السبت , 21 أبريل 2018
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مُراقبة النفس ومُحاسبتها
مُراقبة النفس ومُحاسبتها

مُراقبة النفس ومُحاسبتها

اعلَمُوا أن فلاحَ الإنسان وسعادتَه في التحكُّم في نفسِه، ومُحاسبتها ومُراقبتها في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، في الأقوال والأفعال. فمن حاسَبَ نفسَه وتحكَّم في أقواله وأفعاله، وخطَرَاته بما يحبُّ الله ويرضَى فقد فازَ فوزًا عظيمًا.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40، 41]، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46]، وقال – عزَّ وجل -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18]، وقال – عزَّ وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201]، وقال تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2].
قال المُفسِّرون: “أقسمَ الله بالنفس التي تلومُ على التقصيرِ في الواجِبات، وتلومُ على اقتِرافِ بعضِ المُحرَّمات، فتلومُ كثيرًا؛ حتى يستقيمَ أمرُها”.
– واللوم هنا هو الإيجابي وليس السلبي الذي يُوصِلُ إلى القنوط والإحباط ، بل اللوم الذي يضبط النفس ويُحفّزها –
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «مَن كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليقُل خيرًا أو ليصمُت»؛ رواه البخاري ومسلم.
وهذا لا يكونُ إلا بمُحاسَبَة النفس.
وعن شدَّاد بن أوسٍ – رضي الله تعالى عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني »؛ حديثٌ حسنٌ.
وقال عُمرُ بن الخطَّاب – رضي الله عنه -: “حاسِبُوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبُوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنوا، وتأهَّبُوا للعرضِ الأكبر”.
وقال ميمونُ بن مِهران: “المُتَّقِي أشدُّ مُحاسبةً لنفسِه مِنَ الشريكِ الشَّحيحِ لشرِيكِه”.
وقال ابن مسعودٍ – رضي الله عنه -: “إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أن يقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يرَى ذنوبَه كذُبابٍ طارَ على أنفِه فقال به هكذا – أي: أطارَه بكفِّه -“؛ رواه البخاري.
والمؤمنُ يُحاسِبُ نفسَه ويُراقِبُها ويُقيمُها على أحسَنِ الأحوال؛ فيُحاسِبُ نفسَه على الأفعال، فيُجاهِدُها في العباداتِ والطاعاتِ ليأتيَ بها كاملةَ الإخلاصِ، نقيَّةً سليمةً من شوائِبِ الابتِداعِ والرياءِ، والعُجْب بالعمل، مُبتغِيًا بعملِه وجهَ الله والدارَ الآخرة.
ويُحاسِبُ نفسَه ليُوقِعَ العملَ الصالِحَ، ويفعلَه مُوافِقًا لسُنَّة النبي – صلى الله عليه وسلم -، مع الالتِزامِ بدوام العمل، واستِمراره بلا رِدَّةٍ ولا انقِطاع.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 6]، وقال – عزَّ وجل -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 2، 3]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].
وعن سُفيان الثوريِّ قال: “ما عالَجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيَّتي؛ لأنها تتقلَّبُ علَيَّ”.
وقال الفضلُ بن زياد: سألتُ الإمامَ أحمد عن النيَّة في العمل، قلتُ: كيف النيَّة؟ قال:”يُعالِجُ نفسَه إذا أرادَ عملًا، لا يُريد به الناس”.
وعن شدَّاد بن أوسٍ – رضي الله عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «مَن صلَّى يُرائِي فقد أشرَكَ، ومَن صامَ يُرائِي فقد أشرَكَ، ومَن تصدَّقَ يُرائِي فقد أشرَكَ»؛ رواه أحمد في “المسند”، والحاكم، والطبراني في “الكبير”.
ويُحاسِبُ نفسَه في نُطقِه وكلامِه، فلا يُطلِقُ لِسانَه في الكلام بالباطِل والمُحرَّم من الألفاظِ، وليتذكَّر أنه قد وُكِّل به ملَكَان يكتُبانِ كلَّ ما نطَقَ به لِسانُه، وكلَّ ما عمِلَ من عملٍ، فيُثابُ على ذلك أو يُعاقَبُ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10- 12]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
عن ابن عباسٍ – رضي الله عنهما – قال: “يكتُبُ كلَّ ما تكلَّم به من خيرٍ وشرٍّ، حتى إنه ليكتُبُ قولَه: أكَلتُ، شرِبتُ، ذهَبتُ، جِئتُ، رأَيتُ”.
وعن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إنَّ الرجُلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن رِضوان لا يُلقِي لها بالًا يرفعُه الله بها درجات، وإن العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِن سخَط الله لا يُلقِي لها بالًا يهوِي بها في جهنم»؛ رواه البخاري.
وقال ابن مسعودٍ: “والله الذي لا إله إلا هو؛ ما على الأرض أحقُّ بطُولِ سجنٍ من اللِّسان”.
وكان أبو بكرٍ – رضي الله عنه – يأخُذُ بلِسانِه ويقول: “هذا الذي أورَدَني الموارِد”.
كما يجبُ على المُسلم أيضًا أن يُحاسِبَ نفسَه ويُجاهِدَها في الخطَرَات والوارِدات على القلب، والوساوِس؛ فإن مبدأَ الخير والشرِّ من خطَرَات القلوب ووارِداتها، فإن تحكَّم المُسلمُ في الوارِدات على قلبِه، ففرِحَ بوارِدات الخير، واطمأنَّ لها ونفَّذَها، أفلحَ وفازَ، وإن طرَدَ وساوِسَ الشيطان ووارِداته، واستعاذَ بالله من وساوِسه، نجا وسلِم من المُنكرات والمعاصِي.
وإن غفِلَ عن وساوِسه وتقبَّلَها أوردَه المُحرَّمات، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 36].
وأمَرَ بالاستِعاذة في سُورة الناس من هذا العدوِّ المُبين. قال ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -: “إنَّ الشيطانَ جاثِمٌ على قلبِ ابنِ آدم، فإن ذكرَ اللهَ خنَس وتأخَّرَ، وإن غفِلَ وسوَسَ”.
وعن أنسٍ – رضي الله عنه – قال: قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الشيطانَ واضِعٌ خَطْمَه على قلبِ ابنِ آدم، فإن ذكرَ اللهَ خنَس، وإن نسِيَ التَقَمَ قلبَه، فذلك الوسواس الخنَّاس»؛ رواه أبو يعلَى الموصِلي.
فالحِفظُ من الذنوبِ برصدِ وساوِس الشيطان أولًا، والاحتِراسِ مِن نزَغَاته، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 151].
فمَن حاسَبَ نفسَه وجاهَدَها كثُرَت حسناتُه، وقلَّت سيئاتُه، وخرَجَ مِن الدنيا حمِيدًا، وبُعِثَ سعِيدًا، وكان مع النبي – عليه الصلاة والسلام – الذي أُرسِلَ شهِيدًا. ومَن اتَّبعَ هواه، وأعرضَ عن القرآن، وارتكَبَ ما تشتَهِيه نفسُه، واستلَذَّ الشهوات، وقارَفَ الكبائِرَ، وأعطَى الشيطانَ قِيادَه أوردَه كلَّ إثمٍ عظيمٍ، وخُلِّدَ معه في العذابِ الأليم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 30]، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 235].
وإنَّ القلبَ الحيَّ هو الذي تسُرُّه حسنتُه، وتسوؤُه سيِّئتُه، والقلبُ الميِّتُ هو الذي لا يتألَّمُ بالمعصِية، ولا يُحِسُّ بها، ولا يفرَحُ بحسنةٍ ولا طاعةٍ، ولا يشعُرُ بالعُقوباتِ على الذنوبِ، فتغُرُّه الصحةُ وإقبالُ الدنيا عليه، وقد يظُنُّ النِّعمَ كرامةً له، قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾[المؤمنون: 55، 56].
وفي الحديثِ: «تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كما يُعرضُ الحصيرُ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أنكرَها نُكِتَت فيه نُكتةٌ بيضاء، وأيُّ قلبٍ أُشرِبَها نُكِتَت فيه نُكتَةٌ سوداء، حتى تصيرَ القلوبُ على قلبَين: قلبٍ أبيض كالصَّفا، لا تضُرُّه فتنةٌ ما دامَت السماواتُ والأرضُ، وقلبٍ أسود مِربَادُّ كالكُوزِ مُجخِّيًا – أي: منكُوسًا – لا يعرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ مُنكَرًا إلا ما أُشرِبَ من هواه».
وأمراضُ القلوبِ كلُّها تُمرِضُ القلب أو تُميتُه بالكلية إذا لم يُحاسِبِ المرءُ نفسَه.
ومن الحَزمِ والخيرِ للمرءِ أن يُحاسِبَ نفسَه في اليوم والليلة والجُمعة والشهر والسنة؛ ليعلَم مِن حيث أُتِي، ويتوبَ ويستدرِكَ ما فرَطَ منه، عسَى أن يُحمَدَ سعيُه، ويُوفَّقَ لحُسن الخاتِمة.
والمُؤمنُ حيُّ القلب، نافِذُ البصيرة، إن أُعطِيَ شكَر، وإن أذنَبَ استغفَر، وإن ابتُلِيَ صبَر؛ ففي قلبِ المُؤمن واعِظٌ يُوقِظُه من الغفلة، ويُحذِّرُه من المَهلَكَة.
وفي الحديث: “خطَّ رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – خطًّا مُستقيمًا، بجانبَيه خطوطٌ، وعلى رأسِه داعٍ وفوقَه واعِظ، فالخطُّ المُستقيمُ: صراطُ الله، والداعِي على رأسِ الخطِّ: كتابُ الله، والذي يعِظُ فوقَه: واعِظُ الله في قلبِ كلِّ مُؤمنٍ، والخُطوطُ عن يَمينِه وشِمالِه: طُرقُ الضلال”.
***********************
د. علي الحذيفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*