لزوم الجماعة

لزوم الجماعة

لقد ورد الأمر بلزوم الجماعة في الكتاب والسنة. ويراد بذلك أمران .
الأول: الجماعة الدينية وذلك بالأمر بلزوم الحق:-
ففي الكتاب والسنة الأمر بلزوم الجماعة، ومعنى ذلك لزوم منهج السلف الصالح وترك البدع.
قال تعالى :{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}[الشورى:13] وقال تعالى :{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}[آل عمران:103] وقال تعالى :{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات}[آل عمران:105] وقال تعالى :{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء}[الأنعام:159].
فأمر بالاعتصام والاجتماع والتوحد على الدين الذي أرسل الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وجعل من أعرض عن ذلك آخذا بالفرقة وأسبابها.
فدل على أن الجماعة هي الاجتماع على الحق.
وفي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وأنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)). فقلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : ((نعم وفيه دخن)) قلت: وما دخنه؟ قال: ((قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر)) قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم فتنة عمياء ودعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها))، قلت: يا رسول الله صفهم لنا قال: ((قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) قلت : يا رسول الله ما تأمرني إن أدركت ذلك قال: ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم))، قلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: ((فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك)).
ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره لحذيفة بين لزوم الجماعة ولزوم إمام المسلمين ليدل على انفراد الجماعة (هنا) بمعنى مغاير للزوم إمام المسلمين.
ويوضح ذلك : ما روى ابن ماجة في سننه عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده، لتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعين في النار ))، قيل يا رسول الله : من هم؟ قال : ((هم الجماعة)). وفي رواية : (( كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة)). وفي رواية : ((فاعتصموا بها فاعتصموا بها)). و في رواية أخرجها الترمذي وحسنها الألباني: قيل يا رسول الله : من هم؟ (( ما أنا عليه اليوم وأصحابي )).
فالأمر بلزوم الجماعة هنا أمر بلزوم المنهاج الصحيح وهو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قال ابن عباس رضي الله عنه : ” أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة”ا.هـ[1] وعن ابن عباس رضي الله عنه : “عليك بالاستقامة اتبع ولا تبتدع”ا.هـ[2] وعن عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ” عليكم بالاستقامة والأثر، وإياكم والبدع”ا.هـ[3] وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ” إياكم و التبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق”ا.هـ[4] و عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : “الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك”ا.هـ[5] وفي الأثر روي عن سعيد بن جبير، و نحوه عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف، في قوله تعالى : { وإني لغفار لمن تاب آمن وعمل صالحاً ثم اهتدى}[طه : 82] : “استقام على السنة والجماعة”ا.هـ[6] وعن حسان بن عطية رحمه الله قال : ” خمس كان عليها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان : لزوم الجماعة، و اتباع السنَّة …”ا.هـ[7] وقال الإمام أحمد رحمه الله : ” أصول السنَّة عندنا : التمسك بما كان عليه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم”ا.هـ[8] وقال أبو العالية رحمه الله : ” عليكم بالأمر الأول الذي كانوا عليه قبل أن يفترقوا”ا.هـ[9] وقال الأوزاعي رحمه الله : ” اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا عنه واسلك سبيل سلفك الصالح فانه يسعك ما وسعهم”ا.هـ[10] وقال الأوزاعي رحمه الله : ” ندور مع السنة حيث دارت”ا.هـ[11] ومما دل عليه الأمر بلزوم الجماعة في نصوص الكتاب والسنة الأمر بلزوم الجماعة الدنيوية، وهي الإمام المسلم بطاعته في غير معصية الله واعتقاد انعقاد بيعته وحرمة الخروج عليه فإنه لا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة.
قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم}[النساء : 59].
وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏، عن النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏قال : ((‏من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية)) .
وروى أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. عن الحارث الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((آمركم بخمس، الله أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثى جهنم)) فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام قال: ((وإن صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله)).
وفي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)).
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني)).
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)).
وفي صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخرُ ينازعه فاضربوا عنق الآخر)).
وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع حشَمَه وولده فقال : ” إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)). وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظمَ من أن يُبَايعَ رجلٌ على بيعِ الله ورسولِه ثم ينصبُ له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه، ولا تابعَ في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه”ا.هـ
وفي البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية)).
—————————
[1] جامع البيان ( 11/483).
[2] أخرجه ابن بطة في الإبانة الصغرى برقم ( 102).
[3] الاعتصام للشاطبي ( 1/110).
[4] أخرجه اللالكائي برقم ( 108)
[5] شرح اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة برقم ( 160).
[6] تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/309).
[7] أخرجه اللالكائي برقم ( 48).
[8] أصول السنَّة للإمام أحمد ( ص : 14)
[9] ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس ( ص : 16 )
[10]ذكره ابن الجوزي في تلبيس إبليس ( ص : 16 ).
[11] أخرجه اللالكائي برقم ( 47).
—————————
فضيلة الشيخ / صالح السويح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*