الإثنين , 16 يوليو 2018
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » العجلة المحمودة والمذمومة
العجلة المحمودة والمذمومة

العجلة المحمودة والمذمومة

لقد خلقَ الله الإنسانَ على هيئةٍ عجيبةٍ، وجعلَ فيه مِن الصفات المُتقابِلة ما يُحيِّر العقلَ، وفطَرَه على بعض السَّجايا التي لو بقِيَت فيه بدُون إصلاحٍ أو تهذيبٍ لخسِرَ خُسرانًا مُبينًا؛ كصِفةِ الجهلِ، والظُّلم، والجُحُود، وحُبِّ المال، والهلَع، والجَزَع.
بَيْدَ أن صِفةَ العجَلَة هي أُسُّ الخَيبات، وأمُّ الندامات، وهي فِطرةٌ مُؤثِّرةٌ جدًّا في شخصيَّة الإنسان، تُؤدِّي به إلى عواقِبَ لا تُحمَد، ونتائِج لا تُسعِد، إلا أن يتدارَكَ نفسَه برحمةِ الله، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37].
إن الاستِعجال في حقيقته هو: جلبُ الشيء بسُرعة قبل اكتِمال أدواتِه، وطلبُه قبل إبَّانه، وفعلُه قبل أوانِه بلا روِيَّةٍ ونظرٍ، ولا تأنٍّ وفِكرٍ، فيأتي الفعلُ باهتًا فجًّا، خاليًا مِن ثِماره الناضِجة، فيكون الرجلُ قد أساءَ مِن حيث أرادَ الإحسان، وفشِلَ وهو يُريدُ النجاحَ، وخسِرَ وهو يطمَحُ في الرِّبح، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11].
إن العجَلَة – يا مُسلِمون – لم تَأتِ في القرآن والسنَّة إلا على وجهِ النَّهي والذَّم واللَّوم، إلا في مواضِعَ يسيرة جاءَت ممدُوحةً بلفظِها صراحةً، أو بمُرادفاتها مِن المُسارعة، والمُسابقة، والمُبادَرة.
ولذلك حذَّرَت الشريعةُ مِن الاستِعجال؛ لأنه في غالبِه حركةٌ نفسيَّةٌ عجِلَةٌ غيرُ مدرُوسة، وخالِيةٌ مِن تقدير العواقِبِ، ومِن استِحضار الظروف والمُلابسات، وأخذ الأُهبة والاستِعداد.
ويكفِي أن نعلمَ أن الاستِعجال إذا أصبَحَ هو الحاكمَ على شخصيَّة الإنسان، أورَثَه ذلك الطيشَ، والتهوُّرَ، والسفاهةَ، والحُمقَ، واتِّباعَ الهوَى، والعِنادَ، والغُرورَ، والاستِخفاف. وحُقَّ للاستِعجال أن يكون جُمَّاع الآفات الإنسانيَّة، وبُؤرة شرِّ الخِصال.
ولقد نهَى الله نبيَّه – صلى الله عليه وآله وسلم – عن العجَلَة في تلقِّي القرآن قبل كمالِه وانقِضاءِ إيحائِه: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114].
وعاتَبَ ربُّنا – سبحانه وتعالى – مُوسَى – عليه وعلى نبيِّنا الصلاة والسلام -، عاتَبَه على أن قدِمَ إليه وحدَه لمِيقاتِ ربِّه، ولم يأتِ مع قومِه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 83].
ولو صبَرَ مُوسى مع الخضِر – عليه السلام – ولم يعجَل، لرأَى مِن بديعِ أقدارِ الله شيئًا عجَبًا.
ونهَى الله نبيَّنا – صلى الله عليه وآله وسلم – أن يكون مِثل يُونس – عليه السلام -، حينما خرجَ مُغاضِبًا قومَه، مُستعجِلًا أمرَ ربَّه: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: 48].
وحَكَ داود – عليه السلام – لأحَدِ الرجُلَين اللَّذَين تسوَّرَا عليه المِحرابَ، بعد أن سمِعَ مِنه قبلَ الآخر، فقضَى قبل سماعِ حُجَّة الخَصمِ الآخر، وشعَرَ داودُ – عليه السلام – أنه استعجَلَ، ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24].
وهذه الفتنة التي ابتُلِيَ بها داودُ – عليه السلام -، وهي الحُكمُ لأحَدِ الخصمَين قبل سماعِ حُجَّة الآخر، وليسَت كما تزعُمُ الرواياتُ الإسرائيلية أنها فِتنةُ النظر إلى المرأة الحَسناء، والسعيِ لأخذِها مِن زوجِها! فهذا أمرٌ مِن الخِيانة شنِيعٌ، يُنزَّهُ عنه أنبِياءُ الله ورُسُله – عليهم الصلاة والسلام -.
واستبطَأَ الصحابةُ – رضي الله عنهم – النصرَ والتمكينَ في الأرض، وهم يرَون علُوَّ الكفر وطُولَ زمنِه، فبشَّرَهم النبيُّ – صلى الله عليه وآله وسلم – بأن الله سوف يُتِمُّ هذا الأمر، ولكنَّكم تستعجِلُون.
وتعجَّلَ الرُّماةُ النصرَ في معركة أُحُد، وخالَفُوا أمرَ رسولِ الله – صلى الله عليه وآله وسلم -، فحقَّت عليهم سُنَّةُ الله في المُتعجِّلين النصرَ والتمكينَ بغير هُدًى مِن الله.
إن العجَلَة المذمُومة إشكاليَّةٌ كُبرى في مسيرةِ الإنسانِ في هذه الحياة، وعائِقٌ كبيرٌ مِن عوائِقِ النجاحِ، ومزَلَّةُ قدَمٍ تجلِبُ المُعاناةَ، وسُقُوطَ القِمَم. فكَم خرَّبَ الاستِعجالَ مِن خططٍ مُنظَّمة! وكَم أفسَدَ مِن أعمالٍ كِبار، وضيَّعَ فُرصًا لا يُضيَّعُ مِثلُها! وكَم ندَّمَ الإنسانَ وأوقعَه في الحرَج، وحرَمَه مِن خيرٍ وكمالٍ كان قريبًا مَنَالُه، ولو تأنَّ لظفَرَ به، “ومَن استعجَلَ الشيءَ قبل أوانِه عُوقِبَ بحِرمانِه”.
وأكثرُ ما يُغيظُ الصدُور، ويُورِثُ الضَّغينةَ، ويُحِيلُ الحبيبَ إلى بغيضٍ، ويهدِمُ العلاقات الأُسريَّة والزوجيَّة قارِصةٌ عجُولةٌ مِن قوارِصِ الكلامِ، أو تصرُّفٌ أرعَن، أو سُرعةُ قرارٍ في زَفرةِ غضبٍ، أو نشوَةِ فرَحٍ، أو هوَجِ فعلٍ لم يُخطَم بتمهُّلٍ وروِيَّة، ولم يُزَمَّ بأناةٍ وبصيرةٍ.
إن الاستِعجالَ يحرِمُ العبدَ مِن إجابةِ الله لدُعائِه، فالله – سبحانه – يستَجِيبُ لعبدِه ما لم يستعجِلِ الإجابة.
وقد تُبطِلُ العجَلَةُ صلاةَ العبدِ، كما دلَّ عليه حديثُ المُسيءِ صلاتَه.
والذي يُسابِقُ إمامَه في الرُّكوع والسُّجود، لا يُؤمَنُ عليه أن يُحوِّلَ الله صُورتَه إلى صُورةِ حِمارٍ.
وقد يعجَلُ المرءُ في الحُكم على الأشخاصِ بكُفرٍ، أو فِسقٍ، أو بِدعةٍ، أو صلاحٍ، وتقوى، وعلمٍ، أو ينتقِصُ مِن أعمالٍ وجُهودٍ ويذُمُّها بادِيَ الرأي، فيكون ممَّن خبَطَ في عمايَة، وهوَى في جَهالَة، وظلَمَ ولم يُنصِف، وبخَسَ الناسَ أشياءَهم.
وقد يتعجَّلُ المرءُ في كُرهٍ وذمٍّ، كما يستعجِلُ في حُبٍّ ومَدحٍ.
قال عليٌّ – رضي الله تعالى عنه وأرضاه -: “أَحبِب حَبِيبَك هَونًا ما، عسَى أن يكون بغِيضَك يومًا ما، وأبغِض بغِيضَك هَونًا ما، عسَى أن يكون حَبِيبَك يومًا ما”؛ أخرجه البخاري في “الأدب المفرد” بإسنادٍ صحيحٍ.
تأنَّ ولا تعجَلْ بلَومِك صاحِبَا ***لعلَّ له عُذرًا وأنت تلُومُ
إن العجَلَة – يا عباد الله – شُؤمٌ، ونذيرُ وهَن، وما كان العَجُولُ محمُودًا في قَبِيلٍ ولا دَبِيرٍ، فهي تُعمِي البصيرةَ، وتسُدُّ على العبدِ موارِدَ التوفيقِ والسَّداد.
وقد يُصابُ المرءُ بداءِ العجَلَة في طلَبِ العلمِ، فيستعجِلُ التصدُّر أو الوُصُول، أو يقفِزُ فوقَ المراحِل ليستجلِبَ المفاخِر، ولا يصبِرُ على ذُلِّ التعلُّم وثَنيِ الرُّكَب، فيُحرَم بركة العلم، ويكونُ مِن نتائِجِ ذلك فتوَى عجِلَةٌ غيرُ مُحرَّرة، وفهمٌ أعوَجُ للنُّصوص، واستِدلالاتٌ خاطِئة.
ومِن أشنَعِ مسالِكِ الاستِعجال: أن يستبطِئَ العبدُ نصرَ الله وتمكينَه للأمة، وتمكينَه لدينِه، فييأَسُ مِن روح الله، ويقنَطُ مِن رحمتِه، ويضعُفُ أمام الباطِل، ويتنازَلُ عن مبادِئِه وثوابتِه،وقد يجتهِدُ اجتِهاداتٍ خاطِئةً يستعجِلُ بها مراحِلَ النصر التي لا يُمكنُ أن تتمَّ في عشِيَّةٍ وضُحاها، بل هي محكُومةٌ بسُنن كونيَّةٍ وشرعيَّةٍ لا تتبدَّلُ ولا تتغيَّرُ، أو يستبطِئ رِزقَ الله، فيستعجِلَه بما حرَّم الله مِن شهَواتِ البُطُون والفُرُوجِ.
وكَم مِن أناسٍ سقَطُوا في الفتنةِ، وحُرِمُوا مِن الاتِّصافِ بصِفاتِ الكمال؛ مِن العِفَّة، والورَع، والأمانةِ، والصِّدقِ بسببِ استِعجالِهم الخَوض فيما حرَّم الله، ولم يكبَحُوا شرَهَ أنفسِهم، فتعجَّلُوا سخَطَ الله عليهم.
وإن العجَلَة مِن الشيطان؛ لأن الشيطانَ خُلِق مِن نارٍ، والنارُ مِن صِفاتِها الطَّيشُ والخِفَّةُ والإحراقُ، وهذه الصِّفاتُ لها تعلُّقٌ ظاهِرٌ بثمارِ العجَلَة المذمُومة؛ فالعَجُولُ أمورُه مُدبِرة، وبِضاعتُه كاسِدة، ويندفِعُ بلا عقلٍ ولا روِيَّة، وكلما لاحَ له طمَعٌ بادَرَ إليه، مما قد يُورِّطُه في الوُلُوغ في دماءِ المُسلمين وأعراضِهم وأموالِهم، وتكفيرِ المُسلمين واتهامِهم في نيَّاتهم. فأنَّى يُوفَّقُ هذا العَجُول المُتكايِس؟! وكيف يُسدَّدُ هذا المُستعجِلُ المُتحامِق؟!
لا تعجَلَنَّ فليسَ الرِّزقُ بالعجَلِ***الرِّزقُ في اللَّوحِ مكتُوبٌ مع الأَجَلِ
فلو صبَرنَا لكانَ الرِّزقُ يطلُبُنا***لكنَّما خُلِقَ الإنسانُ مِن عجَ
وإن العجَلَة آفةُ الألباب والعُقُول والحِجَى، وهي تُورِثُ فسادَ الرأي والتدبير والنُّهَى.
وقد نهَى الله نبيَّه – صلى الله عليه وآله وسلم – عن الاستِعجال، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: 35].
وأخبَرَ – سبحانه – أن قومًا يستعجِلُون العذابَ، ويستعجِلُون السيئةَ قبل الحسنة. وهذا مِن ضعفِ عُقُولِهم لو كانُوا يعقِلُون.
إن الاستِعجالَ آفةٌ مُهلِكةٌ إذا لم يُبادِرِ العبدُ إلى إصلاحِها وتهذيبِها، وذلك لا يتمُّ له إلا بأمورٍ مُهمَّة، مِنها: تعوذيدُ النفسِ وتمرينُها على التأنِّي والروِيَّة والتمهُّل والتعقُّل، وزمِّها بالصبر والتصبُّر، قبل أن يصدُرَ مِنه أيُّ قولٍ أو فعلٍ أو رأيٍ.
والتأنِّي والتروِّي قِيمةٌ مُطلقةٌ يُحبُّها الله، ويُوفِّقُ صاحبَها للسَّداد والبصيرة، والله تعالى مِن أسمائِه: الحليمُ والصَّبُور، وقد ثبَتَ عنه – صلى الله عليه وآله وسلم – أنه قال: «التأنِّي مِن الله، والعجَلَةُ مِن الشيطان»؛ أخرجه البيهقي في “الشعب” مِن حديث أنسِ بن مالكٍ – رضي الله عنه -.
وقد يكون خُلُق التأنِّي والتُّؤَدة والرَّزانة وَهبيًّا مِنَّةً مِن الله على عبدِه، كما يدلُّ عليه حديثُ أشَجِّ عبد القَيس حينما قال له النبيُّ – صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن فِيك لخَصلتَين يُحبُّهما الله: الحِلمَ، والأناة»؛ أخرجه مسلم في “الصحيح” مِن حديث ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -.
ويُمكن اكتِسابُ خُلُق التأنِّي بمُطالعةِ عِبَر التاريخ، وتجارب الأمم، والقراءة في سِيَر العُقلاء والنُّبلاء، والجُلُوس مع أهل العلم والخِبرة والتجرِبة، ومُشاورتهم، مع تدريبِ النفسِ وتعويدِها على التأنِّي. فهذه وسائلُ مُهمة في تهذيبِ العجَلَة وإصلاحِها.
وقد شرَعَ الله – سبحانه وتعالى – الاستِخارةَ والاستِشارةَ؛ مِن أجل اتِّقاء شرِّ الاستِعجال في اتِّخاذ القرارات هينةً كانت أم عظيمة.
ولم يكُن أحدٌ أكثرَ مُشاروةً لأصحابِه مِن رسولِ الله – صلى الله عليه وآله وسلم -، وهو النبيُّ المُوحَى إليه.
وقد كان عُمر – رضي الله تعالى عنه – يجمَعُ المُهاجِرين والأنصارَ لمُشاورتهم في كثيرٍ مِن قراراته، وهو المُحدَّثُ المُلهَم.
والعجَلَةُ فِطرةٌ مركُوزةٌ في شخصيَّة الإنسان، لا يكادُ ينجُو مِن شرِّها أحدٌ إلا إذا هذَّبَها وأصلَحَها، مُستعينًا بالله بأن يصرِفَها في وجهِها الصحيح، ويُعدِّل مسارَها فيما ينفَعُ ويُفيدُ.
قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «التُّؤدةُ في كل شيءٍ خيرٌ، إلا في عملِ الآخرة»؛ أخرجه أبو داود والحاكم مِن حديث سعد بن أبي وقاصٍ – رضي الله عنه -.
وقد جاءَت الشريعةُ بطلبِ الاستِعجال في أمورٍ مِن الخير وعمل الآخرة، لا ينبغي التأنِّي فيها وتأخيرُها.
فقد أمَرَت بالاستِعجال في ردِّ الحُقوق إلى أصحابِها، والتحلُّل مِنها قبل يوم القِيامة، سواءً كانت ديُونًا، أو مِيراثًا، أو عارِيةً، أو وديعةً، أو استِيفاءً لبيعٍ وشراءٍ، ولا يجوزُ للمُسلم أبدًا أن يحبِسَ حُقوقَ الناس عنده؛ فإن ذلك مِن الظُّلم والبغي.
والمُوفَّقُ هو الذي يستعجِلُ في أداءِ فريضةِ الحجِّ، إذا كان مُستطيعًا ولم يحُجَّ مِن قبل.
قال – صلى الله عليه وآله وسلم -: «تعجَّلُوا إلى الحجِّ؛ فإن أحدَكم لا يدرِي ما يعرِضُ له»؛ أخرجه أحمد مِن حديث ابن عباسٍ – رضي الله عنهما -.
والصائِمُ شُرِعَ له تعجيلُ الفِطر، «ولا يزالُ الناسُ بخَيرٍ ما عجَّلُوا الفِطرَ».
وشُرِعَ للعبدِ المُسارَعةُ والمُبادرةُ والمُسابقةُ في عملِ الخيرات، ولم يكُن هناك أحدٌ مِن الصحابة أسبَقَ لكل خيرٍ مِن أبي بكرٍ الصدِّيق – رضي الله عنه -.
والمُؤمِنُ العاقِلُ يُبادِرُ الأعمالَ فتنًا كقِطعِ الليلِ المُظلِم، يُصبِحُ الرجلُ فيها مُؤمنًا ويُمسِي كافرًا، ويُمسِي مُؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ مِن الدنيا قليل.
ولا تَطِيبُ نفسُ المُؤمن أن يسبِقَه أحدٌ إلى الله، شِعارُه دائمًا: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84].
وإن مِن أوجَبِ الأعمال التي لا تقبَلُ المُبادرَةَ والتسويفَ: المُبادرةَ والمُسارعةَ إلى التوبةِ والاستِغفار مِن كل ذنبٍ، وفي كل وقتٍ، والله يقبَلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغرغِر، والعبدُ لا يدرِي متى يفجَؤُه الموتُ، فلا يُمكَّنُ مِن التوبة.
ومِن العجَلَة المحمُودة: الإسراعُ بالميِّت في تغسِيلِه وتكفِينِه والصلاةِ عليه ودفنِه، والإسراعُ في إكرام الضَّيف وإطعامِه، ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26].
وكذلك المُسارعةُ تزويجِ الفتاةِ مِن الكُفؤ المُناسِبِ بعد الاستِخارة والاستِشارة؛ فإن الإسراعَ في ذلك مِن الخير المحمُود والعجَلَة المحمُودة، وتأخيرُ الزواجِ مصيَدةٌ مِن مصائِدِ إبليس، إلا مِن عُذرٍ قاهِرٍ.
وبكل حالٍ ، فالمشرُوعُ هو المُبادرةُ والمُسارعةُ والاستِعجالُ في كل أعمالِ الآخرة التي تُقرِّبُ إلى الله، وفي أعمالِ الخير؛ مِن المُروءاتِ، ونجدَةِ الملهُوف، وإطعامِ المُحتاجِين، ورفع الظُّلم، وغير ذلك.
ويكون الهدوءُ والرَّزانةُ والتَّأنِّي والتُّؤدَة فيما هو دُون ذلك مِن أمورِ الدنيا وما يتعلَّقُ بها، قال الله تعالى:﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: 133]، وقال – سبحانه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9]، وقال – سبحانه -: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
لا تعجَلَنَّ لأمرٍ أنت طالِبُهُ***فقلَّما يُدرِكُ المطلُوبَ ذُو العَجَلِ
———————————
فضيلة الشيخ الدكتور / خالد الغامدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*