الأربعاء , 25 أبريل 2018
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » بعد سقوط التنظيم في سوريا والعراق، مقاتلو داعش إلى أين؟
بعد سقوط التنظيم في سوريا والعراق، مقاتلو داعش إلى أين؟

بعد سقوط التنظيم في سوريا والعراق، مقاتلو داعش إلى أين؟

يراود حلمُ زوال داعش جميعَ دول العالم، فهل سيصبح حقيقةً أم أنه مجرد أضغاث أحلام؟
فمنذ ظهور هذا التنظيم على الساحة العالمية وإعلانه إقامة خلافته المزعومة عام 2014، ظلّ يجتذب بعض الأنصار من جميع أنحاء العالم، ومع سيطرته على المزيد من الأراضي في سوريا والعراق، أخذت أعداد المقاتلين الأجانب المنضمين إليه في التزايد حتى وصلت وَفْقَ بعض الإحصائيات إلى 40 ألف مقاتل.
وفي منتصف شهر يونيو من العام 2017، سجّلت السلطات التركية أسماء 53781 شخصًا من 146 دولة، أعربت دولهم الأصلية عن قلقها من مغادرتهم لأوطانهم من أجل الانضمام إلى داعش، مستخدمين تركيا كمَمَرٍّ لهم إلى سوريا، وَفْقًا لإحصائيةٍ نشرها الموقع الإلكتروني لـ “منظمة مشروع كلاريون” المهتمة بمجال حقوق الإنسان ومكافحة التطرف في 26 أكتوبر 2017.
والآن، ومع إعلان العراق على لسان رئيس وزرائها تحريرَ كامل أراضي العراق من عناصر هذا التنظيم المتطرف، ثم إعلان “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة من قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن سيطرتها الكاملة على مدينة الرَّقَّة السورية التي كانت المركز الأقوى والمعقل الأبرز للتنظيم في الأراضي السورية، ثم إعلان روسيا سحبَ قواتها من سوريا لانتهاء العمليات ضد التنظيم هناك، يُطِلّ علينا سؤالٌ منطقي: أين تذهب عناصر داعش؟ خاصّةً وأن قادة الدول المعنيّة بمكافحة تنظيم داعش في العراق وسوريا، يعلنون نهاية هذا التنظيم، إلا أنه في الوقت ذاتِه يشيرون إلى ضرورة تكاتف المجتمع الدولي من أجل مواجهة الخطر الداعشي المتناثر في شتّى بقاع العالم من ذئابه المنفردة، ودعايته المنتشرة في الفضاء الإلكتروني، وخلاياه النائمة، والعائدين إلى بلدانهم الأصلية، وهذا ما يعني بعبارةٍ أخرى: أن الخطر الداعشي ما زال قائمًا على الرغم من دحر التنظيم في أرض خلافته المزعومة.
ومنذ ذلك الحين والمراكز البحثية والمتخصصة في مجال مكافحة التطرف والإرهاب تبحث عن إجابةٍ للسؤال الذي طرحناه عاليًا: أين ذهب الدواعش بعد خروجهم من سوريا والعراق؟ بل تخطّى هذا السؤالُ الباحثين والعاملين في هذا الحقل وتعرّض للإجابة عليه قادةٌ سياسيون، وسنبدأ في السطور التالية بعرض وجهاتِ نظرٍ مختلفة للعديد من القادة السياسيين في الإجابة عن هذا السؤال، كما سنعرض آراء بعض المتخصصين في مجال مكافحة الإرهاب، وذلك على النحو الآتي:
آراء القادة السياسيين:
الرئيس “عبد الفتاح السيسي” في 24 أكتوبر 2017، وبعد أربعة أيام من الهجوم الإرهابي الذي استهدف عناصرَ أمنيّةً في منطقة الواحات، وأسفر عن مقتل 16 شرطيًّا، قال في حديثٍ تلفزيوني: “النجاح الموجود في سوريا والعراق (ضد تنظيم داعش) سيترتب عليه انتقال عناصر التنظيم من هذه الجبهة، في اتجاه ليبيا ومصرَ (الحدود الغربية) و(شبه جزيرة سيناء) وغرب أفريقيا”.
من جانبه، أكد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، الأحد الموافق 10 من ديسمبر2017، أن العملياتِ العسكريةَ ضد تنظيم “داعش” ستستمر في سوريا، في الفترة من “منتصف إلى أواخر فبراير 2018”. مُناقِضًا بذلك الإعلانَ الروسي، الذي صدر يوم الخميس الموافق 7 من ديسمبر 2017، بأن الأراضيَ السورية “تحرّرتْ بالكامل” من قبضة الإرهابيين، وكانت روسيا قد أكدت أن “مهمة الجيش الروسي المتعلقة بدحْر تنظيم داعش الإرهابي المسلّح أُنجزت”.
وصرّح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قائلًا: “خلال عامين تقريبًا، قضت القوات المسلحة الروسية بالتعاون مع الجيش السوري على الإرهابيين الدوليين إلى حَدٍّ كبير؛ وبالتالي اتخذت قرارَ إعادة القسم الأكبر من الوحدات العسكرية الروسية الموجودة في سوريا إلى روسيا.”
ومن جهةٍ أخرى، حذّر وزير الأمن الإيراني “سيد محمود علوي”، خلال مشاركته في ملتقى “الإرهاب والتطرف والأمن الإقليمي غربَ آسيا”، الذي أقيم في مكتب الدراسات السياسية والدولية في وزارة الخارجية الإيرانية، يوم الثلاثاء ١٢ ديسمبر ٢٠١٧م، وَفْقًا لما أوردته وكالة أنباء (إيسنا)؛ من أن “داعش فقَد اليوم السيطرة على الأرض، إلّا أنه لا يزال موجودًا، ولم يُلْقِ السلاح، وأنه يسعى للسيطرة على الأرض في أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى، وأي نقطة أخرى يتمكن من الوصول إليها.”
أمّا وزير الحج والأوقاف الأفغاني، “فيض محمد عثمان”، فقد صرّح بأن أكثرَ من 5 آلاف و 900 داعشيٍّ فرّوا من العراق وسوريا وعلى وَشْك الدخول إلى الأراضي الأفغانية؛ وذلك وَفْقًا لما أورده موقع “أفغان نيوز”، مُعرِبًا عن قلقه إزاء انتقال هؤلاء الإرهابيين إلى الأراضي الأفغانية، داعيًا الأجهزةَ الأمنية إلى اتخاذ الحيطة والحذر، وتَساءل وزير الحج والأوقاف الأفغاني بخصوص خبر انتقال 5 آلاف و 900 داعشيٍّ فرّوا من “الرَّقَّة” شمال سوريا، قائلًا : “أين هم الآن؟ وإلى أين ستكون وِجهتُهم القادمة؟ وتابَع: “لا شَكَّ أن أفغانستان ستكون الهدفَ الأهم بالنسبة لهؤلاء الإرهابيين”.
وفي يوم الثلاثاء الخامس من ديسمبر، وأمام المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، تطرّق الرئيس التركي في حديثه إلى مصرَ، وتحديدًا إلى شبه جزيرة سيناء، وقال نَصًّا: “أريد أنْ أُوَضِّحَ شيئًا؛ إنّ المكان الذي سُحبت إليه مليشيات داعش التي كانت موجودةً في “الرَّقَّة” هو صحراء مصر، وسوف يتمّ توظيفُهم من هناك، وسوف نراقب أعمالهم هناك، فكيف لنا أنْ نبنيَ مستقبلًا مشترَكًا مع حليفٍ يرتكب جميع أنواع الخيانة ضد أمن تركيا”. قاصدًا بذلك الولاياتِ المتحدةَ.
وكذلك الرئيس الأفغاني السابق، “حامد قرضاي”، صرّح قبل فترةٍ بأن الوجود الداعشيَّ في بلاده جزءٌ من مشروعٍ أمريكي، وأضاف: أن أعضاء داعش يُجلَبُون من الخارج إلى “أفغانستان” بدعمٍ من الولايات المتحدة الأمريكية؛ وذلك لتنفيذ أهدافٍ مُحَدَّدةٍ لها.
ولا شَكَّ أنّ هذه تصريحاتٌ لسياسيين، وهى تحتاج إلى تحليل المناسبة والزمان التي قيلت فيها، لكن ما يعنينا هنا؛ هو أن النقاش والسجال دائرٌ على أعلى المستويات حول الأهداف القادمة لتنظيم داعش في الفترة المقبلة بعد تحرير سوريا والعراق من قبضته.
رؤية المرصد:
وأمام هذا الواقع، يرى “مرصد الأزهر”؛ أنه لم يَعُدْ أمام داعش بعد دحره في سوريا والعراق سوى ثلاثة خيارات:
الأول: اللجوء إلى مناطقَ ودولٍ يوجد له فيها موطئُ قَدَمٍ؛ مثل: سيناء أو ليبيا أو الحدود العراقية…
الخيار الثاني الذي قد يلجأ التنظيم إليه، بحسب خبراء: القيام بعملياتٍ إرهابية في أوروبا، ينقل خلالها المعركةَ من الشرق إلى الغرب.
الخيار الثالث: الانتقال إلى حرب العصابات والذوبان في الصحراء، وهو أمرٌ له فيه خبرةٌ في العراق؛ ولكن ممّا لا شَكَّ فيه أنّ مقاتلِي التنظيم بدءوا – بعد التحرير الكامل لمعاقلهم – في الفرار من العراق وسوريا إلى دولٍ أخرى، يرى فيها قادةُ التنظيم أرضًا خِصْبةً لإنشاء معاقلَ جديدةٍ له، فأيٌّ من هذه الدول سيَحُطّ تنظيم داعش رِحالَه فيها؟
الآراء السابقة للقادة السياسيين تقول: إن وِجهة التنظيم بعد دحره في سوريا والعراق هي: “ليبيا، غرب أفريقيا، سيناء، أفغانستان، باكستان، آسيا الوسطى”، وهي آراءٌ لها ما يؤيّدها على أرض الواقع؛
فعلى سبيل المثال:
أفغانستان تُمثِّل مُناخًا مناسبًا لتنظيم داعش، إذ تتشابه مع العراق وسوريا، حيث توجد أقليةٌ شيعيةٌ ممّا يُمَكِّن تنظيمَ داعش من اللعب على وَتَر الطائفية، وهذا بالفعل ما حدث، وتَوَجّه عددٌ كبير من الدواعش إلى أفغانستان بعد هزيمتهم في سوريا والعراق.
ولقد ذكرتْ صحيفة “تايم ترك” التركية؛ أن السيد “زامير قابولوف”، مُمثِّل روسيا في “أفغانستان” قال في تصريحٍ له: إن روسيا كانتْ من أوائل الدول التي حذّرتْ من ارتفاع عدد الدواعش في “أفغانستان”، وإن قوة التنظيم قد ازدادت هناك في الفترة الأخيرة، وتجاوز عددهم عشرةَ آلاف، وهذا العدد في زيادةٍ مستمرة مع تَدَفُّق مقاتلِين جُدُدٍ من سوريا والعراق بعد هزيمة التنظيم هناك.
ويؤيد هذا أيضًا ما أوردته وكالة أنباء “خاورميانه”، من أن أعداد المقاتلين الأجانب التابعِين لتنظيم “داعش” في ازديادٍ في الوقت الراهن، خاصّةً في مدينة “درزاب” بولاية “جوزجان” شمال أفغانستان؛ حيث صرّح مسئولون محليون في “درزاب”؛ بأن أعداد مقاتلي “داعش” في المدينة تزداد يومًا بعد يوم.
وأشار “باز محمـد”، رئيس مدينة “درزاب”، في حوارٍ له مع “خاورميانه”؛ إلى أن أعداد مقاتلي “داعش” الأجانب في المدينة المذكورة حتّى الآنَ وصَلَ إلى ألفٍ و 250 مقاتلًا تقريبًا، مُبَيِّنًا أنّ هؤلاءِ الأجانبَ يحملون الجنسياتِ :
1- التركمانية
2-الشيشانية.
3-الطاجيكية.
4-الأوزبكية.
5-الباكستانية.
6-الجزائرية
7-الفرنسية”.
وأضاف “باز محـمد”: أن أكثر هؤلاء المقاتلين يتحدثون اللغة العربية، الأمر الذي يشير إلى أنه من المحتمل أن يكونوا ضمن أعضاء التنظيم الفارِّين من سوريا والعراق بعد إخفاق التنظيم هناك.
كما أكّد “باز محمد”، في تصريحٍ آخَرَ؛ أن هناك عددًا من الرعايا الفرنسيين والجزائريين وصلوا منتصف شهر نوفمبر إلى منطقة “درزاب”، مضيفًا: أن هذه المجموعة يرافقها عددٌ من النساء، ويتنقّلون بصحبةِ مترجمٍ من طاجيكستان.
وأشار إلى أنه من بين هؤلاء الأجانب “أربعةٌ يتكلّمون الفرنسية والعربية، من بينهم امرأتان”، بالإضافة إلى: “سبعة أو ثمانية مقاتلين جزائريين يتحدثون العربية فقط، بالإضافة إلى: مقاتلين من الشيشان والأوزبك والطاجيك”، بعضهم قد أمضى بعض الوقت في سوريا والعراق…
وهذه هي المرة الأولى التي يؤكّد فيها شهودُ عِيانٍ ومسئولون من “كابول” وجودَ مقاتلين فرنسيين –أو على الأقل من الفرانكوفونيين؛ لأنهم يتحدثون الفرنسية– في صفوف تنظيم داعش في أفغانستان.
أفريقيا:
من الجهات المحتمَل بقوّةٍ تَوَجُّه الدواعش إليها، وقد ورد على أكثرَ من موقعٍ نزوحُ بعض المقاتلين الأفارقة الذين كانوا يقاتلون في صفوف داعش في الشرق الأوسط إلى موطنهم.
وقد نقلتْ أكثرُ من وكالةِ أنباءٍ هذا الخبر، ولقد حذّر مفوّض السلم والأمن في الاتحاد الأفريقي، “إسماعيل شرقي”؛ من أن حوالَي ستة آلاف أفريقي قاتلوا في صفوف داعش، ويمكن أن يعودوا إلى القارة السمراء، داعيًا الدول الأفريقية إلى الاستعداد “بقوّةٍ” للتعامل مع عودتهم، مشيرًا إلى أنّ هناك تقاريرَ تفيد بوجود 6000 مقاتلٍ أفريقيٍّ ضمن 30000 انضموا إلى هذا التنظيم الإرهابي في الشرق الأوسط، الأمر الذي يثير مخاوفَ من أن يتكرر مثلُ ما حدث في الجزائر من عودة مقاتلين من أفغانستان وإنشاء جماعاتٍ مستقلة، والتي حصدتْ عشراتِ الآلاف من أرواح الأبرياء.
ويرى “مرصد الأزهر”؛ أن “عودة هذه العناصر إلى أفريقيا وبالأخَصّ في منطقة الساحل والصحراء، يُمثِّل خطورةً على القارة الأفريقية، وعلى أمن واستقرار المواطنين بشكلٍ عامّ، الأمر الذي يتطلّب بذلَ جهودٍ كبيرة، وتعاوُنًا بين الدول الأفريقية على المستويين المحلي والعالمي، وتبادُلَ المعلومات الكافية بشأن هؤلاء المسلحين، ولا بُدَّ ألّا يكونَ هناك أيُّ نوعٍ من أنواع التراخي؛ حتى لا يتسنّى لهؤلاء المقاتلين أن يَبُثّوا سمومَهم في شرايين القارة السمراء، وبالتالي سيكون هناك بروزٌ لخطرٍ إرهابيٍّ في دولٍ أخرى لا تشهد عنفًا ولا إرهابًا؛ ممّا يُنذِر بعواقبَ وخيمةٍ.
أمّا في سيناء؛ فعلى الرغم من أن الجيش المصري يعلن عن دحره للإرهاب، لا سيّما في سيناء، إلّا أننا نلاحظ من وقتٍ لآخَرَ وقوعَ بعض العمليات الإرهابية التي تتغير في شكلها التكتيكي وأبعادها الاستراتيجية.
الأمر الذي يشير إلى حقيقةِ وجودِ تنظيم داعش في مصرَ، متّخذًا من الجيش المصري والشرطة والأقباط والجماعات الصوفية أهدافًا استراتيجيّةً له.
الجديرُ بالذكر؛ أنّ تنظيم داعش أكّد بالفعل في العديد من إصداراته المرئية، أنه سيستهدف أفراد الشرطة والجيش المصري، والأقباط، والصوفيين، ورموزَ الدين الإسلامي الذين تمّ وصْفُهم بعلماءِ الشر…
وبالرغم من ذلك لا يزال تنظيم داعش فاشلًا في تحويل مصرَ إلى بؤرةِ صراعٍ وانقسام؛ وذلك بفضل رجال الجيش والشرطة البواسل، الذين يواجهونه بكل شجاعة، ويُقدِّمون شهداءَ في هذا السبيل، ومِن ثَمّ يلعب التنظيم على وَتَر الطائفية؛ ليُسَهِّلَ بذلك عملياتِ تجنيد المحليين وإيجاد مواقعِ سيطرةٍ له في الداخل، على غِرار ما حدث في عددٍ من دول المنطقة، ويتصدّى له في هذه النقطة مؤسسةُ الأزهر الشريف بكلِّ قوّةٍ؛ من خلال نشر الوعي بين المواطنين، وتفنيد الحُجَج والفتاوى الشاذة التي يعتمد عليها التنظيم في إغواء الشباب واستقطابهم إلى صفوفه، ويقوم الأزهر بهذا الدور ليس في مصرَ فقط، بل في العالَم أجمعَ؛ من خلال “مرصد الأزهر” الذي يُقاوِم الفكرَ المتطرف بإحدى عشرةَ لغةً.
أمّا في ليبيا؛ فنظرًا لغياب الدولة الليبية، والانقسامات التي تعيشها منذ سقوط نظام “معمر القذافي”، فالأسباب تسمح لأيِّ تنظيمٍ إرهابي بالاستقرار في هذه الدولة دون مقاومةٍ حقيقية؛ لذلك يسعى تنظيم داعش إلى الاستقرار فيها، ولكن ليبيا لا تتوافر فيها بعض الظروف التي تساعد التنظيمَ على تحقيقِ مكاسبَ سريعةٍ على أرض الواقع؛ حيث لا يوجد بها اختلافاتٌ مذهبية حادّة، أو عدوٌّ مشترَك يمكن حشد الدعم ضده، ولذلك يسعى التنظيم في ليبيا إلى التعجيل بانهيار الدولة وتقويض مشاعر القومية المشترَكة لدى الليبيين؛ ولذلك يعمل تنظيم داعش على تعزيز الظروف التي من شأنها أن تتيح له ترسيخ نفوذه.
ومن أهم الأسباب التي دفعتْ تنظيمَ داعش، لاختيار ليبيا كمعقلٍ له، هو الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمعظم جيرانها، ما قد تجعلهم هدفًا سهلًا للتنظيم، بالإضافة إلى موقع ليبيا الجيوسياسي، حيث تقع على حافَة منطقة الساحل، ممّا يسمح لتنظيم داعش بالتوسُّع نحو غرب أفريقيا، ومحاولة التحالف مع “بوكو حرام” التي تنشر الرعب في نيجيريا، وفي منطقة بحيرة تشاد، جنوب النيجر وشمال الكاميرون.
وقد أعلن التنظيم قبل ذلك أن له في ليبيا ثلاثَ ولاياتٍ في كلٍّ من: “طربلس، وبرقة، وفزان”، ومن ثَمّ جعَل التنظيم من ليبيا في الفترة من 2015-2016 قلعةً له في شمال أفريقيا، واستولى على مدينة (سرت) في 2015م، وصرّح البنتاجون في 2016م أن عدد مقاتلي تنظيم داعش في ليبيا في حدود 6500 مقاتل، ومن أهم مميزات ليبيا بالنسبة للتنظيم امتلاكُها ثروةً نفطية هائلة توفّر لهم -حال السيطرة عليها- مواردَ ماليّةً ضخمة، وإذا كانت ليبيا قد نجحت في دحر التنظيم في “سرت”، إلّا أنه ما زال له خلايا في الصحراء.
أمّا في باكستان؛ فهي الأخرى من أهداف داعش، وقد ذكرتْ جريدة “تايم ترك” التركية أن التطوراتِ الأخيرةَ تشير إلى أن الهدف الجديد لمقاتلي داعش القابعين في أفغانستان هو مشروع الصين، والمعروف بـ “طريق الحرير الجديد”، الذي يُرى كأكبرِ خَطِّ مواصلاتٍ وأكبرِ مشروعٍ تجاري في العالم، سوف يربط الصينَ بتركيا وأوروبا وجمهوريات آسيا الوسطى وأفغانستان وباكستان ودولٍ أخرى.
ووِجهة النظر هذه ربما تكون الأقربَ للحقيقة، لا سيّما وأننا إذا نظرنا إلى استراتيجية الصين في إعادتها لبناء طريق الحرير الجديد؛ لوجدناها تقع ضمن إستراتيجية تنظيم داعش التوسعية بعد هزيمته في كلٍّ من سوريا والعراق.
فعلى سبيل المثال:
استراتيجية الصين في باكستان الخاصّة بالمشروع قائمةٌ على إنشاء الطريق التجاري من مدينة «كاشغر» غرب الصين، الذي سيمتد حتى ميناء «غوادار» جنوب باكستان على بحر العرب، في إقليم “بلوشستان” القريب من الحدود الإيرانية – الباكستانية، على أن يلتف بعدها إلى «شنجيانغ» الصينية، وهذا سيحقق للصين منفذًا إلى المحيط الهندي والشرق الأوسط، وسيربط المدن الباكستانية بعضَها ببعض.
لكن إذا كانت “بلوشستان” الباكستانية دخلت ضمن مشروع الصين في عام 2015م، فإنها أيضًا دخلتْ ضمن مشروع “داعش” عام 2016، حيث استغل التنظيم الأزمةَ التاريخية القديمة والصراع الدائر هناك، وقام بتنفيذ العديد من العمليات الإرهابية ضد الشرطة والمدنيين، آخِرها كان الهجوم على إحدى الكنائس في مدينة “كويتا” عاصمة “بلوشستان”، وراح ضحيته العشرات.
الأمر ذاته مع “بنجلادش”، و”ميانمار”، واللذان يقعان ضمن الممرات البرية الستة التي تُشَكِّل طريقَ الحرير البَرّي، وهذا المَمَرّ يمتد من جنوب الصين إلى الهند، وإذا كان عام 2016م هو العام الذي شهد انضمام “بنجلادش” إلى المشروع الصيني، فإنه أيضًا العام نفسه الذي شهد إعلان داعش بداية الجهاد في أرض “البنغال”، وبالفعل أعلن داعش عن مسئوليته عن عدّة عملياتٍ إرهابية حدثت في بنجلادش، كذلك أيضًا حذّر الكثير من الكُتّاب والمتخصّصين في مكافحة التطرف والسياسيين؛ من أن أحداث العنف غير العادية والإبادة الجماعية والتطهير العِرْقي ضد مسلمي “الروهينجا” في إقليم “أراكان”، تُشَكِّل مُناخًا مساعِدًا ومهيّئًا لظهور تنظيم “داعش” وغيرِه من الجماعات المتطرفة في البلاد.
الفلبين وإندونيسيا
ويضيف “مرصد الأزهر” إلى هذه الدول التي ذكرها القادة السياسيون دولتَي “الفلبين وإندونيسيا”؛ حيث يسعى تنظيم داعش إلى وضع أقدامه في جنوب شرق آسيا، لا سيّما في الفلبين.
ولقد شارَك في الفترة الماضية نحو 40 مقاتلًا من مقاتلي داعش، جاءوا في الفترة الأخيرة من مناطق النزاع في الشرق الأوسط، إلى جانب مؤيّدي تنظيم داعش، في عملياتِ قتالٍ ضد قوات الأمن الفلبيني، واجتاحوا مدينة “ماراوي” في جزيرة “مينداناو”، حيث تعاني هذه الجزيرة من انتشار العصابات والمتمردين المحليين والحركات الانفصالية؛ وذلك بسبب الفقر وغياب القانون، والحدودِ غيرِ المُحْكَمَة لجزيرة “مينداناو” التي تقطنها أغلبيةٌ مسلمة.
ومن الجدير بالذكر؛ أن حركة “أبو سيّاف” بَثّتْ في عام 2014م، على شبكات التواصل الاجتماعي، فيديو تعلن فيه مبايعتها لتنظيم داعش، كما اجتذبت هذه الحركةُ العديدَ من المقاتلين الأجانب من جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا…
ومن جانبها، أعلنت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، أنها تبرّعت بمئات الرشّاشات والبنادق الهجومية وقاذفات القنابل للجيش الفلبيني؛ كجزءٍ من برنامج المساعدات الأمريكية لمكافحة الإرهاب.
وقالت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بيانٍ لها: “إن هذه المعدّاتِ سوف تُعزِّز من قدرات القوات الفلبينية في مكافحة الإرهاب، في جنوب الفلبين”.
أمّا إندونيسيا؛ فيسعى تنظيم داعش، بعد العراق وسوريا وليبيا، إلى إنشاء ذراعٍ آسيوية؛ لبَسْط خلافته المزعومة في إندونيسيا، متمسِّكًا في ذلك بشعار: “تنظيم داعش باقٍ ومتمدِّد”، حيث إن التفجيراتِ التي ضربت “جاكرتا”، والتي نُسبت إلى تنظيم داعش، وأسفرت عن مقتل سبعة أشخاص، يوم الخميس 14 من يناير 2016م، تُثبِت وجودَ تنظيم داعش في المنطقة، فمنذ عدّة أشهرٍ يعمل تنظيم داعش على تجنيد مقاتلين جُدُد في جنوب شرق آسيا.
كما ذَكر الموقع الفلبيني”Rappler”، أن “اثنتين وعشرين جماعةً في جنوب شرق آسيا، قد أعلنوا الولاءَ لأبي بكر البغدادي، وأعربوا عن دعمهم لتنظيم داعش”.
ومن جانبه، أعلن تنظيم داعش عن رغبته في إنشاء ولايةٍ للتنظيم في منطقة جنوب شرق آسيا، ووَفْقًا لموقع”Rappler”، في صيف 2015م، فإن هناك أكثرَ من 500 إندونيسيٍّ، من بينهم نساءٌ وأطفال قد انضموا لصفوف تنظيم داعش، بالإضافة إلى أكثرَ من 50 شخصًا من ماليزيا؛ “فهناك ما يكفي من المقاتلين الإندونيسيين والماليزيين لتشكيل وحدة “كتيبة نوسانترا”.
كما أشار الموقع إلى أن الزعيم الروحي الإندونيسي للجماعة الإسلامية، “أبا بكر بشير”، “الذي يُمثِّل الجناحَ المُسَلَّح لتنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا، في الفترة من نهاية التسعينيات حتى منتصف الألفيّة الثانية، قد أعلن ولاءه لتنظيم داعش في العام الماضي.
الخيار الثاني الذي قد يلجأ التنظيم إليه، بحسب خبراء: هو القيام بعملياتٍ إرهابية في أوروبا، ينقل خلالها المعركة من الشرق إلى الغرب، وهذا يعتمد على ما يُعرف باسم: “العائدون من داعش”.
هذا المصطلح الذي شهِد تغيُّرًا كبيرًا بعد هزيمة التنظيم في سوريا والعراق، فقبل الهزيمة كان المصطلح يُطلق على بعض المنضمين إلى داعش ممّن خُدعوا بدعايته وإظهاره المِثاليّةَ، واكتشفوا بعد الانضمام إلى التنظيم أن الأوضاع على أرض الواقع تختلف اختلافًا جذريًّا عن تلك الدعاية، ومن ثَمّ قرّروا ترك التنظيم والعودة إلى بلادهم.
أمّا بعد هزيمة التنظيم في سوريا والعراق فقد أصبح مصطلح “العائدون من داعش” يحمل معنى مغايِرًا تمامًا، حيث لا يُعرف ما إذا كان هؤلاء العائدون لا يزالون يحملون فكر التنظيم أم لا، بل أصبح هؤلاء العائدون من داعش يُمثِّلون تحدّيًا كبيرًا للدول التي يعودون إليها، حيث يتبنّى التنظيمُ فكرة عمليات “الذئاب المنفردة”، التي يمكن أن يقومَ بها شخصٌ واحد، ويُحْدِثَ آثارًا كبيرة مدمِّرة.
وفي هذا السياق، نقلتْ صحيفة “نيوزويك” وموقع “إي يو إوبزرفر” خبرًا مُفاده؛ أن مفوّض الاتحاد الأوروبي “جوليان كينج” أعرب عن بالغ قلقه قائلًا: “أتوقّع نزوحَ عددٍ قليلٍ من مناطق الصراع إلى أوروبا، إلّا أنّ هذا العدد القليل من العناصر المتطرفة سيُمثِّل خطرًا داهمًا يجب التصدّي له بكلِّ حزمٍ وحسم”.
وبالفعل يُمثِّل العائدون من داعش خوفًا شديدًا لدى حكومات الدول الغربية، ففي ألمانيا قدّرت السلطات الألمانية عددَ مَن ارتحلوا من ألمانيا في السنوات الأخيرة الماضية وانضمّ إلى تنظيم داعش بما يقارب 940 شخصًا، قُتل من بين هذا العدد حوالَي 145 شخصًا، في حين بلغ عددُ مَن عادوا إلى ألمانيا مرّةً أخرى حوالَي 250 شخصًا، ولكن ماذا عن المتبقّين؟
هذا ما يشغل السلطاتِ الألمانيةَ التي في بادئ الأمر توقّعتْ أن تحدثَ موجةُ رجوعٍ وعودة للمقاتلين الألمان في تنظيم داعش، حال هزيمة التنظيم بالعراق ومدن الشمال السوري، ولكن هذا لم يحدث ولم يتكشّفْ أمرُ أحدٍ من البقية سوى النساء الأَرْبَعِ اللاتي أُلقيَ القبضُ عليهن من قِبَل السلطات العراقية في مدينة الموصل، ومن بينهن الفتاةُ الساكسونية المشهورة “لينداف”، والبالغة من العمر 17 عامًا.
وتبقى المُعْضِلَةُ التي تُحيِّر السلطاتِ الألمانيةَ؛ وهي: أين هم بقية المقاتلين الألمان في صفوف تنظيم داعش؟ لا يوجد دليلٌ على مقتلهم، فالتنظيم كان يعلن مسبقًا عند مقتل أحد مقاتليه أو يخبر أهله أو أصدقاءه في ألمانيا بذلك، ولكن هذا لا يحدث الآنَ، ممّا يجعل مهمة البحث عن هؤلاء الألمان تبدو طويلة.
وقد صرّح وزير داخلية بافاريا “يواخيم هيرمان”؛ أنه على الأجهزة الأمنية أن تكونَ على أَتَمّ استعدادٍ لاعتقال مقاتلِي داعش في أيِّ وقتٍ، ليس فقط في ألمانيا ولكن على المستوى الأوروبي، لأنه يمكن لمقاتلي تنظيم داعش دخول ألمانيا عَبْرَ بلدانٍ أوروبية مختلفة، ولا بُدَّ من رصْد الحالة في مناطق الحرب عن كَثَب.
القلق ذاته من العائدين من داعش موجودٌ عند السلطات الفرنسية؛ فوزير الخارجية الفرنسي “جان-إيف لودريان”، قد تحدّث في وقتٍ سابق عن وجود حوالَي 500 فرنسيٍّ في صفوف التنظيم في سوريا والعراق، ووصَف عودتهم إلى فرنسا بالأمر بالغِ الصعوبة، وأنهم “سوف يقعون في الأسر أو يتبعثرون في أماكنَ أخرى”، واعتبر “لودريان” أنّ تراجُع تنظيم “داعش” في سوريا تمّ بفضل ما قام به التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة و”نظام دمشق مدعومًا من روسيا، ولكن هذا فقط في النهاية”.
وصرّح “لودريان” لقناة “بي إف إم تي في” الإخبارية الفرنسية؛ أن عودة هؤلاء إلى فرنسا بوسائلهم الخاصّة أمرٌ بالغُ الصعوبة، دون مزيدٍ من التوضيح.
أمّا وزير الداخلية “جان جامبو”، فصرّح أن فرنسا لن تتفاوض مع الإرهابيين الفرنسيين الذين يريدون العودة إلى الأراضي الفرنسية، متّخذًا بذلك نَهْجَ رئيس وزراء بلجيكا نفسَه، شارل ميشيل، وصرّح “جان جامبو”؛ أن “هؤلاء الأشخاص عارَضوا بعنفٍ أُسس مجتمعنا، وإذا كانوا في الوقت الراهن بدون مواردَ، فهل يجب علينا التفاوض معهم لإعادتهم إلى مجتمعنا؟
من المؤكد أننا سنحترم قواعد القانون الدولي، ولكن التفاوض معهم من أجل العودة المحتملة إلى البلاد، ليس في الحسبان”، مضيفًا: “أن احتمال تعرُّضهم لخطر عقوبة الإعدام في العراق لا يُغيِّر من الأمر شيئًا، فلقد اختاروا أسلوب حياتهم، فلا بُدَّ وأن يتحمّلوا عواقب اختياراتهم”، ولم يستبعد “جان جامبو” إرسال لجانٍ قضائية لاستجواب هؤلاء المقاتلين الفرنسيين هناك، مضيفًا: “لقد تمّت دراسة وضْع النساء والأطفال الذين يريدون العودة إلى بلجيكا، كلّ حالةٍ على حِدَة”…
ولقد أشار مصدرٌ رسميٌّ فرنسي إلى أنه من بين 1700 فرنسيٍّ توجّهوا إلى سوريا والعراق منذ عام 2013، قُتل نحو 400 إلى 450 فرنسيًّا، وعاد إلى الأراضي الفرنسية نحو 250 فرنسيًّا، ومن جانبه يرى “بروس هوفمان” الباحث والخبير في شئون الإرهاب بجامعة “جورج تاون”، خلال مشاركته في مؤتمرٍ بواشنطن: أنه “على الرغم من مقتل الكثير من المقاتلين الأجانب في صفوف داعش، إلّا أن الآلاف نَجَوْا وتمكّنوا من مغادرة سوريا، فاليوم، من المؤكّد أن بعضهم أصبح بالتأكيد في منطقة البلقان، حيث يمكثون بعيدًا عن الأضواء للعثور على فرصةٍ للتسلُّل إلى أوروبا”.
المقاتلون العائدون
ويرى “مرصد الأزهر”؛ أن تَعامُل كلِّ دولةٍ مع المقاتلين العائدين إليها سيُحدِّد إلى أيّ مدى يمكن أنْ يُشَكِّلَ هؤلاء العائدون خطرًا على الدولة، أو عاملًا إضافيًّا يُسهِم في تعزيز فهم الدولة المعنية لفكر هذه الجماعات وكيفية محاربته، ومن ثَمّ فمن المؤكد أنه كلّما امتلكت الدولة برامجَ متقدِّمةً لتأهيل هؤلاء العائدين وتيسير إعادة دمجهم في مجتمعاتهم؛ عَظُمت الاستفادة منهم، وقَلّ ما يُمثِّلونه من خطورة.
الاحتمال الثالث: الانتقال إلى حرب العصابات والذوبان في الصحراء، وهو أمرٌ للتنظيم فيه خبرةٌ في العراق، لكن هذا الأمر سيلجأ إليه فقط مَن لم يستطيعوا من الدواعش العودةَ إلى بلادهم أو الانضمامَ إلى التنظيم في الدول التي ذكرناها عاليًا؛ لذلك يبقى هذا الاحتمال هو أضعف الاحتمالات الثلاثة التي قمنا بسردها وتحليلها في هذا التقرير.
وأخيرًا، نقول: إن هذه التوقُّعاتِ والسيناريوهات تخضع جميعُها للكثير من العوامل التي قد تجعل من بعضها خياراتٍ صعبةَ التحقُّقِ على أرض الواقع، كما أن تعزيز الجهود الدولية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف وتعاون الدول استخباراتيًّا وعسكريًّا، لا بُدَّ وأنْ يَحولَ دون ظهور مثل هذه التنظيمات في أماكنَ جديدةٍ، أو على الأقل يَحُدّ من هذا الأمر.
ومن المؤكد أن إعلان القضاء على داعش ليس نهاية المطاف، ولكنه قد يكون أمرًا مُبَشِّرًا بأنّ تكاتف الجهود الدولية يؤدّي إلى تحقيق نتائجَ ملموسةٍ في سياق القضاء على التطرف، بَيْدَ أنه مع حَصْر هذه الجهود المشتركة في مناطقَ دون أخرى، تظلّ المشكلة قائمة؛ حيث يتسنّى لعناصرِ هذه الجماعات المتطرفة التحوُّل من منطقةٍ إلى أخرى، وعندئذٍ لا يعدو الأمرُ سوى أننا نقضي عليهم في جهةٍ، لنسمحَ لهم أنْ يُطِلّوا برأسهم من جهةٍ أخرى.
كذلك يجب إنهاء الصراعات الداخلية داخل بعض الدول وخلْق مُناخِ استقرارٍ قائم على تغليب أُسس المواطنة والحرية والمساواة بين جميع أبناء الشعب الواحد، وكذلك يجب على جميع حكومات الدول الفقيرة أن تسعى بكل جهدها وبمساعدة العالم المتمدّن إلى حلّ أزماتها الاقتصادية، وخصوصًا مشكلة البطالة التي تُستغلّ كثيرًا في استقطاب الشباب، وكذلك يجب الاهتمام بقضية التعليم ورفع الوعي لدى المواطنين وخصوصًا الوعي الديني، فقد أثبتت الكثير من الدراسات أن الشباب المتديّن بحقٍّ والواعيَ جيّدًا لتعاليم دينه أقلُّ عُرْضَةً للاستقطاب من الشباب غير الواعي لتعاليم دينه ومبادئه السمحة.
باختصارٍ؛ يجب على كلّ دولةٍ في العالم أن تسعى لتجفيف منابع العنف والإرهاب بداخلها، وأن تُغلِقَ جميع الطرق التي يمكن أن تتسلل منها التنظيمات الإرهابية إلى عقول الشباب، وكذلك من المهم للغاية القضاء على أيديولوجيات هذه الجماعات وأفكارها المتشددة، بحيث نُحَصِّن الشبابَ من الوقوع في بَراثنها، بل وحمْلهم على الوقوف صفًّا واحدًا في مواجهتها.
وقد قطَع “مرصد الأزهر لمكافحة التطرف” شوطًا كبيرًا في تفنيد مغالطات هذه الجماعات وشبهاتها وأباطيلها، وهدْم أيدلوجياتها من خلال بيان مناقضتها الواضحة لمقاصد الإسلام ومبادئه العُليا، كما أطلَق “المرصد” العديدَ من الحملات التوعوية التي تهدِف إلى تحصين الشباب من الوقوع في بَراثن تلك الجماعات أو التعرُّض لخطر الاستقطاب، وما تزال جهود الأزهر الشريف، بصفته أَعْرَقَ مؤسسةٍ إسلامية سُنّيَّة، مستمرّةً في هذا الصدد، ولن تتوقّف حتى يتمَّ القضاءُ نهائيًّا على هذا الفكرِ الإرهابي الهَمَجيّ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*