الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لماذا انتشرت فروع القاعدة في الشرق الأوسط؟
لماذا انتشرت فروع القاعدة في الشرق الأوسط؟

لماذا انتشرت فروع القاعدة في الشرق الأوسط؟

يُعد تنظيم “القاعدة” حاليًّا الأكثر خطورة في العالم من بين كل التنظيمات الإرهابية، ولا سيما في ظل اعتماده على عدد من الوسائل، على غرار المجموعات المتخفية، والانتشار التنظيمي الجيد، والتخلي عن أسلوب السيطرة الترابية، فضلًا عن تمتعه بشبكة تحالفات واسعة، وهو ما سمح له بالتواجد في العديد من المناطق التي تمثل معاقل واضحة بالنسبة له، والتي يأتي على رأسها منطقة الساحل والصحراء، معقل تنظيم “القاعدة” في بلاد المغرب الإسلامي، والذي يعد المظلة التي تنتمي إليها المجموعات القاعدية في ليبيا وتونس والجزائر. كما يمتلك التنظيم معقلًا هامًّا في الصومال متمثلًا في “حركة شباب المجاهدين”. إضافة إلى معقل آخر قوي في اليمن.
ثم يأتي معقل التنظيم في سوريا، والذي تمثله هيئة تحرير الشام.
ففي الوقت الذي يُعاني فيه تنظيم “داعش” من الانحسار في عدد من المناطق، ولا سيما في معاقله الرئيسية في العراق وسوريا؛ يشهد تنظيم “القاعدة” تصاعدًا ملحوظًا في نشاطه، في ظل انتشاره في العديد من المناطق عبر فروعه المختلفة التي يتصاعد نفوذها يومًا بعد آخر، حتى أصبح يُمثل خطرًا كبيرًا، وهو ما أشار إليه تقرير للأمم المتحدة رُفع إلى مجلس الأمن، في 8 فبراير 2018، بأن تنظيم “القاعدة” أصبح يشكل خطرًا أكبر من تنظيم “داعش” في بعض المناطق، في ظل الهجمات المتواصلة التي يقوم بها ضد أهداف مختلفة.
سمات خاصة:
يتميز تنظيم “القاعدة” وفروعه بعدد من السمات الخاصة التي ساهمت في بقائه حتى الآن، وتصاعد نفوذه وانتشاره بشكل كبير، بخلاف تنظيم “داعش” الذي سرعان ما هوى بعد فترة صعود سريعة، بسب فقدانه تلك المميزات. ويمكن تحديد أبرز تلك السمات في النقاط التالية:
1- عدم السيطرة الترابية: من أهم ما يميز تنظيم “القاعدة” عن تنظيم “داعش”، والذي يعكس مدى الخبرة التنظيمية لقادته، هو عدم التركيز على السيطرة الترابية أو المكانية، والاكتفاء بالنشاط التنظيمي من خلال التواجد بشكل عملياتي في مناطق محددة، دون السيطرة عليها أو التواجد فيها بشكل مستمر، وهو النهج الذي اتّبعه التنظيم وفروعه المختلفة منذ نشأته، مما جنّبه الكثير من الضربات التي كانت يمكن أن تؤدي إلى انهياره تنظيميًّا، وهو ما سعى تنظيم “داعش” إلى تطبيقه مؤخرًا، بعد أن فقد تقريبًا كل معاقله الرئيسية في سوريا، واضطره مؤخرًا إلى إعادة انتشار مقاتليه في البادية السوريّة الممتدة مع الحدود العراقيّة، كنقطة انطلاق لشن هجماته الخاطفة.
2- توافر الأقنعة التنظيمية: من أهم الآليات التي يمتلكها تنظيم “القاعدة”، والتي ساهمت في انتشاره وتمدده بشكل ملحوظ، وتوفر له موارد بشرية متجددة؛ هو ما يمكن أن نطلق عليه “الأقنعة التنظيمية”، وهي تلك المجموعات التابعة للقاعدة ولكنها متخفية تحت تسميات مختلفة، مثل “أنصار الشريعة”، سواء في اليمن أو ليبيا، وتنظيم “ثوار بنغازي”، وكذلك تنظيم “كتيبة عقبة بن نافع” و”كتيبة الفتح المبين” في المنطقة الحدودية بين تونس والجزائر، وهو ما يشير إلى حرص “القاعدة” على وجود مجموعات تابعة له تحت تسميات مختلفة، ترفع شعارات جذابة مثل تطبيق الشريعة للحصول على تعاطف شعبي يُمكّن التنظيم من التغلغل في المجتمعات. وهو ما يشير إلى أن تنظيم “القاعدة” أصبح يتصف بالتشعب من الناحية التنظيمية، ما يعني صعوبة تجفيف موارده البشرية.
3- تعدد التحالفات المتطرفة: كثف تنظيم “القاعدة” خلال السنوات الأخيرة من تحالفاته بأشكال متعددة، سواء كانت تحالفات تنظيمية على غرار تحالفات هيئة تحرير الشام في سوريا مع عدد من التنظيمات المسلحة مثل حركة نور الدين زنكي، أو تحالفات عقائدية على غرار تحالفات القاعدة في الساحل والصحراء مع بعض الجماعات القريبة منها فكريًّا مثل “جماعة أنصار الدين” و”حركة تحرير ماسينا” وتلك التحالفات ساعدت التنظيم في الوصول إلى مناطق لم يكن بمقدوره الوصول إليها دون هذه التحالفات، ولا سيما أنه بات يمنح الأولوية للتوسع والانتشار الجغرافي، والتمدد إلى مناطق جغرافية جديدة.
خريطة المعاقل:
كشف الانتشار القاعدي الكبير في المنطقة مقارنة بغيره من التنظيمات الإرهابية، خاصة منافسه تنظيم “داعش”، عن تعدد معاقل التنظيم التي تعبر عن تعدد فروعه، والتي تمثل القوة الحقيقية، ومركز الثقل الفعلي للتنظيم.
ويمكن تحديد أبرز تلك المعاقل في التالي:
1- القاعدة في الساحل الإفريقي:
تعد منطقة الساحل والصحراء، خاصة المنطقة الحدودية بين جنوب الجزائر ومالي وتشاد والنيجر، من أكثر المناطق التي تتعدد فيها المجموعات القاعدية بشكل ملفت للنظر، لا سيما وأن التنظيم في هذه المنطقة يحرص فقط على النشاط التنظيمي في أكبر عدد من المناطق، معتمدًا في ذلك على تعدد مجموعاته، والتي يأتي على رأسها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” التي أعلن عنها في مارس 2017 عقب تحالف كلٍّ من مجموعة “إمارة منطقة الصحراء الكبرى” و”تنظيم المرابطون” و”جماعة أنصار الدين” و”جبهة تحرير ماسينا”. كما توجد بعض المجموعات القاعدية التي تنشط في المنطقة الجبلية والوعرة بين تونس والجزائر، على غرار “تنظيم عقبة بن نافع” الذي توعّد مؤخرًا بمواصلة شن الهجمات ضد تونس، وذلك عقب الهجوم الذي شنه ضد قوات الجيش مما أدى إلى مصرع 6 من عناصر الحرس الوطني في محافظة جندوبة شمال غربي البلاد في 9 يوليو 2018.
وتتسم المجموعات القاعدية في منطقة الساحل والصحراء بقدراتها النوعيه من الناحية التنظيمية والعملياتيه، لا سيما وأن عناصرها يتحركون على شكل مجموعات صغيرة، وهو ما يمنحها خفة الحركة والانتقال، لا سيما وأن مقاتليها على دراية كبيرة بالطرق والدروب الصحراوية، وهو ما سمح لها بشن هجمات نوعية، على غرار الهجوم الذي استهدف مقر القوة العسكرية في وسط مالي في 30 يونيو 2018 مما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل.
2- القاعدة في ليبيا:
برغم أن المجموعات القاعدية في ليبيا تعد جزءًا أصيلًا من تنظيم “القاعدة” في بلاد المغرب الإسلامي؛ إلا أنها تحرص على نفي علاقاتها بالتنظيم، وهو ما دفعها إلى اتخاذ تسميات مختلفة عن التنظيم، على غرار “أنصار الشريعة” الذي أعلن عن حل نفسه في 27 مايو 2017، والذي كان يرتبط بعلاقات تنظيمية وثيقة مع المجموعات القاعدية في الساحل والصحراء، فكثيرًا ما يدخل قادتها وأعضاؤها إلى ليبيا في ضيافة “أنصار الشريعة”، سواء من أجل الاختباء أو الإيواء أو من أجل تقديم الدعم العسكري لها في مواجهات المجموعات المسلحة الأخرى، كما حدث في مواجهات ميناء “رأس لأنوف” في مارس 2017.
ورغم محاولة “أنصار الشريعة” نفي علاقاتها بتنظيم “القاعدة”؛ إلا أن التنظيم أكد وجود علاقات وثيقة مع المجموعات القاعدية في ليبيا، والتي كان من أشهرها بيان تأسيس تحالف القاعدة الجديد “أنصار الإسلام والمسلمين” في مارس 2017، والذي أثنى فيه على “محمد الزهاوي” قائد التنظيم السابق في ليبيا. وبالتالي فإن ليبيا تعد من أهم معاقل تنظيم “القاعدة” في المنطقة، برغم عدم وجود شكل محدد للتنظيم في البلاد، حيث تتسم الحالة القاعدية في ليبيا بالسيولة الشديدة.
3- القاعدة في الصومال:
تعد “حركة شباب المجاهدين” الصومالية واحدة من أقوى فروع تنظيم “القاعدة” وأكثرها شراسة، حيث تتميز بـ”العنف المفرط”، وهو ما كشفت عنه عملياتها المروعة والمتلاحقة، والتي لا تفرق بين مدني وعسكري، والتي يمكن أن تقتل المئات خلال عملية واحدة، وقد تمكنت الحركة من التمدد داخل الأراضي الصومالية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت تنشط فيما يقرب من 18 منطقة، منها تسع مناطق في الجنوب على غرار “غرباهاري” و”مقديشيو” و”ماركا” و”كيسمايو”، وهو ما ساهم في اتساع نطاق هجماتها بشكل ملحوظ، وذلك على غرار الهجوم الذي استهدف إحدى القواعد العسكرية في جنوب البلاد، في 23 يوليو 2018، مما أسفر عن مصرع ما يقرب من 27 جنديًّا، والذي يعد ثاني هجوم خلال شهر واحد بعد الهجوم الذي استهدف القاعدة “الصومالية-الأمريكية” في منطقة “بولوجدود” في التاسع من يونيو الماضي.
وقد سعت الحركة مؤخرًا إلى تبرير هجماتها الدموية من خلال إصدارها الأخير الذي حمل عنوان: “شرق إفريقيا.. بين وعد المجاهدين ووعيد الصليبيين!!”، والذي تم نشره في منتصف يوليو 2018، حيث حاولت فيه التأكيد على تفريقها بين العسكريين والمدنيين خلال هجماتها الإرهابية.
كما يشير التصاعد الكبير في نشاط الحركة خلال السنوات الأخيرة إلى أنها لم تعد تمثل خطرًا على الداخل الصومالي فحسب، وإنما على منطقة القرن الإفريقي بأكمله، ولا سيما في ظل رغبتها في توسيع نفوذها خارج حدود البلاد، كونها ذراع تنظيم “القاعدة” في شرق إفريقيا.
4- القاعدة في اليمن:
يعتبر فرع تنظيم “القاعدة” في اليمن، والذي يطلق على نفسه “القاعدة في جزيرة العرب”، من أخطر فروع التنظيم وقد انتشر التنظيم في العديد من المناطق، على غرار حضرموت والمكلا قبل أن تطردهم منها قوات التحالف العربي بمساندة الجيش اليمني في أبريل 2016، حيث تحول التنظيم بعدها إلى العمل كمجموعات، وهو ما كشف عنه بيانه في مايو 2016، والذي قال فيه، إنه لن يترك القتال رغم أنّه انسحب من حضرموت، بل سيقاتل على طريقته الخاصّة الّتي ترتكز على الاستنزاف وحرب العصابات.
كما ينتشر عناصر التنظيم في بعض المناطق من المراكز الجنوبية من اليمن، على غرار أبين وشبوة ولحج، وهو ما جعله من أكثر فروع التنظيم انتشارًا من الناحية التنظيمية.
5- القاعدة في سوريا:
تعد “هيئة تحرير الشام” المكونة من عدة فصائل متحالفة مع تنظيم “القاعدة” في سوريا، (جبهة النصرة سابقًا)، ممثل تنظيم القاعدة في سوريا، وهو ما جعل “القاعدة في سوريا” من أقوى وأكبر فروع التنظيم في العالم، خاصة أن عناصرها لديهم القدرة على جذب المجموعات المسلحة الصغيرة للانضمام إليها، سواء عن طريق التهديد أو تقديم الحوافز المادية، وهو ما جعل عدد أعضائها يتراوح ما بين 7 و11 ألف شخص من بينهم آلاف المقاتلين الأجانب. وتتخذ “القاعدة” في سوريا من محافظة إدلب بشمال غرب سوريا معقلًا لها، وذلك حسب تقرير الأمم المتحدة في 8 نوفمبر 2017.
وتعد “جبهة النصرة” المصنفة على لائحة المنظمات الإرهابية الدولية، رغم إعلانها في صيف عام 2015 فك ارتباطها عن تنظيم “القاعدة”، وتغيير اسمها إلى “جبهة فتح الشام”؛ المكونَ الرئيسي في “هيئة تحرير الشام” التي أُعلن عنها في مطلع 2017. ومؤخرًا صارت “القاعدة” تعاني من العديد من الأزمات، من أهمها: انفصال عدد من المجموعات المسلحة عنها، على غرار ما حدث من حركتي “نور الدين زنكي” و”أحرار الشام الإسلامية” في 18 فبراير 2018، اللتين أعلنتا انفصالهما واندماجهما في كيان عسكري جديد تحت اسم “جبهة تحرير سوريا”.
أخيرًا، وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن تعدد معاقل تنظيم “القاعدة” في المنطقة يُشير بشكل واضح إلى مدى تصاعد نفوذ التنظيم في المنطقة وانتشاره مقارنة بالتنظيمات الأخرى، ولا سيما أنه يسعى إلى استغلال تراجع تنظيم “داعش”، والتمدد في أكبر عدد ممكن من المناطق، وتجنيد أكبر عدد من العناصر المتطرفة، وتوسيع شبكة علاقاته وتحالفاته، الأمر الذي سيجعل من الصعب القضاء عليه خلال الفترة القادمة، ما لم يكن هناك تكاتف وتعاون دولي وإقليمي متماسك قائم على استراتيجية واضحة ومحددة للمواجهة.
***************************************
المصدر: المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*