الخميس , 20 سبتمبر 2018
وقفات في التربية

وقفات في التربية

امتِدادُنا في هذه الحياة، وكَسبُنا بعد انقِضاء الأعمار وحُصول الوفاة، وعَونُنا عند الكِبَر والعَجزِ بعد الله هم الذُّريَّةُ والأولاد، ومَن نسَلُوا بعدَهم مِن الأحفاد، وهُمُ هُمُ الذِّكرُ والجاه.
أولادُكم أمانةُ الله في أعناقِكم، ووديعَتُه بين أيدِيكم، وتربيةُ الأولاد والعنايةُ بهم والاستِثمارُ فيهم مِن أعظم التجارات المُربِحة في الدنيا والآخرة، والتي يجِبُ أن يُقدِّمَها العاقِلُ على كل أمورِ الدنيا، بل هي مِن أمور الآخرة.
والتربيةُ تعني: صِناعةَ الإنسان، وهي تحصِيلٌ للمعرِفة، وتورِيثٌ للقِيَم، كما هي توجِيهٌ للتفكير، وتهذيبٌ للسلوك، وتشمَلُ كلَّ مجهودٍ أو نشاطٍ يُؤثِّرُ في قوَّةِ الإنسانِ وتكوينِه.
التربيةُ هي التي تبنِي خُلُقَ الناشِئ على ما يَلِيقُ بالمُجتمع الفاضِل، وتُنمِّي فيه جميعَ الفضائِلِ التي تصُونُه مِن الرَّذائِل.
ومِن أهمية التربية: أنها أصبَحَت استِراتيجيَّةً للدول، تُوضَعُ الميزانيَّاتُ والخُطط والسياسات مِن خلال التربية؛ لتحقيقِ الأهداف التي يُريدُون أن يسيرَ الناسُ عليها، وترى كلُّ أمةٍ أنها مِن سيادتها وخُصوصيَّاتها التي لا تُساوِمُ عليها؛ لأنها حقًّا صِناعةُ الإنسان.
التربيةُ رعايةٌ شاملةٌ لشخصيَّةِ الإنسان، بهدفِ إيجادِ فردٍ مُتوازِنٍ يعبُدُ اللهَ، ويعمُرُ الأرضَ، ويُعِدُّ للآخرة. والذُّريَّةُ الصالِحةُ مِن البَنِين والبنات أُمنِيةُ كلِّ عاقِلٍ، فالولدُ الصالحُ قُرَّة عينٍ لوالدَيه، ومِن دُعاء الصالحين:﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: 74].
الولدُ الصالحُ قُرَّةُ عينٍ، إن حضَرَ سرَّك، وإن غابَ أمِنتَ عليه واطمأنَنتَ له، يدعُو لك في حياتِك وبعد موتِك، وهو مِن عملِك إن كان صالحًا أو غيرَ ذلك.
الولدُ الصالحُ امتِدادٌ للأجر، ورفعٌ للذِّكر، وحسناتٌ دائِمةٌ: «إذا ماتَ ابنُ آدم انقطَعَ عملُه إلا مِن ثَلاثٍ ..»، ومِنها: «.. ولدٌ صالحٌ يدعُو له»؛ رواه مسلم.
والمُسلمُ يُربِّي ولدَه قِيامًا بالواجِبِ الشرعيِّ، وأداءً للأمانةِ التي حمَّلَه الله إيَّاها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «كلُّكُم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعِيَّتِه، الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعِيَّتِه، والرجُلُ راعٍ في أهلِه وهو مسؤولٌ عن رعِيَّتِه، والمرأةُ راعِيةٌ في بيتِ زوجِها ومسؤولةٌ عن رعِيَّتِها .. الحديث»؛ رواه البخاري ومسلم.
فأنت مسؤولٌ. فما هو جوابُك؟! هل نصَحتَ أم قصَّرتَ؟! إنك حين ترَى مشاهِدَ المُنحرِفين، والمُتمرِّدين على الآداب والقِيَم، والشارِدِين عن الصوابِ تتساءَلُ: مَن ربَّى هؤلاء؟! مَن المسؤولُ عن إنتاجِ هذا الجِيل؟! إنها التربيةُ القاصِرة، بل قُل: إهمال التربية.
إن جِيلًا بهذا التدنِّي، مع الانفِلاتِ الأخلاقيِّ، وانعِدام الثوابِت، وغِيابِ الهدف لا يرفعُ أمَّتَه ولا يدفَعُ عنها، بل هو وبالٌ على مُجتمعِه، وعِبءٌ عليه.
لا بُدَّ مِن وقفةٍ جادَّةٍ مع أنفُسِنا وأولادِنا مِن البَنِين والبنات، تجِبُ مُقاومةُ الشُّرور التي تستهدِفُ الجِيل، وتكتسِحُ القِيَم.
في “صحيح مسلم”: أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: «ما مِن عبدٍ يستَرعِيه اللهُ رعِيَّةً يمُوتُ يوم يمُوتُ وهو غاشٌّ لرعِيَّتِه، إلا حرَّم الله عليه الجنَّة».
قال ابنُ القيِّم – رحمه الله -: “وكَم مِمن أشقَى ولدَه وفلَذَة كبدِه في الدنيا والآخرة، بإهمالِه وتركِ تأديبِه، وإعانتِه على شهَواتِه، ويزعُمُ أنه يُكرِمُه وقد أهانَه، وأنه يرحَمُه وقد ظلَمَه. ففاتَه انتِفاعُه بولدِه، وفوَّتَ عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبَرتَ الفسادَ في الأولاد، رأيتَ عامَّتَه مِن قِبَل الآباء”. اهـ.
التربيةُ ليست مُجرَّد توفير الطعام واللِّباسِ والمسكَن، وقد قال الله – عزَّ وجل -: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾[الأنعام: 151]، بل هي تكلِيفٌ بتنشِئتهم على الإيمانِ والعملِ الصالِح، قال الله – عزَّ وجل -: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132].
واتَّقُوا اللهَ فيمَن ولَّاكم الله أمرَهم، أعيدُوا حساباتِكم وترتيبَ أولويَّاتكم، ماذا قدَّمتُم لأولادِكم من التربية والتنشِئةِ الصالِحة؟! هل رسَمتُم لذلك طريقًا؟! ونصَبتُم هدفًا وتابَعتُم تحقيقَه؟!
إن التربية الصالِحة هي التي تُرسِّخُ لدَى المُتلقِّي هويَّتَه الإسلاميَّةَ، وانتِماءَه الصحيح، وتحفَظه أمام التحديَّات الفِكرية بأن يكون أكثرَ وعيًا، ومُقاومةً للانحِرافات التي تُشكِّكُ في الثوابتِ الدينية، والقِيَم النبِيلة المُتأصِّلة في مُجتمعنا المُسلم، ولئلا ينصَهِر الجيلُ ويذُوب، حتى يُصبِح مُجرَّد رقمٍ بين المخلُوقات.
الأفكارُ والأخلاقُ جانِبان مِن جوانبِ النفسِ الإنسانيَّة، قابِلان للضوابِطِ والقيُود، وفي الصِّغر تكونُ سَهلةً مِطواعة، ولدَيها حساسيَّةٌ مُرهفَة قابِلةٌ للتلقِّي، فأخذُها بالحَزمِ والضبطِ يُؤهِّلُها لحياةٍ صالِحةٍ مُستقيمة، ويُمتِّعُها بتوازُنٍ وقُدرةٍ على السَّيطرة على الأمور، والتعامُل مع مُتغيِّرات الحياةِ واضطِراباتِها.
وأخطرُ مرحلةٍ يُمكنُ التعرُّضُ فيها للتأثُّر هي مرحَلةُ التشكُّل، وهي المرحَلةُ المدرسيَّة؛ لقُوَّة العاطِفة والانتِفاع، وقِلَّة العلمِ والتجرِبة. فالسنواتُ الأُولى هي فترةُ التطوُّر الأكثر في حياةِ الفرد، وهي السنواتُ الأكثرُ ضعفًا في حياتِه. فإذا كان الطفلُ مُحاطًا بالرعاية، والتأثيرات الداعِمة والإيجابيَّة، فسوف ينشَأُ ناجِحًا قادِرًا على العطاء.
أولُ طريقٍ لصلاحِ الأولاد: هو دوامُ اللَّجَأ إلى الله بالدُّعاء لهم، الدُّعاءُ للذُّريَّة آياتٌ تُتلَى في القُرآن، وسُنَّةُ خليل الرحمن، ودُعاءُ الأنبِياء والمُرسَلين، وأُمنيةٌ مِن أمانِيِّ الصالِحين.
وإن الرُّكن الأساس للتربية هو القُدوةُ الصالحةُ المُتمثِّلةُ في الأبوَين، ثم ربطُهم بالقُدوات الصالِحة مِن الصحابة والسلَف الكِرام، واختِيارُ الرُّفقة الصالِحة لهم مِن الأصحابِ، والكُتب، وكل مصدرٍ للتلقِّي، وخاصَّةً ما عمَّ في هذا الزمان مِن سُهولةِ التواصُل عبر شبَكةِ المعلُومات، فكلُّ ذلك مِن الرُّفقة المُؤثِّرة.
والأجهزةُ الحديثةُ قد غزَت كلَّ البيُوت، والاحتِرازُ مِنها أصعَب ما يكون، إلا على مَن يسَّرَه الله عليه، وشأنُها شأنُ الجلِيس إما أنه جلِيسٌ صالِحٌ، أو جلِيسُ سُوءٍ، فلا بُدَّ مِن العنايةِ بها وعدم الغَفلَةِ عنها.
ومِن الضروريِّ: عزلُ الأولاد عن القُدوات الفاسِدة، وكذا مُتابعتُهم والسُّؤالُ عنهم. كم يشتَكِي المُعلِّمُون مِن أولادٍ لا يعرِفُ عنهم أولياؤُهم شيئًا؟! ويُلقُون بتَبِعَةِ التربية كلِّها على المدرسة والمُدرِّسين، بينما الأُسرة غائِبة، ودَور الأبَوَين غائِب! والبيتُ أولُ مسؤولٍ عن الضَّلالات الفِكريَّة، والانحِرافات السلُوكيَّة.
على المُربِّين أن يُربُّوا الصِّغارَ على الخير بالتعليم والتفهِيم، والتذكيرِ حتى ينمُو الوازِعُ الداخليُّ الذي يحجُزُهم عن كل شرٍّ ومكرُوهٍ، ويحُثُّهم على فعلِ الخيرات.
ومِن جميل ما رُوِيَ عن أبي بكرِ بن عيَّاشٍ – رحمه الله -، أنه قال لابنِه وهو يُرِيه غُرفةً في البيتِ: “يا بُنَيَّ! إيَّاك أن تعصِي اللهَ فيها؛ فإنِّي قد ختَمتُ القرآنَ فيها ألفَ ختمةٍ”.
إن الوالِدَ لا يستطيعُ أن يُربِّي أولادَه على الفضائِل إلا إذا كان فاضِلًا، ولا يستطيعُ إصلاحَهم إلا إذا كان في نفسِه صالِحًا؛ لأنهم يأخذُون عنه بالقُدوة أكثرَ مما يأخُذُون عنه بالتلقِين، وإن الناشِئَ الصغيرَ مُرهَفُ الحِسِّ، قويُّ الإدراكِ للمعايِبِ والكمالات؛ فإن زيَّنتُم لهم الصِّدقَ فكُونُوا صادِقين، وإن حسَّنتُم لهم الصبرَ فكُونُوا مِن الصَّابِرين.
وياخسارة أهل بيتٍ يكونُ فيه الأبُ قاسِيًا مُتسلِّطًا، أو مشغُولًا لا يعلَمُ عن أهلِه شيئًا؛ فإنه يفقِدُ القُدرةَ في التأثيرِ على أولادِه، ورُبما فرَطُوا مِن يدِه إلى يدِ غيرِه.
خيرُ البِقاع المساجِد، عوِّدُوا أولادَكم الصلاةَ والمُحافظةَ عليها. طهِّرُوا بيوتَكم مِن المُنكَرات، والفِتُوا نظرَ الأولاد لذلك؛ فإن التربية تعليمٌ وتنشِئة، ومَن ألِفَ المُنكرَ تربَّى عليه، وثقُل عليه الحقَّ.
قال ابنُ مسعُودٍ – رضي الله عنه -: “حافِظُوا على أولادِكم في الصلاةِ وعلِّمُوهم الخيرَ؛ فإن الخيرَ عادةٌ”.
اغرِسُوا في وعيِ أولادِكم حُبَّ السُّنَّة، والاقتِداءَ بأهل العلمِ والصلاحِ، والنُّفرةَ مِن الباطِل، والدُّعاءَ للعاصِي بالهِداية، وللمُبتلَى بالعافِية.
حبِّبُوا إليهم القراءةَ وشجِّعُوهم عليها، وأشِيرُوا عليهم بما ينفَع، وجنِّبُوهم مما يضُرُّ كما تُجنِّبُونَهم السُّمُوم، وإن خيرَ ما يقرؤُه الناشِئُ بعد القرآن سِيرةُ الرسولِ – صلى الله عليه وسلم -، وسِيرةُ صحابتِه الكِرام، وتارِيخُ الإسلام وأيامِه العِظام.
بيِّنُوا لهم حاجةَ الأمة إليهم، وإلى النور والعلمِ الذي معهم، وأن عليهم الاجتِهاد للتأهُّل لأَن يكونُوا قادةً وعُلماء، وأئمةَ رحمةٍ وهُدًى.
لا بُدَّ مِن غرسِ المفاهِيمِ العُليَا فيهم، وتكرارِها حتى ترسَخ، كالإيمان بالله واليوم الآخر، والطُّمأنينة المُطلَقَة لما جاء عن الله ورسولِه، ولُزومِ السنَّة ومحبَّتِها، وذِكرِ ثوابِ الأعمال، وتذكُّر الموتِ، الاستِعدادِ للآخرة، والعنايةِ بأحوالِ المُسلمين وكثرةِ الدُّعاء لهم، ولوُلاةِ الأمر بالصلاحِ، ولُزومِ جماعةِ المُسلمين.
ثم إن الواجِبَ تعليمُهم احتِرامَ الكبير، وصِلةَ الأرحام، والشَّفقةَ على المُسلمين، والرحةَ بهم، والتفوُّق في دراستِهم، وإصلاحَ أخطائِهم برِفقٍ.
على الأبِ أن يُشِيدَ أمامَ أولادِ بدَورِ أمِّهم، وعلى الأمِّ كذلك في حقِّ الأبِ، فينشَأُ الأولادُ على البرِّ والوفاء، والحُبِّ والوِئام.
صاحِبُوهم ومازِحُوهم وشجِّعُوهم؛ فكلِماتُ المَدحِ تملِكُ القُلوبَ، وتأسِرُ العُقُول.
قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرادَ الله بأهلِ بيتٍ خيرًا أدخلَ عليهم الرِّفقَ»؛ أخرجه الإمام أحمد في “المسند”.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «إن الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، وما نُزِعَ مِن شيءٍ إلا شانَه»؛ رواه مسلم.
أعوذُ بالله مِن الشيطان الرجيم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].
وأولادُكُم مِن كسبِكم.
والبناتُ ألطَفُ ذُريَّات، وهُنَّ الحَفِيَّات الوفِيَّات، قال – صلى الله عليه وسلم -: «هُنَّ المُؤنِساتُ الغالِياتُ»؛ رواه أحمد.
قال عامِرٌ لابنِ مُعاوية لما خطَبَ إليه ابنتَه: “يا صَعصَعَة! إنك أتَيتَنِي تشتَرِي مِنِّي كبِدِي، وأرحَمَ ولَدِي عِندِي، والحَسِيبُ كُفؤٌ، والزَّوجُ الصالِحُ أبٌ بعد أبٍ”.
تربيةُ البناتِ شرَفٌ للمُسلم، وأُسوةٌ للرسولِ الكريمِ – صلى الله عليه وسلم -؛ إذ كان أبًا لأربعِ بناتٍ، فأدَّبهنَّ وأحسَنَ تربيتهنَّ.
عن أنسِ بن مالِكٍ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن عالَ جارِيتَين حتى تبلُغَا، جاءَ يوم القِيامة أنا وهو – وضمَّ أصابِعَه -»؛ رواه مسلم.
وقال – صلى الله عليه وسلم -: «ما مِن رجُلٍ تُدرِكُ له ابنتَان، فيُحسِنُ إليهما ما صحِبَتاه أو صحِبَهما، إلا أدخَلَتاه الجنَّة»؛ رواه ابن ماجَه.
وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان له ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخوَات، أو ابنتَان أو أُختان، فأحسَنَ صُحبتَهنَّ، واتَّقَى اللهَ فيهنَّ، فله الجنَّة»؛ أخرجه الترمذيُّ.
وفي رِوايةِ جابرٍ – رضي الله عنه -، أن النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: «مَن كان له ثلاثُ بناتٍ يُؤدِّبهنَّ ويرحَمهنَّ ويكفَلهنَّ، وجَبَت له الجنَّة البتَّة». قيل: يا رسولَ الله! فإن كانتا اثنتَين؟ قال: «وإن كانتا اثنتَين»، قال: فرأَى بعضُ القَوم أن لو قال: واحِدةً، لقال: واحِدةً؛ رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ.
وعن عائشةَ – رضي الله عنها – قالت: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ليس أحدٌ مِن أمَّتِي يعُولُ ثلاثَ بناتٍ أو ثلاثَ أخوَاتٍ، فيُحسِنُ إليهنَّ، إلا كُنَّ له سِترًا مِن النَّار»؛ أخرجه الطبرانيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ.
وفي رِوايةِ البخاري: لم يُحدِّد النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عددًا مِن البناتِ، فقال: «مَن ابتُلِيَ مِن هذه البناتِ بشيءٍ، فأحسَنَ إليهنَّ، كُنَّ له سِترًا مِن النَّار».
قال النوويُّ – رحمه الله -: “ومعنى عالَهما: أي: قامَ عليهما بالمُؤنةِ والتربيةِ ونحوِهما”.
وقال ابنُ بازٍ – رحمه الله -: “وهذا يدُلُّ على فضلِ الإحسانِ إلى البناتِ، والقِيامِ بشُؤونِهنَّ؛ رغبةً فيما عند الله – عزَّ وجل -؛ فإن ذلك مِن أسبابِ دخُول الجنَّة، والسلامةِ مِن النَّار، ويُرجَى لمَن عالَ غيرَ البناتِ مِن الأخَوَات، والعمَّاتِ، والخالات، وغيرهنَّ مِن ذوِي الحاجة فأحسَنَ إليهنَّ، أن يحصُلَ له مِن الأجر مثلُ ما ذكَرَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – في حقِّ مَن عالَ ثلاثَ بناتٍ، وفضلُ الله واسِعٌ، ورحمتُه عظيمة.
وهكذا مَن عالَ واحدةً أو اثنتَين مِن البناتِ أو غيرهنَّ فأحسَنَ إليهنَّ، يُرجَى له الأجرُ العظيمُ، والثوابُ الجَزِيل”. اهـ كلامُه – رحمه الله -.
ففي هذه الأحادِيثِ: تأكيدُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – على حقِّ البناتِ على آبائِهنَّ، أو مَن يقُومُ على تربيتهنَّ؛ وذلك لما فيهنَّ مِن الضَّعفِ غالِبًا عن القِيامِ بمصالِحِ أنفُسهنَّ، وليسَت الرِّعايةُ طعامًا ولِباسًا فحسب، بل أدَبًا ورحمةً، وحُسنَ تربيةٍ.
ويتأكَّدُ هذا الواجِبُ إذا عصَفَت الفتن، وكثُرَت صَيحاتُ التشرُّد النفسيِّ، والتفلُّت الأخلاقيِّ.
أيها الآباء:
الأُنثَى جُبِلَت على الرِّقَّة والضَّعفِ، لا تُناسِبُها الشدَّةُ والغِلظةُ، والتي يتعامَلُ بها بعضُ الناسِ مع الذُّكور مِن أبنائِهم. فالأُنثَى هي التي تُنشَّأ في الحِليَة والزِّينة، ولا تملِكُ القُدرةَ على المُجادَلة والخُصُومة، قال الله – عزَّ وجل -: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18].
تغلِبُ العاطِفةُ على الأُنثَى، وتبحَثُ عن الأمانِ، وأولُ ما تنشُدُ العاطِفةَ والأمانَ لدَى أبِيها وأمِّها، فلا بُدّض مِن توفيرِه لها، وإلا تطلَّبَت ذلك خارِجَ البيتِ، فيُخادِعُها الذِّئاب، وتتلقَّفُها الألسُنُ الكاذِبة، والأيدِي المُجرِمة.
فترفَّقُوا ببناتِكم، وأحيطُوهنَّ برعايتِكم – رعاكم الله -، وأحسِنُوا إليهنَّ – أحسنَ الله إليكُم -.
كان النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – يُعظِّمُ شأنَ بناتِه، ويُشعِرهنَّ بوافِرِ حُبِّه ورحمتِه بهنَّ.
قالت عائشةُ – رضي الله عنها -: “ما رأيتُ أحدًا كان أشبَهَ سَمتًا وهَديًا ودَلًّا برسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – مِن فاطِمة، كانت إذا دخَلَت عليه قامَ إليها، فأخَذَ بيدِها وقبَّلَها، وأجلَسَها في مجلِسِه، وكان إذا دخَلَ إليها قامَت إليه فأخَذَت بيدِه، فقبَّلَته، وأجلَسَتْه في مجلِسِها”؛ رواه أبو داود والترمذي.
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: “أقبَلَت فاطِمةُ تمشِي كأنَّ مِشيَتها مشيُ النبيِّ – صلى الله عليه وسلم -، لا تُخطِئُ مِشيَتُها مِشيتَه، فقامَ إليها النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – وقال: «مرحبًا بابنتِي»، ثم أجلَسضها عن يمِينِه أو عن شِمالِه، ثم أسَرَّ إليها .. الحديث”؛ رواه البخاري.
إن مسؤوليَّتَكم – أيها الآباء – عظيمةٌ نحو بناتِكم؛ فهنَّ أمانةٌ بين أيدِيكم. وكَم مِن صالِحةٍ أنشَأَت جِيلًا عظيمًا، كانت نتاجَ تربيةٍ صالِحةٍ! وكَم مِن مُنحرِفةٍ أفسَدَت أُمةً بأسرِها، كانت نتاجًا لإهمال التربيةِ والمُتابعة.
فأحسِنُوا بغَرسِ الفضائلِ في النفوسِ، وتعاهَدُوها حتى تُؤتِي ثِمارَها. عوِّدُوا بناتِكم السِّترَ والحِشمةَ والعفافَ مُنذ الصِّغر. تربيةُ الفتاةِ على الحياءِ يدفَعُ بها إلى المكرُمات، والحياءُ لا يأتِي إلا بخَيرٍ.
والقواعِدُ الشرعيَّةُ تقتَضِي أن أمرَ الفتاةِ بالحِجابِ يكونُ إذا بلَغَت المحِيض، وهكذا سائِرُ الأوامِرِ الشرعيَّة والمناهِي والتكالِيف، ولكن التدرُّج معها قبل بلُوغِها يُسهِّلُ عليها التكالِيفَ، ويُهوِّنُ عليها الطاعاتِ عن البلُوغ، ومَن صدَقَ مع الله عند البلُوغ أعانَه الله، وحقَّقَ مقصُودَه، وأقَرَّ عينَه بصلاحِ ذُريَّته.
—————————
د. صالح آل طالب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*