الإثنين , 23 يوليو 2018
الرئيسية » محاضرات علمية » منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير

منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير

كلمة الشيخ أحمد الرضيمان: 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد.

معاشر الإخوة، إن مسائل التكفير هي من مسائل الأسماء والأحكام، لا يحل للجاهلين التكلم بها، ولا بغيرها من مسائل الشرع الأخرى، عملا بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾. [الإسراء: 36]

فالتكفير مَرَدُّه وحُكْمُه إلى اللهِ ورسولِه، وليس لأحد في هذا حكم، وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه اللهُ ورسولُه، وتحريمُ ما حَرَّمه اللهُ ورسولُه، وقد أكَّد على هذا المعنى الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فكان من أشد الناس تَوَقُّفًا وإحجامًا عن إطلاق التكفير، بل إنه – رحمه الله – لم يكفر إلا بالمتفق عليه دون المختلف فيه، وكان يقول ما نصه: “أركان الإسلام خمسة: أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقر بها وتركها تهاونًا، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر تارك الصلاة كَسَلاً بدون جُحود، ولا نُكفِّر إلا مَن أجمع عليه العلماء كلُّهم وهو الشهادتان، وأيضًا نكفره بعد التعريف إذا عَرَف وأنكر”. انتهى كلامه.

وبذلك وصَفَه أحدُ العلماء الذين كانوا من أعلم الناس به رحمه الله، وهو حفيدُه الشيخ عبدُ اللطيف بنُ عبد الرحمنِ بنِ حسن بن الإمام محمد بنِ عبد الوهاب، فقال: “الشيخ محمدٌ – رحمه الله – من أعظم الناس تَوَقُّفًا وإحجامًا عن إطلاق الكفر، حتى إنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور أو غيرهم إذا لم يتيسر له أن ينصحه أو يبلغه الحجة التي يَكْفُر تَارِكُها”.

وقال عنه أيضًا: “وشيخُنا – رحمه الله – لم يخرج في مسألة من الأصول والفروع عما عليه أهل العلم الذين لهم لسان صدق في هذه الأمة”.

هكذا يقول الإمامُ عبدُ اللطيف رَحِمَه الله، ومع هذا التحرز الذي اتصف به الإمام محمدُ بنُ عبد الوهاب في مسائل التكفير، ومع أنه من أحسن من استنبط وأصل، وشرح وفَصَّل، في هذه المسائل المهمة، إلا أن بعض الناس تكلم بلا علم، وزعم أن الإمام محمدًا يتساهل في التكفير، وأحسب أن آفة القوم الفَهْم السقيم لكلام الإمام محمد، واتباع المتشابه، وقطع الكلام عن سياقاته، فهذه طريقة الذين في قلوبهم زَيْغ، وعِظَم مكانة الإمام محمد – رحمه الله – بين علماء المسلمين.

ولأهمية هذا الموضوع فقد رؤي أن يكون موضوع هذه الندوة “منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسألة التكفير”، وإن مما يزيد الموضوع أهمية حضور سماحة المفتي الذي سنستفيد جميعًا من تعليقاته المباركة.

الحالة السياسية والدينية قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب:

قبل أن ندخل في تفصيل منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في مسائل التكفير، نحب أن نبين أن الحالة السياسية والدينية قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كانت على غير ما يرام، فالنِّزاعات والحروب مستمرة، والبِدَع والمنكرات والعقائد الفاسدة كانت منتشرة، وكانت هذه البلاد في حاجة ماسة إلى داعية مصلح، يقضي على البدعة، ويُحْيِي السنة، كما كانت في حاجة مُلِحَّة إلى حاكم قوي يُوحِّد أجزاءها، وينشر الأمن والطمأنينة في ربوعها، فكان ذلك الداعية هو الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وكان ذلك الموحد لتلك الأجزاء والربوع هو الإمام محمد بن سعود رحمه الله، فهذان الموحدان اسمًا ومعنًى، نفع الله بهما البلاد والعباد، والحاضر والباد، ولذلك نقل الشيخ ابن باز – رحمه الله – في محاضرة له طبعت ونشرت في مجموع فتاواه قال: “إن التاريخ الإسلامي بعد عهد الرسالة والراشدين لم يشهد التزامًا تامًّا بأحكام الله كما شهدته الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية التي أَيَّدت هذه الدعوة ودافعت عنها”.

معاشر الإخوة، تعلمون خطر التكفير بدون دليل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:: «إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يا كَافرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهما إِنْ كَانَ كَافِرًا، وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ».(1)

أصول الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير:

إن المتتبع لمنهج الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في مسألة التكفير يجده متطابقًا مع منهج السلف، وأنه ينبني على أمور منها:

أولا: إن التكفير من الأحكام الشرعية، فلا يحل لأحد أن يطلقه على أحد لمجرد الظن والهوى. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: “لا نكفر مَن لا نعرف منه الكفر بسبب ناقض ذُكِر عنه ونحن لم نتحقق”.

فالكافر مَن جعله اللهُ ورسولُه كافرًا، والفاسق مَن جعله اللهُ ورسولُه فاسقًا، والمعصوم الدم جَعَله اللهُ ورسولُه معصومَ الدم، كما أن العدل مَن جعله اللهُ ورسولُه عَدْلاً، والمسلم مَن جعله اللهُ ورسولُه مسلمًا، هذه المسائل كلها ثابتة في الشرع.

ثانيا: يقرر الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – أن تكفير المُعَيَّن لا يَحِلُّ إلا بانطباق الشروط، وانتفاء الموانع، ولهذا يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ما نصه: “إذا قال قولاً يكون القول به كُفْرًا فليقال: مَن قال بهذا القول فهو كافر. ولكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يُحْكَم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها”.

وهذا هو الذي قرره الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – وهو قول أئمة الإسلام، وهو منهج السلف.

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: “هذا ومع أني دائمًا ومن جالسني يعلم ذلك مِنِّي أني من أعظم الناس نَهْيًا عن أن يُنْسَب مُعَيَّن إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية، التي مَن خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصياً أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل القولية، والمسائل العملية، وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر، ولا بفسق، ولا بمعصية”. انتهى.

ثالثا: يرى الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – التفريق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، فمَن أقَرَّ بالشهادتين، وأظهر الإسلام، فهو مسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، وتجري عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ويستوي في هذا المسلم على الحقيقة، والمسلم نفاقًا خوفًا من القتل، أو طمعًا في مكسب، ولم يكلف أحد بشق صدور الناس، هذا في حكم الدنيا، وأما في الآخرة، فإن حكم المنافقين هو حكم الكفار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].

إن من أصول منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في التكفير التي يَجِب أن تُعْرَف عدمُ التكفير إلا بدليل شرعي صَحِيح صَرِيح، وكان الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – لا يخالف إجماع أهل العلم، وكان مما قاله في إحدى رسائله ما نصه: “فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه عن إجماع أهل العلم توجه عَلَيَّ القول”.

وكان يقول أيضًا ما نصه: “كل إنسان نجادله بمذهبه ؛ إن كان شافعيًّا فبكلام الشافعية، وإن كان مالكيًّا فبكلام المالكية، وإن كان حنبليًّا أو حَنَفِيًّا فكذلك، إذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب”.

ومن سمات منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في مسائل التكفير: تفريقُه بين بلوغ الحُجَّة، وفَهْم الحُجَّة، والحق أن مسألة التفريق بين بلوغ الحجة وفَهْم الحجة، خَفِيت على بعض الناس، وقالوا: إن الإمام محمد بن عبد الوهاب يرى أن الإنسان لولم يفهم الحجة يكفر. والحق أن الإمام يرى أن مَن بلغته حُجَّة الله التي بَعَث بها رُسُلَه، وخلا من شيء يعذر به، فقد قامت عليه الحجة وإن لم يفهمها، ومعنى يفهمها: ينقاد لها. وأما الفهم كفهم أبي بكر وعمر، وهو الفهم المؤدي للامتثال، لا يُشْتَرط هذا في قيام الحجة، أما فهم الخِطَاب فهذا يشترطه الإمام محمد بن عبد الوهاب، ويرى أن الحجة لا تقوم إلا إذا فهم الإنسان الخِطَاب، أما الفهم المؤدي للانقياد والامتثال فلا.

يدل على ذلك قوله رحمه الله ما نصه: “من المعلوم أن قيام الحجة ليس معناه أن يفهم كلام اللهِ ورسولِه مثل فَهْم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلامُ الله ورسولِه وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: 25].

وقال تلميذه الشيخ حمد بن معمر رحمه الله: “ليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهما جليًّا كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم حجة الله، مع إخباره أنه قد جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه”. إلى أن قال: “فهذا يُبَيِّن لك أن بلوغ الحجة نوع، وفهمها نوعٌ آخر”.

إن الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – يلتزم شروط التكفير، وموانع التكفير، ومن موانع التكفير: الجهل والإكراه، والتأويل والخطأ، وله دلائل على هذا من كتاب الله، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لم يأت بشيء جديد، وإنما هو امتداد للسلف الصالح رضي الله عنهم ورحمهم، لكن ههنا مسألة حقيقة تخفى على بعض الناس، وخاضوا فيها، ربما بالحق تارة، وبالباطل تارات، وهي مسألة العذر بالجهل، فبعض الناس كتب في هذا، وقال: إن الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يعذر بالجهل. ويأخذون بعض السياقات من الكلام، ويتركون بعض النصوص الأخرى، ولذلك فإني حرصت أن أقرأ كلام الإمام في هذه المسألة وأعرضه، ثم نخلص إلى نتيجة واضحة.

يجب أن نعلم أن مسألة العذر بالجهل يكتنفها أمران:

الأمر الأول: نوعية المسألة المجهولة، هل هي من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، وهل هي من الأصول؟

الأمر الثاني: نوعية الشخص الجاهل، هل هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن العلم؟

وبتحقيق منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب في هذه المسألة – فقد قرأت ما كتبه في هذه المسألة – تَوَصَّلْتُ إلى أن هناك نصوصًا واضحةً وصريحةً للإمام محمد بن عبد الوهاب في العذر بالجهل، كما أن هناك نصوصًا قد يَتوَهَّم بعضُ الناس منها عَدَمَ العذر بالجهل، وسأقرأ عليكم النصوص الصريحة في العذر بالجهل، وأقرأ النصوص الأخرى، ثم أجيب عنها.

النصوص الصريحة في العذر بالجهل:

النص الأول:

قال رحمه الله عز وجل ما نصه: “وإذا كنا لا نكفر مَن عَبَد الصنم الذي على قَدْر عبدِ القَادِرِ، والصَّنَمَ الذي على قَدْر أحمد البدوي وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم مَن يُنبِّئُهم، فكيف نُكَفِّر مَن لا يُشْرِك بالله”.

الْحَظْ قولَه: لأجل جَهْلِهم وعدمِ مَن يُنبِّئُهم.

النص الثاني:

قال رحمه الله عز وجل ما نصه: “وأما ما قال الأعداء عني: إني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم”.

الإمام محمد بن عبد الوهاب يقول لمن يقول عنه: إنه يكفر الجاهل. يقول: مَن قال عَلَيَّ هذا القول فقوله بهتان عظيم، هذا كلام صريح.

النص الثالث:

قال رحمه الله عز وجل ما نصه: “إنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعد ما نبين له الحجة على بطلان الشرك”.

النص الرابع:

قال رحمه الله عز وجل ما نصه: “وأما التكفير فأنا أكفر مَن عَرَف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله، فهذا الذي أكفره، وأَكْثَرُ الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك”.

وقوله: “وأكثر الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك”. هذا ردٌّ على مَن يقول: إن الإمام محمد بن عبد الوهاب يرى الناس كلهم كفارًا إلا نفسه.

فالحظ قوله رحمه الله: “وأكثر الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك”. والنصوص في هذا المجال كثيرة جِدًّا.

النصوص التي قد يفهم منها عدم العذر بالجهل:

النص الأول:

منها قوله رحمه الله: “فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بجهله”.

النص الثاني:

عند استخراجه لفوائد حديث عمران بن حصين وفيه: أَنَّ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وسلم – أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً – أُرَاهُ قَالَ مِنْ صُفْرٍ(2) – فَقَالَ: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟». قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا لاَ تَزِيدُكَ إِلاَّ وَهَنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَداً».(3)

قال الإمام محمد: فيه مسائل… الثالثة: أنه لم يعذره بالجهل.

وعند التأمل في جميع هذه النصوص، يظهر جَلِيًّا أن الإمام محمد بن عبد الوهاب يعذر بالجهل، فكيف نجيب عن قوله: فقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل؟

نقول: هذا النص للإمام محمد لا يخالف نصوصه التي تدل على العذر بالجهل ؛ لأن الجهل ليس عذرًا بإطلاق لكل أحد، وقد أكد الإمام محمد بن عبد الوهاب ذلك فقال ما نصه: “الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور، فمن أمكنه العلم والسؤال فلم يفعل، وإنما أعرض عن ذلك. هذا الذي لا يُعْذَر عند الإمام محمد.

إذن قوله رحمه الله: “وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل”. لا يخالف نصوصه التي تدل على العذر بالجهل ؛ لأن الجهل ليس عذرًا مطلقًا لأي أحد، وقد أكد ذلك بقوله: “الإنسان لا يعذر بالجهل في كثير من الأمور، فمن أمكنه العلم والسؤال فلم يفعل، وإنما أعرض عن ذلك”. هذا هو الذي لا يعذر عند الإمام محمد، ويدل على ذلك قوله رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

قال الإمام ما نصه: “تنبيه الجاهل أنه لا يعذر ؛ لأنه يمكنه السؤال والنقاش.

وأما قوله في حديث عمران بن حصين: إنه لم يعذره بالجهل. فهذا الحديث – كما تعلمون – في شأن الشرك الأصغر، وليس الشرك الأكبر، وإذا كان الإمام محمد يعذر في الشرك الأكبر إذا لم تقم عليه الحجة – كما تقدم في نص كلامه، وكلام الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن – فالشرك الأصغر من باب أولى.

وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في قوله: إنه لم يعذر بجهالة. أي: بعد أن عَلِم وأُمِرَ بدفعها. هذا كلام مهم للشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.

وبهذا نعرف أن بعض الناس الذين يخرجون بعض كتب أو مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو رسائله في مواقع الإنترنت يأخذون الكلام من سياقه ويقولون: الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يعذر بالجهل، وأنه يكفر، وأنه لا يعذر بالإكراه… وأنه وأنه. ويقطعون الكلام عن سياقاته، فهذا من أكبر الظلم للإمام محمد بن عبد الوهاب.

إن الإمام محمد بن عبد الوهاب من أشد الناس تورعًا وتحرزًا من إطلاق الكفر كما سمعنا في قوله، ولَمَّا ذكر أن أركان الإسلام خمسة قال: لا نكفر إلا بترك الشهادتين. حتى ذكر ترك الصلاة وقال: وأن العلماء اختلفوا في كفر تاركها كسلا من غير جحود. قال: وأنا لا أكفر إلا من اتفق المسلمون على تكفيره.

فكيف يُظْلم الإمام محمد بن عبد الوهاب، وتُقْطع كلامه من سياقاته، ثم يدفع بها إلى الشباب، فيظن أن ذلك – يعني التكفير مُطْلَقًا – مُسْتَمَدٌّ من كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب، وليس الأمر كذلك.

إن منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب هو منهج السلف الصالح، وهو بعيد كل البعد عن الغلو وعن التسرع في التكفير وغيره، رحمه الله عز وجل.

ولا نريد أن نفيض في هذه المسألة ؛ لأن صاحب الفضيلة الدكتور فهد سيتكلم بمزيد من الإيضاح عن هذه المسائل.

ونحب أن ننبه على مسألة مهمة جدًّا وهي بخصوص ما ذكرت من أن موانع التكفير عند الإمام محمد بن عبد الوهاب الإكراه.

بعض من الناس يقولون: إن الإمام محمد بن عبد الوهاب لا يعذر المكره. فما دليلهم؟ قالوا: ما ذكره الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد في قصة الذباب، حيث أخذ الإمام محمد بن عبد الوهاب منها مسائل، وحديث الذباب رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد وفيه: أنه دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يَجُوزُه أحد حتى يُقَرِّب له شيئًا، فقالوا لأحدهما: قَرِّب. قال: ليس عندي شيء. فقالوا له: قَرِّب ولو ذُبابًا. فقَرَّب ذُبابًا، فخَلُّوا سبيلَه. قال: فدخل النار. وقالوا للآخر: قَرِّب ولو ذُبابًا. قال: ما كُنْتُ لأُقَرِّبَ لأحدٍ شيئًا دون اللهِ عز وجل. قال: فضَرَبُوا عُنُقَه. قال: فدَخَلَ الجَنَّةَ.

فقال رحمه الله معلقا على هذا الحديث: هذا دخل النار مع أنه فعله تَخَلُّصًا من شرهم. ومعنى ذلك: أنه لم يعذر المكره.

فهذا الكلام ليس بصحيح، وهذا الفهم ليس بصحيح ؛ وهناك قاعدة نحب أن نبينها وهي أنه يجب أن نرجع الأمور المشتبهة إلى الكلام المحكم الواضح حتى يتضح الأمر ، فالإمام رحمه الله لَمَّا ذكر نواقض الإسلام العشرة قال في آخرها: ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره. فهذا يدل على أن الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – يعذر المكره.

أما الجواب عن مسألة حديث الذباب: فليس بصريح أنهم أكرهوه على الفعل، وليس كل تَخَلُّص يعتبر عذرًا في ارتكاب الكفر، بل إن ظاهر قوله: لا يجوزه أحد. ليس فيه إكراه، كما ذكر ذلك بعض أهل العلم والشراح، قال: إذ يمكن أن يقول: سأرجع من حيث أتيت. فليس في هذا إكراه، لأنه يمكن ألا يجوز ذلك المكان، ويرجع من حيث أتى، وليس كل خوف يعتبر إكراهًا، ثم إن ما جاء في قصة الذباب هو في شرع مَن كان قبلنا، والإكراه في شريعتنا من موانع التكفير، وعليه: فإن النصوص الصريحة الواضحة عن الإمام محمد – رحمه الله – تدل على أنه يَعْذِر بالإكراه، ومَن اشتبه عليه شيء فليرده إلى المحكم، فإن ذلك هو طريق الراسخين في العلم، وليحذر من طريق الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون المتشابه، ونسأل الله عز وجل التوفيق والسداد.

كلمة الشيخ الدكتور فهد بن سليمان الفهيد 

حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وبراءتها من الغلو، وإبطال دعاوى الذين غلطوا في فهم هذه الدعوة السلفية الصافية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإني أحمد الله سبحانه وتعالى وأشكره، وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد.

أيها الأخوة، إن الأمر لا يعدو أن يكون حَرْبًا على الدعوة الصحيحة لهذا الدين الإسلامي الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحفظه الصحابة وقاموا به، رضي الله عنهم، ثم التابعون لهم بإحسان، ثم أتباعهم إلى قيام الساعة.

في تلك القرون المتأخرة وقعت انحرافات وزلات، فكان من العلماء والأئمة مَن يُبَيِّن للناس الإسلام، ويردهم إلى الصراط المستقيم، وينكر عليهم الانحرافات والأخطاء، ومن نتيجة ذلك أن يواجه هؤلاء الدعاة والمصلحون بالعناد والاستكبار والعداوة، وقد وقع هذا للرسل – عليهم الصلاة والسلام – وأتباع الرسل، والمؤمنين وكلٌّ له من ذلك نصيب قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 31].

فالمقصود أن الأئمة والدعاة والمصلحين على مر التاريخ الإسلامي قاموا بواجبهم، ونصحوا، ودلوا الناس على الخير، ونهوهم عن الشر، وهم كثير، رحمة الله عليهم، ومنهم شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وهو قد سلك طريق السلف الصالح، طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخرج عن ذلك قِيدَ أُنْمُلة، وكان – رحمه الله – على درجة كبيرة من الورع والتقوى، وحِفْظِ حقوق المسلمين، ومَحَبَّةِ الخير لهم، والنصح لهم، إلا أنه ابْتُلِي كما ابتلي غَيْرُه بِمَن يعادي هذه الدعوة التي تنهى عن الشرك، وتدعو إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وقد وصفه هؤلاء الأعداء بالصفات التي تنفر عن دعوته، حتى كذبوا عليه وافتروا عليه، وقالوا: إن الشيخ يكفر جميع المسلمين. وقالوا: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصلي عليه. وقالوا: إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كذا وكذا… إلى غير ذلك من الافتراءات، فكثير من الجهال والأغراب صاروا يصدقون هذه الأكاذيب، بل ويتناقلونها، فكان الشيخ – رحمه الله – يرد عليهم في حال حياته، وأرسل رسائل إلى البلدان وإلى العلماء في الحجاز والقصيم والأحساء والعراق واليمن والنواحي والقرى والبلدان المجاورة والبعيدة يوضح لهم أنه لا يدعو إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومنهج سلف الأمة رضي الله عنهم، وكان من جملة هذه الافتراءات الافتراء عليه في موضوع التكفير، وأنه يكفر المسلمين، وأنه لا يعذر أحدًا، وأنه يقول: كل الناس كفار إلا أنا.

والله إن هذا من أعظم البهتان والكذب، وسمعنا بعض النصوص والنقول التي قرأها علينا قبلَ قليل فضيلة الشيخ أحمد الريمان، مما يُبَيِّن كذب هذه الافتراءات، وأفيدكم أن تلكم النصوص التي قرأها علينا قبل قليل فضيلة الشيخ أحمد في رسائل أرسلها إلى علماء القصيم، وإلى علماء الحجاز، وإلى علماء مكة، وإلى غيرهم من علماء البلدان المجاورة، وهذا يدل دلالة صريحة على أن هذه هي عقيدته، فليس هو ممن يفتري الكذب، ولا هو ممن يقول خلاف ما يعتقد.

وفي هذا العصر الحاضر في زماننا هذا ابتليت الأمة أيضًا بمن يُنَفِّر عن التوحيد، والدعوة السلفية الصحيحة التي دعا إليها أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا، فينفرون عنها بمثل هذه الأكاذيب، ومع الأسف وُجِدت انحرافات في هذا الباب، فأناس غلوا كالتنظيمات التي تولت التفجير والتكفير في بلاد المسلمين، وزعموا أنهم على طريقة علماء الإسلام، وزعموا أنهم على طريقة أئمة الدين، وهذا مما يزيد الأمر فِتْنةً عند بعض الجُهَّال.

وآخرون على نقيض هؤلاء، ظنوا أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وغيرهم، وهم أئمة الإسلام، ظنوا أن فيها التكفير بغير حق، أو الغلو في هذا المقام، كهؤلاء الكُتَّاب الذين يكتبون في الصحف ويلمزون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأن فيها غلوًا في التكفير، وأنها تكفر المسلمين بغير حق.

فالفريق الأول فيه ما فيه من الإفراط، والفريق الثاني فيه ما فيه من التفريط، وكلا الطريقين على خطأ عظيم، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ليس عنده غلو في التكفير، ولم يخرج عن أصول أهل السنة والجماعة، فهذه الجماعات والتنظيمات التي تتبنى التكفير بغير حق، وتتبنى العمليات التفجيرية، وتَدَّعِي أنها على طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعواهم كاذبة باطلة، لا حقيقة لها، بل دعوة الشيخ بريئة من هذه التصرفات، وهذه الاعتقادات، وهذا الغلو.

لقد انتشر عند كثير من الناس، وانتشر حتى عند أهل الكفر أن الدعوة السلفية، أو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي الدعوة التي يسير على مثلها المفجرون والمدمرون وغيرُهم، وهذا ظن كاذب، وهنا يتعين على أهل العلم وطلابه أن يبينوا ما كان عليه هؤلاء الأئمة الصالحون الناصحون، وأنهم ليس عندهم هذا الغلو وهذا الانحراف، ومع الأسف نسمع أن بعض الناس من الكفار كُلَّما رأى مَن هو على الحق يقول: أنت وهابي، أنت على طريقة الغلاة الذين يفجرون ويكفرون الناس، ويتبنون العمليات التفجيرية ببلاد المسلمين. ولا شك أن نسبة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إلى هذه الأقوال المغالية، نسبة باطلة غير حقيقة وغير صادقة، ومن هنا يتبين أهمية هذا الموضوع، وأن نوضح للناس كلهم حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنها بريئة كل البراءة من هذا الغلو والانحراف.

إن انتساب هذه الجماعات التكفيرية المغالية المنحرفة إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو إلى السلف الصالح انتساب باطل، ولا صِحَّة له، يقولون زُورًا وبُهْتانًا: إنهم على طريقة السلف. طريقة السلف ليس فيها الغدر، وطريقة السلف ليس فيها التكفير بغير حق، والتسرع فيه، وترك الحبل على الغارب، فهؤلاء السفهاء والصبيان ما إن خط الشعر في شواربهم حتى تجدهم يتجرءون على مسائل التكفير، ويتكلمون فيها، بل بعضهم لم يبلغ في العلم شيئًا ويؤلف كتبًا في هذا، فهل هذه طريقة السلف؟!

كلا والله، إنهم على غير منهاج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الذين يعلمون أن هذا الباب باب عظيم، وباب خطير، ومن قال لأخيه: يا كافر. فقد باء بها أحدهما. والشيخ محمد بن عبد الوهاب وقبله الإمام ابن تيمية وقبله علماء الإسلام يُحَذِّرون من الغلو ويُحَذِّرون من التسرع والجرءة في هذا الباب، كما إننا ننكر على أولئك الذين يصفون دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأنها دعوة مظلمة، وأنها دعوة غلو، هؤلاء أيضًا على طريق ضلال وانحراف في فهم حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

والمشكلة كل المشكلة – كما أشار فضيلة الشيخ أحمد – في اتباع هؤلاء المتشابه وترك المحكم، وقد قرر أهل العلم ما قرر الله جل وعلا في كتابه العظيم، وبينه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر العظيم، وهو وجوب رد الأمر إلى المحكم، وترك اتباع المتشابه، بل نرد المتشابه على المحكم، هذا في كلام الله جل وعلا، وفي كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك في كلام العلماء، قال الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7].

انتبه فالقرآن كما قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ [آل عمران: 7] يعني أنها الأصل الذي يُرَدُّ إليه، وهي آيات واضحات الدلالة واضحات المعنى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] يعني قد تخفى دلالتها على بعض الناس، قد تخفى دلالتها وتشتبه على بعض الناس، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: 7] فانتبهوا واحذروا منهم، فقلوبهم فيها مرض، قلوبهم فيها انحراف ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] أي: يتركون المحكمات، ويتركون الواضحات، ويأخذون بالمتشابهات التي ما فهموها جَيِّدًا، المتشابهات التي لا دلالة فيها، لا دلالة فيها على باطلهم، ولكنهم فهموا فهمًا سقيمًا، فتمسكوا بذلك الفهم بناء على ذلك النص مما فهموه، وتركوا النص الواضح المحكم البين، قال الله جل وعلا بعد هذا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 7 – 8].

أخي المسلم، لم يقل ربنا هنا: والعابدون. ولم يقل هنا: والخاشعون. مواضع الاشتباه ومواضع الضلال ومواضع الفتنة لا ينفع فيها إلا الراسخون في العلم، فالراسخون في العلم هم الذين يبينون المعنى الصحيح، ومسائل مثل مسائل التكفير، تلك المسائل التي يشتبه فيها الأمر ترجع إلى مَن هب ودب، ترجع لمن كونه بَكَّاء أو لكونه خطيبًا جيدا، أو لكونه مثلا يحسن البيان، لا ينفع هنا إلا أن تَرُدَّ الأمر إلى الراسخين في العلم، هذا كلام ربنا سبحانه، انتبهوا: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

وما ضل مَن ضل، وما انحرف مَن انحرف في فهم كلام الله أو فهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو فهم كلام العلماء إلا بسبب تركهم الرجوع إلى الراسخين في العلم، وفي بلادنا ¬– ولله الحمد – بَيَّن الراسخون في العلم هذه الأمور، ووَضَّحوها أتم توضيح، ووضحوا كلام الله جل وعلا، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وردوا على الغلاة الذين وقعوا في التكفير بغير حق، وبينوا لهم أن هذا ليس منهج الأئمة، وليس منهج السلف الصالح، وليس منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وَضَّحوا هذا الأمر، فهيئة كبار العلماء، وسماحة المفتي، وغيرهم من أهل العلم وضحوا أتم توضيح هذا المقام.

إذن دعوى هؤلاء الغلاة والمنحرفون دعوى فارغة، فلا تغتروا بها، هم يستطيعون أن يقطعوا نصوصًا للشيخ محمد بن عبد الوهاب عن سياقاتها ويبتروا أولها عن آخرها، ثم يزعمون ويدعون أن هذا ما يريده الشيخ، وهذا من اتِّباع المتشابه وترك المحكم، فكلام الشيخ واضح في هذا المقام.

إن مسألة العذر بالجهل وَضَّحها الشيخ محمد بن عبد الوهاب أتم توضيح، ولا حاجة إلى أن نعيد النصوص التي قرأها، وهذا ليس من كلام الشيخ – رحمه الله – وحده، بل هو من نقول العلماء كَافَّة، يصرحون بهذا، ويرون أن الجهل عذر، ولا يخالفون.

وعند العلماء أنه إذا انتفت الموانع وزال الجهل، وأقيمت الحجة فيحكمون حينئذ بما دلت عليه النصوص، من كون صاحب ذلك يقع في الكفر، أو يقع في البدعة، أو يقع في الفسق، أو حسب ما دل عليه النص الشرعي، لكن الذي يتولى هذا هم أهل العلم، لا أهل الجهل، وأهل التسرع، وأهل الطيش، فالعلماء هم الذين يتولون إصدار الأحكام، وينزلونها على الواقع ؛ لأن الواقع قد تحتف به قرائن تمنع من إقامة هذا الحكم على هذا الشخص، والحكم المطلق غير الحكم المعين.

وقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في موضع: “أما الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه – يعني ممن وقع في الشرك – فلا أدري ما حاله”.

هذا توقف وتَحَرٍّ من الشيخ ؛ لأن الواقعة في رجل أخلد إلى الأرض، عنده تفريط وتقصير، فلم يسأل، ولم يبحث، فمثل هذا عليه لوم، وفي نفس الوقت قد يكون عليه مؤاخذة.

وأقرأ عليكم كلامًا لابن قيم الجوزية رحمه الله، عندما تكلم عن مثل هؤلاء في النونية، يقول ابن القيم:

لَكِنَّنَا نَأْتِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ        فِي الْكُلِّ لاجْلِ مَخَافَةَ الرَّحْمَنِ

فَاسْمَعْ إِذَنْ يَا مُنْصِفًا حُكْمَيْهِمَاوَانْظُرْ إِذَنْ هَلْ يَسْتَوِي الْحُكْمَانِ

هُمَا عِنْدَنَا إِسْمَانِ أَهْلُ جَهَالَةٍوذوو العِنَادِ وَذَانِكَ الْقِسْمَانِ

جَمْعٌ وَفَرْقٌ بَيْنَ نَوْعَيهم هُمَا        فِي بِدْعَةٍ لاَ شَكَّ يَجْتَمِعَانِ

وَذَوُو الْعِنَادِ فَأَهْلُ كُفْرٍ ظَاهِرٍوَالْجَاهِلُونَ فَإِنَّهُمْ نَوْعَانِ

انتبه، جعل الجهل فيه تفصيل:

مُتَمَكِّنُونَ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ بِالْـأَسْبَابِ ذَاتِ الْيُسْرِ وَالإِمْكَانِ

لَكِنْ إِلَى أَرْضِ الْجَهَالَةِ أَخْلَدُواوَاسْتَسْهَلُوا التَّقْلِيدَ كَالْعُمْيَانِ

لَمْ يَبْذُلُوا الْمَقْدُورَ فِي إِدْرَاكِهِمْلِلْحَقِّ تَهْوِينًا بِهَذَا الشَّانِ

فَهُمُ الأُلَى لاَ شَكَّ فِي تَفْسِيقِهِمْوَالْكُفْرُ فِيهِ عِنْدَنَا قَوْلاَنِ

وَالْوَقْفُ عِنْدِي فِيهِمُ لَسْتُ الَّذِيبِالْكُفْرِ أَنْعُتُهُمْ وَلاَ الإِيمَانِ

انظر: ابن القيم يتوقف فيهم مثل ما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب فما يدري حال من تمكن من العلم وأخلد إلى الأرض.

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْبِطَانَةِ مِنْهُمُ          وَلَنَا ظهارةُ حُلَّةِ الإِعْلاَنِ

لأنهم يظهرون الإسلام، فلنا الظاهر.

لَكِنَّهُمْ مُسْتَوْجِبُونَ عِقَابَهُ          قَطْعًا لأَجْلِ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ

هَبْكُمْ عَذَرْتُمْ بِالْجَهَالَةِ إِنَّكُمْ  لَنْ تَعْذِرُوا بِالظُّلْمِ واَلطغُّيْاَنِ

إلى آخر كلام ابن القيم في النونية.

هذا كلام العلماء قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهذا كلام أئمة الإسلام أيضًا حتى في هذا العصر.

والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين، وأئمتنا وعلماؤنا على هذا، يُفَصِّلون ويُوضِّحون، ويُمَيِّزون.

وأقرأ عليكم كلامًا لشيخنا الشيخ محمد بن عثيمين في هذا الموضوع، وهو مسألة العذر بالجهل، يقول في جوابه: “هذه المسألة – بارك الله فيك – عظيمة، والذي تَحَرَّر عندي أن كل إنسان يعذر بجهله في أصول الدين وفروعه…”. ثم قال الشيخ محمد بن عثيمين: “والنصوص على هذا كثيرة، منها قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: 163] إلى أن قال سبحانه: ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. ثم ذكر بعض الآيات كقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115].

ثم قال الشيخ محمد بن عثيمين ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي، ولا نصراني، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرْسِلْتُ به، إلا كان من أصحاب النار» (4).

والأمثلة على هذا كثيرة، والخلاف في هذا معروف، يقول الشيخ محمد بن عثيمين: حتى إن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في بعض كتبه صرح تصريحًا واضحًا بأن الإنسان يعذر بالجهل حتى في عبادة القبور، وفي بعض كتبه ما يدل على أنه لا يرى ذلك، ولكن الميزان الذي يجب الوزن به، والحكم الذي يجب التحاكم إليه هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لكن إن حصل من الإنسان تفريط في طلب الحق، فهذا الذي لا يعذر، مثل أن يذكر الحق، ولكن يقول: أنا عندي علماء أثق بهم. فهذا لا يعذر لتفريطه، أما مع جهله المطبق فإنه لا شك يعذر، ولا شك أن كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – الذي أشار إليه شيخنا محمد بن عثيمين هو توضيح لما سبقت الإشارة إليه، وهو أنه يرد إلى المحكم من كلامه رحمه الله.

وكلامه رحمه الله في أمور ونوازل تحتاج إلى تفصيل، فكان الشيخ لا يعذر من اطلع على الحق وعرفه ثم عاند ويدعي أنه جاهل، فمثل هذا لا يعذر لدعواه الكاذبة.

ويقول الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى لَمَّا تكلم في الحكم على العمل، على المعين والمطلق، قال: “أما الحكم بالكفر على الأعمال – يعني دون الأشخاص – كدعاء غير الله، والذبح لغير الله والاستغاثة بغير الله، والاستهزاء بالدين، ومسبة الدين، هذا كفر بالإجماع بلا شك، لكن الشخص الذي يصدر منه هذا يتأمل فيه ؛ فإن كان جاهلاً أو كان متأولاً أو مُقَلِّدًا، فيُدْرَأُ عنه الكفر حتى يُبَيَّنُ له الأمر ؛ لأنه قد يكون عنده شبهة، أو عنده جهل، فلا يتسرع في إطلاق الكفر عليه حتى تقام عليه الحُجَّة، فإذا أقيمت عليه الحجة واستمر على ما هو عليه، يحكم عليه بالكفر ؛ لأنه ليس له عذر، والكلام في هذا واسع”.

و ينبغي لنا أن نحذر من أن نأخذ الأمور عن غير أهل العلم الراسخين، أو نرجع إلى أشخاص لم يُعْرَف عنهم الرسوخ في العلم، وكلام علمائنا لا يناقض بعضه بعضًا، بل هو متفق، وكلام يؤيد بعضُه بعضًا، لكن هناك مَن يخوض في هذه الأمور بغير علم، كبعض الكُتَّاب، وبعض من لم ترسخ قَدَمُهم في العلم، فيتبعون المتشابهات، ولا يردون الأمور إلى المحكم، فهؤلاء لا عبرة بهم، ولا يعول عليهم.

وأقول أمرًا مهما جِدًّا: العلماء علماء أهل السنة والجماعة الذين جاءوا بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في الهند وفي العراق وفي الشام وفي مصر وفي اليمن وفي سائر الأقطار الإسلامية يمدحون الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويثنون عليه، ويبينون أنه من علماء أهل السنة والجماعة، ومن كبار علماء أهل السنة والجماعة، ولم يقولوا عنه: إنه صاحب غلو أو عنده أخطاء. فكيف نترك هؤلاء العلماء، ونترك كلامهم وثناءهم على دعوة الشيخ، ونأخذ عن متأخرين معاصرين بعضهم جهال، وبعضهم غير متخصص، وبعضهم لم ينبغ في العلم، ولم ترسخ قدمه في العلم؟!

إن الواجب الذي علينا هو أن نأخذ بكلام ما أجمع عليه علماء العصر، علماء أهل السنة والجماعة من الثناء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وموافقته لأصول أهل السنة والجماعة، بل هو من كبار أهل السنة والجماعة، رحمة الله عليه.

أيها الأخوة هناك ما يتردد عند بعض الناس أن هناك ممن ينتسب إلى العلم يكتبون كتابات ثم يقولون: هذه هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهذا هو قول الشيخ. فلا تأخذوا عنهم، وخذوا عن علمائنا الراسخين، خذوا عن سماحة مفتي المملكة حفظه الله، خذوا عن هيئة كبار العلماء الراسخين في العلم، خذوا عن علمائنا الذين مضوا رحمة الله عليهم، كأمثال الشيخ عبد العزيز بن باز، خذوا كلامه وتلقوه بالقبول ؛ لأنه وافق الكتاب والسنة، خذوا كلام الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله، خذوا قبلهم كلام الشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد الله بن حميد، وقبلهم علماؤنا رحمة الله عليهم، فهم لم يقولوا: إن الشيخ عنده غلو أو عنده كذا أو كذا. فكيف نترك علماءنا الراسخين في العلم، ونأخذ عن الصغار، أو عن المتطفلين، الذين يكتبون ويُتَلَقَّف كلامُهم.

وأنا أعجب كل العجب من بعض الناس الذين يكتبون من خارج هذه البلاد، ولم يَتَرَبَّ على أهل العلم، ولم يأخذ عنهم العلم، يكتب كتبًا في مسائل خطيرة كمسائل التكفير، ومسائل الولاء والبراء، ومسائل الموالاة ومسائل الجهاد، يكتبون في مثل هذه المواضيع وهم ليسوا من أهل العلم الراسخين، ثم يأتي بعض الشباب ويأخذ عنهم، ويظن أنهم على هدى، ويُعْرِض عن علمائنا الراسخين في العلم، وأُذَكِّر بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ سورة آل عمران: 7].

وسأقرأ عليكم كلامًا لواقعة وقعت في زمن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمة الله عليهم أجمعين، وهو من علماء أهل السنة والجماعة في هذه البلاد، وهو من تلامذة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، يردون فيه على الغلاة في التكفير، يردون عليهم ويبطلون كلامهم، ويبينون لهم انحرافهم في هذا الباب ؛ لأن بعض الناس في الزمن القديم وزمننا هذا افتروا على الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ثم نسبوا أنفسهم إليه، وأنهم على طريقته، فكَفَّروا بما لم يُكَفِّرْ به، وخاضوا في أمور الموالاة والمعاداة بغير علم، وبنوا عليها أحكامًا في الردة، ولم يفرقوا ويميزوا بين ما هو كفر، وما ليس كذلك، فرد عليهم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله رحمة واسعة في رسالة مهمة، يمكن أن أحيلكم إليها، فإني لا أستطيع أن أقرأ جميع الكلام لضيق الوقت، ولكن الرسالة طبعت مفردة بعنوان: “أصول وضوابط في التكفير ” للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ردًّا على الغلاة وردًّا على الذين يتسرعون في التكفير. يتكلم في هذه الرسالة على ناس يتكلمون في قضايا التكفير، وينتسبون للعلم مثلما يفعل أهل زماننا، فتجد الواحد منهم يقول: قال أهل العلم، أو الشيخ الفلاني. ثم تجده يكفر الناس، ويكفر ولاة الأمر، ويكفر العلماء، ويكفر بالعموم. نعوذ بالله من هذا الضلال، ويكفر عصاة المسلمين، هذا الشيخ عبد اللطيف يقول بعد ما اطلع على كلام هؤلاء، يقول: “بلغنا عنكم نحو هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب ؛ كالكلام في الموالاة والمعاداة – يعني موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار – والمصالحة، والعهد والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك، والحكم بغير ما أنزل الله”. يعني الصلح مع الكفار. ثم قال: “هذه لا يتكلم بها إلا العلماء”. أي: أنتم لا تتكلمون فيها، فهذه الأمور لا يتكلم فيها إلا العلماء ذوو الألباب ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفَصْلَ الخطاب، ثم قال: “وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها مكفرات لأهل الإسلام ؛ فهذا مذهب الحرورية المارقين”.

مع أنهم يدعون أنهم ينتسبون إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويدعون أنهم على طريقته رحمه الله، فقال لهم: تكفيركم بهذه المكفرات من مذهب الحرورية ؛ وهم الخوارج، فهذا مذهب الحرورية المارقين، الخارجين على علي رضي الله عنه، ثم ذكر صفات هؤلاء الحرورية.

هذا كلام الشيخ عبد اللطيف رحمه الله، وهو من علماء أهل السنة والجماعة الكبار في هذه البلاد، وهو من الذين يَدْعُون إلى مثل ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو من أحفاده، تكلم عن هؤلاء المتعجلين والمتسرعين في التكفير، وحذر من طريقتهم، وبَيَّن لهم الخطأ في التسرع في إصدار الأحكام في مسائل الموالاة والمعاداة والمصالحة مع الكفار، ونحو ذلك، فبعد أن تكلم في هذا الموضوع قال: “إن طريقة هؤلاء الذين يستعجلون ويكفرون بغير حق، طريقتهم مثل طريقة الخوارج”.

ثم قال: “وتأمل قصة حاطب بن أبي بلتعة وما فيها من الفوائد، فإنه هاجر إلى الله ورسوله، وجاهد في سبيله، لكن حدث منه أنه كتب بسِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين من أهل مكة، يُخْبِرُهم بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسيره لجهادهم ؛ ليتخذ بذلك يَدًا عندهم تحمي أهله وماله بمكة، فنزل الوحي بخبره”. إلى أن قال الشيخ قصته وهي طويلة، فلما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما الذي حملك على هذا؟». قال: يا رسول الله، إني لم أكفر بعد إيماني، ولم أفعل هذا رغبة عن الإسلام، وإنما أردت أن تكون لي عند القوم يد أحمي بها أهلي ومالي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقكم، خلوا سبيله». واستأذن عمر في قتله، فقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم».(5) وأنزل الله في ذلك صدر سورة الممتحنة فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: 1] الآيات.

يقول الشيخ عبد اللطيف: “فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الممتحنة: 1] يعني ما صار كافرًا بمجرد أنه والاهم في الكتابة السرية والتجسس، قال: “دخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه، وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع من الموالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، وأن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل، لكن قوله: صدقكم، خلوا سبيله، ظاهر في أنه لا يكفر بذلك، إذا كان مؤمنًا بالله ورسوله، غير شاكٍّ ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي”.

إن الشيخ عبد اللطيف يقرر – رحمه الله – أن حاطب فعل فعلته لأجل غرض دنيوي، فلو وَالَى أحدًا لغرض دنيوي فإنه يعاقب، لكنه لا يكفر، أما لو والاهم معتقدًا طريقتهم ومذهبهم عقيدة في قلبه، هذا ولاء في دينهم، نسأل الله العافية.

يقول ابن جرير الطبري في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾ [المائدة: 51] يقول: من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من دينهم وملتهم ؛ فإنه لا يتولى متولٍّ أحدًا إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ”.

أرأيت القيد، يعني إذا رضي بدينهم ووافقهم في العقيدة، ووافقهم على الضلال والكفر في عقيدتهم، هذا هو الذي يدخل في هذه الآية وتنطبق عليه، أما لغرض دنيوي فإنه يستحق العقوبة، ولا نقول: إنه يكفر بمجرد الموالاة بفعل دنيوي أو غرض دنيوي.

ونرجع إلى كلام الشيخ عبد اللطيف، يقول: “ولا يقال: قوله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فإني قد غفرت لكم». هو المانع من تكفيره، لأننا نقول: لو كفر ما بقي من حسناته ما يمنع من لحاق الكفر وأحكامه به، فإن الكفر يهدم ما قبله، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5] والكفر محبط للحسنات والإيمان بالإجماع، فلا يظن هذا، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: 51]، قال: فقد فَسَّرَتْهُ السنة وقيدته، وخصته بالموالاة المطلقة العامة، ثم قال كلامًا بعد هذا، وإنما أشكل الأمر وخفيت المعاني، والتبست الأحكام على بعض الأعاجم والمُولَّدين الذين لا دراية لهم بهذا الشأن، ولا ممارسة لهم بمعاني السنة والقرآن. ثم قال: وفي قصة صلح الحديبية، وما طلبه المشركون واشترطوه، وأجابهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكفي في رد مفهومكم ودحض أباطيلكم. انتهى كلام الشيخ عبد اللطيف.

وبهذا يتبين بطلان انتساب هؤلاء الغلاة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنهم على جانب من الخطأ والانحراف.

إن الحديث في هذا عظيم، ويبين لنا سماحة شيخنا عبد العزيز هذا الأمر، ويُفَصِّل إن شاء الله تعالى.

وأتوجه بنصيحة لكم وهي أنه ينبغي لكم أن تأخذوا العلم من مصادره، وأن تردوا الأمر إلى الراسخين في العلم، نسأل الله جل وعلا أن يحفظنا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، وأن يغفر للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وأن يغفر لجميع علماء المسلمين، وأن يغفر لنا ولكم، وأن يحفظنا بحفظه، ويكلؤنا برعايته، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليق سماحة المفتي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين، وإمام المتقين محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه أبدًا دائمًا إلى يوم الدين، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد، فهذا موضوع مبارك تحدث فيها الشيخان أحمد الرضيمان، وفهد بن سليمان الفهيد ، وهذا الموضوع الذي هو “موقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب من التكفير” يوضح هل الشيخ – رحمه الله – بنى دعوته على تكفير الناس وتضليلهم واشتغل بهذا؟! وما كان موقفه من التكفير والحكم بالتكفير، فإن الحكم بتكفير الناس، وبتكفير البلاد والقوم، أو الجماعة، هذا حكم خطير لا يتكلم ويتحدث فيه إلا من أعطي علمًا وفهما عن الله ورسوله، ولا يتحدث فيه أيضًا إلا من تصور الواقع الذي يتحدث فيه، والخوض في هذه المسائل من جهلة الناس وقليلي العلم أمر خطير.

إن المسلم مأمور بالدعوة إلى الله، وتوضيح الحق، وإبانة الهدى، وإقامة الحجة على العباد، فإذا دعوت إلى الله، وبَصَّرْتَ الخلق في دين الله، وأقمت عليهم حجة الله بتوضيح الحق، سواء فهموه أو لم يفهموه، المهم أنك تقيم الحجة عليهم بالبراهين، وبالحجج القطعية من الكتاب والسنة، فبهذا تفرغ مهمتك وتتخلص من المسئولية، أما هؤلاء الذين دُعوا للحق والهدى فأعرضوا وصدوا عن سبيل الله المستقيم، ولم يقبلوا هُدَى الله الذي بَعَث اللهُ به عبدَه ورسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن الله جل وعلا كَفَّر من كَذَّب رسوله، وكذب كتابه، وأنكر البعث بعد الموت ولم يرتضوا الإسلام دينًا، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ [التوبة: 29]، وقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 1] ، وقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 146 – 147].

وقال جل وعلا في كتابه العزيز أيضًا مُبَيِّنًا حكم من أنكر البعث بعد الموت: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7].

وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي العَذَابِ وَالضَّلالِ البَعِيدِ﴾ [سبأ: 7 – 8].

أيها الإخوة، لما بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق، ودعا إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة لله، وإفراد الله بجميع أنواع العبادة، فمن آمن برسالته وصدق واتبع فهو المؤمن، ومن صد عن سبيله، وكذب رسوله، ولم يركن إلى شرعه، فهو كافر بلا إشكال قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] وقال: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].

إن المنكرين بوجود الله، والمنكرين لأسمائه وصفاته، والعابدين غيره، والمكذبين برسوله، والذين لم يؤمنوا به ولا بكتبه، ولا بلقائه، ولا بقضائه وقدره، هؤلاء بلا شك لم يدخلوا في الإسلام، ولم ينقادوا إليه.

لكن من تكلم بكلمة التوحيد ” لا إله إلا الله ” وقالها بلسانه، وخالفتها أعماله وأفعاله، وأتى بما يناقضها، وما يضادها، وما يخالف معناها، فليس بمؤمن ؛ فإن كلمة ” لا إله إلا الله ” لا تنفع صاحبها ولا تعصم دمه وماله وتجعله من أهل الجنة إلا إذا انقاد لشروطها، وأتى بها علمًا وعملاً، واعتقادًا وصدقًا، ويقينًا ومحبةً وقَبُولاً.

فاليهود والنصارى يقولون ” لا إله إلا الله “، ولما كذبوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، لم تنفعهم لا إله إلا الله، ولم يكونوا بذلك مسلمين.

إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، خرج في وقت كان أهله يسيطر عليهم الجهل، والبعد عن الهدى إلا النذر القليل، فيهم من يعرف، وفيهم علماء، لكن ما قُسِم لهم أن جهروا بالدعوة، وما قُدِّر لهم أن يعلنوا التغيير، ولكن جَارُوا أهْلَ زمانهم وسكتوا عن الباطل، إلا أهل القيام بالواجب.

ولما قام رحمه الله بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراد الله بالعبادة والبراءة من كل معبود سوى الله، وتحقيق التوحيد الخالص لله، وبيان ما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وإخوانه المرسلون قبله، من الدعوة إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له.

لما ابتدع هذه الدعوة، وقف أمام دعوته كثير من الجهلة، وبعض المنتسبين إلى العلم، والمدعين للعلم، إما حسدًا، وإما قِلَّةَ فَهْم، وسوء تصور.

فأرادوا بذلك أن يبعدوا الناس عن الحق، وأن ينأوا بالناس عن قبول هذه الدعوة الخَيِّرة، فقالوا: إن ابن عبد الوهاب في دعوته يحكم على الناس بالكفر، ويجعل كل من تحت أديم السماء كافرًا، ويحكم عليه بالخلود في النار، ولا يرى الإسلام إلا له ولمن معه.

هكذا قالوا عن الشيخ، قالوا: يكفر بالعموم، ويكفر الناس أجمعين، ويكفر الأئمة، ويكفر مَن قبله، وقالوا وقالوا.

وقالوا: إنه مذهبه مذهب الخوارج يكفر بالكبائر، وقالوا: إنه يحارب أهل البيت، وقالوا عنه أشياء كثيرة.

هذه المفتريات والأباطيل اغتر بها البعيد عن دعوته، ومن نقلت إليه الدعوة مشوهة محرفة مضافًا إليها ما ليس منها، إلا أن الشيخ – رحمه الله – لم يدع لهؤلاء فرصة، بل أوضح منهجه، وبَيَّن طريقه، وأنه – رحمه الله – لم يكن همه من الدعوة التكفير والتبديع، لكن همه الإصلاح والتوجيه، والهداية إلى الطريق المستقيم.

وأن ما ناله من حكمه بكفر العلوم دعوى باطلة قال فيها: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16]، وهو يقول: أنا لا أكفر إلا مَن كَفَّره الله ورسوله، والله جل وعلا كفر الذين اتخذوا من دونه وسائط وشفعاء ينسبون لهم حقه جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: 3].

وقال رحمه الله: أنا لا أكفر إلا من أجمع المسلمون على كفره، ونص عليه أئمتهم وأتباعهم، حيث بوبوا بابًا سَمَّوْه حكم المُنْكِر، وعرفوه بأنه المسلم الذي يكفر بعد إيمانه، وأن من عبد غير الله فهو كاذب، ومن أنكر وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، وجحد وجوبها، هذا هو الكافر، هذه أمور أجمع المسلمون عليها.

أجمع المسلمون على أن من عبد غير الله، ودعا غير الله، وتعلق بغير الله، ونذر للقبور، وذبح لهم، وطاف بقبورهم طواف العابد الذليل لهم، أن هذا مناف للإسلام بحقيقته.

وأجمع المسلمون على أن من أنكر وجوب الصلاة، وجحد وجوبها، أو جحد وجوب الزكاة، أو جحد وجوب الحج، أو جحد وجوب الصيام، أن هذا كفر بلا إشكال.

وأجمع المسلمون على أن من أحل حرامًا عُلِم تحريمُه من دين الإسلام بالضرورة أن الجاحد لتحريمه كافر، من اعتقد حل الزنا، أو حل الربا، أو حل الخمر، أو حل سفك دم المسلم بغير الحق، هذا كفر ورِدَّة تُخْرِج من الملة، وهذا أمر لا إشكال فيه.

والشيخ رحمه الله لم يحكم على الجميع بالكفر، بل قال: لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، أما المسائل الخلافية فلا نكفر بها.

وقال أيضًا: إننا لا نكفر إلا من علمنا قيام الحجة عليه.

وهناك قضية وهي الفرق بين كون العمل كُفْرًا، وبين الشخص كونه كافرًا، فربما يعمل عملا من أعمال الكفر، لكنه قد يكون جَاهِلاً لم تأته الحجة، ولم تأته البينة، ولم يأته مَن يزيل اللبس عنه، فهذا إن عبد غير الله في الدنيا فعمله من عمل الكافرين، لكن أمره في الآخرة إلى الله وحده، فإن الله يعلم حال العباد ومآلهم.

الشيخ رحمه الله نسب إليه أعداؤه أمورًا كثيرة، لكنه بريء منها، وقد أوضح في رسائله وكتبه للآخرين استعداده للترافع عن كل قول تبين لهم أنه مخالف للحق، وأنه لو أتى بقول يخالف الحق لكان أول الناس رجوعًا عنه، لكن الله هداه ووفقه وبصره، فشق طريقه داعيًا إلى الله وإلى دينه، مُوَضِّحًا للطريق المستقيم، مُبَيِّنًا هَدْيَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم وسيرته، سائرًا على ما سار عليه، ناهجًا منهجه، وناهجًا منهج أصحابه والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى والخير ودعاة الإصلاح الذين انتشروا في كل قوم ومكان، هو مثلهم، يقتبس من آثارهم وطريقتهم، ويسير على نهجهم، رحمه الله.

إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يأت الناس بقول مُبْتَدَعٍ، وما دعا إلى طريقة خاصة، ولا إلى مذهب وَفِقْهٍ مُعَيَّن، إنما دعا إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله.

إن قضية التكفير خطيرة، وقد يطلق الجهلة التكفير على أمور خلافية، وأمور لا تستحق التكفير، لكن هذا من الجهل والغلو في الدين، فتكفير الناس بمجرد الخطأ دون تمييز بَين ذا وذاك أمر خطير، إن قضايا التكفير قضايا خطيرة، والتفسيق والتبديع والتكفير لا يتكلم فيها إلا من كان عنده علم ومعرفة وتمييز، وإلا فحري بالإنسان أن يمسك لسانه، ويحميه من أن يقول على الله ما لا يعلم، وصلى الله على محمد.

أسئلة:

سؤال:

هنالك من يقول: إن وجود أوكار الربا والبنوك الربوية في البلاد الإسلامية وإصدار النظام بالتصريح لها هو استحلال لها، ومن استحل المحرم، فهو كافر، وإن لم يكن هنالك اعتقاد؟! نرجو الإيضاح.

جواب:

لا نشك أن الربا حرام، فالأمر ثابت، لكن الكلام على البنوك الموجودة، هل لنا أن نحكم عليها بالكفر؟! لا، البنوك الموجودة فيها الحرام وفيها الحلال، فيها الطيب وفيها الخبيث، ألسنا نودع فيها أموالنا؟ ألسنا نقبل التحويل عليها؟ فهذا التعامل ضرورة، وكون البنوك عندها جانب من الخطأ، وجانب من الصواب – نسأل الله أن يدلهم على الخير – هذا ممكن، فقد يكون لهم شبه، لكن أن نحكم على الشيء بالكفر عمومًا من غير بصيرة، هذا أمر خطأ ونسمع أن هناك أسلمة للمصارف، وأن بعض البنوك فتحت لها قنوات إسلامية وتعامل إسلامي، لا نشك أن هذه نوايا طيبة.

لكن أقول: البنك الآن كما تعلمون ما أحد إلا ومودع فيه، والذي ما أودع فيه يحول عليه، ويتعامل الناس به، فهل نحكم على كل من أودع في البنك حسابًا جاريًا أن نقول: هذا كفر؟! لا يجوز هذا.

أما لو أن أحدًا أحل الربا، وقال: تعاملوا بالربا حلال؟ نقول: لا، أما إذا كان فيها وفيها، فنسأل الله أن يرزق القائمين عليها إصلاحها، وجعلها توافق الشريعة، إنه على كل شيء قدير.

سؤال:

ما رأيكم في هذه المقولة: إن الإمام ابن الأمير الصنعاني قد تراجع بعد موت الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمة الله – عليه، عندما تبين له أنه يكفر أهل الإسلام؟

جواب:

الإمام الصنعاني له رسائل العقيدة “تقييد الاعتقاد” وكل كتبه فيها التوحيد الخالص، والصدق في الدعوة رحمه الله، وهو من أئمة الإسلام في القرن الحادي عشر، لقد ألف وكتب وجاهد في الله حق جهاده، وأثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال فيه الحق، وما يقال بإنه رجع، فهذا قول مشكوك فيه، وقول غير واقع، ثم لو قُدِّر أنه لُبِّس الأمر عليه، لكن عندنا كتبه ومؤلفاته التي فيها الحق الذي لا إشكال فيه، فالشوكاني والإمام الصنعاني كلاهما عالمان سلفيان على المنهج الصحيح، إن قدر أن الشيخ لبس عليه لكن لا نعتقد أنه ليس على الحق ؛ لأن كتبه دالة على حسن معتقده، وما نسب إليه من هذه القصيدة فالمحققون يرون أنها كذب وافتراء.

سؤال:

يقول السائل: هل قولك لرجل: يا علماني، هل هذا تكفير؟

جواب:

لا أدري ما القصد بالعلماني؟ هل تقصد بأنه علماني أنه ملحد؟ أو تقصد علماني بفكر ما؟ فهذه الكلمة الحقيقة تحتمل أمورًا كثيرة، نسمع عن العلماني والليبرالي… إلى آخره، فلا بد أن تفسر معنى العلماني، أن أردت بالعلمنة أن علماني لا يتقيد بدين هذا شيء، وإن أطلقته على مسلم كنت مخطئًا وعاصيًا، فالألفاظ تحتمل، لا يُدْرَى ما المراد منها ؛ لأنها ألفاظ يطلقها البعض دون أن يبين حقيقتها.

سؤال:

يقول السائل: هناك كتب تسمى كتب البرمجة العصبية، هل هذه تدعو إلى الكفر؟

هذا أظن ما يسمى بالتنويم المغناطيسي، يدعي أهله أن عندهم علم ونوع من الفن يستطيعون به فعل ما يسمى بالتنويم المغناطيسي، وغالبًا هذه الأشياء – والعياذ بالله – لا بد أن يكون لها ارتباط بالسحر، ولا بد أن يكون أهلها والمنظمون لها لهم ارتباط بالشياطين، وهي طريقة سيئة، ولها نتائج سيئة، وفيها والله أعلم الاستعانة بالجن والشعوذة.

سؤال:

هل المجاهرة بالمعصية كفر؟

جواب:

يحتمل، إن كانت المجاهرة بها إعلانًا، فهذا شيء، وإن كانت قلة حياء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُّ أُمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».(6) إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت فلم تغيب ضرت العامة، وهذا من قلة الحياء، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحِى فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ».(7) فقلة الحياء والعياذ بالله مصيبة عظيمة، والمجاهر بالمعصية قد قل حياؤه، ويُخْشَى على مَن جاهر واستخف بالمعصية واستهتر بها من عقوبة غير عقوبة المعصية.

سؤال:

ما موقفنا عندما يقف شخص على المنبر سواء في خطبة أو كلمة ويتهم شخصًا بعينه أنه كافر أو علماني؟

جواب:

ينبغي أن ننزه منابرنا، ونطهرها عن البلاهة، فالخطيب ليس له أن يشعل نار العداوة بين الناس، ولا أن يكفر الناس ولا أن يسب الناس، إنما هو ليوجه ويدعو إلى الخير، وعليه أن يضبط لسانه حتى لا تزل به القدم، فلا يجوز أن يتحدث عن شخص بعينه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «ما بال أقوامٍ»، أما أن نقول: فلان كافر، وفلان ضال، فهذا لا يجوز.

إن كنت تعرفه اتصل به، وحدثه وأصلح، أما أن تفضح أو وتخطب بخطأ وتصعد المنبر: وتقول فلان العلماني، وفلان حداثي، وفلان ليبرالي، هذا فيه توقيع بين الناس، أنت مأمور بالدعوة إلى الله، مأمور بتصحيح الخطأ، اعرض الخطأ وناقش الخطأ من قبل الكتاب والسنة، لا من قبل هواك.

سؤال:

يتناقل البعض أن قولاً منسوبا للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه وهو أنه قال: “إن عصاي أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم”. فنرجو من سماحتكم أن تقيموا الأمر؟!

جواب:

هذه مسألة كتبها أحد علماء زمانه الممالئين له، وجهها لبعض الجهات، قال فيها: إن ابن عبد الوهاب يبغض محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا طلب من أصحابه أن يصلوا على محمد، فهم يصلون عليه خاصة. وقالوا عنه: إن محمد بن عبد الوهاب يقول: كل الناس في النار إلا أنا. إلى آخر هذه الافتراءات. قال الشيخ وقتها: جوابي: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 16].

إن الشيخ رحمه الله مؤدب في أسلوبه، مؤدب في خطاباته، مؤدب في رسائله، فهو يتحلى بأخلاق عالية، ومكارم وفضائل وَفَّقَه الله وهداه وبَصَّره ومَنَّ عليه بالعلم والبصيرة في أموره، فما كان أهوج وما كان مُتَسَرِّعًا، وما كان انفعاليًّا، وما كان عصبيًّا، كان على منهج عرفه الذين رأوه وشاهدوه، آتاه الله من الوقار والسكينة والثبات والاستقامة ؛ لأن الله جل وعلا مَنَّ عليه بأن نشر هذه العقيدة السليمة، وساعده وأعانه على إقامة الحق محمد بن سعود، رحمه الله وأصلح ذريته، وكلهم قاموا على هذا المنهج القويم، ما كانت الفظاظة من أسلوبه، كان رحمه الله من أحسن الناس أسلوبًا، ومن أكثر الناس حياءً وسَمْتًا وحسنا لعرض الحق، رحمه الله ورضي عنه.

سؤال:

كيف عمل الشيخ محمد رحمه الله فيمن لا يكفر بالطاغوت؟

جواب:

الشيخ دعا إلى الله، وأوضح الحق وبينه، ونشر الحق، ودعا إليه، وقاوم الذين قاوموا الدعوة واعتدوا عليها، إلى أن مكن الله لهذه الدعوة، فانشرحت لها الصدور، وقبلتها النفوس وانتشرت، وفهمها مَن أراد الله هدايتَه.

إن أشرف الخلق محمدا صلى الله عليه وسلم حَرَص على هداية قومه، قال الله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33] وقال له سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: 272]. وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] فمحمد صلى الله عليه وسلم هل يشك أحد في كمال بيانه أو كمال صدقه وإخلاصه، ومع هذا جاهد في الله، فقَبِل الحق مَن قَبِله، وصَدَّ عنه مَن صَدَّ، المنافقون يصلون معه، ويصومون معه، ويجاهدون معه، ويحجون معه، وهم أكثر خلق الله عز وجل حطب النار، فالحق نعمة من الله لمن أراده الله له.

***********************************************************

(1) أخرجه البخاري (5/2263، رقم 5752)، ومسلم (1/79، رقم 60).

(2) أي: نحاس.

(3) أخرجه أحمد (4/445، رقم 20014)، والطبرانى (18/179، رقم 414)، قال الهيثمى (5/103): فيه مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه أيضًا: ابن أبى شيبة (5/35، رقم 23460).  وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة

(4) أخرجه أحمد (2/350، رقم 8594)، ومسلم (1/134، رقم 153).

(5) أخرجه البخاري (3/1095، رقم 2845)، ومسلم (4/1941، رقم 2494) .

(6) أخرجه البخاري (5/2254، رقم 5721)، ومسلم (4/2291، رقم 2990).

(7) أخرجه البخاري (5/2268، رقم 5769) .

———————————————

المحاضران :

1- فضيلة الشيخ الدكتور :  أحمد الرضيمان،

2- فضيلة الشيخ الدكتور: فهد بن سليمان الفهيد

-- للشيخ أحمد بن جزاع الرضيمان والشيخ الدكتور فهد بن سليمان التويجري

التعليقات

  1. من أعضاء الدعوة في داخل المملكة

    الحمدلله ووالصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه واتبع سنته إلى يوم الدين أما بعد :
    فشكر الله لكل من سماحة الوالد الجليل الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ المفتي العام للمملكة وفضيلة الشيخ أحمد الريمان وفضيلة الشيخ الدكتور فهد الفهيد وجزاهم الله خيرا على ما أوردوه في هذه الندوة المباركة من بيان علمي شرعي بليغ وضاف وجليل القدر لمسألة التكفير وضوابطها وموانعها وشروط إطلاقها وإيقاعها ومنهج الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – في هذه المسألة الخطيرة والتذكير بما صدر عنه من أقوال فيها وشرحها ودحض ما افتراه عليه المفترون لقد أجادوا وأفادوا وبينوا ووضحوا بيانا شافيا وافيا فأسأل الله أن يجزل لهم الأجر والثواب وأن ينفع بعلمهم وأعمالهم الإسلام والمسلمين إن الله سميع مجيب وهو حسبنا ونعم الوكيل .

  2. هيهات لما تقول فقد انكشف المستور محمد بن عبدالوهاب كفر حتى العلماء الذين لم يوافقوه الراي
    وكفر البادية بالعموم وراجع مخطوطة بن غنام وابن بشر

  3. كارهوا الشيخ رحمه الله ينقمون عليه أنه دعا إلى التمسك بالكتاب و السنة، هذا ما ينقمون عليه و إن لم يُصّرحوا بذلك …

    أما التكفير الذي ينسبونه له كذبا و زورًا، فهم يقصدون به تكفير اليهود و النصارى و من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه و سلم … في حين علماء المسلمين يقصدون بالتكفير تُكفّر المسلم بالشبهة دون دليل من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه و سلم.

    للإشارة فقط، فقد كان الحاكم الفرنسي في الجزائر أيام الاحتلال يعرف دعوة الشيخ رحمه الله أفضل من كثير من المسلمين، و كان “يتهم” الشيخ عبد الحميد بن باديس الجزائري أنه يدعو إلى “الوهابية” لمجرّد أنه دعا إلى التمسك بالكتاب و السنة، و كان يُرسل إلى قادته أن بن باديس يدعو إلى الوهابية التي تدعو إلى الإسلام الصحيح.

  4. بسم الله الرحمن الرحيم :
    والله العظيم انكم لتفترون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب
    هل هذا هو ما دعا اليه الشيخ الموحد ؟!!!!!!
    هل هذا هو التوحيد الحقيقي ؟!!!!!!
    كلامكم كله موجه لفئة ضعيفة الفهم بدون ادلة و لا براهين تريدون اسلام على حسب مقاسكم
    وتسمون انفسكم علماء راسخون في العلم ؟!!! هيهات هيهات …..
    عباد القبور و المتحاكمين الى المحاكم الكفرية و الشعوب تثور من اجل الديمقراطية تسمونهم مسلمين ؟!!!!!!!!!
    وما أذهلني ردكم على مسألة البنوك الربوية
    سوف يحكم الله بيننا يوم القيامة

  5. من أعضاء الدعوة في داخل المملكة

    صدق القائل :
    قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم

  6. سبحان الله يقول ( وأما التكفير فأنا أكفر مَن عَرَف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله، فهذا الذي أكفره، وأَكْثَرُ الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك”…)
    اقول سبحان الله وهل وجد في الامة من (…عَرَف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله،…)ابدا هذا لم يوجد فكان عليه ان يقول (…وهذا والحمد لله لاوجود له في الامة…) اما قوله (…وأَكْثَرُ الأمة – ولله الحمد – ليسوا كذلك…) فمكابرة منه لان الذين استحل دماءهم واموالهم في جزيرة العرب والذين بعث اليهم برسائله يتوعدهم ويتهددهم بالقتل هم اكثر الامة وليسوا اقل الامة فمحمد بن عبد الوهاب لم يكن راضيا الا على اتباعه وهم ليسوا اكثر الامة الذين يحمد الله ان الواحد منهم ليس ممن (…عَرَف دين الرسول، ثم بعد ما عرفه سَبَّه، ونهى الناس عنه، وعادى مَن فعله،…)فمحمد بن عبد الوهاب كان يرى اكثر الامة قد عرفوا دين الرسول ثم سبوه ونهوا عنه وعادوه حتى العلماء لم يستثنهم ووصفهم بالشرك وادعى ان العرب في جاهليتهم كانوا اعرف منهم بالتوحيد
    يا اخوة ان الاوان لمراجعة فكر قرن الشيطان فان الله تعالى سيحاسبكم على اتباعه ومن يدري لعل الله يعذه بانه اجتهد فاخطا وانتم ما عذركم هل وجدتم في القران والسنة اية او حديثا يلزمكم باجتهادات محمد بن عبد الوهاب دون اجتهادات العلماء الذين خالفوه مثل الشوكاني والامير الصنعاني اقرؤوا الدر النضيد وانظروا قول الشوكاني في التوسل والتشفع بالانبياء والصالحين وفي نفس الكتاب انظروا ما يحكي عن الامير الصنعاني فانه هو الذي من اجل اسئلته كتب كتابه الدر النضيد (والغريب ان ما يستشف من ذلك يتناقض مع كتب الامير الصنعاني المطبوعة الان فيها تحريم التوسل ووصف من يفعله بالشرك لكن الشوكاني يحكي عنه خلاف ذلك في كتابه الدر النضيد وليس غريبا ان تكون ايدي الوهابية قد تلاعبت بكتب الامير الصنعاني )

  7. حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردءاً للإسلام غيّره إلى ما شاء الله فانسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال قلت يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي) رواه ابن حبان في صحيحه. وقال ابن كثير عن إسناده هذا إسناد جيد ، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد وصححه الألباني رحمهم الله.

  8. شكرا على اهتمامك بهذه الفئة وأسأل الله ان يجعله في ميزان حسناتكم ، واحب التنوية إلى انه لم تجد هيئة تدافع وتطالب بحقوق ذوي الاحتياجات الخاصه لدى كل الجهات حكومية أو خاصة ، ولذا اقترح بشدة إيجاد هذا الهيئة وممكن يتبرع بعض المحامين للانضمام لهذا وتبحث في العوائق والعقوبات التى تواجهها وتتحمل بمتابعتها لدى كل الجهات وتسعى للاتصال بعدة طرق لهذه الفئة وحل مشكلاتها ، وانا اول المتطوعيين للانضمام وشكرا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*