الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التحذير من الاستخفاف بالناس واحتقارهم
التحذير من الاستخفاف بالناس واحتقارهم

التحذير من الاستخفاف بالناس واحتقارهم

الأخلاقُ في حياةِ الإنسان نقطةُ ارتِكازٍ تنطلِقُ منها تصرُّفاتُه القوليَّة والعمليَّة، وبها يحصُلُ التوازُن في التعامُل مع الآخرين، والسَّير في مهامِهِ اختِلاف طِباعِهم وأمزِجَتهم.
وإن مُراغمةَ المرء حياتَه مع الناس بلا أخلاقٍ، ما هي إلا عبثٌ لامسؤول، يهدِمُ جُسورَ الثقة، وحُسن الظنِّ، وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، ويقتَلِعُ جُذورَ المودَّة والتآلُف مِن الفؤاد، فيستبدِلُ الفؤادَ البلقَع بالفُؤاد المُربِع، فلا وُصولَ بعد ذلك إلى قلوبِ الناس المُؤدِّية إلى عقولِهم.
فما ثمَّة حينئذٍ إلا الوَحشة، وسُوء الظنِّ، وتقاذُف التُّهم بمضارِبِ وحشِيِّ الألفاظ، وأسِنَّة الشَّيطنة، وجَعل الصغيرة كبيرةً، والحَبَّة قُبَّةً. وإذا رأيتُم مثلَ ذلكم في فئةٍ ما، ففتِّشُوا عن أخلاقِهم.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ليس المُؤمنُ بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحِش، ولا البذِيء»؛ رواه الترمذي وغيرُه.
إن عقلَ المرء وحكمتَه كفِيلان بجَعله في مقامٍ سليمٍ مُعتدلٍ يميزُ به بين ما يَزِين وما يشِين، وما يجبُ تقديمُه وما يجبُ تأخيرُه، وما لا ينبَغي أن يُعطَى أكبرَ مِن حجمِه، وما لا ينبَغي أن يُهوَّن دُون مقامِه.
وجِماعُ ذلكم كلِّه في أن يُنزِلَ الأمورَ منازِلَها، ويُعطِيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فإنه لم يفعَل ذلكم فهو إما بليدُ الإحساس، وإما ذو استِخفافٍ بالأمور، ولا شكَّ أن كِلا السببَين مِن السُّوء بمكانٍ.
عيرَ أن الاستِخفافَ بالأمور هو أنكَرُ المُنكَرَين، وأسوءُ السَّوأتَين، وهو – أي: الاستِخفاف – إن كان عن جهلٍ فهو مُصيبة، وإن كان عن علمٍ فالمُصيبةُ أعظم.
وإنما يَعنِينا في هذه العُجالة هو الاستِخفافُ الذي يقعُ عن علمٍ؛ لأنه وبالٌ على صاحبِه مِن جهتَين:
أُولاهُما: علمُه بأنه مُستخِفٌّ.
وأُخراهما: تعمُّدُ إيقاعُ استِخفافِه بالشيء.
ثم إن المُستخِفَّ لا يعرِفُ قدرَ المسؤوليَّة، وهو أبعَدُ الناس عن حُقوقِ الآخرين، وإنه لم يأتِ الاستِخفاف في مقامِ مدحٍ قطُّ، فهو سجِيَّةٌ بغِيضَةٌ يقبُحُ مَن تدثَّرَ بها.
الاستِخفافُ والاحتِقارُ شرٌّ ومعرَّة تُلازِمان المُستخِفَّ، ما لم ينأَ بنفسِه عنهما؛ لأنهما يُضادَّان مُقتضيَات الأُخُوَّة، والعدل، والوسطيَّة، ومعرفة الحُقوق والواجِبات. إنه الاستِخفاف الذي يُولِّدُ التعيير، والشماتة، والاحتِقار، والاستِهزاء، والإهانة.
لذلك قال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: «المُسلمُ أخُو المُسلم، لا يظلِمُه، ولا يخذُلُه، ولا يحقِرُه، التقوَى ها هنا – ويُشيرُ إلى صدرِه ثلاث مرات -، بحسبِ امرئٍ مِن الشرِّ أن يحقِرَ أخاه المُسلم، كلُّ المُسلم على المُسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعِرضُه»؛ رواه مسلم.
ألا إنه ما استخفَّ بالناسِ أحدٌ عرفَ حقَّ الله وحقَّ الناسِ عليه؛ لأن مَن استخفَّ بك فقد خانَكَ الإنصاف، فاستِخفافُ المرء بالشيء إنما هو استِخفافٌ بصاحبِ الشيء نفسِه.
وإن أخطرَ ما يكونُ الاستِخفاف حينما يتجاوزُ حُدودَ المُمارسة الفردية ليُصبِح ثقافةً يتبارَزُ بها المُستخِفُّون، وسَبقًا مُزرِيًا للمُتهوِّرين به أيُّهم يبلُغُ مِن الاستِخفاف ذروَتَه.
الاستِخفافُ – عباد الله – نتيجةُ شُعورٍ بنقصٍ في صُورة كمالٍ زائِفٍ، فيُدارِي المُستخِفُّ سَوءَة نقصِه بالاستِخفاف بغيرِه، ليُوهِمَ نفسَه والآخرين بكمالٍ مُزوَّر، وتفوُّقٍ على مَن سِواه، ومِثلُ هذا لا يقعُ مِنه الاستِخفافُ بغيرِه إلا إذا استحكَمَت فيه خِفَّةُ العقل والمنطِق.
وإن الناسَ لن يُوقِّرُوا امرءًا مُستخِفًّا، ولن يمدَحُوه، ولن يأنَسُوا قُربَه، فضلًا عن أن يكون عُنصرًا إيجابيًّا في مُجتمعهم ومُحيطِهم، بل على المُستخِفِّ تدورُ الدوائِر، ويرجِعُ ما طارَ مِن فِيهِ ليقعَ يومًا ما على أُذنَيه مِن فَمِ غيرِه.
فعن عاصِمِ بن ضَمرة، عن ابن مسعُودٍ – رضي الله تعالى عنه – قال: “البلاءُ مُوكَّلٌ بالقَول – أي: بالمنطِقِ -، فلو أن رجُلًا عيَّرَ رجُلًا برَضاع كلبةٍ لرضَعَها”.
ألا إنه لا يكثُرُ الاستِخفافُ إلا عندما تغِيبُ أمانةُ القلَم، وأمانةُ اللسان، وأمانةُ الإنصاف؛ ليبقَى المكانُ فارِغًا لحاضِناتِه، وهي: العُجب، والغُرور، واللامُبالاة، فيرضَعُ مِنها حتى يُفطَمَ بالكِبر الذي هو بَطَرُ الحقِّ، وغَمطُ الناس. نعم، الكِبرُ وإن كان صاحِبُه مِن أراذِلِ الناس؛ فإن الكِبرَ ليس حِكرًا على أشرافِ الناسِ وأغنيائِهم، وإنما يَجتالُ كلَّ نفسٍ مُهترِئةٍ وإن كانت مِن أراذِلِ الناسِ وسُوقَتِهم.
فقد ذكرَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – العائِلَ المُستكبِر مِن «الذين لا يُزكِّيهم الله، ولا يُكلِّمُهم، ولا ينظُرُ إليهم يوم القِيامة، ولهم عذابٌ أليم»؛ رواه مسلم.
وقد حذَّر سلَفُنا الصالِحُ مِن الاستِخفاف أيَّما تحذيرٍ، وبيَّنُوا أن مُثلَّثَ الأخلاق يشمَلُ أُمورَ المُروءَات، وأمورَ الدنيا، وأمور الأخرى.
وقد ذكرَ ابنُ المُبارَك وأيوبُ بن القِرِيَّة وغيرُهما أن مَن استخَفَّ بالعُلماء ذهبَت آخرتُه، ومَن استخَفَّ بالسُّلطان ذهبَت دُنياه، ومَن استخَفَّ بإخوانِه ذهبَت مُروءَتُه.
وحاصِلُ الأمر – عباد الله -: أن الاستِخفافَ صِفةٌ مرذُولةٌ تعِيبُ صاحِبَها، فربما أتلَفَت مُروءَتَه، أو دُنياه، أو أُخراه. والمُسلمُ الصادِقُ لا يستخِفُّ بأحدٍ مهما كان وضعُه، فلا يستخِفُّ بنسَبِ أحدٍ، ولا بوظيفتِه، ولا بفَقره، ولا بضعفِه، ولا بصِغرِه، ولا بجَهلِه.
ولا يستخِفُّ كذلكم بترتيبِ الأولويَّات مِن خلال تركِه الأهم، والمُهم، وتقديمِه المُهمَل وما لا فائِدةَ فيه، سواءٌ أكان قولًا أو فِعلًا.
كذلكم لا يستخِفُّ بخَصمِه وعدوِّه؛ فإن ذلك نقصٌ في التفكير، وقِصَرُ نظرٍ في تقديرِ العواقِبِ والمآلات.
وقد صدقَ مَن قال:
لا تحقِرنَّ صغيرًا في مُخاصَمةٍ****إن البَعوضةَ تُدمِي مُقلةَ الأَسَدِ
ألا إن الخُلُقَ أمانة، فأرُوا اللهَ مِن أنفُسِكم حفظَ الأمانات، ولا يغلِبَنَّكم الجهل وظُلم الأنفُس في إهمالِها، والتفريطِ بها، والله – جلَّ شأنُه – يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
———————-
د. سعود الشريم

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*