الجمعة , 20 أبريل 2018
التربية بالحبّ

التربية بالحبّ

أحيَا الإسلامُ معانِي المسؤوليَّة في نفسِ المُسلم، وأعظمُها رِعايةُ الأولاد وتربيتُهم على قِيَم الدين، التي هي منبَعُ الفضائل، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «كلُّكُم راعٍ وكلُّكُم مسؤولٌ عن رعِيَّتِه».
وإذا ضعُفَت التربيةُ أصبَحَ همُّ المُتربِّي سدَّ جَوعتِه، وإشباعَ غريزتِه، والانطِلاقَ وراء الشَّهَوات والملذَّات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: 12].
وأقوَى مُؤثِّرٍ في تربيةِ الإنسانِ هو القلبُ، فإذا صلَحَ صلَحَ سائِرُ الجسَد، وإذا فسَدَ فسَدَ سائِرُ الجسَد، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
وإذا صلَحَ القلبُ وأزهَر نضِجَت العقُول، وأشرَقَت الحياةُ في الجسَد، وخشَعَت الجوارِح، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].
لا شكَّ أن الحُبَّ أصلٌ أصِيلٌ في هَديِ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، وهو حديثُ الرُّوح، ورسالةُ القلبِ إلى القلبِ في التربيةِ والإصلاح.
وقد هيَّأَ الله قُلوبَ الوالدَين على حُبِّ مَن يُربُّونَهم.
يقولُ أُسامةُ بن زيدٍ – رضي الله عنه -: كان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يأخُذُني فيُقعِدُني على فخِذِه، ثم يُقعِدُ الحسنَ والحُسَينَ على فخِذِه الآخر، ثم يضمُّهما، ثم يقول: «اللهم ارحَمهما، فإنِّي أرحَمُهما».
وفي رِوايةٍ: «اللهم إنِّي أُحِبّثهما، فأحِبَّهما».
ومِن مظاهر التربيةِ بالحُبِّ: تقبِيلُ الصِّغار وضمُّهم. قبَّلَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الحسَنَ وعنده الأقرَعُ بن حابِسٍ التميميُّ، فقال الأقرَعُ: إن لِي مِن الولَدِ عشرةً ما قبَّلتُ أحدًا مِنهم، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنه مَن لا يرحَم لا يُرحَم».
وكان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يخطُبُ أصحابَه، إذ جاء الحسَنُ والحُسَينُ يمشِيَان ويعثُران، فنزلَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – مِن المِنبَر، فحملَهما ووضَعَهما بين يدَيه، ثم قال: «صَدَقَ الله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: 15]، نظَرتُ إلى هذَين الصبِيَّين يمشِيَان ويعثُران، فلم أصبِر حتى قطَعتُ حديثِي ورفَعتُهما».
وكان رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يُمازِحِ الصِّغارَ، ويتواضَعُ لهم، ويُراعِي خصائِصَهم. قال لأحدِهم:«يا ذا الأُذنَين»، وقال لآخر: «يا أبا عُمَير! ما فعلَ النُّغَير».
ولا ينسَى الوالِدان أن مِن أجَلِّ مُمارساتِ التربيةِ بالحُبِّ، وأنفَعها تأثيرًا: دوام الدُّعاء للمُتربِّين بالهداية، والتوفيق، والصلاحِ، والحِفظِ، فعِبادُ الرحمن يقولُون: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾[الفرقان: 74].
وزكريَّا يقولُ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5، 6].
وإبراهيمُ يقولُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: 100]، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾[إبراهيم: 40].
أما الدُّعاءُ عليهم فقد ورَدَ النهيُ عنه، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «لا تدعُوا على أنفُسِكم، ولا تدعُوا على أولادِكم، ولا تدعُوا على أموالِكم، لا تُوافِقُوا مِن الله ساعةً يُسألُ فيها عطاءٌ فيستَجيبُ لكم».
القُدوةُ الحسنةُ أساسُ التربية ونُورُ التزكية، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31].
ولا يخفَى أن المُحاكاةَ والقُدوةَ أبلَغُ في التأثيرِ مِن القول والقِراءة، ولأهمية القُدوةِ وخطُورتِها يقولُ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2، 3].
يبقَى الحُبُّ ويتأكَّدُ ويدُومُ حتى في مواقِفِ الزَّلَل والتقصِير، هذا هَديُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، وقد جاءَه رجُلٌ فقال: يا رسولَ الله! هلَكتُ، قال: «ما لَكَ؟»، قال: وقَعتُ على امرأَتي وأنا صائِمٌ، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «هل تجِدُ رقَبَةً تُعتِقُها؟»، قال: لا، قال: «فهل تستطِيعُ أن تصُومَ شهرَين مُتتابِعَين؟»، قال: لا، فقال: «فهل تجِدُ إطعامَ سِتِّين مِسكينًا؟»، قال: لا.
قال: فمكَثَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -، فبَينَا نحنُ على ذلك، أُتِيَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – بعرقٍ فيه تَمرٌ، قال: «أين السَّائِل؟»، فقال: أنا، قال: «خُذ هذا فتصدَّق به»، فقال الرجُلُ: أعلَى أفقَرَ مِنِّي يا رسولَ الله؟! فواللهِ ما بين لابتَيْها أهلُ بيتٍ أفقَرُ مِن أهل بيتِي، فضحِكَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – حتى بدَت أنيابُه، ثم قال: «أطعِمهُ أهلَكَ».
وفي ظِلالِ الحُبِّ لا يستغنِي المُربِّي عن الحِكمة والموعِظة الحسنة، ولِينِ القَول، ورِفقِ الجانِبِ، والبُعد عن العُنف والتجريحِ والإهانة، قال الله تعالى لنبيِّه مُحمدٍ – صلى الله عليه وسلم -: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125].
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفِيقٌ يُحبُّ الرِّفقَ، ويُعطِي على الرِّفقِ ما لا يُعطِي على العُنفِ، وما لا يُعطِي على ما سِواه».
وقال في الأعرابيِّ: «دَعُوهُ وهَرِيقُوا على بَولِه سَجلًا مِن ماءٍ أو ذَنُوبًا مِن ماءٍ؛ فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثُوا مُعسِّرين».
كما أن احتِرامَ المُتربِّي وإظهارَ معانِي الترحِيبِ والحَفاوَةِ هَديٌ نبويٌّ.
قالت عائشةُ – رضي الله عنها -: “أقبَلَت فاطِمةُ تمشِي كأنَّ مِشيَتَها مشيُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فقال النبيُّ – صلى الله عليه وسلم -: «مرحبًا بابنَتِي»، ثم أجلَسَها عن يمينِه أو عن شِمالِه”.
يتفاعَلُ الجسَدُ كلُّه في التربِية بصِدقِ البسمة، وحنانِ اللَّمسَة، ودفءِ الكلِمة، ورحمةِ المشاعِر.
ولا يُفوِّتُ المُربِّي وقتًا يجِدُ القلبَ فيه حاضِرًا إلا غرَسَ فيه القِيَم، دُون استِصغارٍ لعقلِ الصَّغيرِ وقَدرِه.
فعن ابن عبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قال: كُنتُ خلفَ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – يومًا فقال: «يا غُلام! إنِّي أُعلّشمُك كلِماتٍ: احفَظ اللهَ يحفَظكَ، احفَظ الله تجِده تُجاهَك».
تتطلَّبُ التربيةُ بالحُبِّ جوًّا أُسريًّا مُترابِطًا مُتآلِفًا، تشِيعُ فيه رُوحُ الفرَح، ويأخُذُ مِن اللَّهو نصِيبَه في حُدودِ الشَّرع.
تقول عائشةُ – رضي الله عنها -: كُنتُ مع النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – في سفَر، فسابَقتُه فسبَقتُه على رِجلِي، فلمَّا حمَلتُ اللَّحمَ سابَقتُه فسبَقَني، فقال: «هذه بتِلك السَّبقَة».
وعنها – رضي الله عنها – قالت: رأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – يومًا على بابِ حُجرَتي، والحبَشَةُ يلعَبُون في المسجِد، ورسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يستُرُني برِدائِه، أنظُرُ إلى لعِبِهم.
تقتَضِي التربيةُ بالحُبِّ مُراعاةَ العدل في محبَّة الأولاد، فيُوسِّعُ ظِلالَ محبَّته لتعُمَّهم دُون تمييز.
وقد رفَضَ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – أن يشهَدَ على هِبةِ والِدٍ لأحدٍ أبنائِه، وقال له: «لا أشهَدُ على جَورٍ».
التربيةُ بالحُبِّ، وإشباعُ العواطِف، ومُلامَسَةُ المشاعِر هَديٌ نبويٌّ، وحاجةٌ فِطريَّةٌ، وتزدادُ تأكيدًا في تربيةِ البناتِ، وقد قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن يلِي مِن هذه البناتِ شيئًا، فأحسَنَ إليهنَّ، كُنَّ له سِترًا مِن النَّار».
الإحسانُ إلى البناتِ بتعليمهنَّ وتنشِئتهنَّ على العِفَّة، وبُعدهنَّ عما حرَّم الله مِن التبرُّج والسُّفُور.
دَمجُ الأولاد في مناشِطِ جادَّة، ومشارِيع نافِعة، ومِنها: برامِجُ العمل الخيري وغيرها، يرفعُ طُموحَهم، ويحمِيهم مِن الهُبُوط في سفاسِفِ الأمور، والسعيِ وراء التُّرَّهات.
ومِن نواقِضِ التربية بالحُبِّ: تدلِيلُ الأولاد بتلبِية جميعِ طلباتِهم ورغَبَاتهم، وإهمالُ تأديبِهم وتصويبُ أخطائِهم؛ فالحَزمُ أحيانًا مِن الحُبِّ، والإساءةُ للأمِّ على مرأًى ومسمَعٍ مِن الأولادِ يُجفِّفُ منابِعَ الحُبِّ.
أما مُجاهَرةُ الآباء بذنُوبِهم، والانحِرافُ عن شرعِه فإنه يهدِمُ التربيةَ، قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «كفَى بالمرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مَن يَقُوت».
ولقد تطوَّرَت وسائلُ التأثير العصريَّة، وأفرَزَت تغييرات جذريَّة في الأفكار والمفاهِيم والسلوك، حتى غدَت مُنافِسةً لدَور الأُسرة في التربِية.
وهنا تكمُنُ أهميةُ التربيةِ بالحُبِّ والاحتِواء، وبِناءِ جُذور الثِّقة، وتجديدِ الأسالِيبِ، وزَرع القِيَم، واستِنهاضِ هِمَم المُؤسَّسات التعليمية والتربويَّة للقِيام برسالتِها في المُحافظة على أملِ المُستقبَل، وثروة الوطَن، بتحصينِ المبادِئ والأخلاق، والاهتِمام بالشبابِ وآمالهم وآلامهم وهمومهم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
—————————-
د. عبدالباري الثبيتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*