الثلاثاء , 14 أغسطس 2018
الرئيسية » توعية إلكترونية » متابعات » الحكومات ومستقبل الأمن السيبراني
الحكومات ومستقبل الأمن السيبراني

الحكومات ومستقبل الأمن السيبراني

شراء المملكة حصصا في شركات تكنولوجية عملاقة هو سياسة سيبرانية ذكية تنم عن عمق إرادة حكومتنا المستنيرة لدعم أجيال المستقبل، ولأن تكون لاعبا سياسيا عالميا لا يستهان به
منذ اختراع الإنترنت ومع ثورة التواصل الاجتماعي تغيرت أشياء كثيرة، منها أن لكل واحد منا حياته الإلكترونية الخاصة الموازية للحياة الحقيقية، وربما قضى وقته في حياته الإلكترونية أكثر من حياته الواقعية، كل قرن مر على البشرية اتسم بصفة مميزة، وأستطيع القول إن هذا قرن الفضاء السيبراني بامتياز، في هذا الفضاء الذي
لا يعترف بحدود سياسية أو إقليمية لقانون الدولة، فإن هذا يصنع حرجا شديدا على المشرعين والسياسيين بدول العالم، بل أصبحت هناك اقتصادات خفية لا أحد يستطيع مراقبتها والتحكم بها، والتطور التكنولوجي المترافق في هذا الفضاء زاد المشكلة سوءا، فهؤلاء مثلا من يبيعون الأكل بتويتر والإنستجرام لا يخضعون للشهادات الصحية ولا لأي ترخيص، وكما هي عادتنا ربما ننتظر كارثة حتى تتحرك الجهات المعنية، وأتمنى أن نكسر هذه الثقافة السلبية وتتحرك الجهات استباقا لحماية الناس، كما فعل قدوتنا ملك الحزم بقراراته الحاسمة، وولي عهده الكريم الشاب بقراراته المستنيرة، والمقصد هنا ليس قطع رزق هؤلاء بقدر ما هو البحث عن تنظيم يحمي كافة الأطراف، هذا على الصعيد المحلي، أما الدولي فإن تنظيم الفضاء السيبراني بدون تعاون دولي هو موضوع صعب جدا، ويزيد من صعوبة الأمر أن القانون الدولي هو مجموعة أعراف وتقاليد ومبادئ تنفذها الدولة بحسن نية وتتعامل بالمثل وخلافه، ولكن لنتذكر أنه ليس هناك معقب أعلى من الحكومات لإجبارها على تنفيذ القانون الدولي،المستقبل إذن غير واضح الحقيقة بشأن الأمن السيبراني مع التقدم التكنولوجي المذهل، فهناك على الساحة الآن ذكاء اصطناعي يريد منافسة الإنسان برجال آليين ربما يصبحون مستقبلا مواطنين لهم حقوق وواجبات، وعلينا سن قوانين خاصة بهم! فلو وصلنا يوما ما بذكاء اصطناعي يضاهي ذكاء الإنسان أو يزيد
فربما تتغير مفاهيم كثيرة من حولنا، منها مثلا حقوق الإنسان على الإنترنت، وهو مجال بحث جديد يركز على أحقية الإنسان للحصول على نقطة اتصال للإنترنت وحماية حقه، وحرية تدفق المعلومات وعدم حجبها، على كل حال، ما زالت الحكومات تعاني فوضى الفضاء السيبراني، إذن كيف نستطيع تنظيم هذا الفضاء الإلكتروني؟
أعتقد أن إنشاء منظمة عالمية موازية لمنظمة الأمم المتحدة للتخصص فقط بالأمن السيبراني وفضائه أمر مهم جدا في الوقت الراهن، وحبذا لو تكون المملكة راعية لمثل هذا الاقتراح، وتجتمع كل دول العالم بالرياض يوما ما -وهذا ليس حلما- بل أتمنى أن يكون واقعا ذات يوم، فالسعودية اليوم تقود مشروعا إقليميا تنويريا مستقبليا مضادا للأصوليات البائدة، والتي جربت كل ما لديها من أفكار ولم تفض لأي شيء غير التقوقع حول نفسها منتجة ظلاما دامسا.
السعودية اليوم تصنع سماء خاصة بها تختلف عن سماوات الآخرين، ومنظمة الأمم المتحدة على الصعيد الآخر مترهلة قانونيا على المستوى التنظيمي، ولا أعتقد أنها تضطلع بمثل هذه الجهود، بل إن الاتحاد الأوروبي سبقها كثيرا بخطواته الجادة جدا من خلال توجه أعضائه نحو الأمن السيبراني.
إن التكنولوجيا والأمن السيبراني ومخاطره على الاقتصاد والنسيج الاجتماعي مثلا أمر ليس هينا، بل أمر يحتاج تحركا سريعا نحو التعاون الدولي لوضع أطر ومعايير بحد أدنى تكفل فيها الدول حقوقها، وعطفا على ظهور علامات اضمحلال للحدود السياسية للدول بسبب الفضاء السيبراني، فإن الحكومات وسياساتها أصبحت سيبرانية كذلك! كيف؟
الدول بصناديقها السيادية أصبحت تستثمر في شركات تكنولوجية كبرى، وهذه الشركات هي بمثابة حكومات عالمية بحجم المال المملوك، وبتأثيرهم ليس فقط بالسياسة المحلية بل العالمية، لذلك أتوقع أن يكون شكل الحكومات القادم هو سيبراني على شكل شركة خاصة لها أذرعها في كل مكان، وما دام أن الفضاء السيبراني يؤثر في الحدود السياسية للدول فلا استغراب هنا، فالأموال أصبحت تتحرك بسهولة وتستطيع افتعال حرب وإغلاق منشآت حيوية بسبب شخص واحد بارع في القرصنة، بل يصل الأمر إلى تغيير توجهات الرأي العام بقيادة حسابات وهمية، أو على الأقل إيهام الشارع بشكل آخر غير الحقيقة، الأمر فعلا مخيف، بل حتى الخصوصية في هذا الفضاء تراجعت، فقد يعرف أحدهم تاريخك كاملا من خلال نظرة بسيطة لجوجل.
إن شراء المملكة حصصا في شركات تكنولوجية عملاقة هو سياسة سيبرانية ذكية تنم عن عمق إرادة حكومتنا المستنيرة لدعم أجيال المستقبل، ولأن تكون لاعبا سياسيا سيبرانيا عالميا لا يستهان به، ودائما ما تثبت الأيام أن السعودية من الأمم الفعلية لا اللفظية!
————————
أصيل الجعيد- الوطن أونلاين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*